– لعل البعض منكم يتذكر إساءة الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان للجزائر، عقب وصوله إلى المطار سنة 1975م، لكن شتيمته كانت على قدر من الدبلوماسية(فرنسا التاريخية تحيّي الجزائر المستقلة)، لذلك لم يتفطن لها إلا المفكر مولود قاسم الذي التفت إلى الرئيس هواري بومدين قائلا له: إنه يشتمنا! وقد جعلته هذه الحادثة الجارحة لنخوته الوطنية، يؤلف كتابا ردّ فيه للرئيس الفرنسي الصاع صاعين(شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل سنة 1830). أما الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون فقد دفعته الحماقة إلى شتم الجزائر بطريقة فجّة، تنم عن ضيق عقله، خرق فيها الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها. وسار موقفه هذا في اتجاه معاكس لتصريحه الأول المتزن الذي جاء في إطار الحملة الانتخابية سنة 2017م، كان قد اعتبر فيه الاستعمار الفرنسي جريمة ضد الإنسانية. وهاهو في تصريحه الأخير يمجد الاستعمار ويقزم الجزائر، ذاكرا أنها نتاج الاستعمار الفرنسي وليس إلا، وكانت – في رأيه- عَدَمًا قبل ذلك ومجرد مستعمرة في يد الأتراك!؟

– فما السّر في فقدان الرئيس ماكرون لعقله فتبنى خطاب الانفعال جعله يغير موقفه إزاء الجزائر بـ 180 درجة؟ لا شك أن السبب سياسي بامتياز، فإذا كان تصريحه الأول قد غازل به الجزائريين الذين يحملون الجنسية الفرنسية في حملته الانتخابية السابقة، فإن تصريحه الأخير موجه للوعاء الانتخابي الخاص باليمين الفرنسي المتطرف الصاعد، لكسب أصواتهم في الانتخابات الرئاسية القادمة، وهو ما يعني أنه يسير على نهج المقولة “الغاية تبرر الوسيلة” الواردة في كتاب “الأمير” للكاتب الإيطالي ماكيافيلي،والتي يؤمن بها السياسيون المنافقون المخادعون الذين لا يقيمون وزنا للأخلاق.

– هذا ومن جهة أخرى فإنني أتعجب من بعض المسؤولين الجزائريين الذين أطروا على شخصية الرئيس الفرنسي ماكرون فوصفوه بالصديق، وقد غاب عنهم أن الصداقة غير موجودة بين الدول، بل هناك مصالح متبادلة كما قال السياسي الإنجليزي المحنك ونستون تشرشل، تقتضي تغيير المواقف بين الفينة والأخرى دون حساب للمعيار الأخلاقي.

– لقد قصف الرئيس الفرنسي ماكرون الجزائر بخطاب الكراهية – للأسباب المذكورة آنفا- عن طريق ليّ عنق التاريخ والاغتراف من كتابات المؤرخين الفرنسيين الحاقدين على الجزائر المستقلة، أمثال بيرنار لوڤان الذي ينكر عراقة الدولة الجزائرية، ويعتبر الوجود العثماني في الجزائر استعمارا، ومن ثم جاز لفرنسا – حسب هذا المنطق الحاقد على الجزائر- أن تحتلها باعتبار الاستعمار الفرنسي هو استرداد لمجد الرومان في الجزائر! هذا ولا يختلف اثنان عاقلان أن هذا الخطاب العدائي للرئيس الفرنسي تجاه الجزائر قد أساء بالدرجة الأولى للمؤرخ بنيامين ستورا الذي سبق له أن قدم له “تقريرا تاريخيا” عن الذاكرة المشتركة بين الجزائر وفرنسا، بنية التهدئة وإزالة التشنج القائم بين البلدين.

– استعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ملف الحركى (وهم جزائريون خانوا وطنهم إبان ثورة نوفمبر 1954 المجيدة) كخلفية لشتم الجزائر، علما أن قضية هؤلاء الخونة، هي قضية فرنسية بامتياز لا شأن لنا بها نحن الجزائريين. أتساءل إن كان الرئيس الفرنسي ماكرون في قواه العقلية حينما راح يهرف بالبهتان، ويقوم بليّ عنق التاريخ من أجل التشكيك في عراقة الدولة الجزائرية، ومن أجل اختزال الخلافة العثمانية في كونها استعمارا، ومن أجل تمجيد الاستعمار الفرنسي الذي سبق له أن أدانه أثناء حملته الانتخابية السابقة؟ فما معنى خبط عشواء هذه؟ أليس الرئيس ماكرون شخصا مشهودا له بالذكاء وبالإلمام بالملفات الكبرى كما يقولون؟

