مصطفى عثمان إسماعيل (**)

أولاً: في دلالات العنوان

يستهويني تقليب النظر كثيراً في عناوين الأوراق التي يُقترح علي الكتابة فيها.

ولا ينبع ذلك من حقيقة أن العنوان هو مفتاح الأفكار، ومرتكز المنهج، وحسب، لكن لأن العناوين عموماً تأتي وبرفقتها حمولةٌ هائلةٌ من المفاهيم والافتراضات التي تشكل بيئةً نفسية – في جانب من جوانبها – تكشف عمّا يختلج في صدر واضع العنوان، فرداً كان أو مؤسسة، كما تسرِّب إلى الخاطر الأجواء المحتملة للمنتدى المقصود بالمخاطبة.

ومن العناوين ما يأتي على هيئة تساؤل، ليريح المجيب من مغبّة التصنيف، فهو مجرد سؤال يحتمل الخطأ أو الصواب وفقاً للفرضيات التي يستند إليها من يتصدَّى بالإجابة عن ذلك الاستفسار.. غير أن من العناوين ما يأتي بصيغة «المسلَّمات»، التي تقتضي ركونَ الكاتب نهائياً لمحدِّداتها، وربما بدا هذا العنوان من هذا القبيل الأخير.

وقد بدا لي – تأسيساً على ذلك – أن أعدِّل في العنوان قليـلاً وأحوِّر بما يتفق وقناعاتي الخاصَّة… مثـلاً مستقبل السودان بعد التقسيم أو السودان بعد التقسيم جدل الهوية والديمقراطية أو السودان بين التقسيم والتغيير. غير أني رأيت في الالتزام به ضرباً من التحدَّي المجيد، وإبحاراً في معطياتٍ كثيرة ربما تشير إلى أنه عنوان يحتاج إلى كثير من الصبر على حتميِّة مراده.

فالسودان بلدٌ ككل البلدان، يجوز عليه ما يجوز عليها في سياق تطورها علُوّاً وانخفاضاً… والاستبداد مفهومٌ راسخ المدلولات في صفحات علم الاجتماع السياسي وأسانيد التاريخ… والتقسيم تطورٌ مشهودٌ يصيب بنية الدول والمجتمعات، كما يصيبها التوحُّد بدرجاته المتفاوتة… كل ذلك صحيحٌ مسلَّمٌ به. لكن المعضلة تبرز حين نضم شتات هذه المفردات كلّاً إلى الآخر، ثم نضيف إليها أداتي الظرف والعطف: «بين» و«و»، لتزيد المسافة الفاصلة بينهما من حتمية المسلَّمة وضراوة محدِّداتها… (السودان: بين الاستبداد والتقسيم).

أقول هي معضلة لأن واضع العنوان يسانده بعض الحق وهو ينظر إلى المشهد في نهاياته: بلد يؤول به المآل إلى أن ينشطر إلى جزأين؛ بلد لا يتنسَّم التعددية الليبرالية إلا قليـلاً حتى تفاجئه آلة العسكر بإحكام قبضتها… نعم، هو مشهدٌ صحيح بهذا القدر من النظر والإدراك. ولكن المتفحص بعينٍ بصيرة تقول إن وراء المشهد ما وراءه، لا يمكنه أن يركن إلى هذه الصيغة المتسِّمة بشيء من التبسيط، وأرجو ألّا يكون تبسيطاً مخلّاً.

فما هو السودان الذي نتناوله بالاستقراء هنا؟ متى بدأ؟ ومن هم صانعوه؟ وكيف مضت به السنوات؟ ولماذا انتهت به الحال إلى ما هو عليه اليوم؟ وهل هو تطورٌ نهائي لا مزيد منه؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة المفصلية جديرةٌ بأن تضعنا على المحك الصحيح ونحن نرتاد مجاهيل الإجابة عن السؤال الرئيسي الذي يفترعه العنوان.

ثم: الاستبداد: ما كنهه؟ وما هي تجلياته وأنماطه؟ وهل هو رهينٌ بالأنظمة الأحادية الرؤية؟ أم أن له وجوهاً أخرى تحمل جرثومتها أنظمة تلبس الزيّ الديمقراطي وتتحلَّى بمظاهره؟ والتقسيم: أهو تطورٌ لاحق أم أنه أساس؟ وهل هو استحقاق أم ضربٌ من التخلِّي وإيثار للتقوقع؟

ثانياً: السودان اصطناع التكوين

يمكن القول من دون تردد إن السودان بخريطته الشهيرة التي فصمها الانفصال، هو دولة حديثة التكوين بمعيار الوجود الدولي. فالعام 1821 الذي شهد دخول حملة محمد علي باشا والي مصر لدى الباب العالي، بقيادة ابنه إسماعيل باشا، هو العام الذي يؤَّرخ به لميلاد السودان الحديث. صحيحٌ أن التخطيط الذي انطلق منذ ذلك العام، والجهود الديوانية والعمرانية التي مضت تتمدد تحت إدارة واحدة، اقتضت كلها بعضاً من الزمن لتظهر ملامح الوليد الجديد، لكن لا مندوحة عن القول إن الحملة التي انطلقت لتدخل حدود السودان يومذاك هي ما يؤرخ به لميلاد الدولة الجديدة، استناداً إلى خطة الفتح ذاتها التي نبعت من دافعَين شهيرَين: جلب الذهب، وجلب الرجال (الرقيق)، وكلا الدافعين كانا يسطّران الحدود الجديدة بشكل تلقائي، فالذهب الذي تحول الحديث عن ثروته السهلة المنال من همس الأكواخ البائسة المنتشرة في شرق البلاد وغربها، إلى حلم وهاجس مؤرِّق للباشا محمد علي في القاهرة، كان قد رسم خطى الحملة العسكرية بين خطَّي الطول شرقاً وغرباً؛ شرقاً إلى حدود بني شنقول المتاخمة للحبشة، وغرباً إلى ملتقى حدود كردفان بدارفور التي لم تنضم إلى الخريطة الشهيرة للعام 1916، بعد إنهاء الإنكليز ملك السلطان علي دينار. أما خطوط العرض، فقد رسمها الدافع الآخر، دافع جلب الرقيق الذي امتدت به أطماع الباشا ليضم منطقة بحر الغزال إلى سلطته بإذن من الباب العالي في إسطنبول، ليدخل الجنوب – وللمرة الأولى – مشكِّلاً الخريطة الجديدة بكل مآسيها ومعضلاتها، فهي خريطة مؤسسة على رؤيةٍ مصلحيةٍ لم تستصحب سوى أطماعها وأحلامها بالغنى والثروة: هنا بدأت تتضح حدود الأزمة المختلقة المشهورة في كتب دراسات علم الاجتماع السياسي: دولة تسبق أمَّة.

من الطبيعي أن تسبق الأمة الدولة ليضحي النسيج الاجتماعي عامـلاً نهائياً في تشكيل الحدود الجغرافية للدولة، وإلا لما انفصل التشيك عن السلوفاك، حديثاً؛ وكذلك التيموريون عن الوطن الأم إندونسيا، ولما استطاعت ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية التوحد مرة أخرى.

سبقت الدولة الأمة في تشكيل السودان على أيدي الأتراك، إذاً، كما قدمنا، ولم يكن من المستغرب أن يرسّخ من هذا الوضع المستحدث، الوطنيون الجدد في السودان المتمردون على سلطان الباب العالي وسياساته التعسفية، فقد نهض الإمام محمد أحمد المهدي بجنوده في إحدى أكبر الثورات التاريخية التي عرفتها القارة الأفريقية، ولم يكن يقف أمام انتصارات المنقذ الجديد أيٌّ من الحدود، إذ بدا أنه قد قبِل التحدي بخوض غمار المواجهة في كل حدود الدولة الجديدة فأرسل قواته لتبلغ منطقة بحر الغزال المنضمَّة حديثاً إلى التشكيلة المعهودة. فإن الممالك السودانية السابقة وآخرها – إلى ما قبل العهد التركي – دولة السلطنة الزرقاء وملحقاتها، لم تكن قط قد بلغت حدود الجنوب. وعلى الوتيرة نفسها مضى الإنكليز في حكمهم الثنائي (مع مصر) 1896، إذ لم ينظروا أبداً إلى حقائق مكونات الدولة الجديدة، وسارعوا إلى وضع إداراتهم في الجنوب بوصفه أصـلاً أصيـلاً في الخريطة المستحدثة، ثم مضوا لينهوا حكم سلطان الفاشر (علي دينار) 1916، لتنضم دارفور بصفة نهائية إلى خريطة دولة السودان كما عهدها العاهدون.

