الربيع العربي من المنظور الاسرائيلى

كتب المستشار السياسى حسين خلف موسى

 الربيع العربي تسبب في صراعات ستشعل المنطقة”.. هذه الجملة يمكن أن تلخص ما خلصت إليه مداخلات ومناقشات وورش عمل مؤتمر هرتسليا الإسرائيلي الثالث عشر للدراسات السياسية والاستراتيجية، الذي انعقد في الفترة ما بين 11 و14 مارس 2013 في تل أبيب. فقد خلص المؤتمر إلى أن سوريا بعد الأسد ستكون مستنقعا للجماعات المسلحة المتناحرة، أما مصر فحكم الإخوان المسلمين بها سيؤدي لمزيد من الصراع “الهوياتي” والانهيار الاقتصادي، وبخصوص نووي إيران فتوجيه ضربة إسرائيلية له سيؤدي لفتح جبهات حرب مع حماس في غزة وحزب الله في لبنان.وعلى مدار أربعة أيام متواصلة، ناقش مؤتمر هرتسيليا، عددا من الملفات والقضايا، إلا أنها تركزت في ثلاث ملفات أساسية ومهمة، أولها: يتعلق بمآلات الربيع العربي وخاصة حكم الإسلاميين في مصر، وثانيها: حول مستقبل سوريا ما بعد الأسد، أما ثالثها فحول إمكانية توجيه ضربة لنووي إيران.

الإسلاميون والحكم في مصر

أشار يسرائيل ألتمان، وهو باحث مشارك في معهد السياسية والإستراتيجية التابع لمركز” هرتسيليا” متعدد التخصصات، في مداخلة له بالمؤتمر، إلى أن صعود الإسلاميين للحكم في مصر، أدى إلى حدوث ما سماه بـ”الصراع الهوياتي” الذي من شأنه أن يؤثر على الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد. واعتبر التمان أن سياسة الإخوان المسلمين ستؤدي في نهاية المطاف إلى فقدانهم للحكم، وتدهور الأوضاع في مصر، بسبب زيادة كراهية الشعب المصري لهم ولسياستهم، لاسيما وان هناك الكثير من أصوات المعارضة المصرية تدعو لتدخل الجيش.

كما برر ألتمان استنتاجه بأن الدعم الأمريكي للإخوان المسلمين في مصر “آخذ في التراجع”، مشيرا إلى أن واشنطن فضلت في البداية دعم الإخوان المسلمين خشية من التيارات السلفية في مصر، مثل حزب النور، لكن واشنطن باتت قلقة من مظاهر الاشتباكات في مصر، ومن القتل في الشوارع، ومن الانفلات الأمني والوضع الاقتصادي المتردي.

أما بوعاز جانور، مدير المعهد الدولي لسياسات مكافحة الإرهاب، فقد رأى من خلال مشاركته بالمؤتمر، أن صعود الإسلاميين للحكم في مصر أفقد إسرائيل “شبكة امان مهمة”، لاسيما بعد رحيل مبارك الذي كان بمثابة حامي للحدود الإسرائيلية مع سيناء، مضيفا أنه حتى لو كان الإخوان المسلمين في مصر لا يدعمون “الإرهاب” فان فكرهم من شأنه أن يبعث من جديد أشد موجات الإرهاب ضد إسرائيل.

وبالنسبة لـ”افيف كوخافي” رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية “أمان”، فقد أشار في كلمته أمام المؤتمر، إلى أن الإخوان المسلمين يحاولون تحويل مصر إلى “دولة شريعة إسلامية”، مرجعا ذلك إلى الصلاحيات التي تم منحها للأزهر الشريف في الدستور الجديد في الوقت الذي يتم فيه سجن الصحفيين. ورأى كوخافي أن ما يحدث حاليا في الشرق الأوسط يعزز من وجود الإخوان المسلمين، إلا أنه يستدعي ملامح ثورة أخرى، فالمواطنون عادوا إلى حالة الإحباط. وأضاف أن المواطنين في مصر وتونس لا يشعرون بأن الأمور تسير على النحو الأفضل.

