د. مصطفي جاويش

السياسات الصحية في مصر: مبادرات في غياب الإستراتيجيات

الإستراتيجية هي الخطة أو العملية التي تتضمن وضع وتصميم، ومن ثم تنفيذ وتحقيق أهداف ذات مدى زمنى معين، والتي تؤدي بدورها إلى بلوغ المؤسسة أهدافها المنشودة، وقد ارتبطت الإستراتيجية بالسياسة العليا للدولة، وعليه يمكن الوصول إلى أنَّ الإستراتيجية هي علم وفن تعبئة قوى الدولة سياسياً وعسكريا واقتصاديا ومعنويا لتحقيق أهداف السياسة العليا في السلم والحرب، وفي المعنى المقتبس المجازي هي فن وضع الخطط واسعة الأفق وتعبئة الوسائل لتحقيق الأهداف المنشودة [1]، وأصبحت تحتل اليوم المواقع الأولى من الأهمية منذ دخولها المنهجي في إطار التخطيط وتطبيق السياسات.

وللتخطيط الإستراتيجي مراحل عدة؛ تبدأ بوضع الرؤية، ثم مرحلة الرسالة وتحديد الأهداف الإستراتيجية، مع دراسة وتحليل البيئة الداخلية والخارجية عن طريق التحليل الرباعي “SWOT“، وأخيرا تطبيق الخيار الإستراتيجي [2]، وهنا تجدر الإشارة إلى أن التخطيط الإستراتيجي عملية مستمرة وعائدة: فلا يمكن أن تكون جهود الإدارة الإستراتيجية بمثابة نشاط لفترة زمنية واحدة أو لها بداية ونهاية. بل يجب أن تكون عملية مستمرة تتراكم فيها الخبرات، ويتم تطوير هذه الخبرات من خلالها. ولعل أحد الأسباب الرئيسية التي تفسر استمرارية عملية التخطيط الإستراتيجي هي استجابته للظروف الداخلية والخارجية التي لا تتوقف أبدا، ومن ثم فيجب أن تظل الخطط والأدوات التي يتم تنفيذ تلك الخطط بها في حالة تعديل وتنقيح مستمر [3].

المشكلة المحورية موضوع الدراسة تشمل الإجابة على سؤالين أساسيين:

السؤال الأول: هل تملك الحكومة المصرية وثيقة ترسم السياسة الصحية، والإستراتيجيات الداعمة لها؟

السؤال الثاني: هل يتم تطبيق تلك السياسات والإستراتيجيات على أرض الواقع فعليا، وما هو البديل عنها؟،

المبحث الأول: السياسات الصحية والإستراتيجيات لوزارة الصحة المصرية:

قامت وزارة الصحة عام 2014 بإصدار وثيقة السياسات الصحية تحت اسم: “ورقة بيضاء: رسم ملامح السياسة الصحية في جمهورية مصر العربية [4]، وجاء في المقدمة أن هذه الورقة البيضاء تستمد روحها ومعانيها من الدستور الجديد 2014 في مصر، حيث تؤكّد المادة 18 من الدستور على أن الصحة هي إحدى الحقوق الأساسية للناس وأن للجميع الحق في الحصول على الخدمات الصحية العالية الجودة، وتنص صراحة على زيادة المخصصات الحكومية للصحة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3 بالمائة على الأقل تزيد مع الوقت لتصل إلى المعدلات العالمية”، واستمرت وثيقة السياسة الصحية في عرض المضمون.

ويشمل “أن الكثير من التحديات التي يواجهها القطاع الصحي في مصر يرتبط بعضها ببعض، وأن معالجة هذه التحديات الواحدة تلو الأخرى ليست بالطريقة المثلى أو السديدة لمواجهة تلك التحديات، وعليه، فإنه من الضروري أن تنتهج المبادئ الاسترشادية والتوجهات الإستراتيجية التي تضع الإطار العام للسياسات والإستراتيجيات الصحية تناول كافة القضايا شموليا والتحديات إستراتيجيا وبطريقة متزامنة ومترابطة ومتكاملة، كما ينبغي أن تعكس الإجراءات العملية للمضي قدما في وضع السياسات والإستراتيجيات الصحية الالتزام بهذا النهج، حيث يستلزم ذلك توسيع دائرة الحوار لتمتد إلى خارج القطاع الحكومي بل وخارج القطاع الصحي، ويشمل ذلك:

1- تحقيق نتائج صحية أفضل وعادلة.

2- حماية الصحة وتعزيزها، وضمان إتاحة الخدمات الصحية الأساسية للجميع، مع توفير الحماية من المخاطر المالية الناتجة عن الإنفاق على الصحة (التغطية الصحية الشاملة).

3- تعزيز دور الحكومة في تقديم خدمات الصحة العامة يجب أن يكون دور الدولة أساسي ومحوري في بلوغ الأهداف الصحية.

4- ضمان وجود إطار وطني فعال للحكومة ليشمل القطاعات المتعددة للصحة، ولمعالجة التفتت في القطاع الصحي.

5- تخصيص المزيد من الأموال للصحة (حسب دستور 2014)، وتحقيق أفضل النتائج الصحية مقابل ما يتم إنفاقه (بمعنى تحقيق الكفاية والكفاءة والجودة)، وقد أدى انخفاض المستوى الحالي للاستثمار العام على الصحة إلى ارتفاع مستويات الإنفاق الشخصي من الجيب على الصحة، والذي أدى بدوره إلى تعزيز الهيمنة على قوى السوق عبر زيادة مشاركة القطاع الخاص، وإضفاء طابع تجاري عام على الخدمات الصحية.

6- المساءلة والشفافية؛ كما يتعين اعتماد برنامج تدريجي في تنفيذ الخطط الإستراتيجية والميدانية خطوة بخطوة.

7- إشراك جميع الأطراف المعنية بما في ذلك المجتمع المدني.

