Larbi Ferhati

..بعد تغول الديكتاتوريات العربية التي اسست انظمة الحكم على العسكر ..وبعد استقوائها على شعوبها بجيوشها وعمرت لعقود ..وبعد اطمئنانها الى ما يشبه سيطرة “العبودية المختارة ” على عقول الشعوب العربية.طيلة عقود. انفجر في 2011 وبشكل مفاجئ في وجهها ما اصطلحنا عليه ب -الربيع العربي – بشكل اكثر راديكالية من اي حراك سابق من حيث سقف المطالب السياسية والاجتماعية. فبلغت اقصاها في شعار ” ارحل” من حيث هو شعار يقود الى اعادة بناء الدولة القطرية على السياسي والاجتماعي بدل العسكريِ
والتاسيس على شرعية الامة . وانهاء حالة الانحراف وتسلط حكم العسكر الذي قسم المواطنين الى اقلية موالين يعيشون الدرجة الاولى في المواطنة.. وغير مواليين او معارضين- ان لم يصنفوا” خائنين” – في ادنى درجات المواطنة . ولم يتوقف الحراك الشعبي للمطالبة بالبناء السياسي والمواطنة للجميع الى اليوم ولو انه تراجع من حيث الانتشار والفعالية .. فالربيع كما ظهر وان هو نتيجة تراكم ظلم الديكتاتوريات وزيف لعبة” ديموقراطيات الواجهة” ..الا انني اضع “نظرية الفراشة ” من ابرز العوامل المباشرة للحراك الاخير في التاريخ العربي.. وليس مجرد القشة التي افاضت الكآس.. بل اجد له تفسيرا اكثر تساوقا مع نظرية الكاوس او الفوضى .. واللامتوقع.. او بما تحمله المقولة الشعبية من معاني “العود اللي تحقروا يعميك”.. فالعوامل المهمشة والمهملة قد تكون هي اكثر العوامل المتورطة في ترقية الوعي العربي الجماعي ورفع السقف الى المطالبة بالحرية كما عبر البوعزيزي بحرق جسده عندما اهينت كرامته ويئس من كل وسائل التعبير الطبيعية.. الحدث الذي كانت تاثيراته عابرة للبلدة والوطن الى الاقليمية ..وهز كل الديكتاتوريات العربية جميعا ..واسقط رؤوس اعرقها واقدمها في مصر وليبيا واليمن ..فلم تجد الديكتاتوريات امام الحراك الشعبي الجاد الا استحضار ادبيات نظرية المآمرة والايادي الخارجية وتقزيم الحراك في التافه ” برنارد ليفي” والشيطنة حتى تبرر التوحش وتشرعن الاسراف في القتل والتشريد والتهجير.. واستنفار كل القوى التدميرية وبعث (ثقافة انا خير منه ..انا وبعدي الطوفان ) وهي شيطانية من شجرة الزقوم ِِ حيث اخترعت مكائد شيطانية منها ما عرف بالثورات المضادة اللصوصية المتحالفة مع القوى الكبرى الدولية غربها وشرقها.. وعسكرة الربيع العربي السلمي وتفجير حروب عبثية لا غالب فيها ولا مغلوب. عدمية الاخلاق.. لا هدف لها الا اجهاض الثورات العربية واستمرار الديكتاتورية والاستبداد ..سيما انها افرزت في تونس ومصر ما يسمونه “الاسلام السياسي ” من حيث هو -كما يعتقد – العدو الاول للديكتاتوريات والتحالف الغربي الرسمي على حد سواء ..