– مهما يكن من أمر، ففي الإعادة إفادة كما قيل، لذلك أقترح على الرئيس الفرنسي قراءة ما كتبه المؤرخون الفرنسيون(وشهد شاهد من أهلها) حول عراقة الدولة الجزائرية، وحول التلاحم الذي كان قائما بين الجزائر وبين العثمانيين (وليس مع الأتراك كما يزعم)، وحول الاستعمار الفرنسي المقرون بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. أدعوه إلى قراءة ما كتبه المؤرخ الفرنسي جيلبير مينيير Gilbert Meynier الذي أشار في كتابه: L’Algérie des Origines de la préhistoire à l’avènement de l’Islam إلى قِدَم الإنسان في أرض الجزائر بعمق يزيد عن مليوني سنة. كما أقترح عليه تصفح كتاب: البربر، ذاكرة وهوية Les Berbères, Mémoire et Identité، للمؤرخ الفرنسي Gabriel Camps الذي ذكر فيه أن الدولة الجزائرية كانت قائمة على الأقل منذ القرن الثاني قبل الميلاد، على يد الملك ماسينيسا موحّد أرض نوميديا.أدعوه إلى التمعن في كتاب: Histoire de L’Afrique du nord des origines à 1830 للمؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ شمال إفريقية Charles André julien الذي أكد فيه استمرار الدولة الجزائرية في الوجود من خلال ممالك الرستميين والحماديين والزيانيين في القرون الوسطى.

– أما توصيف الرئيس الفرنسي ماكرون للمرحلة العثمانية في الجزائر بكونها احتلالا، فهو مجرد “ثرثرة على نهر سين”، لأن علاقة الجزائر كانت مع الدولة العثمانية وريثة الخلافة الإسلامية. وكان الوطن في عهد الخلافة الإسلامية بعهودها المختلفة(عهد الخلفاء الراشدين/ عهد الدولة الأموية/ عهد الدولة العباسية/ عهد الدولة العثمانية) يمتد حيث تمتد العقيدة الإسلامية، وهي عابرة للأعراق والأجناس، وكان الحكم مباحا للجميع دون تمييز عرقيّ بين المسلمين. أما عن علاقة الجزائر بالدولة العثمانية، فيجب التذكير أن عجز الجزائريين عن تحرير المدن الساحلية الواقعة في قبضة الإسبان (المرسى الكبير1505/ وهران1509/ بجاية1510) قد دفعهم إلى الاستعانة بالأخوينعروج وخير الدين العثمانِيَيْن، المرابطين آنذاك في السواحل التونسية في إطار الجهاد البحري ضد العالم المسيحي، خاصة بعد طرد المسلمين من الأندلس. وقد أشار المؤرخ المغربي ابن عسكر في كتابه “دوحة الناشر” إلى هذا السياق التاريخي الخاص بحلول العثمانيين بالجزائر بطلب من الجزائريين،دفاعا عن أرض الإسلام.

– هذا وتجدر الإشارة إلى أنه من الخطأ إسقاط “الفكر القومي” على العهد العثماني في الجزائر، لأنه ببساطة لم يظهر في تلك الفترة التي انقسم فيها العالم إلى قطبين على أساس العقيدة الدينية؛ العالم الإسلامي من جهة والعالم المسيحي من جهة أخرى وبينهما حروب عُرِفت باسم الحروب الصليبية، لذلك فإن كل حديث يصف العهد العثماني عندنا في الجزائر بالاستعمار، هو حديث خارج عن سياقه التاريخي الصحيح. ومهما كانت نقائص العهد العثماني في الجزائر(وهي كثيرة)، فإن الجزائر الحديثة بمساحتها الواسعة قد تم تأسيسها خلال هذه الفترة بعد أن تمكن العثمانيون من صد هجمات الإسبان الشرسة على أرض الجزائر. أما دولة المغرب الشقيق التي لم يصلها الوجود العثماني، فما زالت المدينتان سبتة ومليلة في قبضة الإسبان إلى يومنا هذا.

– لم تكن الجزائر في العهد العثماني مجرد ولاية تابعة للدولة العثمانية، بل كانت تتمتع بالاستقلالية، ولعل ما يؤكد ذلك الاتفاقيات الكثيرة التي عقدها بايات ودايات الجزائر مع الدول الأوروبية بكل استقلالية، وكانت علاقتها(أي الجزائر)بالباب العالي علاقة رمزية بالدرجة الأولى تعبر عن “الانتماء الحضاري”. وفي هذا السياق تحدث الدكتور جمال ڤنان والمفكر مولود قاسم ناث بلقاسم رحمهما الله، عن الشخصية الجزائرية المستقلة وعن هيبتها الدولية التي كان الأوروبيون وأمريكا يخطبون ودّها في العهد العثماني. أما شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله رحمه الله، فرغم نقده اللاذع لسياسة الحكام العثمانيين في الجزائر، فإنه لم يصفهم بالمستعمرين، لأنه كان يدرك بحصافة رأيه أن ذلك الزمن كان زمن الدولة الإسلامية الكبرى، التي انضوت تحت لوائها أجناس وأعراق كثيرة. هذا وقد أكد المؤرخون الفرنسيون تعاطف الجزائريين مع الحكام العثمانيين بحكم “وحدة العقيدة”، حينما تعرضت الجزائر للغزو الفرنسي في جوان 1830م، منهم بنيامين ستورا Benjamin Stora في كتابه الموسوم:”Algérie, histoire contemporaine, 1830 – 1962″والكاتب الفرنسي أدولف هانوتو A.Hanoteau في كتابه الموسوم: Poésies populaire de la Kabylie du Djurdjura الصادر سنة 1867م، وكذلك الكاتب الفرنسي جوزيف نيل روبان Joseph Nil Robin، الذي ذكر في كتابه الموسوم: Notes historiques sur la Grande Kabylie (1830-1838) أن المعمرات (الزوايا) التعليمية في منطقة القبائل قد أسعفت الداي حسين في معركة اسطاوالي سنة 1830 بحوالي خمسة وعشرين ألف مجاهد، من أجل صد العدوان الفرنسي.