وتطبيق تلك السياسات والإستراتيجيات يرتكز على توفير التمويل الحكومي للإنفاق الصحي: لضمان تقديم خدمات الرعاية الصحية بعدالة وشمولية، بحيث يضمن الديمومة والاستمرارية، خاصة وأن دستور 2014 قد وضح الحد الأدنى للموازنة بحيث لا يقل عن نسبة 3 % من إجمالي الناتج المحلى تزيد تدريجيا لتصل إلى المستوى العالمي، ولكن الواقع في مصر هو أن موازنة الصحة يتم إدراجها سنويا بنسبة لا تزيد عن 1.4 % من إجمالي الناتج المحلى،

وبحسب بيان وزارة المالية لموازنة العامة للدولة لعام 2022-2023، وصلت قيمة مخصصات الإنفاق على قطاع الصحة إلى 128.1 مليار جنيه مقابل 108.8 مليار جنيه مخصصة لعام 2021-2022 بزيادة نحو 19.3 مليار جنيه، وفقا للتقسيم الوظيفي للموازنة وبنسبة زيادة بلغت 17 %،[5]، ولكن وعلى الرغم من تلك الأرقام الحكومية حول زيادة كمية الاعتمادات المالية كل عام بنسب ظاهرة، ولكن الحقيقة هي أن النسبة إلى إجمالي الناتج المحلى لا تتجاوز 1.4 % سنويا منذ عام 2014، وهذا بالمخالفة للاستحقاقات الدستورية، نظرا لوجود فجوة تمويلية واضحة بين تلك الزيادات الرقمية الظاهرية وبين النسبة المئوية المستحقة دستوريا .

وتوضح بيانات منظمة الصحة العالمية أن إنفاق القطاع الخاص يمثل نحو 71% من إجمالي الإنفاق العام على الصحة في مصر، وفقاً لتقديرات عام 2018 مقارنة مع 29% للإنفاق الحكومي، وترتفع نسبة مساهمة القطاع الخاص في تمويل الإنفاق الجاري على الصحة في مصر بشكل واضح عن المتوسط السائد على مستوى العالم، والبالغ نحو 41%، وأيضاً بالمقارنة بعدد من الدول ذات الدخل المتوسط التي يمكن مقارنتها بمصر، وفقاً لتقرير عام 2020. [6]

وفى دراسة هامة “للمنتدى الإستراتيجي وسياسات التنمية” في بداية شهر سبتمبر 2022، كانت التوصية الهامة حول تخصيص المزيد من الأموال للصحة وتحقيق أفضل النتائج الصحية مقابل ما يتم إنفاقه، لقد أدى انخفاض مستوى الاستثمار العام على الصحة إلى ارتفاع مستويات الإنفاق الشخصي على الصحة، والذي أدى بدوره إلى تعزيز الهيمنة على قوى السوق عبر زيادة مشاركة القطاع الخاص، وإضفاء طابع تجاري عام على الخدمات الصحية. وقد أدى ذلك إلى تفاقم حالات إخفاق السوق التي تظهر بوضوح في مشكلات الجودة والسلامة، إذ تميل الأسواق إلى الاعتماد على القدرة على السداد ومن خلال عدم إيلاء الاهتمام الكافي بالوقاية وتعزيز الصحة، إذ الغالب أن يركِّز القطاع الخاص على الرعاية العلاجية [7].

الاعتماد على القدرة على السداد ومن خلال عدم إيلاء الاهتمام

ووفقاً لتقرير التنمية البشرية في مصر 2021 الذي أعدته وزارة التخطيط بالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، فإن نحو 60 بالمائة من موازنة الصحة يوجه إلى الإنفاق على أجور وتعويضات العاملين ودعم ومزايا اجتماعية، ويمثل شراء السلع والخدمات ما يقرب من خمس موازنة قطاع الصحة. [8]

موازنة قطاع الصحة

المبحث الثاني: المبادرات الصحية في مصر 2018 ـ 2022:

اتجه الواقع الصحي نحو عشوائية في الإجراءات تحت شعار ما يسمى “المبادرات الرئاسية في الصحة” وانتشرت تلك المبادرات وأصبحت هي الحاكمة للوضع الصحي حاليا، إضافة إلى تدني الإنفاق الحكومي على الصحة بنسبة كبيرة بالمخالفة لما ورد في مواد دستور 2014.

وسوف نبدأ في عرض عدة نماذج من تلك المبادرات الصحية على ثلاثة محاور يشمل كل محور تفصيلات المبادرة ومصادر التمويل المتاحة، ومدى تأثيرها واقعيا، وتلك المحاور الثلاثة هي: أولا: محور الخدمة الصحية للمرضى، ثانيا: محور الفريق الطبي، ثالثا: محور البنية التحتية.

المبادرات الرئاسية في الصحة

أولا: محور الخدمة الصحية للمرضى:

نشر المركز الإعلامي لمجلس الوزراء تقريراً بتاريخ 5 يونيو 2022 حول المبادرات الصحية وتشمل:[9]

1-“100 مليون صحة ” للكشف عن فيروس سي والأمراض غير السارية، في أكتوبر 2018،

2-الاكتشاف المبكر وعلاج مرض سرطان الكبد في مارس2022،

3-القضاء على قوائم الانتظار للتدخلات الحرجة في يوليو 2018.

4-متابعة وعلاج الأمراض المزمنة والكشف المبكر عن الاعتلال الكلوي والتي تم إطلاقها في يونيو 2020

5-دعم صحة المرأة المصرية في يوليو 2019،

6-دعم صحة الأم والجنين، في مارس 2020،

7-الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية لحديثي الولادة في يوليو 2021،

8-الاكتشاف المبكر وعلاج ضعف وفقدان السمع لحديثي الولادة في سبتمبر2019،

9-علاج مرضى الضمور العضلي الشوكي في يوليو 2021،

10-الكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم في فبراير 2019،

11-مكافحة مسببات ضعف وفقدان الإبصار (نور حياة) في يناير 2019.

