تشير بعض التقديرات إلى أن الجزائر يمكنها إنتاج أنواع ذات جودة عالية بل عالمية من السمسم ومن النعناع ومن التبغ القابل للتصدير، ومواد أخرى مثل الزعفران والقرنفل، وهي مواد يمكنها توفير عائد مادي ضخم للجزائر واستغلال أفضل للمساحات الزراعية وبأقل التكاليف.

لم يتطرق برنامج الحكومة في شقه الخاص بتعزيز الإنتاج الفلاحي في الجنوب والشمال إلى مسألة مهمة، وهي استيراد التبغ من الخارج بدلا من تصنيعه بمواد تبغية منتجة في المزارع الجزائرية، بالإضافة إلى العائد المادي الكبير الذي تحققه هذه الزراعة من خلال التصدير.

صناعة واعدة

ويقول السيد خطار عبد الرحيم، مهندس فلاحي ومتخصص في الزراعة البيولوجية، بأن أغلب التجارب التي أجريت لزراعة بعض النباتات الطبية أكدت أن الجزائر بشكل خاص في الجنوب يمكنها أن تتحول إلى منطقة إنتاج عالمي للنباتات الطبية.

ويضيف المتحدث بأن سعر 1 كلغ من زيت النعناع يفوق 1500 دولار في السوق الدولي، ويحتاج 1 كلغ من زيت هذه النبتة لحوالي 1 طن من نباتات النعناع الذي يمكن توفيره في مساحة1/3 هكتار مدة أقل من 3 أشهر، وميزة النعناع أنه يتجدد ولا يحتاج لإعادة الزراعة بعد الجني أو القطع، وتصل إنتاجية 1 هكتار من الأرض في السنة إلى 6 أو 7 طن سنويا، أي أن هكتارا من الأرض يمكنه تحقيق عائد مادي يصل إلى 10 آلاف دولار بالعملة الصعبة.

ويضيف المتحدث: نجد أيضا مادة عطرية نادرة يمكن إنتاجها في الجزائر والزيوت المشتقة من الخزامى والقرنفل ووردة دمشق والورد الجوري الذي تمت تجربته أيضا في الجزائر، والتي يصل سعر 1 كلغ من زيتها إلى 200 مليون سنتيم، أي 15 ألف دولار، ويحتاج 1 كيلوغرام من الزيت العطري أيضا لحوالي طن من النباتات. ويضيف المتحدث أنه يمكن أيضا تطوير شعب زراعة الورود، فالجزائر يمكنها تصدير كميات ضخمة من هذه المنتجات والاستفادة من قربها من السوق الأوروبي.

وإلى اليوم، تستورد الجزائر 80 بالمائة من حاجاتها من الزيت العطري من الخارج، ومع توسع الصناعة الصيدلانية وصناعة العطر، يمكن أن توفر مثل هذه الزراعة قاعدة زراعية حقيقية لصناعة ناشئة ورائدة، وهو التوجه الذي تبنته دول الجوار، لاسيما الجارة تونس التي استطاع عدد من منتجيها من “وضع أرجلهم” في أسواق أوروبية، خاصة في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا.

زراعة التبغ

عرف الجنوب الجزائري، وتحديدا واحات منطقتي ڤورارة وتوات بولاية أدرار، ومنطقة واد سوف، وواحات المنيعة وعين صالح، انتشارا واسعا لزراعة التبغ بنوعيه “الشمة” و”الدخان”، لكن هذه الزراعة التي كانت تحقق عائدا ماديا كبيرا يمكنه تغطية الكلفة، وتوفير عائد مادي كبير تراجعت.

ويقول الخبير الفلاحي والباحث المهندس كبار موسى: “تشير بعض الوثائق التي أعدتها مصالح الفلاحة في عمالة الواحات، التسمية القديمة لولايات الجنوب الشرقي، إلى أن إجمالي مساحة الأراضي التي كانت مخصصة لزراعة التبغ في الجنوب الشرقي فاقت 1000 هكتار، من بينها مناطق كانت مستغلة من المعمّرين الفرنسيين، لكن الواحات القديمة التي كانت مخصصة لزراعة التبغ في الجنوب الشرقي تراجعت بحلول عام 2000 إلى أقل من 100 هكتار، كلها في مناطق مستصلحة حديثا، هذه الحقيقة حتى مع الخلاف حول شرعية زراعة التبغ، تؤكد أن الجهود الجزائرية للقضاء على التبعية في مجال زراعة التبغ، والأهم هو التوجه إلى التصدير.