ولئن كانت منطقة دارفور تعجُّ بمفردات التوافق والتعايش التي تجعل منها جزءاً من البلاد، استناداً إلى مقومات اللغة والدين، فقد عزَّ أن يوجد في الجنوب ما يمكن الاستناد إليه في اعتبار مفرداته جزءاً لا يتجّزأ من الدولة السودانية، وقد كانت تلك أولى إشارات التباين العميق الذي أفضى إلى الانقسام: مرةً أخرى: تكوُّنٌ مصطنع غير طبيعي فماذا يكون مآله؟

ثالثاً: الاستبداد: قولة حق لكنها لم تكتمل

لا تغيب عن الأذهان حقيقة أن أكثر الأقطار توحُّداً واستقراراً هي تلك التي تنهض معطياتها الجغرافية على أساس من التراضي والتوافق المجتمعي. تلك حقيقة صادعة لا مجال لإنكارها أو التجادل في شأنها، إذ إن شواهدها ساطعة أمامنا، كما إن كل الدول التي تعاني تشظِّياً وثورات دامية هي تلكم الأقطار التي تشكَّلت تحت وقع الطغيان والمخاتلة المستبدَّة.

على هذا المرتكز من الرؤية غير المختلف حولها، يمكننا النظر إلى السودان بوصفه دولةً أصابها من الحكم الأحادي أكثر مما تمتعت به من الحكم التعددي: الأتراك بدولتهم التي استمرت زهاء ستِّين عاماً (1821 – 1880)، والإنكليز الذين امتد حكمهم لستين سنة أيضاً (1896 – 1956)، ثم حكم الفريق إبراهيم عبّود ذو السنوات الست (1958 – 1964)، فحكم المشير جعفر نميري ذو الأعوام الستة عشر، ثم حكم الإنقاذ بقيادة المشير عمر البشير ذو السنوات الست والعشرين التي لا تزال متصلة. ولئن جاز لنا أن نضم العهود الاستعمارية مع العهود الوطنية العسكرية، بقصد لمِّ شتات المفاهيم في إطار أحادية الحكم، فإنه يبدو من العسير أن يجوز لنا القول إن الاستبداد كان هو السمة الأكثر بروزاً لدى تلك الأنظمة. صحيح أن الأنظمة العسكرية الوطنية التزمت التزاماً قاطعاً بتمرير مقولاتها وتنفيذ رؤاها المنهجية الأيديولوجية، ولكن تلك الأنظمة (عبود، نميري، البشير) استطاعت إلى حدٍّ واسع شحذ القيم الوطنية، والاستماتة في سبيل الحفاظ على وحدة الوطن في الحدود التي تضمن صون حقوقه، وذلك على عكس السياسات الاستعمارية التي عمدت إلى تعميق الخلاف بين أطراف النسيج غير المتماسك أصـلاً؛ فقد تبنّت سلطة الحكم الثنائي في الخرطوم عدداً من السياسات قادت في نهاية المطاف إلى ما نشهده من مآزق التشظِّي في السودان، ومنها:

1 – سنّ قانون المناطق المقفولة عام 1921

وهو القانون الذي قضى بالحد من التواصل الطبيعي بين أبناء الشمال وأبناء الجنوب، إذ مُنع أيّ شمالي من دخول الجنوب وأيّ جنوبي من العبور إلى الشمال، إلا إذا كان حامـلاً رخصة بذلك، ومنع الجنوبيين من اتخاذ أي شعائر أو مظاهر تمتُّ بصلة إلى الشمال، ملبساً وعقيدةً ولغةً، لتبقى المفارقة البيِّنة (دولتان متغايرتان في شكل دولة واحدة).

2 – التخلص من الوجود العربي في الجنوب

وهو الوجود المتمثل بثلاث مجموعات: قوات الجيش المصري المعسكرة في الجنوب؛ الموظفون المصريون والسودانيون؛ والتجار الشماليون. وقد أكّد حاكم منجالا (أوين باشا) في كتاب له إلى الحاكم العام يوم 10 كانون الثاني/يناير 1918 أنه نجح في إبعاد من أسماهم كل المتعصبين من الجنود أو التجار وأعرب لسلطات الخرطوم عن رغبته في ألا يعودوا أبداً إلى الجنوب.

3 – إعلان بريطانيا إغلاق مناطق جنوبية عام 1922

فرضت ثورة 1919 في مصر تغيرات مهمة على السياسة البريطانية في السودان، وبخاصة في الجنوب الذي كان موضع اهتمام لجنة ملنر (Milner) التي جاءت للتحقيق في أسباب الثورة، وخصت جنوب السودان بثلاث مذكرات:

أ – الأولى بتاريخ 15 شباط/فبراير 1920 بعنوان «اللامركزية في السودان بهدف فصل الزنوج عن الأراضي العربية» بإقامة خط يفصل الزنوج عن الأراضي العربية يمتد من الشرق إلى الغرب ويسير مع أنهار بارو والسوباط والنيل الأبيض وبحر الجبل.

ب – المذكرة الثانية التي أعدتها حكومة السودان ورأت أنه في ما يخص الزنوج، فهي على استعداد لقبول اندماجهم في حكومات أملاك أفريقية أخرى، مثل أوغندا وشرق أفريقيا «وإقامة اتحاد لوسط أفريقيا تحت الإدارة البريطانية يضم بالطبع زنوج السودان».

ج – آخر هذه المذكرات وأكثرها صراحة كتبت يوم 14 آذار/مارس1920، وجاء فيها بالنص «إن سياسة الحكومة هي الحفاظ بقدر الإمكان على جنوب السودان بعيداً عن التأثير الإسلامي، ففيه يتم توظيف المأمورين السود، وعندما تقتضي الضرورة إرسال كتبة من المصريين يختارون من الأقباط، وأصبح يوم الأحد هو يوم العطلة بدلاً من يوم الجمعة، وأخيراً تشجيع المشروعات التنصيرية».

يصبح مفهوماً في ضوء هذه المذكرات ما جاء في تقرير اللورد ملنر من أن «الأكثرية الكبرى من أهل مصر متجانسة، أما السودان فمنقسم بين عرب وسود، وفي كل منهما أجناس وقبائل يختلف بعضها من بعض كثيراً. أما عرب السودان، فيتكلمون باللغة التي يتكلم بها أهل مصر وتجمع بينهم جامعة الدين».

بعد شهور من إصدار الحكومة البريطانية تصريح 28 شباط/فبراير 1922 الذي اعترفت فيه باستقلال مصر، وفي أيلول/سبتمبر من العام نفسه على وجه التحديد صدر أمر «الجهات المغلقة» (Closed Districts) الذي تضمن جدولاً بجهات معيّنة تشمل مديرية بحر الغزال ومديرية منجالا والسوباط ومركز بيبور ومديرية أعالي النيل غرب وجنوب خط يمتد من شركيلة إلى ملاكال ومنها شرقاً إلى حدود المديرية، وتقرر أنه «لا يجوز لأي شخص من غير أهالي السودان أن يدخلها ويبقى فيها إلا إذا كان حامـلاً رخصة بذلك، ويجوز للسكرتير الإداري أو مدير المديرية منع أي شخص من أهالي السودان من دخول تلك الجهات أو البقاء فيها».

«القبول باستمرار اللغة العربية في الجنوب سيؤدي إلى انتشار الإسلام، وهو ما يضيف للشمال المتعصب منطقة لا تقل عنه في المساحة».

رابعاً: توصيات ومذكرات فصل الجنو

1 – السكرتير الإداري البريطاني ماكمايكل

في منتصف عام 1929 أجرى المندوب السامي البريطاني في القاهرة اللورد لويد جولة في السودان وعاد بعدها ليكتب مذكرة سرية عما أسماه «مشكلة السياسة التعليمية في جنوب السودان»، بدأها بالقول إن هناك مشكلة لغة في المنطقة الواقعة بين خطي عرض 4 و12 شمالاً (الجنوب)، وهي المنطقة التي يعيش فيها السودانيون الوثنيون.

أما طبيعة هذه المشكلة فهي «هل تبقى اللغة العربية لغة تفاهم عام؟» أجاب عن تساؤله من خلال عرض مذكرتين كتب أولاهما المستر ماكمايكل السكرتير الإداري (Civil Secretary)، ووضع الثانية المستر ماثيو سكرتير إدارة المعارف.

ذكرت المذكرة الأولى أن القبول باستمرار العربية في الجنوب سيؤدي إلى انتشار الإسلام مما يضيف للشمال المتعصب – على حد قوله – منطقة لا تقل عنه في المساحة. أما المذكرة الثانية فقد أشارت إلى أن اللغة العربية المنتشرة في الجنوب أقرب إلى الرطانة الغامضة، واقترحت تشجيع الموظفين لدراسة اللهجات المحلية، وحيث لا يمكن استخدام هذه اللهجات تحل الإنكليزية محل العربية. وفي ضوء هاتين المذكرتين وضع اللورد لويد توصياته على النحو التالي:

  • تشجيع الموظفين في المديريات الجنوبية على تعلّم اللهجات المحلية، ونشر بعض المجموعات اللغوية.
  • محاربة اللغة العربية وتشجيع استخدام اللغة الإنكليزية بدلاً منها.
  • بذل الجهود لمواجهة الحاجات التعليمية المتزايدة في المديريات الجنوبية بتأسيس مدرسة أو مدرستين حكوميتين في مناطق بعينها، ويمكن تحديد هذه الحاجات بتدريب عدد مناسب من الصبيان للخدمة في الإدارات الحكومية. ويسمح في الوقت نفسه لمدارس الإرساليات القائمة بالاستمرار في عملها.

