في خطابه الشهير بعنوان “الستار الحديدي” في عام 1946، وصف ونستون تشرشل التحالف بين الولايات المتحدة وبريطانيا بأنّه “علاقة خاصة”. وفي منتصف القرن العشرين، ساعدت هذه العلاقة الخاصة على وجود الدولة اليهودية الجديدة في الشرق الأوسط. وفي عام 1962، قال الرئيس الأمريكي جون كينيدي لرئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مئير: “إنّ الولايات المتحدة لديها علاقة خاصة مع إسرائيل في الشرق الأوسط تقارن فقط بعلاقتها مع بريطانيا حول مجموعة واسعة من الأمور“.

كانت هناك علاقة أخوة وثيقة بين الشعب الأمريكي والبريطاني واليهود في القرنين الماضيين بسبب العلاقات التاريخية المتجذرة في الكتاب الأول من العهد القديم، وبسبب يد الله في تأسيس هذه الدول الحديثة ورفعها إلى مستويات غير مسبوقة من القوة العالمية. يرد تفسير هذا السياق التاريخي الحاسم في كتاب هربرت أرمسترونغ بعنوان: “أمريكا وبريطانيا في نبوءات الكتاب المقدس“.

يمكنك أن ترى من عناوين الصحف أن هذه الدول الثلاث هي الآن في خضم سقوط حر مذهل من مواقعها السابقة في الهيمنة على العالم. وهذا لأنّه، تمامًا كما تنبأ الله بصعود قوتنا، تنبأ أيضًا بسقوطنا في وقت واحد. وبالتزامن مع هذا الانخفاض الحاد في السُلطة والنفوذ العالمي، كان تفكك العلاقة التي تربط هؤلاء الإخوة الثلاثة معًا.

كانت هناك توقعات تشير إلى أنّ هذه الأمم الثلاث، التي حافظت على التحالفات القوية بينهم عبر أجيال عديدة، سوف تتخلى عن تحالفها الخاص وتنخرط في صراع محتدم وخلاف مع بعضها البعض. وهذا ما يحدث أمام أعيننا الآن.

أمريكا تلتهم بريطانيا والمستعمرات البريطانية

في شهر يونيو عام 2009، أبرمت الولايات المتحدة صفقة سمحت بموجبها لأربعة معتقلين في غوانتانامو بالاستقرار في المستعمرة البريطانية برمودا. ووفقًا لعدة تقارير، لم يعرف المسؤولون البريطانيون في داوننغ ستريت أي شيء عن هذه الصفقة التي قامت بها واشنطن في أقدم مستعمرة بريطانية.

وقال أحد أعضاء البرلمان البريطاني عن حزب العمّال: “إنّ الولايات المتحدة مصممة على العمل بشكل واضح من أجل ما تعتبره مصلحتها الوطنية حتى إنّها تتجاهل ما ينبغي القيام به، وهو الحديث مع الحكومة البريطانية” (صحيفة ديلي ميل، 15 يونيو). وكتبت الصحيفة اليومية أنّه من خلال الدخول السري للإرهابيين في مستعمرة بريطانية، فإنّ الولايات المتحدة تنهي علاقتها الخاصة مع بريطانيا.وقد تدهورت هذه العلاقة بسرعة منذ بداية عام 2009.

وبعد مرور شهر من توليه منصبه، تخلص الرئيس الأمريكي باراك أوباما من مصطلح “العلاقة” واستخدم مصطلح “الشراكة” عند وصف التعاون بين أمريكا وبريطانيا. تزامن هذا التغيير مع رفض إدارة أوباما عرض بريطانيا لتمديد إعارة تمثال ونستون تشرشل الموجود في المكتب البيضاوي منذ 11 سبتمبر عام 2001.

وفي مارس من عام 2009، كان هناك استقبال فاتر من الرئيس أوباما لرئيس الوزراء البريطاني جوردون براون، والذي كان عبارة عن حديث استمر لمدة 30 دقيقة فقط داخل البيت الأبيض. بعد ذلك، وكهدية أثناء مغادرته، قدّم أوباما مجموعة من أشرطة الفيديو لـ 25 من أفلام هوليوود إلى براون. وكانت هناك ردة فعل بريطانية غاضبة بسبب ما اعتبروه احتقارًا من الرئيس أوباما، ولكن برّر هذا الأمر مسؤول في البيت الابيض وقال إنّ الرئيس الجديد قد “تأثر” بالانهيار الاقتصادي.