– أما زعم الرئيس ماكرون بأن الجزائر قد خرجت من رحم الاستعمار الفرنسي، فهو قول مردود عليه بأقلام مؤرخين فرنسيين أكفاء كما سبقت الإشارة، أفاضوا في الحديث عن عراقة الدولة الجزائرية، وأكدوا اقتران الاستعمار الفرنسي في الجزائر بجرائم القتل والتجهيل والتفقير،منهم المؤرخ شارل روبير أجيرون Ch.Robert Ageron في كتابه القيّم الموسوم:Histoire de l’Algérie contemporaine وفي غيره من كتبه. ومن الكتب الموضوعية التي تعدّ حجة دامغة لإدانة جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، كتاب المؤرخ أوليفيي لوكور ڤران ميزون Olivier Le Cour Grandmaison الموسوم: “الاستعمار إبادة Coloniser Exterminer”، فحتى ولو لم يكتب المؤرخون الفرنسيون إلا هذا الكتاب، لكان كافيا لإدانة الاحتلال الفرنسي للجزائر، وكافيا لسن قانون تجريم الاستعمار الفرنسي.

– أقول للرئيس الفرنسي ماكرون الذي يلومنا على تحفظنا من سياسات فرنسا؛ فمن أين لنا بحبّ فرنسا وقد نفّذت سياسة الإبادة ضد أجدادنا في القرن 19م، عن طريق سياسة الأرض المحروقة وعن طريق إنشاء المحارق لحرق البشر والأنعام، قبل ظهورها في أوروبا على يد أدولف هتلر النازي؟ من أين لنا بعشق فرنسا وقد طبّق الاستعمار الفرنسي في وطننا سياسة النهب والتفقير والتجويع والتجهيل والتقتيل والنفي والتنصير؟ من أين لنا بمهادنة فرنسا، وجرائم التجارب النووية والقنابل المضادة للأشخاص المزروعة على حدودنا، ما زالت إشعاعاتها النووية تحصد أرواحا وتشوّه الأجنّة في بطون الأمهات إلى يومنا هذا؟ هل نسي الرئيس الفرنسي أن نسيان الماضي هو فقدان للحاضر والمستقبل؟.. نعم نحن مستعدّون للمصالحة بين الشعبين الجزائري والفرنسي، لكن ليس على حساب ذاكرتنا وليس على حساب مصالح شعبنا، فلماذا يعتذر الفرنسيون لليهود الذين مسّهم السوء لأشهر معدودة أثناء حكم فيشي خلال الحرب العالمية الثانية، ولا يعتذرون لنا نحن الجزائريين الذين اكتوينا بنار الإبادة والاستعباد طيلة قرن ونصف القرن من الاحتلال الفرنسي؟

– هذا غيض من فيض مما يمكن أن نفند به “تهويمات” الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأكاذيبه الصارخة، التي تبناها في إطار شروعه في حملة انتخابية مسبقة للرئاسيات الفرنسية القادمة، ولم يتورع فيها عن التضحية بالحقائق العلمية الخاصة بتاريخ الجزائر العريق. وأرى أنه من الواجب سنّ قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر(وقد سعيت لذلك سنة 2001م حينما كنت نائبا في البرلمان، لكن دون جدوى)، وأنا واثق أنه سيكون ضربة موجعة للفرنسيين الحاقدين على الجزائر المستقلة، أمثال الرئيس ماكرون الذي مات ضميره، فراح يصطاد أصوات اليمين المتطرف على حساب الأخلاق السياسية وعلى حساب الجزائر التي ستبقى غصّة في حلقه ما دام على قيد الحياة.

– لكن ما يحز في النفس هو أن تواطؤ بعض النافذين في دواليب الدولة الجزائرية منذ عقود طويلة، سهّل مهمة نفاذ سطوة فرنسا إلى مجالات سيادية عندنا. وعلى أي حال فقد آن الأوان لينتبه أهل الحل والعقد إلى أن مصالح الجزائر تقتضي بناء منظومة سياسية جديدة تستجيب لتطلعات الحراك الوطني، من شأنها أن تجري إصلاحات عميقة في مجالات عدة كالتربية والثقافة والتجارة، وتقتضي تنويع العلاقات مع العالم الخارجي بطريقة عقلانية مدروسة، لنتحرر من الهيمنة الفرنسية الاقتصادية والثقافية واللغوية، على غرار ما تفعله بعض البلدان الإفريقية الشجاعة رغم وطأة الفقر الجاثمة عليها.