وفيما يلي عرض موجز لأهم الملامح لعدد من تلك النوعية من المبادرات من حيث الهدف ومصادر التمويل ونسبة الإنجاز المعلنة:

1-مبادرة حل مشكلة قوائم الانتظار:

قوائم الانتظار هي بالفعل مشكلة حقيقية ظهرت واضحة وبحدة نهاية عام 2015، خاصة بعد قيام النظام الحاكم بمصادرة عدد كبير من المستشفيات والمراكز الصحية التابعة للجمعيات الخيرية الإسلامية؛ [10] مثل مؤسسات الجمعية الطبية الاسلامية وكان يتبعها 32 مستشفى ومركز طبى منتشرة في 7 محافظات، وتخدم قرابة 3.5 مليون مريض مصري سنويا بالمجان أو بأسعار رمزية خيرية، والجمعية الشرعية (مراكز الغسيل الكلوي وحضانات الأطفال والمراكز الصحية)، وجمعية الشبان المسلمين (مستشفيات ومراكز صحية)، وبذلك أصبحت مستشفيات الصحة الحكومية المجانية وحدها في الساحة الصحية.

وفور بدء تناول المشكلة، سارع مساعد وزير الصحة، وصرح في 3/7/2018، عن وجود ستة أسباب أثرت بقوة على تفاقم مشكلة قوائم الانتظار بمستشفيات الصحة، تعود في جملتها إلى نقص التمويل الحكومي مع وجود فجوة تشغيلية من القوى البشرية؛ وتلك الأسباب هي : نقص في المستلزمات والأدوية بمستشفيات الصحة، وسوء توزيع المرضى بين المستشفيات، ونقص القوى البشرية مثل أطباء التخدير والرعاية المركزة والهيئات التمريضية، والعجز في غرف العمليات وأسرة الرعاية المركزة كما وكيفا، وغياب الميكنة لقوائم الانتظار، وضعف التعاون والتنسيق بين المستشفيات الجامعية ووزارة الصحة”[11]).

ثم أعلنت وزارة الصحة مباشرة عن خطتها لتنفيذ المبادرة الرئاسية لحل مشكلة قوائم الانتظار، وتشمل: 1- تحديد حجم المشكلة، 2- حصر القدرة التشغيلية للوزارة، 3- أهمية البنية المعلوماتية، 4- البدء في ميكنة المشروع، 5- توفير الدعم اللوجيستي؛ 6- توفير عنصر التمويل والتمويل البديل لضمان الاستدامة المالية بالشراكة مع وزارة التعليم العالي، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والبنك المركزي، ومؤسسة مصر الخير وجذب مؤسسات المجتمع المدني والمشاركة المجتمعية بجمع التبرعات. وشملت خطة وزارة الصحة عرض التكلفة التقديرية لخطة القضاء على قوائم انتظار العمليات الحرجة والتدخلات الطبية المتقدمة بمبلغ محدد [12].

في يوم 18 يوليو 2018، تم الإعلان الرسمي عن إطلاق المبادرة، [13] في ظل التوجيهات الرئاسية بسرعة إنهاء قوائم الانتظار، وتم الإعلان عن مصادر تمويل المبادرة وتشمل ثلاثة مصادر:

الأول هو مخصصات العلاج على نفقة الدولة،

الثاني من مخصصات هيئة التأمين الصحي وتغطى جزءا من تكاليف العمليات،

الثالث من البنك المركزي لتغطية فرق التمويل بين نفقة الدولة والتأمين الصحي [14].

وبرغم إعلان وزارة الصحة عن هذه الخطة المحددة ذات المحاور الستة لتطوير مستشفيات الصحة ودعمها لمواجهة المشكلة؛ إلا أن الواقع كان مغايرا تماما، فما لبثت القوات المسلحة المصرية أن أصدرت بتاريخ 8 أغسطس 2018 البيان التالي “في إطار توجيهات رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، بإنهاء قوائم الانتظار للمرضى خلال ستة أشهر، أصدر القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، أوامره بقيام المستشفيات العسكرية باستقبال الحالات الحرجة المقرر لها إجراء جراحات بصفة عاجلة بالتنسيق مع وزارة الصحة، حيث يتم استقبال المريض وإنهاء كافة الإجراءات الإدارية وتوقيع كافة الفحوصات والتحاليل الطبية قبل إجراء الجراحة وتقديم العلاج الطبي اللازم.”[15]

ومن ناحيته فقد أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي عن توقيع اتفاقية تعاون بين المستشفيات الجامعية ووزارة الصحة والسكان؛ بهدف إنهاء قوائم الانتظار، وأنه تم توقيع هذه الاتفاقية يأتي في إطار تنفيذ التكليفات الرئاسية[16].

وهنا الملاحظة الخطيرة وهي أن دخول مستشفيات الجيش والجامعات لحل المشكلة يعنى أنه لم يتم تطوير وتحديث مستشفيات وزارة الصحة، بل زادت حالتها في التدهور لأن تمويل قوائم الانتظار جاء من موازنة وزارة الصحة، والذي يتم عبر برنامج العلاج على نفقة الدولة، وقد تم توجيهه بالكامل إلى مستشفيات الجيش والجامعات، وتم إهدار حق المواطن المصري في الخدمة الصحية المجانية اليومية والتي كان يتم دعمها من خلال الرصيد التراكمي لتلك الأموال في مستشفيات الصحة وتعتبر مصدرا هاما للتطوير ورفع الكفاءة الذاتية لتلك المستشفيات. وهذا يعنى أنه تم حل مظاهر المشكلة مؤقتا، في حين أن أسباب المشكلة قد زادت حدتها واقعيا لاستمرار تدهور أحوال مستشفيات وزارة الصحة، وهي المحور الرئيسي لمواجهة المشكلة على المدى البعيد، بالإضافة إلى عجزها عن تقديمها الخدمة المجانية اليومية لجميع المواطنين.

كانت تلك هي البداية الصادمة من ناحية فشل وزارة الصحة بإمكانياتها المحدودة في مواجهة المشكلة، ثم القرار الرئاسي بإهمال خطة الصحة المعلنة، والاعتماد على آليات المبادرة الرئاسية، وكان الأشد غرابة هو عدم اليقين عن حجم المشكلة، حيث أعلن السيسي بتاريخ السبت 15 أغسطس 2018 إنه تم بدء العمل على إنهاء قوائم الانتظار وتشمل 17 ألف حالة مرضية [17].