«إنكلترا كدولة مسيحية لا يمكنها أن تشارك في سياسة تشجيع انتشار الإسلام بين شعب يزيد على ثلاثة ملايين وثني».

2 – وزير الخارجية البريطاني هندرسون

أقرت حكومة لندن هذه المذكرة مع اختلافات بسيطة في الوسيلة لا الهدف، الأمر الذي بينته مذكرة لوزير الخارجية المستر هندرسون الذي رأى الموافقة على مقترحات لويد لسببين:

الأول ديني، لأن إنكلترا «كدولة مسيحية لا يمكنها أن تشارك في سياسة تشجيع انتشار الإسلام بين شعب يزيد على ثلاثة ملايين وثني». والثاني سياسي، «فنظراً إلى انتشار خطورة التعصب الديني بين شعوب انتشر فيها الإسلام مؤخراً قد يترتب عليه نتائج مدمرة».

أما الاختلاف في الوسيلة، فقد رأى هندرسون أنه الاقتصار على الجمعيات التنصيرية مع زيادة المعونة الحكومية لها. ورأى أنه «في ظل الظروف الحالية أمام العمل التنصيري في السودان مستقبل غير محدود، ويستطيع المنصرون من خلال تقديم الخدمات الطبية كسب ثقة الأهالي ونشر شكل مبسط من القيم المسيحية والتخلص من الخزعبلات البدائية التي تسيطر على معتقداتهم».

في ضوء هذه الأفكار، وفي يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 1929 وضع الحاكم العام للسودان السير في خطة ما لتنفيذها، ذات أربعة جوانب: تشغيل الموظفين من «غير المسلمين» في الإدارة بهيئاتها الكتابية والفنية والإصرار على تعليم الموظفين البريطانيين معتقدات وعادات ولغات القبائل التي يقومون بإدارة مناطقها والتحكم في هجرة التجار الشماليين وسياسة تعليمية محددة، وهو الجانب الذي لقي عناية كبيرة على اعتبارها حجر الزاوية في سياسة «لاتعريب» جنوب السودان.

هناك جانب آخر من جوانب هذه السياسة يتمثل بالتخلص من استخدام اللغة العربية المنتشرة في بعض أنحاء الجنوب، التي وصفها المسؤولون في حكومة السودان بأنها «عربية مهلهلة».

بدأ المسؤولون في حكومة السودان البحث عن البديل، وقد جمع بين استخدام اللهجات المحلية بعد تطويرها على نحو يجعلها لغات مقروءة جنباً إلى جنب مع اللغة الإنكليزية، وهو البديل الذي بدأ المسؤولون اتخاذ الخطوات اللازمة لوضعه موضع التنفيذ من خلال وسيلتين:

أولاهما، عقد مؤتمر لغوي في مدينة «الرجاف» حضره موظفو حكومة السودان المسؤولون عن التعليم، وقد تم خلاله اختيار عدد من المجموعات اللغوية المحلية ووضع الكتب والمراجع بها.

والثانية، استخدام الإنكليزية محل العربية في المناطق التي لا يعرف موظفو الحكومة الحديث باللهجة المحلية، كما هو حاصل بين القوات الاستوائية وقوات البوليس، وحيث تكون اللهجة المحلية غير قابلة للاستخدام.

3 – إجراءات فصل الجنوب

تمثلت هذه الإجراءات بالآتي:

– تشجيع البعثات التنصيرية.

– إعداد الموظفين غير الناطقين باللغة العربية.

– تشجيع التجار اليونانيين والسوريين المسيحيين على حساب تجار الشمال المسلمين.

– إقرار المصطلحات والأوامر باللغة الإنكليزية في الفرقة الاستوائية.

أ – خطة بريطانيا لمحاربة التعريب

في كانون الثاني/يناير عام 1930 وجه السكرتير الإداري لحكومة السودان تعليمات إلى مديري المديريات الجنوبية تضمنت الإجراءات التنفيذية للسياسة الجديدة، وقد شملت جانبين:

الجانب الأول، بناء سلسلة من الوحدات العنصرية أو القبلية ذات الهياكل والنظم القائمة على التمايز العنصري والديني. على أن يتم ذلك بإبعاد الموظفين المتحدثين بالعربية ولو كانوا جنوبيين، وجعل الإنكليزية لغة المكاتبات الرسمية بالنسبة للكتبة، وكذلك جعلها لغة الأوامر العسكرية ولغة التخاطب بين العمال والخدم ومعهم، بل تفضيل استخدام المترجمين بدلاً من الاستعانة بالعربية. وحصر هجرة التجار الشماليين وتشجيع التجار اليونانيين والسوريين المسيحيين.

الجانب الثاني، تضمن وسائل قياس التقدم في تنفيذ السياسة المذكورة بإعداد جدول سنوي يوضح في جانب منه عدد المسلمين بالنسبة إلى مجموع موظفي الحكومة في الجنوب، ثم عدد الموظفين البريطانيين الذين أجادوا تعلم اللغات المحلية، يلي ذلك تطور عدد التجار الشماليين في الجنوب، وبعدها عدد المدارس التنصيرية والأموال التي تنفقها الحكومة على التعليم.

بعد وضع خطة «لا لتعريب جنوب السودان» في أدق تفاصيلها بقي تنفيذها الذي تطلَّب أولاً مسح الوجود العربي الإسلامي في الجنوب. وتضمن الجانب الثاني من الإجراءات ما كان متصـلاً بالتخلص من الوجود الثقافي العربي. وقد ظلت عملية الفصل نشطة خلال السنوات التالية.

في عام 1929 حين بدأ التخطيط بجد لفصل الجنوب من الشمال كان هناك أربع إرساليات تنصيرية تعمل في المديريات الجنوبية تشرف على ثلاث مدارس وسطى و30 مدرسة أولية فيها 1907 تلاميذ. وفي عام 1931 أقامت الإرسالية الكاثوليكية مدرسة لتدريب المعلمين في توريت بمديرية منجالا، وزادت في العام التالي خمس مدارس للبنات، وثلاث مدارس حرفية، ومدرستين لتخريج معلمي المدارس الأولية، هذا فضـلاً عما أسماه الإنكليز «مدارس الشجرة» (Tree Schools) التي أقيمت في القرى ويتولّى التدريس فيها معلم من أبناء القرية نفسها.

فضـلاً عن ذلك، تم استخدام لهجات الجنوب بعدما تحوّلت إلى لغات مكتوبة، فوضعت أسس قواعد لغات الباري واللاتوكو والشلك والدنكا والنوير. وفي عام 1931 تم طبع كتابين بلغة الزاندي، ومثلهما بلغة الباري، وأربعة بلغة الدينكا، وواحد بكل من لغات النوير والكريش والمورو واللوتوكو، الأمر الذي استمر في تزايد خلال السنوات التالية.

ب – الحصاد المر (1949 – 1955)

اقتنعت بريطانيا بعد التخلف الذي ساد الجنوب بسبب سياستها هناك بأن العوامل الجغرافية والاقتصادية تحتم وحدة الشمال مع الجنوب كي يستطيع الجنوبيون الاعتماد على أنفسهم ويكونوا أنداداً متساوين اجتماعياً واقتصادياً مع شركائهم وزملائهم من الشماليين.

أثناء الحرب العالمية الثانية وبعد إنشاء المجلس الاستشاري لشمال السودان، كتب مدير المديرية الاستوائية يوم 14 آب/أغسطس 1943 طالباً إعادة النظر في السياسة المتبعة في الجنوب، وكتب مدير المعارف في العام التالي ما مؤداه أن سياسة الحكومة في جنوب السودان قد أدت إلى تخلفه إذا ما قورن بالشمال.

في العام التالي، وفي مذكرة وجهها الحاكم العام في السودان إلى السفير البريطاني في القاهرة طالب بضرورة البحث في مصير الجنوب، إما بالاندماج في الشمال وإما بالاندماج في شرق أفريقيا وإمّا دمج بعضه في هذا الجانب ودمج بعضه الآخر في الجانب الآخر.

وفي عام 1946 وبعد اتباع سياسة السودنة تألفت لجنة للنظر في إمكان تنفيذها في الجنوب وضعت تقريراً أدانت فيه بشدة سياسة الحكومة الجنوبية، وطالبت «بإلغاء تصاريح التجارة واتباع سياسة موحدة للتعليم في الشمال والجنوب، وتعليم اللغة العربية في مدارس الجنوب، وتحسين وسائل الاتصال بين الجانبين، وتشجيع انتقال الموظفين بين الشمال والجنوب وتوحيد النظم بينهما»، الأمر الذي يتطلب البحث في الأسباب التي أدت إلى الانقلاب في السياسة البريطانية تجاه جنوب السودان، وهو ما شرحه التقرير بالتفصيل.

