أولاً: القدرات العسكرية

تلقى القدرات العسكرية داخل المؤسسة الحاكمة الباكستانية اهتماماً خاصاً لا يرتبط بالضرورة بالتطور في المجالات الأخرى لاعتماد الحكام عليها في إحكام السيطرة وتحقيق النفوذ والأهداف، باعتبارها المؤسسة الأكثر تنظيما وفاعلية، وسوف تلقى الضوء على القدرات التقليدية وفوق التقليدية.

إن الدور الفاعل الذي تلعبه المؤسسة العسكرية الباكستانية في الحياة السياسية منذ الاستقلال، سواء في اتجاه حسم الموقف لصالح الصفوة العسكرية أو في استئناف الحياة البرلمانية، جعلت للقيادات العسكرية دوراً فاعلاً في استئناف وتعزيز القدرات التسليحية للجيش معتمدة في العموم على الغرب مصدراً رئيسياً للتسلح، بفعل طبيعة العلاقات المتطورة منذ السنوات الأولى اللاحقة لتأسيس باكستان.

بيد أن سياسة التسليح التقليدية كانت تتعرض بين الحين والآخر لإجراءات الخطر لاعتبارات سياسية، كما حدث خلال الحرب الهندية-الباكستانية عام 1965.

وبعد انفصال بنجلاديش عام 1971 بدأ “ذو الفقار علي بوتو” برنامجاً لإعادة بناء القدرات العسكرية لبلاده عبر أسلوبين:

الأول: البحث عن مصادر جديدة للتسليح التقليدي.

والثاني: وضع الأساس لقاعدة تصنيع عسكري في الداخل، وقد ترافق ذلك مع البدء ببرنامج باكستان النووي.

لقد قامت رؤية “بوتو” على أساس أن حيازة أسلحة تقليدية متطورة متنوعة المصادر، فضلاً عن تحقيق برنامج نووي مقتدر، يحقق عملية الردع مع الهند ويجنب بلاده التعرض للضغوط الخارجية. ولذلك توجه نحو تطوير علاقات التسلح مع الصين وأوروبا الغربية، فضلاً عن الولايات المتحدة، باعتبارها مصادر أساسية للتسلح، وفي الوقت نفسه أنشأ قسماً خاصاً في وزارة الدفاع مهمته بناء قاعدة عسكرية يمكن أن تشكل مصدراً لتصدير الأسلحة المتوسطة والقصيرة المدى تمكن باكستان من لعب دور فاعل في وسطها الإقليمي، ولا سيما في دول العالم الإسلامي.

وتعزيزاً لذلك، وقع “ذو الفقار على بوتو” اتفاقاً إقليمياً مع إيران وتركيا لتأسيس صناعة عسكرية مشتركة في عام1975، فضلاً عن اتفاقيات مماثلة مع الصين لمنحه تسهيلات في القدرات التقليدية والنووية.

لقد كانت باكستان حتى نهاية حربها مع الهند عام 1971تعتقد أن الرؤية التقليدية للتفوق الهندي تقوم على “تفوق الهند التقليدي في السلاح وسعيها للسيطرة على المنطقة”.

ثانياً: تطور سباق التسلح بين البلدين

إن سباق التسلح التقليدي بين البلدين تطور منذ بداية السبعينيات إلى مستوى السباق في بناء برامج نووية لديهما، انطلاقاً من قناعة مفادها أن التفوق في الأسلحة التقليدية قد يفضي إلى هزيمة الطرف الآخر في أية حرب تنشب بينهما، في حين أن الاعتماد على إستراتيجية الردع النووي تحقق التوازن من دون حاجة إلى المقارنة الكمية، كما يحدث في الإستراتيجيات التقليدية، فضلاً عن كونها تحقق تخفيضاً في تكاليف الإنفاق العسكري، وتمنع الاستمرار في سباق تسلح تقليدي مدمر.

بيد أن الواقع يشير إلى اقتران برامج التسلح التقليدية بالبرامج النووية، إذ أن باكستان بدأت برنامجها النووي منذ عام 1972 عندما اتخذ “ذو الفقار علي بوتو” قراره في اجتماع مولطن (Multan) السري بامتلاك القنبلة النووية، وهو الأمر الذي ساعد عليه قيام الهند بتفجيرها النووي عام 1974، واستمرارها في تطوير برامجها، إذ تشير بعض المعلومات إلى أن القدرات الإنتاجية الهندية لأسلحة البلوتونيوم وصلت الآن إلى مستوى القدرة على إنتاج 20 قنبلة نووية في السنة.

وفي ضوء تطور مستويات البرامج النووية لدى كل من باكستان والهند، فإن خيارهما أصبح مفتوحاً إلى حين التوصل إلى اتفاق ينال الحماية الدولية على وقف الانتشار النووي. ولذلك يستمر الصراع والتنافس أساساً في العلاقات الباكستانية- الهندية، وذلك بقصد الاستخدام الفعلي أو تحقيقاً للردع المتبادل.

من جانب آخر، فإن ما تقدم لم يحل دون استمرار الحوار بهدف حظر الانتشار النووي في جنوب آسيا، وهو الحوار الذي اكتسب بعدين: إقليمي ودولي، انطلاقاً مما يشكله الاضطراب في هذه المنطقة من “تهديد للسلم والأمن الدوليين وضرورة إعطاء ذلك أولوية قصوى كقضية أمنية قومية”.

ولذلك وجدت مقولات “شليزنجر” و”والتز” التي أشارت إلى مخاطر الانتشار النووي، على استقرار التوازن الإستراتيجي النووي صدى لدى الولايات المتحدة والقوى العظمى الأخرى، إذ سعت عبر أساليب الترغيب والترهيب بشكل مباشر أو عبر المنظمات الدولية إلى تأييد المقترحات “ذات الصلة بمراقبة الأسلحة إقليمياً ومثالها فكرة إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في جنوب آسيا”. لذلك أخضعت الولايات المتحدة تعاونها مع الهند وباكستان تبعاً لمدى انطباق ذلك مع القانون الأمريكي عام 1978 الخاص بحظر الانتشار النووي[1].

إن السلوك الأمريكي نفسه استخدم إزاء باكستان حينما اتخذت إدارة الرئيس “جيمي كارتر” الإجراءات اللازمة لتطبيق العقوبات الخاصة التي نص عليها قانون المساعدات الأمريكية الآنف الذكر، والتي تقضي بالإيقاف الفوري للمساعدات العسكرية ومعظم المساعدات الاقتصادية لأية دولة تقدم على استيراد معدات نووية حساسة غير خاضعة للضمانات.