وبالرغم من إعلان السيسي عن تحديد حجم المشكلة بأنه يشمل 17 ألف حالة انتظار فقط عام 2018، إلا أن وزارة الصحة قد أعلنت في 7 سبتمبر 2022، وبعد أربعة سنوات من بدء المبادرة: “أن القيادة السياسية تولي اهتماما كبيراً بهذه المبادرة قد تم إجراء مليون و349 ألف عملية جراحية ضمن التخصصات التي تشملها المبادرة [18].

وعدم اليقين عن مدى حجم المشكلة على المستوى الرئاسي وقت الإعلان عن المبادرة، مقارنة بآخر الإحصائيات على لسان وزير الصحة تعنى أحد احتمالين وكلاهما يدل على العشوائية؛ الاحتمال الأول هو عدم وجود تقدير ميداني دقيق وغياب قواعد البيانات السليمة عند بد إطلاق المبادرة، والاحتمال الثاني هو أن ما تم من فعاليات لحل المشكلة لم يكن سوى مجرد دعاية إعلامية؛ حيث تم ضم جميع حالات العلاج على نفقة الدولة بصورة كاملة خلال الأربعة سنوات الماضية تحت مسمى المبادرة الرئاسية لقوائم الانتظار، وذلك من أجل إيجاد حالة من الإنجازات أو اللقطة الإعلامية الظاهرية، والتي بدأت فعالياتها باستحواذ الجيش على الاعتمادات المالية الخاصة بالعلاج على نفقة الدولة، وأموال هيئة التأمين الصحي، وهى بنود من موازنة الصحة عام 2018، ثم بدأ من بعدها دخول المستشفيات الجامعية ثم عدد بسيط من المستشفيات وزارة الصحة.

2-مبادرة 100 مليون صحة:

في مؤتمر صحفي موسع، بمقر مجلس الوزراء، يوم 30سبتمبر 2018، تم الإعلان عن إطلاق المبادرة [19]، وتم الإعلان بأن البنك الدولي قد قدم قرضا بإجمالي 429 دولار أي ما يوازى 7.6 مليار جنيه مصري؛ يشمل مبلغ ٣٠٠ مليون دولار لمسح مواجهة الأمراض غير السارية، وأيضاً مبلغ ١٢٩ مليون دولار لمواجهة فيروس كبدي سي. [20]، ولم يتم الإعلان وقتها عن أصل اتفاقية القرض الوارد من البنك الدولي [21] والتي تشمل مبلغ 530 مليون دولار، موزعة على عدة بنود، وكان من أكثرها شهرة ودعاية حكومية هو مكون “فيروس كبدي سي”:

وفي الاحتفال باليوم العالمي لأمراض الكبد 2022، تم الإعلان بأن مبادرة 100 مليون صحة التي تبنتها مصر قد حققت نجاحاً عالمياً في العديد من الجوانب الصحية، وأشادت بها منظمة الصحة العالمية بسبب دورها في القضاء على فيروس سي، وأصبحت تجربة مصر في القضاء على فيروس سي نموذجاً يحتذى به. وأشاد مدير عام منظمة الصحة العالمية بالتجربة المصرية في مواجهة التهاب الكبد الوبائي فيروس “سي”، موضحاً أن مصر قامت باختبار ملايين المصريين كما وفرت العلاج مجانا للمصابين. وان مصر تقدمت بشكل رسمي لمنظمة الصحة العالمية بإعلانها خالية من الفيروس بعد أن كانت نسبة المصابين تقدر في مصر بحوالي 14%، وقالت وزارة الصحة أنه تم علاج 4 مليون مصاب بفيروس سي بمراكز العلاج التابعة للوزارة وبنسبة شفاء عالية. حيث تم فحص جميع المواطنين وعلاج كل الحالات التي تم اكتشاف إصابتها على نفقة الدولة، لتصبح مصر خالية من فيروس «سي» بنسبة أقل من1% [22].

والغريب في التصريحات الرسمية هو ما ورد حول ذكر أن نسبة الإصابة بأنها بلغت 14 %، يعنى حوالي 14 مليون مواطن مصاب، في حين تمت الإشارة إلى علاج 4 مليون مصاب فقط منهم، وأن مصر تقدمت بطلب للحصول على شهادة بالخلو من المرض!، ويوجد خلل إحصائي واضح في بيان وزارة الصحة يثير الكثير من الشك في مصداقية الأرقام ودقة الإحصائيات، إضافة إلى أن رقم 4 مليون مصاب الذين تمت الإشارة إلى علاجهم هو في الحقيقة رقم تراكمي على مدى 16 عاما، حيث أكد الدكتور محمد القصاص، عضو المكتب التنفيذي للجنة مكافحة الفيروسات الكبدية، أن التجربة المصرية وهي “مبادرة القضاء على فيروس سي” لم تكن هي الأولى لمواجهة المرض، حيث إن بداية مواجهة المرض كانت منذ عام 2006 بالتزامن مع إطلاق أول خطة إستراتيجية لمواجهة فيروس “سي” [23]، وكان الدكتور وحيد دوس رئيس اللجنة القومية للفيروسات الكبدية قد أعلن في 25 يوليو عام 2018، بأن مصر عالجت 2 مليون مصاب بفيروس سي خلال الفترة السابقة [24]. وكانت تلك التصريحات قبل بدء مبادرة 100 مليون صحة؛ والتي انطلقت فعليا يوم 30 سبتمبر 2018.[25]

3-المبادرة الرئاسية: متابعة حالات العزل المنزلي لمرضى فيروس كورونا

انطلقت المبادرة في 6 يناير 2021؛ بهدف متابعة الحالة الصحية وتقديم الخدمة الطبية للمصابين بمنازلهم، من خلال إجراء زيارة دورية للمرضى بالعزل المنزلي [26]، وأكدت وزيرة الصحة أن مصر تعد أول دولة في العالم ستطبق مبادرة رعاية لمصابي كورونا «العزل المنزلي» بالعالم، وذلك لمتابعة الحالات البسيطة إكلينيكياً لمرضى فيروس كورونا المستجد الذين يخضعون للعزل المنزلي [27]، وجاءت تلك المبادرة بعد أربعة أيام فقط في محاولة للتغطية على كارثة وفاة عدد من مرضى كورونا بسبب نفاذ غاز الأكسيجين بالرعاية المركزة في مستشفى الحسينية بمحافظة الشرقية [28]، والتي كان صورة الممرضة المنهارة في حالة الاحتراق Burnout تجوب فضائيات العام في صورة بائسة لحال الرعاية الصحية في مصر . ومن ناحية أخرى فقد هناك تخوفا صحيا معتبرا حول ضوابط التحكم في العدوى خلال تلك زيارات الفرق الطبية للمرضى كورونا في العزل المنزلي.