وتقول المهندسة الفلاحية وصاحبة مكتب دراسات متخصص، يعيش فتيحة، من غرداية: “تعرف زراعة التبغ بأنها من الزراعات ذات العائد المادي الكبير، كما أن التجارب التي تمت على بعض نبتات التبغ في المنيعة وفي عين صالح أكدت أن التبغ الذي يمكن إنتاجه في الجنوب الجزائري من أفضل الأنواع في العالم، بسبب نسبة المادة العطرية العالية في هذه النبتة، وهو ما يجعل زراعة التبغ في الجزائر زراعة واعدة في المستقبل وقابلة للتطوير بسرعة كبيرة وتحقيق عائدات مالية مهمة”.

وتضيف المهندسة: “أنا أعتقد أن برنامج وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والحكومة في الجزائر غفل عن موضوع بالغ الأهمية، فالأهم الآن ليس تحقيق اكتفاء ذاتي في السكر أو في الذرة في الجزائر، حيث تكون كلفة الزراعة عالية في المناطق المستصلحة، بل تحقيق عائد مادي كبير للزراعة في الجنوب الجزائري، من خلال زراعة النباتات العطرية مثل النعناع الجزائري الذي يمكنه أن يحقق عائدات مالية ضخمة، ولديه سوق رائجة، وبعض النباتات الطبية مثل السمسم والسيترونيل، وهي نباتات يمكنها توفير عائد مادي كبير جدا يتعدى العائد المادي لـ”الدلاع”، البطيخ الأحمر. وبصراحة، أعتقد أن القائمين على برنامج تطوير الفلاحة الصحراوية لم يبحثوا بشكل جيد في موضوع تحسين كفاءة الزراعة في الجنوب”، وتضيف المتحدثة: “العائد المادي الكبيرة والقدرة على التصدير تتركز الآن في بعض النباتات ذات النوعية التي يمكنها دخول السوق الدولية والمنافسة بسهولة”.

تراجع الإنتاج الوطني    

وتشير تقديرات إلى أن كمية التبغ الذي كان ينتج في ولايات الجنوب الجزائري في ولايات غرداية، أدرار وورڤلة 80 طنا عام 1990، وهي كمية كبيرة جدا بالقياس للوسائل التي كانت تستعمل في زراعة تقليدية، الكمية تراجعت حسب بيانات رسمية إلى أقل من طن واحد سنويا عام 2014، والحصيلة تتراجع من عام إلى آخر.

وقال خبراء في تطوير الزراعة الصحراوية إن الجزائر يمكنها تحقيق عائدات مادية تفوق 100 مليون أورو سنويا، على الأقل في حالة تطوير زراعة التبغ في الجنوب، بوسائل واستثمارات بسيطة نسبيا.

وكشف الخبراء في يوم دراسي حول “الفاعلية الاقتصادية للزراعة والتنمية” انعقد في غرداية، أن العائد المادي لزراعة هكتار واحد من التبغ سنويا يصل إلى 10 أضعاف العائد الذي تحققه أي زراعة أخرى، حسب المشاركين في اليوم الدراسي، لكن هذا النشاط الذي اشتهرت به واحات المنيعة وتيميمون وأدرار، وعين صالح وورڤلة القديمة، اختفى تماما، وبات جزءا من الماضي، فالكميات المنتجة في الفترة بعد عام 1940 تاريخ بداية زراعة التبغ في الجنوب، كانت تصدر إلى الخارج وتنقل إلى مصانع التبغ وكان الجنوب الجزائري معروفا بنوعيات جيدة من التبغ التقليدي “الشمة” والتبغ الموجه للتدخين من أفضل الأنواع.

ويقول خبير الفلاحة المتخصصة، المهندس المختص فيلالي خالد، إن المناخ في المناطق شبه الرطبة في الجنوب وتحديدا بالمنيعة وتڤرت هو مناخ مثالي لإنتاج التبغ، بكميات كبيرة يمكنها تحقيق عائدات مادية كبيرة، إما عبر التصدير المباشر أو عبر التصنيع والتصدير لاحقا.