من جهته شدد الجنرال احتياط داني ياتوم، رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي الأسبق، وجود قلق إسرائيلي شديد من صعود الإسلاميين لسدة الحكم في بلدان الربيع العربي ولاسيما في مصر، معتبرا أن سقوط مبارك المعتدل، مثّل ضربة قوية لأمن إسرائيل، محذرا من أن هناك خطرا شديدا يتهدد مصير اتفاقية السلام الإسرائيلية مع مصر.

سوريا ما بعد الأسد

أكد المستشرق الإسرائيلي البروفيسور ايال سيزار المختص في الشؤون السورية والتركية رئيس قسم الدراسات الشرق أوسطية بجامعة تل أبيب، خلال حلقة نقاشية بالمؤتمر حملت عنوان “سيناريوهات إقليمية”، أن حكم الأسد سينهار خلال شهور معدودة. وأن ذلك سيخلف صراعا دمويا رهيبا. مُرجعا ذلك إلى أن الثوار سيطروا على منطقة “الحسكة” ما يعني أنه أصبح لديهم قدرة عسكرية وتكتيكية كبيرة.

وشدد سيزار على أنه يستند في تقديراته إلى جملة عوامل مهمة تغير موازين القوى في سوريا، واصفا الوضع بأنه وصل إلى نقطة “اللاعودة”، موضحا أن الدعم الذي يتلقاه الثوار من الولايات المتحدة وأوروبا، والخبرة التي اكتسبوها خلال توسعهم في المناطق السورية، تثبت الفرضية بأن النظام موجود في مأزق خطير، مضيفا أن “إيران وحزب الله تعيدان الحسابات بالنسبة لبقاء الأسد في الحكم، مما يدل على أن النظام على حافة السقوط”.

وخلص سيزار في هذا المضمار أيضا، إلى أن مستقبل سوريا هو عمليا العودة إلى الماضي، أي إلى نقطة استقلال الدولة عام 1946، موضحا أن “قوات سياسية عديدة، مبنية على قطاعات مختلفة في المجتمع السوري، ستتنافس على بناء سوريا وترميمها”.

من جانبه قال افيف كوخافي رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية (امان)، إنه “بعد سقوط نظام الأسد، سوف توجه المنظمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم القاعدة اهتماماتها نحو إسرائيل”، مضيفا أن “غالبية القوات البرية السورية تم تفكيكها بالفعل”. وانضم له في مخاوفه، الجنرال بني جانتس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الذي أكد في كلمته خلال نفس الحلقة النقاشية، على أنه من الضروري أن تكون إسرائيل مستعدة للحرب في سوريا، مشددا على وجود خطر يتهدد إسرائيل من الشمال، واصفا الوضع السوري بغير المستقر ويحمل في طياته تهديدات خطيرة.

مع ذلك، فإن جانتس استبعد اشتعال حرب بين إسرائيل وسوريا في المستقبل المنظور، إلا أنه أشار إلى احتمال اشتعال الوضع في أية لحظة، مشيرا إلى أن أي حادث عرضي قد يؤدي إلى إشعال المنطقة.

كما تطرق جانتس، لموقف حزب الله من الصراع في سوريا وتأثير ذلك على إسرائيل، مؤكدا أن حزب الله مستعد أن يفعل كل ما يستطيع في سبيل مساعدة النظام السوري، والحفاظ عليه من السقوط، على الرغم من أن إيران ومعها حزب الله يدركان أن أيام النظام السوري أصبحت معدودة، ويخططان لمرحلة ما بعد الأسد، وهو ما من شأنه أن يدفعهما لاستفزاز إسرائيل عسكريا.

ضرب إيران

         سجل الملف النووي الإيراني حضورا هاما على ساحة النقاش في المؤتمر، واتفق أغلب المشاركين سواء الإسرائيليين أو الأجانب على ضرورة استخدام القوة لردع إيران عن المضي قدما في مشروع تخصيب اليورانيوم وصناعة القنبلة الذرية.  ومن بين المتحدثين في الملف الإيراني بمؤتمر هرتسيليا كان وزير الخارجية الإيطالي في الحكومة المستقيلة، جوليو تيرسي، الذي قال إن أزمة السلاح النووي الإيراني لن يكون لها تأثير إقليمي فحسب، بل ستؤثر على العالم بأسره، وإذا امتلكت طهران القوة النووية فإن دولا كثيرة ستحذو حذوها، وسيدخل الشرق الأوسط، القريب جغرافيا من أوروبا، سباق التسلح النووي.