وعند استلام الرئيس الباكستاني “ضياء الحق” السلطة عام 1977 استمر على سياسة سلفه “ذو الفقار علي بوتو” في الجانبين التقليدي والنووي، حيث عمد إلى توسيع قاعدة الإنتاج العسكري وتعزيز الروابط مع دول منظمة التعاون الإقليمي للتنمية[2]، فضلاً عن المملكة العربية السعودية. وفي ضوء ذلك، نجحت باكستان في إيجاد قاعدة للإنتاج العسكري بالتعاون مع الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وبموجبها أصبحت تحقق الاكتفاء الذاتي في الأسلحة الصغيرة والذخيرة منذ عام 1975، حيث تم تصدير كم منها إلى دول الصديقة، فضلاً عن تطويرها للصناعات البحرية والمكائن الثقيلة المعقدة ونظام الاتصالات والسكك، كما سعت باكستان لتطوير صناعة الصواريخ ومعامل الدبابات[3].

لقد شهدت مرحلة الثمانينيات قفزة نوعية في سياسة باكستان لتطوير قدراتها العسكرية بكل جوانبها وأبعادها التقليدية والنووية، ويعود ذلك إلى الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979 والدور الذي لعبته باكستان ضمن الإستراتيجية الأمريكية في مواجهة الغزو السوفيتي، فبعد الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة على باكستان بفعل إصرارها على البرنامج النووي في أواسط السبعينيات عادت في ظل إدارة “ريجان” إلى إبرام اتفاق مع باكستان بقيمة 3.2 مليار دولار مع تعهد ببيعها 40 طائرة متطورة “ف ـ16″، ومنحها إعفاء لمدة ست سنوات من تقييد قانون عدم انتشار الأسلحة النووية.

وفي ضوء استمرار تطور الدور الباكستاني إزاء القضية الأفغانية صعدت الولايات المتحدة مساعداتها لها لتبلغ 4 مليارات دولار للسنوات الخمس منذ عام 1987، حيث طورت القدرات العسكرية لباكستان، وقامت بتزويدها بقدرات عسكرية إستراتيجية، منها طائرات الأواكس والطائرات المتطورة، فضلاً عن تحديث القوة البحرية الباكستانية بمساعدة الولايات المتحدة وبريطانيا، والتخطيط لاكتساب باكستان قدرات بحرية تقليدية متطورة أخرى من بينها مدمرات وطائرات حراسة بحرية ذات مدى طويل، وغواصات وصواريخ دفاعية بحرية وتجهيزات أخرى.

لقد استمرت باكستان في رفض التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي واشترطت لذلك قبول الهند بها، الأمر الذي رفضته الهند باستمرار، مما عزز من شكوك باكستان في رغبة الهند في تأسيس وضع غير متوازن في المنطقة وعمق من قلقها الإقليمي.

وفي مواجهة ذلك، سعت باكستان للتوصل إلى اتفاق إقليمي مع الهند عبر وسائل مباشرة من خلال طرح المبادرات عليها، أو وسائل غير مباشرة مثل تقديم المقترحات عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفي مبادراتها كانت باكستان تؤكد أن الاستمرار في سباق التسلح التقليدي والنووي لا يمكن أن يحقق السلم والأمن الإقليميين والدوليين، وبالتالي فإن إجراءات نزع السلاح ينبغي أن تتم بغض النظر عن كونها محددة بالإقليم أو غيره. وفي ضوء ذلك، تضمنت المقترحات الباكستانية المقدمة للهند بخصوص منطقة جنوب آسيا ما يلي:

1. الموافقة في الوقت نفسه من قبل الهند وباكستان على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

2. موافقة كلا البلدين على الرقابة الدولية لوكالة الطاقة الذرية.

3. التفتيش المتبادل لمنشآتهما النووية.

4. إعلان مشترك على رفض امتلاك أو تطوير الأسلحة النووية.

5. اعتبار منطقة جنوب آسيا خالية من الأسلحة النووية.

وعلى أساس ذلك، أعلنت باكستان استعدادها للموافقة على أي اتفاق إقليمي أو ثنائي مع الهند لاعتبار جنوب آسيا خالية من الأسلحة النووية، الأمر الذي رفضته الهند، التي كانت تدعو إلى اتفاق عالمي شامل لعدم الانتشار النووي، أفقياً ورأسياً، في الوقت والطريقة نفسها، مع التركيز على إزالة الأسلحة النووية لدى الصين وموجودات الولايات المتحدة في المحيط الهندي التي تشكل تهديداً لعموم المنطقة.

وبالتالي، فقد استندت الهند في رفضها اعتبار جنوب آسيا منطقة خالية من الأسلحة النووية، إلى أن ذلك سيضعها في موقف غير متكافئ في أي نزاع إقليمي مع باكستان التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الصين النووية، فضلاً عن تمركز السفن النووية الأمريكية في المحيط الهندي، الأمر الذي يهدد أمن الهند. ولذلك رفضت الهند وجهة نظر باكستان في اعتبار جنوب آسيا منطقة إقليمية متميزة، كونها جزءاً من منطقة آسيا والمحيط الهندي، إذ تحيط بها الدول الحائزة على الأسلحة النووية أو المتحالفة معها.

وفي ضوء ذلك، رفضت الهند أيضاً مقترح باكستان في دعوة القوى النووية الثلاث: الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي، والصين لضمان المفاوضات بين البلدين المتنافسين في جنوب آسيا بشأن المسألة النووية، وكل ما استطاعت التوصل إليه هو الاتفاق على عدم مهاجمة المنشآت النووية لدى الطرفين، والتي تعتبر خطوة إيجابية نحو إجراءات بناء الثقة في الإقليم.

وفي عام 1990 بدأت باكستان في تطوير قدراتها العسكرية عبر استبدال بعض أسلحتها البرية ضمن إستراتيجية دفاعية حديثة، من بينها دبابات وطائرات ونظام صواريخ تاو Tow ودفاع لوجستي.

وفي يناير 1991 تفاوضت باكستان مع الصين لشراء صواريخ أرض/ أرض (إم ـ9)، وقد ذكرت المصادر أنها قد استلمت تلك الصواريخ في أواسط عام 1991، فضلاً عن تزويد الصين إياها بصواريخ باليستية مداها 200 كم.

من جانب آخر، ووفقاً لبعض المعلومات، استمرت الولايات المتحدة، على رغم الحظر الذي عادت إلى فرضه على باكستان منذ عام 1990، بتجهيز باكستان بمعدات بلغت أثمانها 22.781 مليون دولار، كما قدمت لها تجهيزات بقيمة 80.148 مليون دولار في عام 1992، وذلك إلى جانب مساعدات أمنية، كما قررت الإدارة الأمريكية منح باكستان مساعدات بقيمة 106.595 مليون دولار كمنحة، فضلاً عن قروض بقيمة 6.961 مليون دولار للفترة نفسها. وتشجيع الكونجرس على تقديم مساعدات اقتصادية لباكستان بقيمة 620 مليون دولار لعام 1990.