4-المبادرة الرئاسية لجلب لقاح كورونا الصيني:

في مشهد عاجل فوجئ شعب مصر بتواجد وزيرة الصحة السابقة في مطار القاهرة في وقت متأخر من مساء يوم 12 ديسمبر 2020، لاستقبال أول شحنة من لقاح سينوفارم الصيني، والقادمة هدية من دولة الإمارات المتحدة بناء على مبادرة رئاسية، لاستخدامها في التطعيم ضد فيروس كورونا [29]، وكانت الإشكالية وقتها تكمن في أن استيراد اللقاح تم بالمخالفة لتوصيات منظمة الصحة العالمية بضرورة وجود موافقة مسبقة من الجهات المختصة بكل دولة، إضافة إلى اللقاح الصيني “سينوفارم” لم يكن معتمدا عالميا في ذلك الوقت، حيث أعلنت منظمة الصحة العالمية بعدها بسبعة أشهر في يوم 7 مايو 2021، موافقتها على لقاح «سينوفارم» للاستخدام الطارئ، حيث أوصت لجنة خبراء اللقاحات التابعة لمنظمة الصحة العالمية بلقاح سينوفارم، وهو أول لقاح صيني يتلقى الضوء الأخضر من المنظمة [30]، وقد تسببت تلك المبادرة الرئاسية والغير موثقة طبيا على انتشار حالة من القلق واللقاحوفوبيا بين المصريين نحو لقاح كورونا بصورة عامة.

ثانيا: مبادرات تخص الفريق الطبي والجودة الصحية:

1-مبادرة تدريب الأطباء المصريين في بعثات علمية إلى الخارج:

في حديث متلفز لوزيرة الصحة السابقة يوم 13 يناير 2019، أعلنت د. هالة زايد عن مبادرة رئاسية حيث تم تكليفها بتوسيع دائرة تدريب الأطباء وسفرهم للخارج [31]. وبعد الإعلان عن تلك المبادرة الدعائية تفجرت مشكلة الأطباء دفعة تكليف مارس 2019 حيث ارتبك نظام التسجيل للدراسات العليا في برنامج الزمالة المصرية، كما ورد في مناشدات نقابة الأطباء لوزارة الصحة بحل المشكلة [32].

2-مبادرة إعلان أن عام 2019 هو عام الفريق الطبي:

بتاريخ 13 يناير 2019، أكدت وزيرة الصحة السابقة، على أن عام 2019 هو عام مقدمي الرعاية الصحية، وقالت “إننا نستهدف تحسين بيئة العمل والتدريب، وهو المحور الأهم لإعادة مكانة الطبيب المصري وقيمة مقدمي الرعاية الصحية في مصر وذلك بناء على توجيهات رئاسية”[33]، وكان من اللافت للنظر أن تصدر نقابة الأطباء بيانا يوم 14 أبريل 2022 تعلن فيه عن استقالة 11 ألفا و536 طبيبا من العمل بالقطاع الحكومي منذ عام 2019 تحديدا !!، وحذرت النقابة في تقريرها من استمرار عزوف الأطباء عن العمل الحكومي وتزايد سعيهم للهجرة خارج مصر، مشددة على أنها رصدت استقالة 934 طبيبا منذ بداية عام 2022 وحتى يوم 20 مارس من العام نفسه،[34].

3- إطلاق مبادرة “مستشفيات آمنة تساوي فرصة حياة”:

للوصول بالأخطاء الطبية التي يمكن منعها إلى الحد الأدنى في كل منشآت الرعاية الصحية على اختلاف أنواعها، [35]، حيث أعلن رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية في مؤتمر علمي يوم 17 سبتمبر 2022 أن المبادرة تستهدف: خفض حالات العدوى المتعلقة بأجهزة التنفس الصناعي وحالات التسمم الدموي، وحوادث الحريق، وتقليل الأخطاء الدوائية بنسبة 70بالمائة خلال 12 شهراً، وتلك المبادرة رغم أهميتها، إلا أنها تحتاج إلى سرعة إصدار توجيهات رئاسية لتحفيز مجلس النواب على إنهاء مناقشات مشروع قانون المسؤولية الطبية والذى بلغ آخر مراحله؛ حيث كشف رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب يوم 3 أكتوبر 2022 عن وجود توافق بين المجلس والحكومة من أجل سرعة إصدار مشروع قانون المسئولية الطبية، لما يمثله من أهمية كبيرة للطيب ولمتلقي الخدمة[36].

ثالثا: مبادرات رئاسية تشمل البنية التحتية للصحة:

1ـ مبادرة تعاقد التأمين الصحي بنوعيه الجديد والقديم مع مستشفيات الجيش:

في تقرير منشور بالمعهد المصري للدراسات بتاريخ 1 أكتوبر 2022، تحت عنوان “مصر: الرعاية الصحية والهيمنة العسكرية[37] تمت الإشارة إلى قرار الدكتور محمد معيط رئيس هيئة التأمين الصحي (الحالي) بأن مستشفيات الشرطة والعسكرية والمستشفيات الخاصة متاح لها الدخول ضمن منظومة قانون التأمين الصحي الشامل، حال توافرت فيها الشروط اللازمة للانضمام للمنظومة، حيث أوضح في مؤتمر صحفي بمقر مجلس الوزراء، يوم الأربعاء 25 أكتوبر 2017، إن هيئة الإشراف والرقابة التي أُنشئت وقتها، ستتولى التأكد والتحقق من توافر المعايير في المستشفيات المنتظر دخولها ضمن قانون التأمين الصحي الشامل، وإلى توقيع الدكتورة سهير عبدالحميد، رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، يوم 17 ديسمبر 2018، عقداً مع اللواء طبيب مجدي أمين، مدير إدارة الخدمات الطبية للقوات المسلحة، وهو العقد الذي يتم بموجبه تقديم الخدمات الطبية داخل جميع مستشفيات القوات المسلحة ولجميع مرضى التأمين الصحي.