        وأكد تيرسي أن إيران نووية، سيغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، وحتى لو تصرفت إيران بعقلانية مع تطويرها للأسلحة النووية فإنها تشكل تهديدا عالميا غير مقبول. وستتصرف طهران، مستقوية بمظلتها النووية الخاصة، بحرية وستلعب دورا رئيسيا في رفع أو خفض حجم التوتر الإقليمي في المنطقة وفق ما يناسب مصالحها.

       كما أكد البروفيسور عوزي أراد، الخبير السياسي والإستراتيجي الإسرائيلي، خلال مداخلة له بالمؤتمر، أن على إسرائيل والولايات المتحدة اللجوء إلى ضربة عسكرية قوية لنووي إيران؛ إذ أن امتلاك طهران لنووي يعني تهديد إسرائيل والولايات المتحدة في الصميم.

      في السياق نفسه شدد رويي ديليون، المستشار العسكري الأميركي على أن واشنطن تقدم كل الدعم العسكري لإسرائيل من أجل حمايتها ومواجهة نووي إيران، مضيفا أن النظام الإيراني يواجه الآن العديد من العقبات التي قد تزعزع استقراره، وعلى رأسها الحرب الأهلية في سوريا.

    في المقابل، حذر الجنرال داني ياتوم أنه مع تصاعد احتمالات توجيه ضربة إسرائيلية لإيران، فانه من المتوقع أن تنهمر الصواريخ من قبل حزب الله اللبناني وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) على إسرائيل عقب شنها الهجوم على الجمهورية الإسلامية.

     وأضاف ياتوم أنه من المتوقع في حال توجيه لضربة لإيران أن تشتعل حرب مع حماس في غزة وحزب الله اللبناني.واستطرد الجنرال ياتوم قائلاً إن الدرس الذي تعلمته إسرائيل من حرب لبنان الثانية عام 2006 عندما أطلق حزب الله مئات الصواريخ على شمال البلاد هو أنه سوف يتعين عليها أن توقف إطلاق الصواريخ من الشمال والجنوب بأسرع ما يمكن، ومن أجل تحقيق هذا الهدف، سوف يتعين على إسرائيل العمل بقوة كبيرة ضد البنية التحتية في لبنان وغزة، وربما يكون الثمن الذي سوف تدفعه لبنان وغزة مروعا، مشيرا إلى أن إسرائيل عرضة لأن تُدمر أو من المرجح أن تُدمر أجزاء من لبنان وغزة حتى لا يعاني أو يقتل مواطني إسرائيل.

           يذكر أن مؤتمر هرتسيليا يعد أحد أهم المؤتمرات الأمنية الإستراتيجية لإسرائيل، ويسعى لمساعدتها في تحديد المخاطر الأمنية التي تحيط بها، وكيفية مواجهتها: محليا وإقليميا ودوليا، وفي جميع المجالات: سياسيا واقتصاديا وأمنيا وعسكريا وإستراتيجيا. ويعقد المؤتمر في المركز متعدد المجالات بمنطقة هرتسيليا، وهي مدينة تم تشييدها على أنقاض قرية فلسطينية دمرها الجيش الإسرائيلي، وأطلق هذا الاسم عليها تيمناً باسم “تيودور هرتزل” مؤسس الحركة الصهيونية.

   ويصف كثير من الإستراتيجيين الإسرائيليين المؤتمر بأنه من أهم المؤتمرات، سواء لطبيعة الشؤون الإستراتيجية التي يناقشها، أو لجهة مشاركة أركان الدولة فيه بدءًا بالرئيس، ورئيس الوزراء، وقائد الجيش، وصناع القرار رفيعي المستوى.

ومن المهم الإشارة إلى أن مؤتمر هرتسليا يأتي في إطار سلسلة مؤتمرات سنوية بدأت قبل أكثر من 10 سنوات، إذ انعقد المؤتمر الأول نهاية العام 2000، تحت عنوان “ميزان المناعة والأمن القومي”، بمبادرة من البروفيسور “عوزي آراد”، ضابط سابق في جهاز الموساد، وشغل منصب المستشار السياسي السابق لرئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو”، مما يدفع كثيراً من المشاركين الدائمين فيه لأن يطلقوا على المؤتمر “العقل الجماعي الإستراتيجي المفكر للدولة”.