فضلاً عن ذلك، أكد “عبدالقادر خان”، مهندس البرنامج النووي الباكستاني، على الإسهام في دعم القدرات العسكرية لبلاده عبر بناء بعض أنظمة الأسلحة، منها نظام للصواريخ التكتيكية والإستراتيجية والذخيرة والقاذفات التي أعفت البلاد من الاعتماد على الخارج.

وكانت باكستان قد تمكنت، عبر برنامجها لأبحاث الصواريخ بالتعاون مع الصين والولايات المتحدة، من إجراء تجارب على نماذج من الصواريخ الباليستية منذ عام 1988 مشابهة لـ”FORG-7” و”SCUD-B”، الأمر الذي يعد مهماً ليس للقدرات التقليدية فحسب، وإنما أيضاً لتوظيف وتوصيل القدرة النووية.

تأسيساً على ما تقدم، فإن القدرات العسكرية التقليدية لباكستان مع مطلع التسعينات أصبحت تشمل أنظمة جوية وأرضية وبحرية متكاملة، ومن مصادر متعددة، الأمر الذي تستخدمه باكستان في ممارسة الضغط على الولايات المتحدة لرفع الحظر الذي فرضته عليها منذ أكتوبر 1990، إذ رفض الرئيس الأمريكي التصديق أمام الكونجرس على عدم امتلاك باكستان أسلحة نووية.

ولذلك كان من الطبيعي إزاء الإصرار الأمريكي على استمرار الحظر أن تعزز باكستان علاقاتها العسكرية مع الصين، إذ زودت باكستان بصواريخ (M-11) عام 1992، وهي قادرة على حمل رأس نووي، فضلاً عن صفقة طائرات (F-7P) تتكون من 40 طائرة. الأمر الذي آثار الولايات المتحدة الأمريكية التي اتهمت الصين بتسليم تقانة الصواريخ لباكستان وهددت بفرض عقوبات اقتصادية عليها، فضلاً عن باكستان.

أمّا على الصعيد النووي، فقد شكلت بداية السبعينيات، ولاسيما إثر تسلم “ذو الفقار علي بوتو” السلطة إثر انفصال بنجلاديش، البداية الجدية نحو بناء برنامج نووي تستطيع باكستان عبره أن تحقق التوازن وتضمن الأمن مع الهند، ولذلك حظي البرنامج النووي باهتمام شعبي باعتباره مسألة كرامة، وشكل أساساً في القدرات الباكستانية ووسيلة للضغط على الولايات المتحدة لدفعها نحو الاستمرار بتزويد باكستان بالقدرات العسكرية التقليدية، إذ ظلت باكستان تؤكد أن صعوبات الحصول على القدرات العسكرية التقليدية سيدفعها نحو مواصلة جهودها في الخيار النووي.

وإزاء استمرار الهند في برنامجها النووي بعد التفجير الذي أجرته عام 1974، وإصرارها على عدم التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، عززت باكستان خطواتها باتجاه توفير مظلة نووية تعوض بها تفوق الهند في الأسلحة التقليدية.

وقد تم ذلك، على رغم التهديدات الأمريكية لباكستان، حيث أكد “ذو الفقار علي بوتو” أمام الجمعية الوطنية الباكستانية أن هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة، هدده في حالة عدم إقلاعه عن البرنامج النووي قائلاً:

“إننا سنجعل منك مثالاً مروعاً “We will make a horrible example of you”.

وفي مواجهة الضغوط الأمريكية توجه “ذو الفقار علي بوتو” نحو الصين، ونحو قوى غربية، مثل فرنسا وهولندا، للحصول على تسهيلات في الجوانب النووية والتقليدية.

وعلى الرغم من الادعاء بأن هناك دوافع سلمية وراء البرنامج النووي لدى كل من الهند وباكستان، إلا أن التقارير التي نشرتها الاستخبارات الأمريكية منذ عام 1979 تؤكد خلاف ذلك، حيث أشارت إلى أن منشأة واحدة على الأقل من المنشآت التي تعمل وفق مبدأ القوة الطاردة قد بنيت في “كاهوتا”، وأن باكستان يمكن لها بعد خمس سنوات من ذلك التاريخ أن تصبح في وضع يمكنها من إجراء تفجير نووي باستخدام اليورانيوم. فضلاً عن ذلك، فإن تطوير التقانة النووية للأغراض السلمية يتيح إمكانية إنتاج الأسلحة النووية طالما أن تقانة الطاقة النووية في استطاعتها دعم وتعزيز القدرة لإنتاج أسلحة تحوي مواد نووية.

وكان “عبدالقادر خان”، مدير البرنامج النووي الباكستاني، قد أدلى لصحيفة “Defence Journal” بتصريح قال فيه إن الوقود المستخدم في مصانع كاهوتا تبلغ درجة اليورانيوم المخصب فيه 3%، بينما يحتاج تصنيع الأسلحة النووية إلى درجة تخصيب تصل إلى 90%، ومع ذلك “ومن دون شك”، فإن لدينا القدرات والطاقات لعمل ذلك كما هو الحال عند دول أخرى مثل هولندا، وألمانيا واليابان.

وفي عام 1984 أشارت التقارير إلى أن معمل كاهوتا أصبحت لديه القدرة على تخصيب اليورانيوم. وقد اقترن ذلك بنشر معلومات عن محاولات باكستانية لتهريب “50 Krytron high speed electronic switches used in nuclear weapons”. كما أشارت تلك التقارير إلى إنشاء باكستان معملاً لإعادة معالجة البلوتونيوم وإجرائها اتفاقاً سرياً مع الصين يتضمن مساعدتها في أعمال مشروع كاهوتا ومنحها تصاميم السلاح النووي، وقد أقر “عبدالقادر خان” في عام 1987 بأن بلاده تنتج اليورانيوم المخصب المستعمل للأسلحة النووية الذي درجته العليا 90%[4].

وعلى رغم التحقيقات التي جرت بشأن تطوير باكستان لقدراتها النووية، إلا أن الرئيس الأمريكي ريجان في شهادته أمام الكونجرس الأمريكي نفى أية إمكانية لباكستان في امتلاك جهاز تفجير نووي.

