السياسات الدفاعية و الإستراتيجية للدول: القوى العظمى نموذجا

السياسة الدفاعية للدولة تعتبر المرآت التي تعكس قوة الدولة وقدراتها في مواجهة التحديات والتهديدات في عالم تعددت فيه مفاهيم القوة، النفوذ وتشابكت فيه المصالح لدرجة أصبح فيها السلم و الأمن العالميين مهددين مما استوجب على المجتمع الدولي الإستنجاد في كل مرة بالخبراء الإستراتيجيين والباحثين الأكادميين للبحث عن السبل الكفيلة (رسم سياسات دفاعية) لإحتواء هذه المخاطر.

 وإذا سلمنا أن موقع الدولة في محيطها الإقليمي والدولي يتحدد بطبيعة علاقتها وقدراتها العسكرية، فإن المراكز البحثية والمعاهد العلمية في الغرب المختصة في مجالات العلاقات الدولية تتسارع وتجتهد لتقديم المزيد من الدراسات التحليلية و الإستراتيجية للسياسات الدفاعية لإرتباطها الوثيق الوثيق مع السياسة الخارجية.

 مع بداية معاهدة وستفاليا عام 1648 ،اصبحت العلاقات الدولية عملية متغيرة ومتطورة تتسم بالحراك والمرونة والديناميكية بين الدول القومية ذات السيادة، هذا الواقع يعتبر في أدبيات التحليل السياسي ذلك النمط أو حالة التي تسعى القوى الفاعلة إلى الحفاظ على أوضاعها ومصالحها التي تعكس ما تحوزه من قدرات و امكانات، فالبيئة الدولية التي يحكمها المنطق التنافس والصراع والذي يتحول بدوره إلى سياسات مضادة وتتغير معه القدرات بشكل حاسم لدى طرف من أطراف التفاعل، وامام إستحالة بناء قواعد تعاونية توافقية في العديد من التحديات التي باتت تواجه العالم، تصبح المسلحة الوطنية والقومية هي الرهان الدافع لإمتلاك القوة والسعي الدائم إلى زيادة هذه القوة وتعظيمها إلى أبعد مدى ممكن، وعليه يسعى باقي الأطراف إلى إعادة التوازن من جديد عبر تفعيل سياسات واستراتيجيات جديدة تتناسب مع مستجدات الواقع الدولي وتحوالته أو ما يسمى بالسياسة الدفاعية.

و إذا سلمنا أن الواقع الدولي متغير وفق محددات ومرتكزات القوة التي تحوزها الفواعل المؤثرة وترتبط بالنسق الدولي السائد في مرحلة زمنية معينة وما يتضمنه من عناصر ومحددات جديدة فهذا بدوره سوف يكون له إنعكاس إيجابي أو سلبي على واقع الدول الذي سوف يتوجه من الثبات إلى التغير في سياساته واستراتيجياته وتفاعالته الدولية، الأمر الذي يطرح التساؤل حول أنماط ومحددات التغيير في السياسات التي تصيغها وتنتهجها الدول إزاء الآخر سواء الحليف أو المنافس أو التابع.

 ومادامت الأوضاع الراهنة تشهد حالة من السيولة في التفاعلات، سواء التعاونية أو الصراعية ، التي إنتهت نوعا ما في العجز على إرساء قواعد فعلية لمواجهة العديد من الأزمات المتفاقمة حول العالم، والتي باتت تهدد الوحدة والسلامة الإقليمية للعديد من الدول، بل وتتضمن في بعض الحالات اعتداء على السلم العالمي.

تحميل الدراسة