وخطورة هذا الأمر هو أن التعاقد مع مستشفيات الجيش عالية الجودة والكفاءة يسلب المواطنين حقهم المشروع في الخدمة الصحية المجانية بمستشفيات الحكومة، لأن هيئة التأمين الصحي الحالية تغطى 60% فقط من المواطنين.. والتعاقد مع الجيش يعنى قيام الحكومة بسداد التكلفة من موازنة الصحة المنفضة وبالتالي حرمان مستشفيات الصحة من موارد كانت تساهم في التطوير الجزئي وتوفير بعض الاحتياجات، كما أن مشروع التأمين الصحي الشامل المستقبلي يكون قد تم غلقه في وجه مستشفيات الحكومة بحالتها الراهنة.

2-مبادرة الشراكة مع القطاع الخاص وخصخصة الصحة:

خلال افتتاح أحد المشروعات الطبية العسكرية يوم 22 ديسمبر 2016 طلب السيسي بتسريع دراسات بيع مستشفيات التكامل الصحي للقطاع الخاص، ووجه وزير الصحة لتنفيذ ما سبق وتم الاتفاق عليه قبلها، عبر بيع تلك المستشفيات، وتوفير دخل يسمح للوزارة بتوفير آلية ثابتة لتقديم خدمة طبية لغير القادرين بدلاً من وجود مستشفيات لا تستخدم لنقص الأجهزة بها. وقال السيسي “إن جمعيات مثل الأورمان، أو مصر الخير، تستطيع إدارة تلك المستشفيات وتوسيع الخدمة المقدمة للمواطنين”. [38].

3-مبادرة طرح مستشفيات مصرية للاستثمار أمام القطاع الخاص (حق الانتفاع والإدارة والتطوير):

وتطور أسلوب المبادرات الرئاسية؛ وأصبحت تصريحات السيسي هي الأوامر الواضحة التي تتحرك الحكومة من خلالها، ومثال ذلك ما أعلنه السيسي يوم 28 ديسمبر 2021 في مؤتمر متلفز حول تأكيد دعوته للقطاع الخاص على مشاركة الدولة في إدارة المشروعات بقوله “إحنا محتاجينكم”، لأن الحوكمة فشلت على مدى 40 سنة في إدارة المشروعات وغياب الحوكمة[39]. لأنه وتحت عنوان “مباحثات حول مشاركة القطاع الخاص في إدارة المستشفيات الحكومية “، نشر موقع الشروق بتاريخ 30 يوليو 2022 أن الحكومة تهدف إلى تنفيذ “وثيقة ملكية الدولة” وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في إدارة المستشفيات الحكومية[40].

وبناء عليه فقد طرحت الحكومة المصرية، عدداً من المستشفيات التابعة لوزارة الصحة للاستثمار أمام القطاع الخاص، بما يتضمن حق الانتفاع، أو الإدارة، أو التطوير، بحسب تصريحات المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة[41] حيث قال :”تستهدف مصر تسريع وتيرة النمو بزيادة مشاركة القطاع الخاص في القطاعات الاقتصادية عبر تخارج الدولة من بعض الأنشطة، وتقدم الحوافز الضريبية والجمركية لجذب الاستثمارات الأجنبية. وأضاف عبد الغفار أن المستشفيات المطروحة أمام شركات القطاع الخاص للاستثمار تشمل، “المستشفى القبطي، وهليوبوليس، وشيراتون”.

4-مبادرة إنشاء أكبر مركز إقليمي لزراعة الأعضاء بمصر والشرق الأوسط:

ضمن مكونات المدينة الطبية الجديدة بمستشفى معهد ناصر بالقاهرة، وصرح وزير الصحة بأن المشروع يشمل 1200 سرير رعاية مركزة، و45 غرفة عمليات على أعلى مستوى عالي للجودة، وأمر الإسناد المباشر للهيئة الهندسية للقوات المسلحة ببدء الإنشاء، باعتمادات مالية 8 مليار جنيه. [42]، ثم تصريحات أخرى متناقضة مع كلام الوزير، حيث أعلن المتحدث الرسمي للصحة على الفضائيات بأن عدد أسرة الرعاية المركزة هو 300 سريرو12 غرفة عمليات فقط، [43]، وهذا التخبط في التصريحات سببه كان كثرة التعليقات وردود الأفعال المجتمعية والصحية وتشمل من جانبها صعوبة توفير القدرة التشغيلية البشرية من الفرق الطبية،

ومن ناحية أخرى فإن مبادرة إنشاء مركز إقليمي لزراعة الأعضاء في مصر تهدف إلى تعظيم السياحة العلاجية واستهداف دول الإقليم سواء من أفريقيا أو منطقة الشرق الأوسط بصورة عامة، وهذا يتعارض ويتقاطع مع أمرين:

 الأمر الأول هو أن قانون تنظيم زراعة الأعضاء البشرية رقم 5 لسنة 2010، والذي يضع قيودا على عملية زراعة الأعضاء لغير المصريين [44]، وهذا يعنى أنه سوف يتم تعديل القانون لإمكانية تنفيذ المبادرة الرئاسية.