ومن الواضح أن هذا النفي جاء في محاولة لدعم الدور الباكستاني في المجابهة مع الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، ولذلك صعدت الولايات المتحدة مساعداتها لباكستان لتبلغ 4 مليارات دولار للسنوات الخمس من 1987.

وعلى أية حال، فقد استمرت جهود باكستان النووية بالتطور على رغم كل وسائل الضغط الخارجي والنفقات الداخلية، فبعد المعلومات التي نشرت عن حصول باكستان على جهاز التفجير النووي وتصنيع قنبلة يمكن حملها في طائرات ذات سرعة عالية من طراز “ف ـ 16” “F-16”، أعلن وزير الدفاع الباكستاني السابق “إسلام بيك” معقباً على المناورات التي أجريت تحت اسم “Zarba-e-momin” أن بلاده قد تحولت من السياسة الدفاعية إلى سياسة الهجوم الدفاعي، وأن القدرات الباكستانية تمثل كلاً من الخيار النووي والصواريخ القادرة على إلحاق الدمار بالعدو.

إن ما تقدم ترافق مع رفع باكستان ميزانيتها الدفاعية في مايو 1990 بنسبة 11.6%، إضافة إلى الميزانية الدفاعية بقيمة 6.45 مليار دولار للفترة (1989 ـ1990)، فضلاً عن ذلك كتب تقرير عن الأقمار الصناعية الأمريكية يكشف فيه عن منشآت عسكرية في غاية السرية والتعقيد في كاهوتا، ويؤكد وجود حمالات خاصة في هذه المنشأة مخصصة لحمل القنابل وتثبيتها على طائرات “ف ـ16”.

وفي ضوء مساعدة الصين لباكستان في برنامجها النووي أعلن في نوفمبر 1989 عن مشروع باكستاني يعد الثاني في الطاقة النووية (Chashma) ينجز في عام 1995 تحت مراقبة وكالة الطاقة الذرية العالمية (IAEA) .
إلى جانب ذلك، أكد رئيس وزراء الصين خلال زيارته لإسلام آباد في عام 1990 أن بلاده وبموجب اتفاقية التعاون في الطاقة النووية الموقعة بين البلدين عام 1989، ستزود باكستان بـ300 مفاعل نووي.

تبعاً لما تقدم، أعلن الرئيس الأمريكي بوش في عام 1989 أمام الكونجرس في مناقشات المساعدات للسنة 1990 ـ 1991 أن من الصعوبة بمكان التصديق بأن هذين البلدين لا يمتلكان القدرة النووية العسكرية، الأمر الذي أفضى إلى تعليق المساعدات، حيث أعلن السفير الأمريكي في إسلام آباد روبرت أوكلي أن باكستان لن تستلم المساعدة ما لم توافق على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وتخضع منشآتها للتفتيش[5].

بيد أن ذلك لم يؤثر في البرامج النووية، فضلاً عن التقليدية الإستراتيجية لدى باكستان، وكذلك الهند، حيث أنه في الوقت الذي أعلن فيه في باكستان عن إجراء تجاربها على نموذجين لصواريخ باليستية أطلق عليها اسم “هاتف ـ1″ بزنة 1.500 كجم ومداه 80 كم، و”هاتف ـ2″ بمرحلتين بزنة 3.000 كجم، وبمدى 280 كم، و”هاتف ـ3″ بمدى 1.000 كم تحت التطوير، فقد أعلنت الهند من جهتها ضمن برنامج الفضاء عن تطوير الصاروخ الهندي “SLV-3” ليحمل رؤوساً ثنائية. هذا فضلاً عن نماذج طائرات لدى الطرفين قادرة على تشكيل أنظمة إطلاق معقولة لبرنامجيهما النووين والتي تتشكل من “F-16”، و”ميراج ـ3″ لدى باكستان، و”الميج-29″ السوفيتية، و”ميراج ـ 2000” الفرنسية لدى الهند.

نستخلص مما تقدم أن اعتماد باكستان بدرجة رئيسية على التسلح الأمريكي أفضى إلى ممارسة الإدارة الأمريكية الضغط على باكستان باتجاه تقييد الخيار النووي والتقاني لها، كلما وجدت مصلحة في ذلك، في الوقت نفسه الذي استثمرت فيه باكستان المصالح الأمريكية في الأزمات الإقليمية لكي تحقق أكبر دعم ممكن يحقق مصالحها الإقليمية.

ثالثاً: نفقات التسلح

تعد باكستان من دول المحيط (Rimland) في جنوب آسيا ذات الإنفاق العسكري الواسع، وبالمقارنة بين عامي 1958 ـ 1959 و1968 ـ 1969 نجد أن الإنفاق العسكري اتخذ نسباً تصاعدية من 997 مليون دولار إلى 2427 مليون دولار. وخلال سنوات حكم الجنرال “يحيى خان” (1969 ـ 1971) ارتفعت نسبة الإنفاق من 2749 إلى 3726، وبنسبة مئوية من 13.27% إلى 16.48%.

وبعد انفصال بنجلاديش في ديسمبر 1971، وفي ضوء اهتمام “بوتو” بإعادة بناء الجيش، شهد الإنفاق العسكري نسباً متزايدة من 3.7 مليار روبية عام 1971 ـ 1972 إلى 8.1 مليار روبية في عام 1976 ـ 1977. وعلى إثر عودة سيطرة الجيش بزعامة “ضياء الحق” على السلطة عام 1977، شهد الإنفاق العسكري تطوراً آخر وبنسبة 22.84%.

وقد أفضى التدخل السوفيتي في أفغانستان عام 1979، وانهيار نظام الشاه في إيران، إلى تزايد الأهمية الإقليمية لباكستان، الأمر الذي دعا إلى استئناف المساعدات العسكرية الأمريكية لها، حيث قفزت نسب الإنفاق العسكري خلال مدة الـ11 عاماً من حكم الجنرال “ضياء الحق”، ولاسيما في الفترة الأخيرة من حكمه.

لقد اقترنت زيادة الإنفاق العسكري خلال هذه الفترة بمضاعفة حجم القوة العسكرية، حيث تضاعفت القوة البحرية ثلاث مرات، والقوة الجوية مرة ونصف. وخلال الفترة (1981 ـ 1990) تضاعفت النفقات العسكرية أكثر من ثلاث مرات واستمرت نسب الإنفاق العسكري بعد عودة الحكم المدني إلى السلطة عام 1988 الذي زاد من دعم حركة العنف العسكري في كشمير، واستمر الأمر كذلك إلى حين تعليق المساعدات الأمريكية لباكستان منذ أكتوبر 1990 حيث انخفضت المبيعات العسكرية من 99.329 مليون دولار عام 1989 إلى 22.78 مليون دولار عام 1990، الأمر الذي أفضى بدوره إلى تخفيض ميزانية الدفاع، مما دفع بالجيش إلى إعادة فتح قضية كشمير مرة أخرى، وإسقاط حكومة “بنظير بوتو” واستبدالها بحكومة “نواز شريف” اليمينية التي حاولت تحقيق التوازن في أول ميزانية لها في مايو 1991. وقد استمر معدل نسبة الإنفاق الدفاعي المرتفع لعقد التسعينيات مقارناً بالعقود التي قبله، حيث سجلت السنوات الأربع الأولى منه زيادة ملحوظة تقدر بـ17.37%.

