بمناسبة ما يجري في السعودية
هذا ما كتبته قبل عامين واربعة شهور
***************************
الزلزال السعودي إلى أين؟ ١٢ نوفمبر ٢٠١٧
وليد عبد الحي

ثلاثة ركائز تجذرت في بنية النظام السياسي والاجتماعي السعودي منذ نشوء الدولة السعودية ،الركيزة الأولى هي المنظومة المعرفية للمجتمع السعودي والتي تمثلت في المذهب ” الوهابي” المغالي في محافظته، والركيزة الثانية هي العصبية بالمفهوم الخلدوني ممثلة في ” آل سعود” ، بينما تمثلت الركيزة الثالثة في ” الدخل الريعي” المستند بالبترول.
ويبدو أن الركائز الثلاث تواجه اعصارا يهز جذورها في العمق، فاتجاه ” الانفتاح” الذي يتبناه سمو ولي العهد محمد بن سلمان يقوم على “خلخلة” قواعد الركيزة الوهابية بضرب حراسها بدءا من هيئة الأمر بالمعروف مرورا بتغيير التأريخ من الهجري للميلادي ثم اعتقال رموز المنظومة المعرفية الوهابية او تفرعاتها، ناهيك عن تصنيف حليف تاريخي كالاخوان المسلمين في قائمة الحركات الارهابية مرورا بقوانين قيادة المرأة للسيارات وشق الطريق أمام المرأة السعودية نحو مشاركة أوسع في قطاع العمل ، وصولا إلى مشروع ” نيوم” الذي سيتجاوز قيود المنظومة المعرفية التاريخية…ذلك يعني ان المنظومة المعرفية للمجتمع السعودي تتعرض لهزة كبيرة تصيب ” معلوماتها”(كما يتضح في إعادة النظر في الأحاديث النبوية واعادة تعريف الاسلام بين معتدل ومتطرف) وفي منهجية التفكير (كما يتضح في لجم فقهاء الوهابية او فروعها عن الاستمرار في تأويلاتهم التقليدية ) ثم في منظومة القيم السائدة والتي يعاد النظر في بنيتها كما هو واضح في الموقف من ” المرأة” والتي تعد ” سنام” تلك المنظومة القيمية.
الركيزة الثانية وهي العصبية بمواصفاتها الخلدونية والتي تتعرض هي الأخرى لريح عاتية، فإثارة موضوع الفساد من ناحية وجعل معظمه في دائرة ” الأمراء” كما تشير حملات الاعتقال والمساءلة يعني ان ” عذرية” الأسرة وتقاليد الانسجام الداخلي في بنية الأسرة أصبحت موضع نقاش واسع ، فالاعتقالات بتهم الفساد لم تعد اشاعات ترددها قوى أو اعلاميون معادون للدولة السعودية بل تأتي الرياح من قلب العصبية ذاتها. ورغم ان هذه العصبية تعرضت سابقا لهزات ( ألأزمة بين سعود- فيصل، أو مقتل الملك فيصل من قبل أحد أفراد العائلة)، إلا ان تلك الهزات كانت ذات طابع فردي محدود في دائرته ، ناهيك عن أنه كان أقرب للمنافسة الفردية لا في إطار وضع العصبية في موضع المساءلة الاخلاقية وبشكل لا فردي بل شبه جماعي، وهو ما جعل العصبية تفقد عذريتها الملثمة بالطهر الوهابي ويزعزع الانسجام الداخلي باعتقال رموز كبيرة من رموز العائلة.
الركيزة الثالثة وهي الريعية أو ” الغنيمة” كما سماها أحد الباحثين، وهذه الركيزة تواجه تقلصا في مردودها بفعل عوامل خارجية وعالمية ، كما أن مستوى النفقات الحكومية ( الدفاعية بخاصة ) وارتفاع النزعة الاستهلاكية في المجتمع السعودي وفقدان الاقتصاد السعودي للطبقة المهنية من ذوي الياقات الزرقاء واعتماده بشكل كبير على عمال أجانب تصل قيمة تحويلاتهم قرابة ثمانين مليار دولار.وهذه كلها عوامل تهز الركيزة الثالثة.
ذلك يعني ان “أوتاد” الخيمة تصاب بخلخلة قد تنتهي للاقتلاع ، أو أن يتمكن “قبطان” سفينة التغيير من جعل الرياح تجري بما تشتهي سفنه ، لكن ملامح “الأوتاد الثلاثة” البديلة ” للأوتاد التاريخية” لا تبدو واضحة أو مدركة بما فيه الكفاية، وهذه هي العقدة الكبرى ومكمن الخطر في هذا المشروع البديل.
إن البحر الذي تبحر فيه سفن “القبطان” ليس دائما طوع شراعه، فالاحتقان الأقليمي والتنافس الدولي في المنطقة لا يجعل الإبحار يسيرا، لا سيما ان بوادر الإبحار لا تشير بوصلتها لجهة الطمأنينة، فالحرب في اليمن والنفوذ الايراني المتزايد لا تومىء إلى أن مجلس التعاون الخليجي ما زال عصا ” يُهَشَ” بها على أحد .
وتضيف أزمة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري قتامة على الصورة، فالرجل معروف بعلاقته الحميمة بالعائلة الحاكمة ، وهو احد ابرز حلفائها، لكن ما جرى معه خلال الأيام الأخيرة ( سواء اعتقال او حجز او اقامة جبرية أو حتى عرقلة للسفر) سيجعل الحلفاء الآخرين للسعودية يتوجسون من طبيعة التحالفات هذه، لان الواقع يؤكد أن ” من مأمنه يؤتى الحذر”.
ذلك يعني أن الاحتقان الداخلي بسبب خلخلة الركائز الثلاث، يتكاتف معه الشعور الدفين بخلخلة الدور الاقليمي للدولة السعودية ، في ظل ما يبدو نجاحا لخصومها ، وهو ما يجعل مشروع التغيير أقرب للتكيف مع أزمة هيكلية أكثر منه “رؤيا” تحديثية .
إن الغرائزية في السياسة هي من أخطر الجوانب، وهو ما يجعلني أكرر الدعوة لعدم صب الزيت على النار، لكني أرى أن ” قريش ليست أعرف الناس بشعابها” ومن هنا ستتسلل الفوضى وستظهر الشقوق، وأملي ان أكون ” مخطئا”..ربما.