والأمر الثاني يخص زراعة الأعضاء، وتحمل مصر فيها سمعة سيئة، باعتبارها أولى الدول الإقليمية وضمن خمس دول الأكثر عالميا في انتشار جريمة تجارة الأعضاء البشرية بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية [45]، والتي وصلت إلى درجة قيام حكومة نيجيريا في نهاية عام 2017 بتحذير رعاياها من السفر إلى مصر بغرض السياحة العلاجية، نظرا لانتشار تجارة بيع الأعضاء البشرية في مصر [46]، وهذا يعنى أن تلك المبادرة الرئاسية قد تم الإعلان عنها دون أية دراسات للجدوى ولم يتم قبلها رفع الواقع المصري والإقليمي.

خلاصة:

لقد أصبحت المبادرات هي السياسة الحاكمة لمفهوم إستراتيجيات وزارة الصحة المصرية، حيث أكدت د. هالة زايد وزيرة الصحة والسكان السابقة، بتاريخ 24 يناير 2020، على أن إستراتيجية الوزارة ترتكز على محورين هامين هما مبادرات الصحة العامة والتأمين الصحي الشامل والتي وجه السيسي في سرعة تنفيذها”[47].

وإذا كان مصطلح المبادرة (Initiative) قد وردت ضمن المبادئ الأربعة عشر للإدارة حسب هنري فايول وجاء فيها ” إن أكثر الشركات ابتكاراً هي تلك التي تشجع المواهب الشابة والكبيرة على طرح أفكارهم الخاصة، كما يظهرون الاهتمام والمشاركة لتشجيع هؤلاء المهنيين.”[48]؛ فإن الوضع في مصر مختلف تماما، وعلى النقيض من تلك المفاهيم الإدارية أصبحت ” المبادرة ” تعنى كل ما يدور في أحلام وأوهام وتصريحات وتوجيهات وتلميحات، والمحددات التي تذكرها القيادة السياسية بحسب وصف جميع المسئولين حاليا.

وأصبح واضحا أن فكرة إطلاق المبادرات الرئاسية هي السياسة الحاكمة بصورة عامة؛ حيث ورد في تقرير الهيئة العامة للاستعلامات بتاريخ 19 يونيو 2022 أنه قد “جاءت المبادرات الرئاسية، في مختلف القطاعات، في إطار حرص الدولة على الاهتمام بالمواطنين.”[49]، ولدرجة أن يصدر عنها ينص على الآتي :” وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن الاجتماع الرئاسي مع رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الصحة والسكان، والمستشار الرئاسي للصحة الوقائية تناول متابعة الموقف التنفيذي لعدد من المبادرات الرئاسية في قطاعي الرعاية الصحية للمواطنين، والجامعات والبحث العلمي “،[50]

وفى الواقع، فإن هذه المبادرات قد لا تعدو إلا أن تكون مجرد إجراءات لحظية قد ينتج عنها حالة نجاح وقتي يجذب الأنظار، ولكنها لا تغير كثيرا من الواقع المتردي لخدمات الرعاية الصحية الحكومية. وبهذا يتكشف كيف يتعامل النظام الحالي مع مشاكل المنظومة الصحية باستخدام الشكليات وأسلوب “المبادرات” والتي تعنى اللقطة والضجة الإعلامية، والاهتمام بالشكل على حساب الجوهر، وهذه الفلسفة تعمقت مؤخرا في مصر حتى أصبحت نمط حياة، واختارها البعض ليخفي عورات المضمون، فمشاكل الصحة والقطاع الطبي تتعلق بتدهور الخدمات الطبية، وفقر الإمكانات وعدم الاهتمام بالبحث العلمي، وضعف رواتب الأطباء وطواقم التمريض، وعدم قدرة غالبية المصريين تحمل نفقات العلاج، حين لا يغطيهم التأمين الصحي (وهم بالملايين)، ولم نسمع من قيادات الحكومة كلمة واحدة عن إصلاح جوانب الخلل التي لا حصر لها في المنظومة الطبية، ودائما تردد أنها تنفذ التوجيهات والتعليمات الرئاسية.

وهذا يعنى أن مصطلح “المبادرات الرئاسية” أصبح هو المطلوب من الناحية الإعلامية والسياسية، بعيدا عن مجرد الإشارة لوجود الإستراتيجيات والخطط، وهو بمثابة ترسيخ للفكرة العسكرية حول وجود القائد الأعلى الذي يصدر الأوامر، بمعنى أن أمور وبرامج الصحة مرجعيتها هي الأوامر الرئاسية وليست سياسة الحكومة، ولا هي خطة الوزارة.


الهامش

[1] مفهوم الاستراتيجية ” الموسوعة السياسية نشر في 31يوليو 2017 رابط

[2] التخطيط الاستراتيجي: تعرفه، أنواعه مراحله، أهميته عناصره ومعوقاته في 28 نوفمبر 2021 رابط

[3] مفهوم الاستراتيجية وأهدافها (المرسال) تحديث 11 فبراير 2017 رابط

[4] ورقة بيضاء: رسم ملامح السياسة الصحية في جمهورية مصر العربية، وزارة الصحة والسكان 2014 رابط

[5] كيف تطور الإنفاق الحكومي على قطاع الصحة في 5 سنوات إنفوجراف نشر بتاريخ 11مايو 2022 مصدر

[6] التخطيط : القطاع الخاص يتحمل 71 % من الإنفاق الصحي والحكومة تتحمل 29% ( المال) 23 أبريل 2022 مصدر

[7] أداء القطاع الصحي في مصر السياسات والتحديات (دراية) 1 سبتمبر 2022 رابط

[8] المصدر السابق مصدر

[9] الصحة في عهد السيسي إنجازات متواصلة : متحدث رسمي مجلس الوزراء في 5 يونيو 2022 مصدر

[10] مصر تتحفظ على المستشفيات الإسلامية نشر 19 يناير 2015 مصدر

[11] مساعد وزير الصحة: ستة أسباب ورائم قوائم الانتظار نشر 3 يوليو 2018 مصدر

[12] نشر خطة الصحة للقضاء على قوائم الانتظار منشور في 11 يوليو 2018 مصدر

[13] بعد مرور شهر على إطلاق مبادرة السيسي للقضاء على قوائم الانتظار: الصحة تعلن الإنجازات في 19 أغسطس 2018 مصدر