وبالمقارنة بين باكستان ودول الجوار الإقليمي (الهند والصين)، للفترة 1980 ـ 1993، نستنتج أن باكستان تتميز بارتفاع نسبة الإنفاق الدفاعي إلى الناتج المحلي الإجمالى، حيث نجد أن هذه النسبة كانت 5.96% بالنسبة لباكستان، و5.89% للصين، و3.05% للهند، في عام 1985، في حين شكلت 6.88% لباكستان و5.53% للصين و2.53% للهند للفترة 1993 ـ 1994.

كذلك نستنتج أن هذه النسبة وصلت إلى أعلاها في باكستان عام 1988، حيث تجاوزت 8%، في حين بلغت أدناها بالنسبة للصين، حيث بلغت 5.50%. أما بالنسبة للهند، فإن أدنى نسبة كانت في عام 1992، حيث بلغت أقل من 3%.

رابعاً: المتغيرات الدولية وتأثيرها في سياسة باكستان

كان لابد للانفراد الأمريكي بالنظام الدولي وتأثير ذلك في مجمل تفاعلات النظام الدولي ومؤسساته، من أن يتركا تأثيرهما سلباً أو إيجاباً في طبيعة التفاعلات في منطقة جنوب ـ جنوب غرب آسيا. ومرد ذلك إلى الأدوار الإقليمية التي لعبتها، والتي تطمح في أن تلعبها القوى الإقليمية الرئيسية، مثل الهند، حليفة الاتحاد السوفيتي السابق والعدو التقليدي للصين، الساعية نحو دور آسيوي كقوى عظمى، وباكستان، حليفة الغرب والولايات المتحدة وحليفة الصين، والتي لعبت دوراً فاعلاً في قضية أفغانستان، فضلاً عن دورها في قضايا إقليمية أخرى، مثل الحرب العراقية ـ الإيرانية، والقضايا الإقليمية ذات الاهتمام العالمي، مثل الانتشار النووي في منطقة جنوب آسيا، واحتمالات تطور التعاون الإقليمي في عموم مناطق جنوب ـ جنوب غرب آسيا، وهي جميعاً محكومة بطبيعة الصراع الهندي ـ الباكستاني الذي يقتضي من الولايات المتحدة ومجلس الأمن باعتباره مؤسسة دولية تهيمن عليها الولايات المتحدة، أن يدخلا بشكل فاعل باتجاه تحديد مساراتهما لصالح النظام الدولي الجديد الآخذ بالتبلور، فضلاً عن إستراتيجية باكستان الدولية المبنية على صعوبات موقعها الجغرافي في منطقة ذات مصالح حيوية وأهمية جيوبوليتيكية أفضت إلى وجود القوى العظمى والكبرى فيها. وقد عزز من ذلك الحاجات الداخلية والإقليمية لدول المنطقة التي اندفعت للبحث عن حلفاء لها من الخارج لتعزيز تلك الحاجات وتأمينها، ومنها المساعدات الاقتصادية ومعضلة الأمن.

ولذلك، عمدت الولايات المتحدة إلى إقامة علاقات متوازنة بين كل من الهند وباكستان عبر استخدام ورقة كشمير وحقوق الإنسان، فضلاً عن البرنامج النووي لدى الدولتين، إذ تمارس ضغوطها لإلزامهما بالتوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي في مناطق جنوب آسيا وإخضاع برامجهما النووية للتفتيش الدولي.

وفي مسعى منه لمواجهة تزايد الضغط الأمريكي على بلاده، أعلن الرئيس الإيراني “رافسنجاني” عن رغبة بلاده في إقامة تعاون ثلاثي يشمل طهران ـ نيودلهي ـ بكين، وخص التعاون الهندي ـ الإيراني بأهمية بالغة في إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد وصياغته. والمشكلة هنا تكمن في التنافس الإيراني ـ الباكستاني، إذ تدعم المملكة العربية السعودية اتجاهات باكستان في جمهوريات آسيا الوسطى، الأمر الذي يضايق إيران التي تشاطر الهند مخاوفها من سيطرة باكستان على مقاليد الأمور في أفغانستان. وقد انعكس ذلك بشكل واضح على الخطاب السياسي الإيراني إزاء مشكلة كشمير وأوضاع المسلمين في الهند، وبخاصة عندما أعلن وزير خارجية إيران عن “دعم بلاده الكامل لوحدة الأراضي الهندية، مؤكداً “أن إيران لن تدعم الانفصاليين الكشميريين”. وقد عزز من ذلك البيان الختامي الذي صدر اثر زيارة رئيس وزراء الهند لطهران، والذي أدان بشدة الدول المساندة للإرهاب، والذي فسر بأنه إشارة واضحة إلى الدور الباكستاني في كشمير وهو الأمر الذي أدانته الفصائل الكشميرية في بيان مشترك.

تأسيساً على ما تقدم عد عام 1988 سنة حاسمة بالنسبة لباكستان، وذلك بسبب تعرض محيطها الأمني لمتغيرات مفاجئة إثر تغير نمط العلاقات الدولية الذي أثر في إمكانية المناورة في سياسة باكستان إزاء القوى العظمى.

لقد ترافق ذلك وعزز بالتغيير السياسي الذي شهدته باكستان إثر مقتل “ضياء الحق” ومجئ حكومة مدنية، إذ أنه رغم الإعلان المتبادل عن الرغبة في استمرار تطوير العلاقات الأمريكية ـ الباكستانية، إلا أن تأييد الولايات المتحدة لسياسة الهند وانتقادها لخرق حقوق الإنسان في كشمير، دفعا باكستان لاعتبار ذلك تحولاً في السياسة الأمريكية لصالح الهند. وبالفعل أعلنت الإدارة الأمريكية بدءاً من أول أكتوبر 1990 عن توقف الدعم الأمريكي لباكستان، الأمر الذي واجهته حكومة “نواز شريف” برد فعل معاكس، إذ أعلنت استمرار تطوير البرنامج النووي وعدم السماح بمعاينة المنشآت النووية ما لم تفعل الهند الشيء نفسه.