يكشف الإمام الصادق المهدي رئيس وزراء السودان الأسبق أن المستعمر البريطاني خطط منذ عام 1922 لفصل جنوب السودان من شماله، وأنه خلق للجنوب هوية «مسيحية أنغلوسكسونية»، لكن عوامل جيوسياسية حالت دون تحقيق ذلك المخطط في تلك المرحلة. ويضيف في الجزء الثاني من شهادته لبرنامج «شاهد على العصر» في قناة الجزيرة الفضائية أن البريطانيين حين شعروا أن مشروعهم لم ينجح طرحوا على الجنوبيين في مؤتمر عقدوه في جوبا عام 1947 مسألة الاندماج مع الشماليين مع وعود بالحفاظ على خصوصيتهم الجنوبية، من هنا تبلورت فكرة الفدرالية.

4 – الأثر الاستعماري في تقسيم السودان

إضافة إلى ما ذُكر آنفاً من سياسة المناطق المقفولة ومبدأ فرِّق تسُد الذي مارسته الإمبراطورية البريطانية في مستعمراتها تحقيقاً لرغبة الدوائر الاستعمارية في تفتيت السودان امتداداً للسياسة التي تنتهجها القوى التي كانت مستعمرة للقارة الأفريقية، يقول جمال حمدان في كتابه استراتيجية التحرر والاستعمار إن ظاهرة التفتيت السياسي ظاهرة صاحبت التحرر، حيث لجأ الاستعمار عامداً قبل خروجه إلى تفتيت مناطقه السابقة ميكروسكوبياً، وفي أفريقيا بالذات تفتيتاً ذرّياً حتى يترك وراءه نسيجاً متهالكاً أقرب إلى الأمثولة والأعجوبة منه إلى الكيان الجيوبوليتيكي الصحي السليم، وهو ما نراه اليوم على الساحة السودانية.

وحديثاً، يوجد الصراع الأمريكي – الفرنسي لاقتسام مناطق نفوذ جديدة في القارة، ويأتي السودان على رأس المناطق المستهدفة كونه جسر التواصل بين العالم العربي وأفريقيا. ولا خلاف على أن القوى الغربية تعمل منذ زمن على فك ارتباط العرب بأفريقيا. زد على ذلك الأطماع الغربية في ثروات إقليم دارفور الذي يقال إنه يقوم على بحر من النفط وبداخله احتياطيات هائلة من اليورانيوم وغيره من المعادن النادرة.

ثم هناك الصراع الأمريكي – الصيني على ثروة السودان وقيام الولايات المتحدة باستمالة القيادات الجنوبية للحصول على امتيازات في مناطق الجنوب التي ثبت أنها تقوم على بحر من النفط، وفي الواقع نجحت في ذلك.

أضف إلى ذلك التحرك الإسرائيلي في عمق القارة الأفريقية والتركيز على تأجيج الفتنة بين الأعراق ومد الفصائل المتمردة بالمال والسلاح والخبراء لتحقيق أهدافها في الحصول على الخامات والمواد الأولية وفتح الأسواق فضـلاً عن تخفيف الضغط الواقع عليها من قبل بعض النظم ومنها السودان… كما أن إسرائيل لا تخفي أطماعها في مياه النيل. وهي بذلك تساند الجنوبيين وتدعم رغبتهم في الانفصال لزيادة الضغظ على مصر من ناحية، ولمواجهة حالة الفقر المائي الذي تعانيه من ناحية ثانية.

غير أنه لا ينكر منكر أن الإدارة الاستعمارية، رغم ما تبدَّى من استبداد يدها الباطشة في الحكم، فإنها ظلت الإدارة التي أرست دعائم النهضة الحديثة في البلاد، منذ أول تيار كهربائي أمدت به القطر، وأول باخرة مخرت عبر النيل جنوباً، وأول قاطرة شيّدت من أجلها الجسور على النيل، وأول سيارة اطّرد خلفها جيلٌ من السيارات قرّبت البعيد من نازح الأصقاع ويسَّرت التواصل… إلخ.

وتلك حقيقة مهمة.. تتابعت وقائعها مع العهود الوطنية العسكرية، إذ بدا أن التنمية المشهودة في السودان هي أمرٌ منسوبٌ كلياً إلى هذه العهود، يشهد بذلك سجل الأرقام ووتائر الاقتصاد في وقت خلت سجلات العهود التعددية من أي إنجاز تنموي.. ولئن قال قائل إن هذه العهود لم تستمر بالقدر الذي يكفل لها تحقيق أيِّ إنجاز تنموي، فإن منطق النسبة والتناسب سيظل يحاكم هذه العهود من خلوِّ صفحاتها التنموية، بل حتى المشاركة السياسية التي هي مرتكزٌ أصيلٌ في التنمية السياسية، شهدت تشوُّهاً واضمحلالاً يجعلها تحسب ألف حساب لتكرار هذه التجربة المحزنة، ومن شواهد ذلك، التي تثبت أن الاستبداد ليس وقفاً على العهود العسكرية، ما يلي:

أ – ظلت التجربة التعددية في السودان، منذ منتصف القرن الماضي، رهناً لطوائف محَّددة تبدأ بها الدورة ثم تدخل متاهات اختلافاتها الطائفية لتفضي إلى اخفاق تام يفتح الباب على مصراعيه لتدخل العسكر (عبد الله خليل، الفريق عبود)‏[1]، الذين ينتفض الشعب عليهم ثم تعود الطوائف القديمة نفسها لتستغل انتفاضات الشعب في التقدم إلى الحكم وممارسة لأخطاء القديمة نفسها لتعود الدائرة الجهنمية إلى وتيرتها الأولى… وهكذا دواليك… فأي استبداد أكثر من هذا التنميط المخل؟

ب – نهجت الأحزاب التعددية في السودان منهجاً أستبدادياً داخلياً في بنيتها الذاتية، الأمر الذي قاد إلى تشرذم هذه الأحزاب وتشظيها وخروج النخب تباعاً منها لتأسيس أحزاب جديدة لم تقوَ على مصاولة الأحزاب الأم، ولكنها أقلقت خطاها وأضعفت من مواردها وسياساتها.

ج – اتَّبعت الممارسة السياسية التعددية نهجاً في الاستقطاب الحاد جعل المراحل التعددية أزمنة من الفوضى الطاحنة إعلامياً وثقافياً، مع الاعتماد على سياسات الترغيب والترهيب في استقطاب الأصوات المنتخبة.

د – منحت عهود التعددية فرصة لتنمية المشاعر القبلية العرقية، وبخاصة في منطقة دارفور، التي شهدت تفشّياً في القتال وتجارة السلاح، وبخاصة خلال مرحلة الديمقراطية الثالثة 1986 – 1989، وهي التوجهات التي قادت بأخطائها الفادحة إلى إشعال فتيل الحرب (2003) استناداً إلى الأسس القديمة الموروثة نفسها من الشرارة الأولى لذلك الاستقطاب القبلي العرقي. بالطبع، ليست العهود العسكرية بريئة في هذا، وبخاصة عهد الإنقاذ بعدما بدأ التحول إلى التعددية السياسية.

هـ – شواهد القبض التعسفي على بعض الرموز المناهضين لسياسات رئيس الوزراء، من جانب وزير داخليته المنتمي إلى حزبه، والزج بهم في السجون من دون محاكمة، ولمدىً يقارب الشهرين، من دون أن تكفل لهم حقوق الترافع القضائي الحر.

و – تجيير الثروة لمصلحة الأقرباء والأنسباء والموالين، وفتح فرص التجارة أمامهم والاستئثار بالوزارات ذات السَّمت الاقتصادي التجاري لمصلحتهم، وهو ما أفضى إلى ضمور صارخ ومشهود في دورة الاقتصاد الوطني. وهذا النوع من الفساد ليس حصراً على السودان ولا على العهود الديمقراطية وربما كشفه وفضحه أسهل وأفضل في العهود الديمقراطية.

ز – إخضاع السياسة الخارجية لرؤى حزبية ضيقة، جعلت سياسة البلاد الخارجية مسخاً مشوَّهاً يتخذ في الموقف نفسه طريقين متباينين وفقاً لتصورات شريكي الحكم.. أو شركائه.

كل هذه الشواهد وغيرها تشير من دون مواربة إلى أن الاستبداد – وفق كل تعريفاته وتصنيفاته المنهجية – لم يكن قط وقفاً على العهود العسكرية، بل يشمل حتى العهود الليبرالية أيضاً. وهذه الشواهد ليست وقفاً على السودان وحسب، فحتى البلاد التي انتجت الليبرالية وصدَّرت مقولاتها وسياساتها، لا يكتم مفكروها والمراقبون حقيقة جرثومة الاستبداد التي تعصف بأنبل ما في الديمقراطية من خصائص: ألا وهي فضيلة المصداقية، وما نموذج اجتياح العراق على وقع أسنة الكذب والخداع إلا شاهد شاخص على الاستبداد، فهل خرجت الملايين الثائرة متظاهرةً في شوارع لندن يومذاك لتؤيد الحرب أم لتحول دونها؟!