مع ان الاسلام السياسي ولد داخل النظام السعودي بداية قبل تدجينه..فالغرب الليبرالي لا يرتاح الى الديمقراطية في الشرق الاوسط.. ولا الى الحالة الثورية على الطريقة الشيوعية او الثورية الاسلامية في تامين مصالحه بعد ان قرا مؤشرات الربيع في غير صالحه ..فهب الغرب بسلاحه ومؤسساته لانقاذ الديكتاتوريات التي استنبتها في صيغة الدولة القطرية او التحديثية او القومية ..فلم يسمح بسقوط نظام بشار مهما كانت ديكتاتوريته وهمجيته وتوحشه . ولذلك كان اسقاط السلمية عن طبيعة الربيع باعتبارها اي السلمية اقوى فعالية من العنف والرصاص.. هو افضل المخارج لانقاذ الديكتاتورية في سوريا على الخصوص. حيث تقود العسكرة الى خلق وضعيات غير متكافئة في الصراع المسلح. وتسمح بخلق دواعش متصارعة وتسويق فكرة مكافحة الارهاب عالميا ..ومن ثمة سهولة القضاء عليها بالقوة وصناعة النصر على المسلحين. كما حدث في الجزائر من قبلِ.. فالعسكرة بفعل القمع الوحشي كانت كما لو انها قضاء وقدر وامرا مقضيا لا يمكن تفاديه او تجاوزه ..كما ان لعبة تفكيك الثورة الى مجموعة جماعات الاسلام السياسي (اخوان..سلفية ..جهاد ..) متصارعة غيبت مفهوم الاسلام كما هو نظام يؤسس لنموذج الدولة الخادمة للامة.. واستطاعت الثورة المضادة في سوريا بهذه اللصوصية الخبيثه وسحب الثورة من طابعها السلمي الشعبي دحرجة مطالب الشعوب في الحرية الى مكافحة داعش والارهاب ووضعت الوطن السوري ساحة لحرب التحالفات الدولية يدير المشهد فيها روسيا وامريكا ومن خلفهم ايران وبمراقبة اسرائيل للوضع .. وتتبجح بشرعية وجودها العسكري بحجة طلب النصرة من النظام السوري.ِ وهي تعلم انه غير شرعي ..ولولا لا شرعيته لما كانت الثورة.. وازاحت الشعب من المشهد تماما وحيدته. وصور المشهد وكانه حرب بين الانظمة والمرتزقة وفدوا عبر تركيا من كل انحاء العالم كما تقول.تقاريرهم..والعجيب ان روسيا المحتلة تناشد تركيا لارجاع الشعب الذي كانت قد هجرته بالقنبلة والتدمير … واستطاعت الثورة المضادة ان تبعث الحرب العبثية في ليبيا واليمن من جديد وتسليمهما للتلاعب الدولي .. واستطاعت ان تعيد انتاج النظام البائد في تونس ..واستطاعت ان تنقلب على الشرعية في مصر وتعيد انتاج النظام العسكري ..والمشهد العربي اليوم فاضح في وضوحه في انه مشهد للتحالف العالمي ( الديكتاتوري /الديمقراطي) (مقاوميه وممانعيه /.