تم الكشف عن وجهات النظر الحقيقية لإدارة أوباما من قِبل مسؤول في وزارة الخارجية ساعد في التخطيط لزيارة براون. وقال المصدر المطلع في واشنطن لصحيفة التلغراف اللندنية: “لا يوجد شيء خاص بشأن بريطانيا؛ فهي مثل الــ 190 دولة الأخرى في العالم؛ لذلك، لا يجب أن تتوقعوا معاملة خاصة“.

النزاع بين البلدين في يونيو عام 2009 حول معتقلي غوانتانامو يشهد بالتأكيد على ذلك. اتّهم مسؤولون بريطانيون الولايات المتحدة بالتعامل مع بريطانيا “باحتقار مُقَنّع”. ونقلت صحيفة الإندبندنت عن مسؤول كبير قوله: “إنّ الأمريكان كانوا على علم تام بسياستنا الخارجية بشأن برمودا واختاروا عمدًا تجاهل ذلك. وهذا السلوك غير متوقع من دولة حليفة لنا“.

وعلى الرغم من تبادل الضربات بين الولايات المتحدة وبريطانيا؛ إلّا أنّه لا يزال هناك هدف مشترك بينهما: العداء تجاه إسرائيل.

كسر التحالف

يلخص خطاب الرئيس أوباما في القاهرة في 4 يونيو عام 2009 مدى تخلي واشنطن عن أي علاقة خاصة مع إسرائيل.

في الخطاب، قال الرئيس أوباما إنّ الرابط التاريخي بين الولايات المتحدة وإسرائيل كان يعتمد على التطلعات اليهودية للحصول على وطن “متأصل” في محرقة الهولوكوست. في الواقع، لم تسبق التطلعات اليهودية للدولة عهد أدولف هتلر فقط، بل سبقت الحركة الصهيونية.

في عام 1879، قبل عشر سنوات من ميلاد أدولف هتلر وقبل عقدين من نشر تيودور هرتزل كتاب “الدولة اليهودية”، كتبت صحيفة نيويورك تايمز: “لقد قيل الكثير منذ أجيال عديدة عن استعادة اليهود للقدس لدرجة أنّه أصبح من المقبول الاعتقاد بأنّه من المرجح أن يفعلوا ذلك في النهاية. إنّهم يستحقون القدس“. لقد قيل الكثير، بطبيعة الحال، بسبب جذور اليهود الممتدة منذ آلاف السنين عبر القدس والتلال المحيطة بها في يهودا والسامرة.

أعاد الفلسطينيون كتابة هذا التاريخ، وقالوا بأنّ اليهود ليس لديهم حق قانوني أو تاريخي في وطنهم، وإنّ إسرائيل موجودة فقط بسبب الذنب الذي يخيّم على أوروبا بعد محرقة الهولوكوست. في القاهرة، أضفى رئيس الولايات المتحدة الشرعية على هذه الدعاية العربية.

وفي نفس الخطاب، جرّم “النمو الطبيعي” للمستوطنات الإسرائيلية في يهودا والسامرة، وضواحي القدس، من خلال المطالبة “بوقف إنشاء هذه المستوطنات”.

إلقاء اللوم على فشل عملية السلام بسبب زيادة المستوطنات هو أمر مثير للسخرية. ليس النشاط الاستيطاني هو ما يعيق عملية السلام، لكنّه وجود اليهود. يبقى القادة الفلسطينيون صامدين في تطلعاتهم لإقامة وطن يشمل كل أنحاء “فلسطين” -من ضفاف نهر الأردن إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط-، وطنٌ خالٍ من أي وجود يهودي.

لماذا تجعل الولايات المتحدة الآن مسألة النمو الاستيطاني على قمة جدول أعمال السلام في الشرق الأوسط؟ إنّه مجرد ضغط مكثف على علاقة منكسرة بالفعل بين أمريكا وإسرائيل.

هذا، كما لاحظ العديد من المحللين، هو بالضبط ما تريده الحكومة الأمريكية الجديدة. فمن خلال خلق هذه الأزمة، كما يوضح موقع ستراتفور، فإنّ أوباما هو الفائز بغض النظر عن الرد الإسرائيلي. وذكر الموقع: إذا استسلم نتنياهو، يكون أوباما قد رسّخ مبدأ أنّ الولايات المتحدة يمكنها أن تطلب بعض التنازلات من الحكومة التي يسيطر عليها حزب الليكود في إسرائيل وتحصل عليها. وإذا لم يستسلم نتنياهو، وهو الأمر الأكثر احتمالًا خاصة في ظل الاصطدام المتوقع، يمكن لأوباما الوقيعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، واستغلال هذا الانقسام كمحرك مع تنظيم الدولة الإسلامية.