قد يقول قائل إنني ذهبت في نقد عهود التعددية السياسية ولم أفعل الشيء نفسه مع العهود العسكرية. والإجابة هي لأنني أرى الأصل في الحكم هو التعددية السياسية التي هي أساس الديمقراطية، لذلك نعمل على نقدها وكشفها بغرض إصلاحها، أما العهود العسكرية فهي حال استثنائية وهي متلاشية مع تطور الحياة السياسية.

5 – التقسيم: ضريبة منتظرة

بكل ما قدَّمنا من معطيات أظهرت هشاشة مفهوم الأمة – ومن ثم الدولة – في السودان، متماهياً مع السياسات الاستعمارية وإخفاقات العهود الوطنية، يمكننا القول إن الانقسام الذي شهده السودان – وأرجو ألا تتدحرج الكرة لتشهده مناطق أخرى – كان حتمياً، لأن عوامل كامنة ذات أسبقية لاحقت خريطة البلاد وشيَّعت جزءاً منها إلى حيث استقلَّ بوجوده.

غير أن الاستبداد – بأي صورة من صوره – يبقي واحداً من الأسباب وإن لم يكن كلها. فقد قدمنا الحديث على عوامل التكوين الهشّة التي لم يكن بمقدورها أن تصوغ خريطةً منطقية تستأهل البقاء على ما هي عليه. كما قدَّمنا الحديث على إسهام الاستعمار في تجذير الخلاف وشحذ مفهوم تباين التكوينات الثقافية والمجتمعية.

يمكننا الإشارة هنا إلى تجليات الاستبداد التي أسهمت مع ذينك العاملين، في ما يلي من تطورات:

أ – عجز النخبة السودانية عن استلهام آليات جديدة تصون بها نسيج البلاد، إذ بقيت الخلافات السياسية الداخلية في أروقة هذه النخب معول هدم لا بناء.

ب – أدت التجاذبات العروبية – الأفريقية إلى استقطاب حاد في الخطاب والممارسة، كما أفضت سياسات المرحلة العسكرية الأولى (عهد عبود 1958 – 1964) إلى مزيد من الاستقطاب، انطلاقاً من قلق النظام وتخوفه من التطورات المتلاحقة المتأتية من أزمة الجنوب.

ج – ساهم نظام أيار/مايو، رغم أنه نظام عسكري، أي أنه أدى إلى تفرُّد الرئيس جعفر نميري (1969 – 1985) بالقرارات التاريخية تجاه الجنوب، تارةً بضم مديرياته تحت سلطة واحدة، وطوراً بتفكيك السلطة الواحدة إلى مديريات ومناطقيات، في إثارة النخبة الجنوبية، بما قاد إلى إشعال فتيل الحرب عام 1983.

د – قاد طموح قادة المعارضة إلى الحكم، وفجورها في الخصومة مع حكومة الإنقاذ، إلى تبني كل السبل التي تبلغ بها سدة الحكم، ولو على حساب مبادئ الوطن الواحد، ومن ذلك تبني المعارضة لمفهوم «حق تقرير المصير» في مؤتمر أسمرا 1996، وهو التطور الأخطر الذي اعتمدت عليه النخبة الجنوبية وجعلت منه مرتكزاً أساسياً في التفاوض مع الحكومة السودانية إلى حد الانفصال.

أدَّت محاصرة حكومة الإنقاذ بالعزلة الدولية، المترافقة مع خرق شركاء الاتفاقات من الجنوبيين لبنود اتفاقاتهم تباعاً، إلى ترسُّخ الشعور بجدوى الانفصال مع السلام بدلاً من الاستمرار في الحرب، ولا سيّما مع توالي الضغوط الخارجية خلال المفاوضات في غياب تام من الأصدقاء الذين كان يُتوقَّع مساندتهم الخرطوم في ذلك المنعطف التاريخي… فكان الخيار، إما الوحدة مع حرب استمرت لأكثر من عشرين عاماً قضت على الأخضر واليابس من الحيوان والإنسان والنبات وشوهت صورة السودان وشعبه وجرّت عليه الويلات، وإما الانفصال بالتراضي الذي قد يعود مرة أخرى وحدة بالتراضي.

6 – النخب السودانية وجدل الهوية وتأثيرها في التقسيم

قضية الهُويَّة السودانية من القضايا الشائكة وذات الحضور الكثيف في موائد النُخب المثقفة ودوائر البحث العلمي، لأنها تمثل عامـلاً نافذاً في تشكيل حراك المشهد السياسي، وتدافع قواه القطاعية حول قسمة السلطة والثروة، وتنفيذ استحقاقات التحول الديمقراطي الذي ينشده الحاكم والمعارض على حدٍ سواء، وكل يغرد حسب أولويات أجندته السياسية.

ظهرت بواكير الدعوة إلى تشكيل هُويَّة سودانية جامعة في فضاء القومية الخُلاسية (أي عربوأفريقية)، المتأثرة بمخرجات واقعها الأدبي والثقافي، والذاهلة عن خصوصيات القوميات الأخرى. وبهذه الكيفية بدأ سؤال الهوية يتحسس طريقه تجاه منظومة وحدوية الهدف، وثنائية التكوين العروبي والزنجي في السودان.

برزت إشراقات هذا التوجه الوحدوي في «تيار الغابة والصحراء»، الذي اتخذ من شقه الأول رمزاً للعنصر الزنجي، ومن شقه الثاني رمزاً للعنصر العربي، وبلغت هذه الرمزية ذروتها في مشروع «إنسان سنَّار» الذي نصبَّه محمد عبد الحي ورفاقه الخُلاسيون إنساناً معيارياً لهُويَّة أهل السودان الجامعة، لأن السلطنة الزرقاء من وجهة نظرهم كانت تجسد معالم التلاقح السياسي والاجتماعي الذي حدث بين العبدلاب (العرب) والفونج (الزنوج)؛ إلا أن نجم الغابة والصحراء بدأ يأفل، حين تصاعدت نبرة مصطلح الأفروعربية الذي فرضته إفرازات الصدامات الإثنية داخل السودان وخارجه، وطرحه بعض المتأثرين بتداعيات ذلك الواقع ليكون بمنزلة حلٍّ إثني واجتماعي وسياسي لمأزق الهُويَّة السودانية.

بَيْد أن عبد الله علي إبراهيم لا يرى في المصطلح حـلاً ناجعاً لإشكال الهُويَّة القائم في السودان، بل يصفه بالهروبي وينعت أنصاره بـ «تحالف الهاربين»، لأنه بحسب وجهة نظره يتوارى خلف المكوِّن الأفريقي ليبخس قسط الثقافة العربية الإسلامية الأوفر حظّاً في السودان.

وعلى نسق مقابل ترفض النخبة الجنوبية مصطلح الأفروعربية، لأنها ترى فيه اصطلاحاً مخادعاً، لا يلامس أطراف الواقع المعاش في جنوب السودان؛ حيث يحتفظ أهله بأفريقيتهم الخالصة، ولا يريدون أن يعاد تنميطهم في إطار «إنسان سنَّار المعياري»، الذي يمثل من وجهة نظرهم أساس التركيبة الهجينة للسودانيين الشماليين.

وتجاوزاً لإشكالات الأفروعربية ظهر مصطلح «السودانوية» في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، الذي تبنته الحركة الشعبية لتحرير السودان في وثيقة إعلان تأسيسها عام 1983، وشرحه جون قرنق دي مبيور في شكل معادلة رياضية، تتكون من: س = أ + ب + ج، حيث تعني «س» الهُويَّة السودانية، و«أ» التنوع التاريخي، و«ب» التنوع المعاصر»، و«ج» المؤثرات الخارجية والتداخل الثقافي العالمي.

وبذلك حاول مُنظِّر الحركة الشعبية أن يخرج من ضيق القوميات وإشكالاتها المصاحبة إلى سعة الإطار الوطني الخالي نسبياً من إيماءات التعقيدات الإثنية. وعلّق منصور خالد على هذا المنحى الإيجابي بقوله: «الحاضنة الثقافية للشخصية السودانية ليست هي العروبة ولا الزنوجة، وإنما السودانوية. كما أن القاع الاجتماعي للوطنية السودانية ليس هو الاستعراب أو التزنج، وإنما هو أيضاً السودانوية. السودانوية نتاج عروبة تنوبت وتزنجت، ونوبة تعربت، وإسلام وشته على مستوى العادات لا العبادات شية من وثنية».