ووسطييه واعتدالييه ) يجمعهم هدف واحد هو “اجهاض كل ثورة تفرز الاسلام السياسي ) . ولم تكن دول الخليج وعلى راسها الامارات والسعودية الخصمان اللذودان للثورات العربية الا في لعب ادوار التمثيل والقابلية للاستعمال في كل الاتجاهات. حين ادعت انها مع الثورة السورية زورا. حيث وباسم مساندة المعارضة المسلحة وتمويلها لعبت دور تاجيج الفتن بين الجماعات المسلحة تلك.. والضحك على الجماعات المسلحة السنية بانهما موجودة في سوريا لمحاربة ايران الشيعية وذراعها حزب الله.. وتخفي دعمها وتدعيمها لحكم بشار.. وتصرح في العلن انها تطالب بتنحية بشار من على راس النظام لاسباب اخرى لا تتعلق بالربيع العربي.. وذهب النظام السعودي الى مدى ابعد في محاولاته لتشكيل الراي العام العربي ضد ايران تحت قيادة امريكا بتشكيل نيتو عربي لمواجهة ايران ولو بالتحالف مع اسرائيل من حيث ان اسرائيل اصبحت حليفا ولم تعد عدوا .. ويجمعهما صفقة القرن ومشروع تصفية القضية الفلسطينيه يبدا بحصار حماس المصنفة ارهابية … واليوم تخلع الامارات ما كانت تتغطى به عوراتها بشكل فاضح. وما الدعوة الى تاهيل النظام الديكتاتوري تحت ادارة الاحتلال الروسي في سوريا دوليا وعربيا وفرض بشار واعادة تسويقه باستعلاء وكبرياء المنتصر. وما الهرولة السريعة الى الاستجابة العربية الى تطبيع العلاقات مع النظام السوري وتقديم الاعتذارات لبشار المجرم بعد ان كانت تطارده كل الدول العربيةوتحاول القبض عليه كمجرم في مسرحية هزيلة.. وعادت اليوم تناشده للاندماج في النظام العربي الا انكشاف لتلك الادوار والمسرحيات .. فهذا المشهد يكشف مرة اخرى ان الحرب الكونية كانت على الربيع العربي وليس على الانظمة الديكتاتورية كما تحاول نخب الثورات المضادة تسويقه في حالةسوريا .. وانكشفت كل المسرحيات وافتعال الصراع بين الديكتاتوريات (عرب اعتداليين .. وعرب ممانعين ) وليس افضح من هذا المشهد الفاضح في تناقضه المتجلى في هرولة رئيس السودان والامارات لاعلان الولاء لنظام مازال تحت سيطرة ايران والاحتلال المتعدد ..وقد لقيت الهرولة ترحيبا من ايران بشكل خاص.. وسيهرول كل العرب تحت عنوان.(. السياسة فن الممكن والواقعية السياسية..وواجب اعادة تاهيل سوريا لدورها العربي وانقاذ سوريا من مخالب ايران..الخ) لاعلان الولاء وبعث النظام الديكتاتوري بقيادة بشار وسيادة روسيا وترحيب ايران . بما في ذلك النظام السعودي بحثا عن الخلاص في ما لطخ به من دماء الابرياء في اليمن والجريمة الهمجية المروعة بقتل خاشقجي التي مازالت بعض فصولها في السر ولا تخرج عن سياق بطش الثورات المضادة لكل منحاز للربيع . فلا يوجد اذن تناقض ولا عداوات بين الديكتاتوريات حين يتعلق الامر باجهاض الثورات العربية بقدر ما يوجد مسرحيات غير اخلاقية…وسيظهر الكل بعد هذا التدمير الذي مارسوه في سوريا وفي كل الوطن العربي الثائر. في الدور الانساني والكل يبحث عن التعمير والبناءواحترام حقوق الانسان ومساعدة الشعب السوري على تجاوز ازمته بمزيد من اخضاعه لارادة الديكتاتور بشار ..ِ والمشهد نفسه في اليمن..