بعبارة أخرى، قررت الولايات المتحدة التخلي عن أكثر حليف تعتمد عليه في منطقة الشرق الأوسط على أمل تعزيز مكانتها في العالم الإسلامي. وقد اتبعت بريطانيا مسارًا مماثلًا لبعض الوقت، وحتى الآن.

معًا ضد يهوذا

في وقت سابق من هذا العام، وسط احتجاجات أوروبية واسعة النطاق ضد العملية الإسرائيلية في غزة، كانت الكراهية المعادية للسامية والعنف بشعًا للغاية خاصة في لندن، حيث نزل أكثر من 100 ألف من المتظاهرين إلى الشوارع في دعم مفتوح لحركة حماس. الأمر الأكثر دلالة من هذه المظاهرة الجماعية كان حقيقة أنّ السُلطات البريطانية لم تفعل شيئًا للحد من التحريض على الكراهية تجاه اليهود.

في الواقع، شجّعت السياسات الداخلية والخارجية في بريطانيا هذا السلوك المعادي للسامية. في ديسمبر الماضي، على سبيل المثال، قادت بريطانيا حملة ناجحة في الاتحاد الأوروبي لربط أي امتيازات خاصة بإسرائيل بالتقدم الدبلوماسي للدولة اليهودية مع الفلسطينيين.

وفي الشهر نفسه، قبل عدة أسابيع من أداء الرئيس باراك أوباما لليمين الدستورية، كتب جوردون براون رسالة إلى رئيس وزراء السُلطة الفلسطينية للتعبير عن “خيبة أمله” بشأن النشاط الاستيطاني. وقال براون: “تتطلع المملكة المتحدة الآن إلى عمل فعّال يمكن أن نقوم به للحد من التوسع الاستيطاني“.

وفي ديسمبر عام 2009، أصدرت الحكومة البريطانية تحذيرًا للمواطنين البريطانيين بعدم شراء أية أراض في القدس الشرقية والضفة الغربية ومرتفعات الجولان – تصوّر الأراضي في 10 داوننغ ستريت باعتبارها دولة فلسطينية في المستقبل. رأى الإسرائيليون هذا التحذير أنّه بمثابة “التحذير الأخير في سلسلة من الخطوات العدائية تجاه إسرائيل”، صحيفة جيروزاليم بوست (23 ديسمبر 2008).

جاءت آخر تلك الخطوات في يوليو عام 2009، عندما أوقفت لندن -جزئيًا- صادرات الأسلحة إلى القوات البحرية الإسرائيلية. وألغت بريطانيا خمسة من أصل 182 من تراخيص تصدير أسلحتها؛ وبالتالي منع بيع قطع الغيار للطائرات الإسرائيلية.

اتخذت بريطانيا هذا القرار لأنّ هذه الأسلحة استخدمت في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة في يناير من نفس العام – على الرغم من أن أحد كبار القادة في بريطانيا قال إنّ “الجيش الإسرائيلي فعل الكثير من أجل حماية حقوق المدنيين في مناطق القتال أكثر من أي جيش آخر في تاريخ الحروب “. وفي الوقت نفسه، صوّت الساسة في بريطانيا لتقديم 30 مليون دولار لتدريب ودعم قوات الأمن الفلسطينية.

أمريكا ضد بريطانيا – بريطانيا ضد أمريكا- لكن كلا البلدين يتحدان في العداء الصارخ تجاه إسرائيل.

النتيجة النهائية

على الرغم من العلاقات المتفككة التي كانت تربط هؤلاء الإخوة الثلاثة في الماضي؛ إلّا أنّ هناك رابطًا معقدًا بين هذه الدول الثلاث من خلال نبوءة قديمة تشير إلى سقوطهم في وقت واحد. في سفر هوشع 5: 5: “لذلك سوف تسقط إسرائيل [بما في ذلك الولايات المتحدة] وافرايم [بريطانيا] في خطيئتهم. يهوذا الدولة يهودية التي تدعى [إسرائيل] سوف تسقط معهم أيضًا”.

في الواقع، هناك ارتباط وثيق بين هاتين النبوءتين. إنّ إضعاف هذه العلاقات بين الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل التي كانت قوية في السابق، تجعل شعوب هذه الدول أكثر عرضة لخطر الغزو من قِبل القوى العالمية الصاعدة!