[14] مبادرات رئاسية لتعزيز النظام الصحي في مصر تعرف عليها، 21 أبريل 2022 مصدر

[15] مستشفيات القوات المسلحة تستقبل الحالات الحرجة في قوائم انتظار وزارة الصحة نشر في 8 أغسطس 2018 مصدر

[16] وزير التعليم العالي: توقيع اتفاقية تعاون بين المستشفيات الجامعية والصحة نشر في 25 يوليو 2018 مصدر

[17] السمنة وقوائم الانتظار: والمرافق قضايا تناولها السيسي بتاريخ 15 ديسمبر 2018  مصدر

[18] الصحة: مبادرة قوائم الانتظار نجحت في إجراء مليون و 349 ألف عملية جراحية منشور 8 سبتمبر 2022 مصدر

[19] تفاصيل إطلاق مبادرة الرئيس عن فيروس سي والأمراض غير السارية في 30سبتمبر 2018 مصدر

[20] ممثل البنك الدولي في مصر : قدمنا لمصر 429 مليون جنيه لمواجهة فيروس سي والأمراض غير السارية في 30 سبتمبر 2018 مصدر

[21] موقع البنك الدولي (مشروع تحويل نظام الرعاية الصحية في مصر P167000) 1 مايو 2018 – رقم التقرير PIDISDSA24461

[22] مصر تتقدم لمنظمة الصحة العالمية بأنها خالية من فيروس سي 23سبتمبر 2022 مصدر

[23] مكافحة الفيروسات الكبدية بدأت عام 2006 نشر بتاريخ 19 مارس 2019 مصدر

[24] رئيس لجنة مكافحة الفيروسات الكبدية: عالجنا 2 مليون مصاب بفيروس سي خلال 4 سنوات، نشر بتاريخ 25 يوليو 2018 مصدر

[25] تحت شعار 100 مليون صحة الحكومة تطلق مبادرة السيسي للقضاء على فيروس سي نشر بتاريخ 30سبتمبر 2018 مصدر

[26] مبادرة الزيارات المنزلية لمصابي كورونا بالعزل المنزلي (هيئة الاستعلامات) منشور 19 يونيو 2022 مصدر

[27] اليوم: إطلاق مبادرة الرئيس لمتابعة العزل المنزلي لمرضى كورونا منشور 6 يناير 2021 مصدر

[28] وفاة مرضى كورونا في مصر والنيابة تحقق في نقص الأكسيجين ….منشور 3 يناير 2022 مصدر

[29] الآن | مؤتمر صحفي لوزيرة الصحة عقب استقبال الولي شحنات لقاح سينوفارم الصيني قادمة من الإمارات في 10ديسمبر 2020 فيديو

[30] الصحة العالمية توافق على استخدام لقاح سينوفارم ضد كورونا، بتاريخ 7 مايو 2021 مصدر

[31] ” علمي ولادك بره ” تصريح متلفز لوزيرة الصحة السابقة 13 يناير 2019  فيديو

[32] النقابة تخاطب الصحة بشأن تعديل تكليف الأطباء ( موقع النقابة العامة لأطباء مصر ) بتاريخ 24أبريل 2021 رابط

[33] عام 2019 هو عام مقدمي الرعاية الصحية (تصريحات وزيرة الصحة والسكان) نشر بتاريخ 13 يناير 2019 مصدر

[34] الأطباء: استقالة 11 ألف طبيب منذ عام 2019 _ بيان النقابة) نشر بتاريخ 17 أبريل 2022  مصدر

[35] رئيس هيئة الاعتماد والرقابة الصحية يعلن اعتماد مبادرة مستشفيات آمنة تساوى فرصة، بتاريخ 15 سبتمبر 2022 مصدر

[36] صحة البرلمان : توافق برلماني حكومي على قانون المسئولية الطبية .. نشر بتاريخ 3 أكتوبر 2022 مصدر

[37] مصر : الرعاية الصحية والهيمنة العسكرية (المعهد المصري للدراسات ) نشر بتاريخ 1 أكتوبر 2020 رابط

[38] السيسي يتجه لخصخصة مستشفيات التكامل ويطور مستشفيات الجيش، منشور بتاريخ 23 ديسمبر 2016 مصدر

[39] الرئيس السيسي يؤكد دعوته للقطاع الخاص على مشاركة الدولة في إدارة المشروعات، 28ديسمبر 2021  فيديو

[40] مباحثات حول مشاركة القطاع الخاص في إدارة المستشفيات الحكومية، وثيقة ملكية الدولة، تحديث 30 يوليو 2022  مصدر

[41] مصر : طرح مستشفيات حكومية للاستثمار أمام القطاع الخاص نشر في 15 سبتمبر 2022 مصدر

[42] السيسي يوجه بإنشاء أكبر مركز إقليمي لزراعة الأعضاء بمصر والشرق الأوسط، نشر في 26 سبتمبر 2022 مصدر

[43] الصحة: سيكون هناك ميكنة وحوكمة فيما يتعلق بزراعة الأعضاء في مصر منشور 2 أكتوبر 2022 مصدر

[44] قانون تنظيم زراعة الأعضاء رقم 5 لسنة 2010 (موقع محامى مصر) رابط

[45] أسباب انتشار تجارة الأعضاء البشرية في مصر ..منشور في 10ديسمبر 2016 مصدر

[46] نيجيريا تحذر رعاياها المتواجدين في مصر والراغبين في السفر إليها والسبب صادم، منشور في 20أكتوبر 2017 مصدر

[47] وزيرة الصحة: إشادات دولية بمبادرات الرئيس السيسي لصحة المواطن بتاريخ 24 يناير 2020.

[48] مبادئ هنري فايول الأربعة عشر للإدارة (رائد الأعمال العربي) نشر 2 سبتمبر 2022 رابط

[49] المبادرات الرئاسية: تقرير الهيئة العامة للاستعلامات بتاريخ 19 يونيو 2022 رابط

[50] متابعة المبادرات الرئاسية : موقع رئاسة الجمهورية بتاريخ 4 أغسطس 2022 رابط