ثم يمضي في الاتجاه ذاته، ويقول: «السودانيون، إذن، ليسوا قومية واحدة بالمفهوم الأنثروبولجي أو السلالي، وإنما هم شعب واحد – بالمفهوم السياسي – تمازجت عناصره في فضاء جغرافي محدد، وأفق تاريخي معين، ولكل واحد منها مزاج. […] فالخيار أمام مثل هذه المجموعات هو إما الانتماء للوطن انتماءً مباشراً عن طريق المواطنة ودستورها، أو الانتماء له انتماءً غير مباشر عن طريق هُويَّاتها الصُغرى، دينية كانت، أم عرقية، أو ثقافية.

الانتماء الأخير وصفة لا تنجم منها إلا الكارثة؛ لأن التحصين بالهُويَّات الصغرى يفضي، بالضرورة، إلى إقصاء الآخر الذي لا ينتمي لتك الهُويَّة، وإقصاء الآخر يقود بالضرورة أيضاً إلى تقوقعه في هُويَّته المحلية المحدودة، وربما إلى إنكار كل ما هو مشرق في ثقافة من أقصاه، وسعى للهيمنة عليه. فالفريق المقصي لن يرى – بمنطق ردِّ الفعل – في إبداعات الآخر أكثر مِنْ إنها وجهة من وجوه الهيمنة والإلغاء».

لا مندوحة أن هذا التفضيل النخبوي بين المصطلحات التصالحية يمثل وجهاً من وجوه الأزمة التي تعانيها دولة السودان القُطرية الموحدة ويكشف عن بؤس المصطلحات التصالحية وأزمة الهُويَّة السودانية، لكنه في الوقت نفسه يجسد جهداً في مسالك البحث عن هُويَّة سودانية جامعة، يمكن أن يتواضع عليها أهل السودان باختلاف تشكيلاتهم العرقية والدينية والثقافية.

لذا فإن سؤال الهُويَّة المأزوم والإجابة عنه ما برحا يشكلان قاسماً مشتركاً في عجز النخبة السياسية عن إنجاز مشروع دولة السودان الموحدة، الذي أضحى مصيره مرهوناً بنتائج استفتاء كانون الثاني/يناير 2011، والذي حُدد بموجبه مصير جنوب السودان إما في عباءة دولة السودان الموحّدة، وإمّا تحت عَلَم دولة مستقلة قائمة بذاتها وقد اختاروا الخيار الأخير، تشارك السودان الشمالي في حدود سياسية متنازع عليها، وفي موارد بشرية وثروات طبيعية مقسمة قسمة متداخلة بين طرفي القطر الواحد الآيل إلى التشظي.

وفي ظل هذا المشهد السياسي المعقد ظهر تياران في الأفق، أحدهما يتبنى طرحاً صدامياً، لأنه يرى في الترويج للهوية «الإسلاموعربية» دعوة إلى تفكيك دولة السودان الموحدة، بينما يقدم التيار الآخر طرحاً وفاقياً، يزاوج بين الهوية والمواطنة، ويستند في توثيق عرى الترابط بين الاثنين إلى التحول الديمقراطي والتنمية المتوازنة.

يأتي في مقدم أنصار الطرح الصدامي حيدر إبراهيم الذي يرى أن «الأزمة ليست في فهم الهُويَّة، ولكن في طرح سؤال الهُويَّة كأولوية في المشروع القومي السوداني»، كما تكمن الأزمة «في الطريقة التي طُرح بها السؤال، والظروف التاريخية التي جاء ضمنها. فالإجابات عن السؤال خاطئة؛ لأن السؤال في أصله خطأ». ومن ثم يرى حيدر إبراهيم علي أن «النسبة إلى عروبة اللسان «حل هروبي»؛ لأنها لا تلبي متطلبات العقل الشعبي الذي نسب نفسه جزافاً إلى العباس، وأن الدعوة للأفريقانية دعوة جوفاء؛ لأنها تتخذ من الجغرافيا واللون أساساً لتعريف ذاتها، «فالهُويَّة الدينكاوية أكثر تماسكاً من أفريقانية بلا ضفاف».

وعليه يرى في وجود السودان على الخارطة السياسية مجرد وجود وهمي؛ لأن السودان من وجهة نظره لم تتبلور هُويَّته المزعومة عبر تراكم ثقافي تاريخي يصب في وعاء الوحدة والتوحد، بل جمع بين ثناياه متناقضات واقعه السياسي، والاجتماعي، والثقافي، والديني، فضـلاً عن أن النُّخبة المتعلمة لم تكن في مستوى ذلك التحدي لتحول «الوهم إلى حقيقة وواقع»؛ لأنها أضاعت فرص المستقبل والانطلاق نحو الغد الأفضل في أكثر من مرة، ويذكر منها: الاستقلال، وثورة تشرين الأول/أكتوبر 1964، وانتفاضة نيسان/أبريل 1985، واتفاقية السلام الشامل في كانون الثاني/يناير 2005. كل هذه المناسبات كانت فرصة طيبة للنخب السودانية لتحقيق التمازج المطلوب بوعي كامل بأهمية المرحلة وضرورة التقارب أكثر بين النخب الشمالية والجنوبية فكرياً ووجدانياً من أجل كيان موحد قوي ومن أجل فهم عميق ومقدرة عالية على التعايش وإدارة مثلى للثراء العرقي الناجم عن التنوع والغنى الذي يمتاز به السودان من التنوع الرائع من الناحية العرقية التي أفرزت ثراءً ثقافياً راقياً وتناغماً في الذواق واللهجات واللغات والثراء الفولكوري والتعاطف الوجداني بين التراكيب المجتمعية المختلفة دونما أي تدخل سياسي؛ النخب السودانية أدمنت الفشل من خلال التركيز على سلبيات بعضها البعض ولم تعمل على الميزات النسبية التي تحمل في طياتها الكثير من الايجابيات والتي لو استغلت بالصورة المثلى لكوّنت لبنة أساسية في بناء مجتمع سوداني مترابط رغم التنوع.. فالتنوع هو في حد ذاته يعد أساساً متيناً لبناء قومي شامخ اسمه السودان من غير عروبة ولا زنوجة، سودان له خصوصية مثلما صنعت دول عظمى خصوصيتها من خلال إدارة التنوع وعلى رأسها الولايات المتحدة والبرازيل والهند والصين وغيرها من الدول التي تضم مجموعات عرقية متباينة لكنها متناغمة ومنسجمة بوعي كبير يعكس مدى العمل الذي قامت به النخب في مثل هذه الدول.

وفي ضوء هذا المشهد الكئيب يصل حيدر إبراهيم علي إلى القول إن «التاريخ لا يعيد نفسه، دعنا نكمل دورة الانهيار بلا نقصان، ونفكر منذ الآن في إعادة البناء، فالموجود الآن لا يمكن إصلاحه». أما التيار التوفيقي فيقسم عدة تيارات ثانوية. يتصدرها؛ التيار الأول تيار الدولة الوطنية والتنمية الذي يرفض سدنته صهر الهُويَّة السودانية في بوتقة الوسط التي تمثل بالنسبة إليهم عملة واحدة، لها وجهان، هما: العروبة والإسلام. فثنائية العروبة والإسلام لم تكن من وجهة نظرهم وعاءً جامعاً لاستيعاب قوميات السودان المختلفة في فضاء وحدوي شامل، قوامه المواطنة وسداه احترام الآخر؛ فضـلاً عن ذلك فإن هذه الانتقائية قد أفضت إلى تجاهل أهمية العلاقة الجدلية الرابطة بين الهُويَّة الدينامية والتنمية المتوازنة.

علماً أن الحكومات الوطنية المتعاقبة قد تجاهلت وضع سؤال الهُويَّة في نصابه «السوسيولوجي والمعرفي لقياس العلاقة المتبادلة ودرجة الانتماء بين المواطن والدولة، لتحديد نصيب الفرد من الدولة – ثروة وسلطة وثقافة – ونصيب الوطن من عطاء بنيه؟» وذروة سنام قولهم إن استقصاء كُنه الهُويَّة بهذه الكيفية سيؤدي إلى «تنمية الوطن، والمواطن، والدولة» تنمية مستدامة، ويعزز فُرص التوحد داخل وعاء الوطن الجامع، ويفعِّل تصالح المواطنين مع أنفسهم واعتزازهم بوطنهم الذي ينتمون إليه، بعيداً من سجال النُّخبة المتعلمة حول مفهوم الهُويَّة القائم على ثنائية العروبة والإسلام بوصف السودان بلداً عربياً مسلماً، وهو كذلك نسبياً لكن لا يمكن إغفال الكتلة الزنجية، فإن كانت العروبة لغة فلا شك في أن السودان عربي بامتياز بحسبان أن كل أهل السودان يتحدثون اللغة العربية حتى الذين لديهم لهجاتهم الخاصة. لكن كان لا بد من الاعتراف بالأفريقانية والمسيحية حتى نحافظ على وحدة السودان، إذ إن أزمة الهوية كانت الباب الذي خرج منه الجنوب لعدة اعتبارات، منها أن النخب الجنوبية متشربة للفكر التحرري الذي يرى أن العرب مستعمرون وأن السودان يجب أن يكون ملكاً لهم أو على الأقل أن تكون لهم كلمتهم فيه وليس أهل الوسط والشماليون.