وعلى صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة التي اتسمت بالبرود أحياناً وبالحرارة في أحيان أخرى. فإن باكستان تسعى نحو علاقات طبيعية معها تفضي إلى استمرار المصالح المشتركة. فالولايات المتحدة صديق حميم في كثير من الأحيان وعنصر مهم لباكستان، إذ منحتها مساعدات اقتصادية وعسكرية طيلة الفترة الماضية، على رغم أن المساعدات الأمريكية متوقفة نسبياً بفعل إصرار باكستان على الاستمرار في برنامجها النووي، وعدم وجود ما يستفز المصالح الأمريكية في المنطقة، كما حدث في أفغانستان، تبقى باكستان مدينة للجهود الكبيرة التي بذلتها الولايات المتحدة ضمن إطار التعاون في التقانة والاستثمارات التي هي في أمس الحاجة إليها ولمدى طويل باتجاه إنجاز الاكتفاء الذاتي، الأمر الذي يجنب باكستان المواجهة ويدفعها نحو إهمال القضايا التي تثير السخط. ومصلحة باكستان تقتضي ذلك، وبخاصة أنها تشعر أن خيط المودة بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند قد يكون طويلاً بفعل طموحات الهند في تحقيق السيطرة من منطقة الخليج وصولاً إلى أستراليا متضمناً ذلك السيطرة على النفط والهيمنة في منطقة المحيط الهندي، الأمر الذي يتناقض مع مصالح الولايات المتحدة فضلاً عن اليابان وأستراليا.

خامساً: تطور البرنامج النووي الباكستاني

على رغم التغييرات التي شهدتها السياسة الدولية، فقد اتسمت القضايا الأساسية التي استحوذت على اهتمام سياسة باكستان الإقليمية بالاستمرارية، وظلت تتمحور عند المسائل الأساسية هي البرنامج النووي، الذي ظل يتعرض لضغط خارجي مستمر وبخاصة من قبل الولايات المتحدة التي أوقفت مساعداتها لباكستان منذ عام 1990 لرفضها التخلي عن برنامجها النووي وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش، وعدم التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

ولذلك، فإن السياسة الأمريكية التي قامت على أساس الاعتراف بأن كلاً من باكستان والهند لديها القدرة على امتلاك أسلحة نووية وأن جهودها تتركز على تشجيع التراجع المتبادل أو تجميد قدراتها النووية والدخول في حوار إقليمي باتجاه السيطرة على التسلح النووي.

وفي عام 1978 أقر الكونجرس الأمريكي “تعديلات بريسلر Pressler Amendments” التي بموجبها امتنع الكونجرس عن المصادقة على أية مبيعات أو تصدير مواد تقانية أو تجهيزات عسكرية لباكستان ما لم يصادق الرئيس الأمريكي سنوياً على تعهد أمام الكونجرس بأن باكستان لا تمتلك جهازاً للتفجير النووي.

وبسبب امتناع الرئيس الأمريكي عن إعطاء شهادته أمام الكونجرس الأمريكي لصالح باكستان توقف تصدير المواد التقانية والتجهيزات العسكرية لها.

وإذا كانت إدارة الرئيس “رونالد ريجان” قد دفعتها مصالحها في أفغانستان إلى ممارسة الضغط على الكونجرس واستحصال قرار باستمرار المساعدات لباكستان، فإن إدارة بوش بعد انتهاء الحرب الباردة، ومنذ عام 1990 تحديداً، لم تستطع التصديق على ما يؤكد عدم امتلاك باكستان لأجهزة التفجير النووي، الأمر الذي عرضها للمقاطعة، فضلاً عن بروز مطالبات في الكونجرس لتطبيق تعديلات بريسلر على الدول الأخرى مثل الهند. بيد أن أعضاء في الكونجرس تساءلوا إذا كان الأمر كذلك، فلم لا يشمل أيضاً الصين وإسرائيل وجنوب أفريقيا، حيث يريد البيت الأبيض أن يكون هناك سياق عام للسياسة الأمريكية يطبق على أية دولة في ما يتعلق بالمساعدات، لكن ذلك يخضع لطبيعة المصالح الأمريكية في العالم.

ومن جهتها قدمت باكستان مقترحات عديدة لمواجهة تلك الضغوط منها مقترحات رئيس الوزراء الباكستاني “نواز شريف” في كلية الدفاع الوطني براولبندي في عام 1991، دعا فيه كلاً من الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة والصين للتشاور مع الهند وباكستان من أجل إيجاد حل لقضية انتشار الأسلحة النووية في جنوب آسيا.

وفي الوقت الذي أيدت فيه القوى العظمى الثلاث مقترحات باكستان، فقد رفضتها الهند مبدئياً على أساس أنها لم تجد شيئاً جديداً في المقترحات، إذ ظلت تصر على إعطاء هذه المسألة بعداً عالمياً ورفض فكرة اعتبار جنوب آسيا منطقة خالية من الأسلحة النووية، لأن ذلك في المفهوم الجغرافي للهند يستلزم أخذ العنصر الصيني في الاعتبار.

وفي ضوء معاودة إدارة الرئيس جورج بوش الضغط على الهند لإقناعها بقبول مقترح اعتبار جنوب آسيا منطقة خالية من الأسلحة النووية وبدافع استثمار المعطيات الدولية الجديدة لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة وتطويرها، أعلنت الهند استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة ضمن اجتماع تعقده القوى الخمس خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في يناير 1992، بيد أن الولايات المتحدة عبرت عن تأييدها لعقد اجتماع ثنائي بين الهند وباكستان بحضورها ومساعدتها، وهو ما تملصت منه الهند.

وضمن هذا الإطار أكدت الولايات المتحدة لباكستان خلال زيارة رئيس مجلس الشيوخ الباكستاني “وسيم سجاد” لها عامل 1991، أن المساعدات الأمريكية لبلاده لن تستأنف قبل إعطاء باكستان ضمانات بعدم امتلاك أو القيام بتصنيع قنبلة نووية. وفي الوقت نفسه، عاودت الولايات المتحدة جهودها لدى الهند وباكستان عبر زيارة لهما قام بها أعضاء من الكونجرس الأمريكي من أجل حل المشكلات الإقليمية الناجمة عن مساعيهما لامتلاك القدرة النووية.