واذ ان الدور اليوم في اوساط الثورة اللصوصية للفرح بالانتصار على الشعوب تحت غطاء الانتصار على داعش والجماعات الارهابية كما تسوق ..والدور للفرح باعادة انتاج الديكتاتوريات كما يبدو لها ومحاولة كل طرف احتكار هذا النصر المبين كما يبدو لهم ..واذ ان القوى الكبرى هي المعنية الاكثر بهذا الانتصار لما فيه من تامين مصالحها واستمرار حضورها واغتصاب سيادة الشعوب على اوطانها .. وان امريكا هي الاخرى انتصرت بنفس انتصار الروس ولم تخسر ولم تندحر من سوريا كما تريد ايران تسويقه حيث انتصرت كما انتصرت هي في اجهاض الثورات العربية وتكريس حكم بشار وربما تلعب العابا اخرى قذرة اكثر من العاب الروس وايران في فمبركة مؤامرة على تركيا بمدخل الشمال السوري المؤجج بالسلاح. واذ ان الكل فرح بنصر الكل المضاد للشعوب بما في ذلك اسرائيل.. واذ ان الاعلان عن النصر على داعش ليس الا لافتة مضلله.. لان داعش هي صناعة يشكلونها متى شاؤوا ويعلنون دحرها ونهايتها حين يشاؤون ..ويبعثونها حين يشاؤون . فالظاهرة الداعشية ليست نتيجة نص.. بقدر ما هي من افرازات التعذيب والسجون والقمع ونقص الحريات والظلم واللاعدل والاستبعاد والتفقير …الخ ِ الا انه مع كل ما ذكر لصالح الثورة المضادة نحن مع مطلع سنة 2019 وتفصلنا سبع سنوات عن اندلاع الربيع العربي. امام ثلاث مظاهر للمشهد العربي السياسي يمكن من خلالها استشراف المستقبل. مظهر تحالف الديكتاتوريبن العرب وقوى الاستكبار العالمي اكثر من اي وقت مضى ضد التغيير نحو نماذج حكم الامة واسقاط نماذج الحكم بالسلطات لسائد في الدول التحديثية المختارة لما بعد الكولونيالية . وامام ظاهرة تقارب الشعوب وارتفاع منسوب وعيها الحضاري ..ومع ظاهرة تنابز النخب بالالقاب في ما يشبه نخب الوشاية الاسترضائية.. سواء تلك المشاركة في ادارة النظام او ترصد الاوضاع من خارجه . وقد تخلفت عن مواكبة الاحداث وعحزت عن التنبؤ واستشراف المستقبل . فهذه المظاهر تجعلنا نتآكد ان المستقبل مازال لصالح الربيع مادامت اسبابه مازالت متجذرة في التاريخ . فرغم ما يظهر من القوة التي عليها الديكتاتوريات ورغم قساوة بطشها الا انها تعيش تفكيكا بنيويا لم تعهده.. فما تعانيه ابرز انظمة الثورة المضادة ( الامارات ومصر والسعودية واليمن. والسودان )من ازمات سيضعفها امام استمرار ارادة الشعوب المستمرة باطلاق شعارها “ارحل” ..ولم ولن تتراجع رغم ما قدمته من تضحيات واصاب الشعوب من مكروهات .. ولا اعتقد ان تسكين الازمة باصلاحات مفبركة والانفتاح على الترفيه والرقص كما في السعودية ولا توزيع الريع وشراء السلم.. ولا الاستمرار في تعزيز نموذج يمقراطية الواجهة.. ولا صناعة دواعش جديده والعسكرة ..ولا تصدير المشكلات والتدخلات العسكرية لانقاذ الديكتاتوربات.. ولا التقسيم العمودي والافقي للشعوب وتكريس المجتمع الصراعي.. ولا تسويق نظرية الحاكم المتغلب وفقه الخلاص الفردي .ِ ولا تهديدات العسكر… ولا كل ذلك كله سيعيد الوضع الديكتاتوري الى ما قبل الربيع العربي.. ولا يمكن ان تصمد هذه الديكتاتوريات بوحشتها امام تجدد شعار ارحل .. فالربيع حالة مستمرة في موجات ولن تتوقف حتى تحقق مشروع الدولة كمؤسسة من مؤسسات المجتمع وليست فوق المجتمع بقدر ما هي من افراز الامة تخضع لشروطها وتستمد منها شرعيتها وتحقق فكرة ” امة من دون الناس” تحكمها السياسة لا العسكر … فها هو الربيع ينطلق هنا وهناك في اليمن وفي سوريا والسودان بشعار “ارحل” الذي سيسقط عاجلا ام اجلا لعبة العسكرة وهذا هو معنى السلمية اقوى من الرصاص …مجرد راي العربي

 

Print Friendly, PDF & Email