ويتفق مع هذا الطرح التنموي نخبة من الأكاديميين السودانيين في المهجر، حيث إنها تصف جدل الهُويَّة بتياراته المتخاصمة بأنه ترف ذهني، لا يخدم مشروع الدولة السودانية الموحدة. ومن ثم يرون أن الارتقاء بالوعي الجمعي يجب أن يكون من خلال توسيع قاعدة التعليم بدرجاته المختلفة، والخدمات الاجتماعية الأخرى، والبحث العلمي الذي يؤطر لقيام «دولة حديثة، قوامها العدل والمساواة، واحترام حقوق الإنسان من حيث هو إنسان».

والنتيجة الحتمية لمثل هذا التوجه المعرفي والخدمي ستتبلور، بحسب وجهة نظرهم، في قيام «دولة المواطنة» التي تربو بنفسها عن «دولة العرق، والحسب، والنسب» الموروثة، وانسحاباً على ذلك ستنحسر مشكلة الهُويَّة وترف جدلها الفكري، وتغيب عن الواجهة السياسية حركات الهامش والأطراف المطلبية.

ويتمثل التيار التوفيقي الثاني بتيار الهُويَّة والديمقراطية، الذي يعزي أحد أنصاره، عبد العزيز الصاوي، فشل إنجاز مشروع الدولة السودانية في المقام الأول إلى عجز «النُّخبة السودانية في تأسيس مشروع الديمقراطية، الذي هو صنو لمشروع التنمية، كما أثبتت التجارب العالمية في الهند وماليزيا».

ويرى الصاوي أن تمكين الديمقراطية وفق متطلباتها المتعارف عليها يُسهم في ترسيخ «الولاء للدولة السودانية في عواطف وأمزجة الجميع مهما اختلفت هُويَّاتهم، فليست وحدة الهُويَّة شرطاً لازماً للوحدة»، ويعلل هذه الفرضية بواقع الحال في الصومال، حيث تتوافر المقومات الأساسية للهُويَّة الواحدة، لكن مشروع الدولة الصومالية لم ينجز بعد.

أما التيار التوفيقي الثالث فيزاوج بين المواطنة والهُويَّة «السودانوية» التي لا تمييز فيها لأحد بسبب العنصر، أو الدين، أو اللغة، أو الثقافة، أو الجهة؛ لأنها بحسب زعمه تمثل البوتقة التي تتفاعل فيها الانتماءات كافة، وتتبلّر الرؤى والمآلات. وبهذا التصور يكون «التنوع مصدراً من مصادر الثراء، وليس سرطاناً ينخر في عظم الأمة، ويفت في عضدها».

تدثرت الآراء المختلفة في شأن الهوية ببعض الإسقاطات الأيديولوجية التي انعكست في اتفاقية السلام الشامل عام 2005، والتي أجابت نظرياً عن كثير من إشكالات الهوية، لكنها في الوقت نفسه اتسمت بالثنائية الإقصائية، وقننت لخيار الانفصال.

لذلك يرى نور الدين ساتي أن «الحلّ النهائي لقضية الهُويَّة هو الانتقال من التركيز المفرط على هذه المسألة كمسألة ثقافية إلى كونها ترتبط عضوياً بالمواطنة التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات. ودولة القانون هي الفيصل في ذلك، فالمواطنة حلقة الوصل اللازمة بين الحقوق الثقافية، والدينية، والاجتماعية، وبين الحقوق السياسية، والدستورية، والقانونية. ولذا فإني أرى أن يأتي الحديث عن الهُويَّة دائماً مرتبطاً بالحديث عن المواطنة، وذلك لأنهما يتكاملان تكامـلاً منطقياً، ويدعم أحدهما الآخر».

ويمضي في الاتجاه ذاته ويقول: إذا فشل السودانيون «في توصيف جدلية (الهُويَّة/المواطنة) توصيفاً صحيحاً بوصفها الوحدة البنائية الأساسية للمجتمع والدولة، فإنه يترتب على ذلك انهيار المشروع الوطني لهشاشة العنصر الأول من عناصره الأساسية، ألا وهو ما يمكن أن نسميه الحزمة البنائية (هُويَّة – مواطنة)، ولا يجدي بعد ذلك إن كان المشروع جذاباً في صياغته، أو أطروحته الأدبية، أو الأكاديمية، أو في مرجعياته الفكرية، أو المذهبية، أو السياسية إذا كانت تلك لا تستند إلى واقع معاش، أو تعوزها العناصر الأساسية الصالحة للبناء الاجتماعي».

7 – مستقبل السودان بعد التقسيم

هناك عدة عوامل ترسم ملامح مستقبل السودان السياسي والاقتصادي، فرغم قتامة الرؤية تجاه مستقبل السودان في ظل المعطيات المحلية والإقليمية وفي ظل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، لا نجزم باستمرار الوضع على ذات الشاكلة… فالسودان ظل يخرج من أزمة ليقع في أخرى، إذ إن التركة ثقيلة والهم كبير.

ظل هذا القطر الكبير منذ استقلاله يتجرّع كاسات الحرب والصراع ويقع في حبائل الاستعمار ومكائده التي لم تنتهِ، وهو ما أثقله بالحروب والجراح عبر حقب توالت، لكنها، مسببة في إنهاك وإضعاف انطلاقة المارد الأفريقي وتأخيره عن القيام بدور عظيم، بحسب تصور المراقبين الذين كانوا يرون أن السودان سيكون له شأن كبير ودور ريادي في المحيطين العربي والأفريقي، ولم يكن كلامهم ضرب عشواء إنما كان استناداً إلى ما يتوافر لهذا البلد من إمكانيات طبيعية وبشرية لا تتوافر لأي قطر على مستوى الإقليم.

كانت الحكومات الوطنية المتعاقبة لها نيات صادقة (غير أن النيات وحدها غير كافية) من أجل رسم صورة أفضل لهذا البلد الكبير، صورة تتناسب وموقعه وتاريخه، صورة ظل يرسمها له أهل السودان في مخيلاتهم وتنبؤات المختصين والعالمين ببواطن الأمور وأصحاب التقييم الحقيقي لمقدرات السودان وطاقاته الكامنة، فكان السودان يترجح ما بين القمة والوسط، وإن لم يصل به الأمر إلى القاع، رائداً قائداً لقضايا كثيرة ومحافل جمة. وهو استضاف كثيراً من الفاعليات الإقليمية ذات الصيت الكبير وأفلح فيها بامتياز… ولعل خير مثال على ذلك لاءات الخرطوم الثلاث التي أعقبت هزيمة حزيران/يونيو 1967 ودوره في دعم حركات التحرر الأفريقية وإنقاذ الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في أحداث أيلول الأسود في الأردن. لكن… كثير من السلاسل والقيود حدت من انطلاق الرجل الأفريقي الكبير… ففي مرحلة من المراحل عانى السودان كثيراً من التكالب الدولي والإقليمي إبان الحرب الأهلية ضد متمردي جنوب السودان.. حروب أهلية وتجريم دولي واتهامات، لا تخلو من الكيد والفساد، بإيواء الإرهاب، واتهام آخر بانتهاكات حقوق الإنسان وثالث بتقييد الحريات، وبخاصة في ما يتعلق بالأديان لحساسية كل ما يمس الأديان والمعتقدات وما صاحبه من تأليب للمنظمات الغربية الأمريكية والأوروبية المتخفية خلف أقنعة أممية، وغيرها من أساليب التصفيد الأممية الموجّهة التي حدت من مقدرات هذا السودان القوي، وكيد إقليمي من جوار مضطرب لا يملك قراره، بل تُوجِّهه قوى الصلف عبر أدوات التحكم من بُعد بمقابل لا يُسمن ولا يغني من جوع، ليجني هذا الجوار فرقة واحتراباً وعدم استقرار في محيطه الخاص، لتنوء دول الإقليم بالمجاعات والحروب وهجرات اللاجئين التي لم يكن لها أن تكون لو تعاملت حكومات بلدانها بحرية وحل عن الوصايا الغربية ذات الغرض لتقدم دول الإقليم بصراعاتها ومقاطعتها بعضها لبعض (بما كسبت أيديها) لا بأيدي الغرب لتقدم خدمة جليلة إلى قوى الصلف الغربية التي تتعامل مع العالم بمكاييل مختلفة، وبتطفيف ظاهر في موازينها تهاب القوى وتذل الضعيف.