لقد استمرت الهند تتمسك بالثوابت الأساسية في سياستها النووية وقوامها ارتباط أمن الهند بقدرات الصين النووية، التي رفضت بدورها إخضاع هذا الموضوع للنقاش ما لم يأت ضمن إطار كلي تشترك فيه روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي المقابل، استمرت باكستان على رفضها التوقيع المنفرد على اعتبار جنوب آسيا منطقة خالية من الأسلحة النووية، ولكنها إزاء اعترافيها بأن الإدارة الأمريكية غير مقتنعة بادعائها تجميد برنامجها النووي منذ عام 1989، أعلنت على لسان ناطق رسمي باسم خارجيتها عن ثوابت أربعة أساسية، هي:

1. إن بلاده أعطت تأكيدات أن برنامجها النووي هو برنامج سلمي.

2. أن بلاده لن تجري تفجيراً لجهاز نووي.

3. أن الأسلحة الحساسة سوف لا تنقل إلى أية دولة من دول العالم الثالث.

4. أن البرنامج النووي لباكستان قد تم تجميده عند مستوى عام 1989.

وفي ضوء ما تقدم، دخل البرنامج النووي في عموم منطقة جنوب غرب آسيا في حلقة مفرغة مقترنة الغموض الذي يسود أجواء الردع بالشك، وقد ترتب عن ذلك تطوير العلاقات الصينية ـ الباكستانية في المجال النووي وتصنيع الصواريخ، وسعى الهند للقضاء على معوقات البرنامج النووي خلال خمس سنوات من أجل إعلان نفسها قوة كبرى.

لذلك نرى أنه في الوقت الذي سعت فيه الولايات المتحدة لتطوير علاقاتها مع الهند في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، واستخدمت أسلوب التحذير من طموحات الصين، وأبدت استعدادها لتفهم وجهة نظرها إزاء كشمير، فإنها عادت منذ منتصف 1993 لمغازلة باكستان في قضية كشمير متأملة الاستفادة منها عبر توظيفها لخدمة مصالحها في آسيا الوسطى والخليج العربي ومنطقة جنوب آسيا.

إن الهند وباكستان تسعيان لحيازة الأسلحة النووية باعتبارها وسيلة الردع المكافئة تجاه الخصوم القائمين أو المحتملين الحائزين على هذا السلام، أو من يظن أنه بحوزتهم حالياً أو مستقبلياً، وبذلك فانهم ينضمون إلى الفريق من الدول التي ترى في عملية الردع النووي المتقابل وسيلة أكثر فعالية في الترتيبات الإقليمية حفاظاً على الاستقرار الإقليمي. وقياساً على ذلك فإن الدولتين الهند وباكستان تبديان حق الدول في تحقيق الانتشار الأفقي للسلاح النووي كمنهج لتحقيق الأمن الجماعي الإقليمي.

ذلك فإن الدولتين الهند وباكستان تبديان حق الدول في تحقيق الانتشار الأفقي للسلاح النووي كمنهج لتحقيق الأمن الجماعي الإقليمي.

سادساً: التجارب النووية الهندية ـ الباكستانية

أذهلت الهند العالم في الحادي عشر من مايو 1998، عندما أجرت ثلاث تجارب نووية بصحراء “بوكران” بولاية راجستان الغربية المتاخمة لباكستان بعد عملية خداع وتمويه مدروسة للأقمار الصناعية الأمريكية التي ترصد هذه المنطقة باستمرار باعتبارها حقلاً للتجارب النووية الهندية، كما قامت الهند بعد ذلك بيومين في الثالث عشر من مايو 1998 بتفجير تجربتين نوويتين أخريين وألغت تجربة سادسة بعد أن أعلن العلماء أنهم جمعوا البيانات اللازمة لتصنيع الأسلحة النووية، أدى قرار اللجنة الانتخابية بتأجيل موعد الانتخابات العامة المبكرة إلى سبتمبر/ أكتوبر 1998 إلى حدوث نوع من الغموض حول الموقف الذي ستتخذه الهند من معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وبالطبع يتشكك المراقبون بنيودلهي في قدرة الحكومة الانتقالية الحالية على اتخاذ مثل هذا القرار الحاسم والخطير بالتوقيع على هذه المعاهدة الدولية، ومع ذلك أعلن رئيس الوزراء الهندي فاجباي في حديث لمجلة “انديا توداي” الأسبوعية أنه لا يعول على إمكانية انضمام الهند لمعاهدة الحطر الشامل للتجارب النووية بحلول سبتمبر 1998 بسبب حل البرلمان وصعوبة التوصل إلى إجماع قوي حول هذه المسألة في الوقت الحالي.

وفي يوم 28 مايو 1998، ردت باكستان بست تفجيرات وانضمتا الدولتين إلى النادي النووي في مايو 1998.

سياسة باكستان الأمنية

وعلى صعيد السياسة الأمنية فإن باكستان وإدراكاً منها أن الهند تشكل مصدر التهديدات الأساسية لأمنها القومي، اعتمدت وسائل عديدة مباشرة وغير مباشرة يمكن إيجازها في الآتي:

1. تعزيز قدراتها العسكرية التقليدية والنووية تحقيقاً للردع المتبادل الذي يعد شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار عبر فرض التوازن الإقليمي.

2. الارتباط باتفاقيات ومعاهدات إقليمية متعددة الأبعاد لتعزيز موقف باكستان في مواجهة التهديدات الهندية.

3. التقدم بمقترحات لمعالجة معضلة الأمن في جنوب آسيا.

ونظراً لتناول الموضوعات الأخرى في أماكن أخرى من الدراسة، فإننا نركز هنا على الجهود الباكستانية لمعالجة معضلة الأمن في جنوب آسيا. وإدراكاً من باكستان أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة البنية الأمنية، حيث تشكل القوة العسكرية مظهراً من مظاهر قدرات الأمة في ممارسة خياراتها السياسية، إلى بنية عملياتية تنجز فيه إستراتيجياً مؤثرة وحيوية، فإنها منذ عهد الرئيس “محمد أيوب خان” تقدمت إلى الهند بمشروع للدفاع المشترك عن شبه القارة[6]. وجوهر فكرة “أيوب خان” تقوم على أن شبه القارة الهندية تتعرض باستمرار لمطامع صينية ـ روسية مشتركة بهدف الوصول إلى البحر، الأمر الذي يتطلب بالمقابل مشروعاً هندياً باكستانياً للدفاع المشترك باعتبار شبه القارة الهندية وحدة جغرافية متكاملة، وبالتالي فإن الدفاع عنها لا يمكن أن يكون مجزأ. وقد ربط الرئيس “محمد أيوب خان” بين فكرة الدفاع المشترك والحصول على أهداف إقليمية في كشمير. ولذلك رفض “نهرو” العرض الباكستاني قائلاً: “انه لم يكن يشكل القضية الأصلية، وإنما القضية كانت شيئاً آخر هي قضية كشمير”.