وقال المتحدث إن إنتاج التبغ التقليدي والمخصص للتدخين في الجنوب كان يتراوح بين 70 و85 طن سنويا في الفترة بين عامي 1980 و1990، إلا أن الكمية المنتجة اليوم أقل من 1 طن فقط من التبغ التقليدي الشمة، كلها موجهة للاستهلاك المحلي في الجنوب الغربي في أدرار، بشار وأجزاء من عين صالح، بمعنى أن هذه الزراعة تكاد تنقرض.

وبالرغم من الملاحظات المتعلقة بحرمة هذه الزراعة، فإن هذا النشاط الزراعي يعد ذا فاعلية اقتصادية كبيرة ليس فقط بسبب العائد المادي الكبير، بل أيضا لأنه يوفر مناصب شغل أكثر من أي نشاط فلاحي آخر، وقد اقترح المشاركون في اليوم الدراسي إنشاء شركات خاصة تقوم بهذه العملية التي يمكنها تحقيق عائد مادي كبير والمساهمة بالتنمية في مناطق هي بأمس الحاجة إليها.

مشروع فرنسي

في عام 1959، بدأت شركتان فرنسيتان في التحضير لإنشاء مساحة إنتاج واسعة للتبغ، تمتد في منطقتي المنيعة وواد ريغ. وهنا، يقول السيد بوكريم عبد القادر، مستثمر فلاحي ورئيس الجمعية الوطنية خضرة المتخصصة في الفلاحة الصحراوية: “تضمن مشروع لشركتين فرنسيتين في عام 1959 تخصيص مساحة أولية تتعدى 1000 هكتار، مع إنشاء وحدة معالجة في المنيعة لنقل كميات التبغ لاحقا إلى مصانع في فرنسا، لتسويق المنتج، جاء هذا بعد أن قام المعمّر الفرنسي المعروف في منطقة تڤرت هيرنار بأول تجربة لزراعة نبتة التبغ ذات الورقة الكبيرة الذي يصنع منها أرقى أنواع السيجار الكوبي، وتوجد صور لهذه التجربة التي نشرت في صحف فرنسية صادرة في الجزائر في عام 1958، وهذا ما شجع الفرنسيين على الاستثمار في المشروع الذي لم ير النور لاحقا بسبب استمرار ثورة التحرير واستقلال الجزائر لاحقا”، هذا المشروع يمكن الآن تجسيده في الجزائر وبسهولة وتحقيق عائدات مادية كبيرة.

وتواجه زراعة التبغ منذ سنوات في آخر معاقلها في ولاية أدرار خطر الانقراض، بسبب وقف تصديرها من قبل السلطات المحلية والمركزية منذ أن قررت السلطات غلق الحدود البرية مع دولة مالي. وتوظف هذه الزراعة التي تنتشر في دوائر وبلديات عدة بالولاية، منها زاوية كنة وغرميانو وطلمين وبودة وتسفاوت.

وقد كانت هذه النبتة تزرع منذ قرون بالمنطقة، وكانت تسوّق إلى مالي والنيجر، وتعدّ مصدرا مهما للعملة الصعبة في المنطقة منذ عقود من الزمن، حيث يصل سعر الأنواع الفاخرة منها إلى 50 دولارا للكلغ، الفلاحون يشتكون ممّا يسمونه “التضييق” عليهم، والذي يتعلق أيضا بعمليات التفتيش التي تقوم بها بعض الجهات الأمنية بحثا عن نبتة الحشيش الممنوعة التي أشاروا إلى أنه لا صلة لهم بها.

وأشار المعنيون إلى أن السلطات المحلية منعت في بعض الحالات زراعة التبغ المحلي “الشمة” دون وجود مبرر للعملية. وتشتهر ولاية أدرار منذ قرون عديدة بإنتاجها الوفير لـ”الشمة” التقليدية التي كانت تسوّق في الجزائر وفي دول الجوار، إلا أن سوء التسيير، كما يقول الفلاحون، أدى إلى تراجع المساحة المزروعة من أكثر من 1000 هكتار في التسعينيات من القرن الماضي إلى أقل من 100 هكتار الآن، ويطالب الفلاحون بإعادة تنشيط التصدير، ومساعدة الفلاحين من أجل تحقيق عائد مادي للمنطقة التي تعاني أصلا من التخلف والفقر.