لقد عانى السودان ما عاناه على المستويات الثلاثة، داخلياً وإقليمياً ودولياً… وخروج السودان من محن كهذه جعله محل استغراب وذهول، إذ كيف لبلد منهك بالحرب والحصار وكيد الأشقاء أن يظل واقفاً لا ينحني، قوياً لا ينكسر، شامخاً لا يركع.. فحسابات الاقتصاديين تتحدث عن انهيار وشيك، وحسابات السياسيين تتحدث وتقول بحرب أهلية لا تبقي ولا تذر وترشح السودان لاستقبال كل مساوئ الربيع العربي في ظل ما يواجهه من إشكالات في البنية المجتمعية والميزان الاقتصادي والتشرذم السياسي.. إلا أن السودان ظل رغم كل هذا صامداً. صحيح أنه لا توجد رفاهية في عيش الناس والخدمات المقدمة إليهم، ولكن بالقدر نفسه لا توجد ندرة أو انهيار.

إنَّ خروج السودان من عنق الزجاجة رغماً عن الخسائر، وأولها وأكبرها الانفصال، مكّنه من تحديد موقعه بدقة ليكون ذلك نقطة البداية وليكون الماضي درساً في الحاضر للعبور إلى المستقبل، فلا بد من الإفادة من مرارات الماضي ودرسه للاعتبار في تلافي أي معيق في رحلة البحار إلى المستقبل… طاقات بشرية، ثروات ضخمة، ثراء ثقافي، تنوع، إرادة قوية، تخطيط، تاريخ غني… هذه هي أدوات السودان للانطلاق إلى المستقبل، لا بد من العمل على محاور محددة من أجل مستقبل أفضل نحقق فيه الأهداف المنشودة والآمال المرجوة لنعوض به سنوات ضاعت هدراً في الاحتراب والاقتتال والصراع وإقصاء الآخر انتهت بالتقسيم والتجزئة لوطن كان الأكبر في المحيطين العربي والأفريقي: فما هي المشكلة؟

المشكلة ليست مشكلة استبداد فقط، فكم من نظام مستبد حافظ على وحدة الوطن، وكم من دكتاتور أحدث طفرة اقتصادية في بلده، وكم من حاكم مدني تدكتر وخرّب وطنه. المشكلة تتلخص في سوء إدارة الحكم (سواء كان مدنياً أو عسكرياً)، أو، بعبارة أخرى، غياب الحكم الرشيد. هذا لا يعني أنني أفضل الحكم الشمولي على الديمقراطي أو حتى أساوي بينهما، فالديمقراطية بسيّئاتها قد تكون أفضل من الحكم الشمولي، لكن سوء إدارة الحكم الذي هو أساس المشكلة السودانية، صاحب كل الأنظمة المدنية والعسكرية التي تعاقبت على السودان.

فالديمقراطية المستندة والقائمة على حكم راشد هي الحل لمشاكل السودان والحفاظ على ما تبقى من وحدته الترابية وبناء نهضته الاقتصادية والاجتماعية واستعادة دوره الريادي في المنطقة.

هذا يتطلب ترتيب البيت من الداخل. ولعل الحوار الوطني المطروح اليوم، الذي تنادي به كل الأحزاب السياسية السودانية المعارضة والحكومية، له أن يحدث تراضياً وطنياً وإجماعاً وطنياً على الثوابت الوطنية وعلى طريقة حكم السودان، ثم يترك للشعب السوداني، وعبر انتخابات حرة ونزيهة، أن يقرر من يحكم السودان.

لقد أكد الحوار الوطني الذي يجري الآن في السودان حقيقة مهمة، هي أن إدارة أزمات السودان لا يمكن أن تتم بالقوة بل من طريق التراضي الوطني وبمشاركة القوى السياسية (حكومة ومعارضة). على الأقل ثُبت هذا المبدأ سواءٌ نجح هذا الحوار في ما يهدف إليه أو فشل.

خاتمة: هل يمكن أن تكون الديمقراطية التوافقية مناسبة لأوضاعنا الانتقالية في السودان والعالم العربي؟

ظهر مفهوم الديمقراطية التوافقية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي عقب الحرب العالمية الثانية، لتجيب عن سؤال محوري: كيف نجعل النظام السياسي ديمقراطياً ومستقراً وبخاصة في المجتمعات التي تحفل بالصراعات على أسس عرقية وثقافية ودينية وجهوية. وهي مفهوم جديد يطرح بديـلاً من الديمقراطية التقليدية التنافسية التي راجت في الدول الغربية حيث المجتمعات متجانسة سكانياً ومتطورة اقتصادياً وتتسم بطبقة وسطى عريضة تتمسك بالديمقراطية وتدافع عنها.

أعتقد أن الديمقراطية التوافقية مناسبة لمرحلة انتقالية في أوضاعنا العربية، حيث تتيح الديمقراطية التوافقية مشاركة الجميع الذين شاركوا في التغيير بمختلف مشاربهم السياسية حتى تستقر الأوضاع تماماً ويكون المجتمع مهيأ لديمقراطية تنافسية. وفي تقديري، لو حدث هذا في بلدان الربيع العربي، لجنبها ما آلت إليه الأوضاع فيها.

كما يتطلب الأمر جواراً إقليمياً آمناً، فالجوار الآمن عنوان لبلد آمن. ومشاكل العصر الحديث هي مشاكل عابرة للحدود، الإرهاب، التطرف، التمرد، اللجوء والنزوح. ثم علاقات دولية موصولة، وبخاصة مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث علاقات السودان مأزومة معهما حتى اليوم.

من خلال ما تقدم لا يبدو المستقبل بتلك السوداوية التي تتوشح بها مخيلة بعض الناقمين على السودان، كما لا أقول إنه من اليسر الجزم بسهولة المهمة. لكن المؤكد أن الوضع الماثل اليوم قابل للإصلاح ومناسب للانطلاق ومداواة الجروح ولملمة الأطراف، تسألني هل أنت متفائل؟ أقول نعم، «تفاءلوا بالخير تجدوه».

المصادر:

(*) ورقة قدّمت خلال أعمال ندوة “مستقبل التغيير في الوطن العربي”، والتي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي بالإسكندرية. ونُشرت أعمال الندوة في كتاب صدر عن المركز في كانون الثاني/ يناير 2016…اضغطوا على الرابط التالي للحصول على نسختكم من الكتاب مستقبل التغيير في الوطن العربي

(**) مصطفى عثمان إسماعيل: أستاذ العلاقات الدولية – السودان.

إسماعيل، مصطفى عثمان. إدارة النزاعات. القاهرة: مكتبة مدبولي، 2014.

_ . الأمن القومى العربي. القاهرة: مكتبة مدبولي، 2009.

_ . الربيع العربي ثورات لم تكتمل بعد. القاهرة: مكتبة مدبولي، 2013.

إلير، أبيل. جنوب السودان: التمادي في نقض المواثيق والعهود. ترجمة بشير محمد سعيد. لندن: شركة ميدلايت المحدودة، 1992.

حاج حمد، محمد أبو القاسم. السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل. بيروت: دار الكلمة للنشر، 1980.

حسين، أحمد الياس. «أصول سكان السودان: الجذور والقواسم المشتركة خلفية تاريخية.» موقع سودانيز أونلاين،      <http://sudaneseonline.com>.

خالد، منصور. مايو: النفق المظلم. لندن: دار إيدام للنشر، 1985.

روبرنسون، جيمس. السودان من الحكم البريطاني المباشر إلى فجر الاستقلال. ترجمة مصطفى عابدين الخانجي. بيروت: دار الجيل، 1996.

زرنوقة، صلاح سالم. أنماط الاستيلاء على السلطة في المنطقة العربية. القاهرة: مكتبة مدبولي، 1992.

زين العابدين، الطيب. «الديمقراطية التوافقية طريقنا للاستقرار السياسي.» ورقة قدمت إلى: ندوة الديمقراطية التوافقية طريقنا للاستقرار السياسي. الخرطوم: مركز مأمون بحيري، 2012.

شقير، نعوم. جغرافية وتاريخ السودان. تقديم فدوى عبد الرحمن. الخرطوم: دار عزة للنشر، 2007.

الشيمي، محمد نبيل. «جنوب السودان.. جذور المشكلة.. وتداعيات الانفصال.» الحوار المتمدن: العدد 3209 (8 كانون الأول/ديسمبر 2010).

نجيلة، حسن. ذكرياتي في البادية. الخرطوم: دار عزة للنشر، 2005.

_ . ملامح من المجتمع السوداني. الخرطوم: دار عزة للنشر، 2007.

ياسين، علي محمد. «شعب السودان.. أين موقعه من الربيع العربي؟.» موقع الجزيرة نت، 17/12/2011،      <http://www.aljazeera.net>.

[1] السيد عبد الله خليل سكرتير عام حزب الأمة في عام 1957، وفي إطار التنافس مع غريمه الحزب الاتحادي الديمقراطي، عندما أحس بأن عمـلاً يجري لإسقاط حكومته أوعز إلى قائد الجيش الفريق إبراهيم عبود للاستيلاء على السلطة، وقد فعل.