وتجدر الإشارة إلى أن مقترح “محمد أيوب خان” يعد امتداداً لمقترح “محمد علي جناح” الذي قال في أكتوبر 1946، إن الهند وباكستان سوف يظلان يعلنان “مبدأ مونرو” في الدفاع عن شبه القارة الهندية ضد كل التحديات الخارجية. وإثر حرب عام 1965، عقدت الهند وباكستان اتفاقية طشقند في عام 1966 برعاية الاتحاد السوفيتي، تبعتها اتفاقية سيملا إثر حرب عام 1971. وعلى رغم أن الاتفاقيتين حاولتا التوصل إلى أسس مشتركة للعلاقة بين البلدين، إلا أنهما أخفقتا في تحقيق الأمن الإقليمي بسبب استمرار مشكلة كشمير التي تركت عالقة من دون حل.

وفي مسعى منه لفرض نظام جديد في آسيا، اعتمد الاتحاد السوفيتي في إعلان هلسنكي عام 1975 مجموعة مبادئ، من ضمنها السلامة الإقليمية للدول وعدم انتهاك الحدود، فضلاً عن عدم التدخل في الشؤون الداخلية وحل المشكلات بالطرق السلمية. بيد أن باكستان رفضت التورط في خطة “الأمن الأسيوي” السوفيتي قبل أن يتم حل المنازعات القائمة مع دول الإقليم، حيث تشكل مبادئ الإعلان حالة متناقضة بالنسبة لأمن باكستان. ففي الوقت الذي تحجم فيه أفغانستان عن المطالبة بأكثر من خط “دوراند” وتمنع الهند من التدخل في شؤونها الداخلية. فإنها تغل يد باكستان عن المطالبة بإقليم كشمير.

وفي ديسمبر 1985 اقترحت الهند على باكستان التوقيع على اتفاقية عدم اعتداء على المنشآت النووية لكل من البلدين، وقد تم بالفعل التوقيع على مثل هذه الاتفاقية في ديسمبر 1988. بيد أنه لم يتم التصديق عليها بسبب عدم رغبة باكستان في تقديم قائمة بمواقع هذه المنشآت. وقد تم التوقيع على هذه الاتفاقية مرة أخرى خلال زيارة رئيس وزراء الهند لإسلام آباد وإجرائه مفاوضات بهذا الشأن، حيث تم التصديق عليها في 30 ديسمبر 1989. وفي ضوء ما تقدم عبرت باكستان، فضلاً عن الهند، عن إدراكها لحقيقة التوازن الإقليمي الناتج من إمكانيات الردع المتقابل الذي بات يشكل جوهر الأمن في جنوب آسيا من دون أن ينقص ذلك من حقيقة استمرار معضلات رئيسية مهددة له وفي المقدمة منها مشكلة كشمير.

كما وجدت باكستان أنه من الضروري الاعتماد بصورة رئيسية على الدعم الخارجي وبالذات قوة الولايات المتحدة والصين لتحقيق التوازن الإقليمي إزاء التهديد الذي شكلته الهند، فضلاً عن أفغانستان، خلال الغزو السوفيتي، ووجود الاتحاد السوفيتي السابق. بيد أن التحول الحقيقي في الدعم الخارجي الذي حصلت عليه باكستان حدث إثر الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979، حيث أدى ذلك إلى تصعيد أهمية الدور الباكستاني للاعتبارات الجغرافية. وحيث أن الهند من جهتها احتلت الأولوية في السياسة السوفيتية إزاء المنطقة، فإن التداخل للقوى العظمى والكبرى الخارجية في شبه القارة أصبح عنصراً حاسماً في تحديدات الأمن، الأمر الذي فرض نفسه في اعتماد باكستان على الدعم الخارجي، وبخاصة من الصين والولايات المتحدة، إذ أنهما اتخذتا موقفاً مشتركاً ضد الوجود السوفيتي في أفغانستان، وهو الأمر الذي عملت باكستان على توظيفه لصالح تطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية في مواجهة تهديدات الهند.

وفي ضوء ما تقدم من متغيرات إقليمية، حققت مصالح مشتركة لاستمرار التعاون بين باكستان وكل من الصين والولايات المتحدة. وقد استثمرت باكستان تلك المصالح لضمان استمرار الدعم الخارجي لها، حيث أكد “ضياء الحق” أن باكستان تعتبر نفسها جزءاً من العالم الحر، وأن الولايات المتحدة زعيمة هذا العالم، وأن “باكستان تعرف أنه ليس بإمكانها الوقوف وحدها في عالم اليوم، حيث تحتاج إلى الحصول على ضمانة أمنية أساسية”[7].

[1] أوقفت الولايات المتحدة العمل باتفاقية `تارابور` الموقعة مع الهند عام 1963 والقاضية بتزويد مفاعلات `تارابور` بكميات الوقود التي تحتاج إليها حيث اشترطت على الهند قبول الضمانات الدولية، كما نصت عليها الاتفاقية التي أكدتها زيارة للهند عام 1978.

[2] منظمة التعاون الإقليمي للتنمية تأسست عام 1964، وقد اقترحت إيران عام 1975 توسيع إطار هذه المنظمة لتشمل الهند والعراق، إلا أن باكستان رفضت هذا الاقتراح للتنافس مع الهند.

[3] قدمت الصين تسهيلاتها لباكستان من أجل إنشاء معامل الدبابات ( T29 ) ذات مدفع كبير، وكذا محرك كبير طراز (800 HP).

[4] تشير المعلومات إلى أن التقانة النووية في باكستان تطورت في عام 1989 إلى مستوى القدرة على عزل الماء الثقيل بنقاوة (95 بالمائة)، الأمر الذي يجعله صالحاً للاستخدام في الأسلحة النووية.

[5] في إسلام آباد تم الإعلان أن تعليق المساعدات يسري على الجانب العسكري فحسب، وبذلك فإن الولايات المتحدة ستوقف تسليم صفقة من الأسلحة قيمتها 1.75 مليار دولار تم توقيعها عام 1989 تتضمن 71 طائرة `ف-16` مدفوعة الثمن بصبغة أقساط حتى عام 1993.

[6] الهند فسرت دعوة أيوب خان بأنها محاولة لجذب الهند نحو التحالفات الإقليمية المنضوية تحت لواء الإستراتيجية الغربية في مواجهة الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي قادها نحو رفض المقترح الباكستاني.

[7] لجنة القوات المسلحة في الكونجرس الأمريكي، معد، بلدان المحيط الهندي والتسهيلات العسكرية.

Print Friendly, PDF & Email
blank