تدور الدراسة حول تحليل أبعاد التدخل العسکري الروسي في أوکرانيا الذي يعتبر من أخطر الأزمات الدولية في العلاقات الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة، لأنه يتضمن تهديد بنشوب صراع واسع النطاق في القارة الأوروبية، بين روسيا الاتحادية من جهة، وبين الولايات المتحدة الأمريکية، ودول الإتحاد الأوربي، وحلف الناتو من جهة أخرى، وتبحث الدراسة بالتحديد في أبعاد السياسة الأمريکية ومحدداتها وسماتها وملامحها تجاه التدخل العسکري الروسي في أوکرانيا، وانعکاسات ذلک على حلف شمال الأطلسي. وقد رکزت الدراسة في محاورها على أبعاد الأزمة الأوکرانية وتطوراتها، والأهمية الإستراتيجية لأوکرانيا في المنظورين الروسي والأمريکي، ومحددات السياسة الأمريکية تجاه الحرب الروسية الأوکرانية، وانعکاسات الأزمة الأوکرانية على حلف شمال الأطلسي، والسيناريوهات المتوقعة لانتهاء الحرب الروسية الأوکرانية.
وتوصلت الدراسة باستخدام المنهج التحليلي والاستنباطي، ومنهج صنع القرار لعدة استنتاجات مهمة، منها: أن روسيا لا تستطيع التراجع في أوکرانيا أو أن تترکها لتصبح جزءًا من الإتحاد الأوروبي أو حلف الناتو، ولن تتوقف موسکو عن عملياتها العسکرية في أوکرانيا قبل أن تحصل على تعهدات واضحة بأن حلف الناتو لن يقوم بتوسعات جديدة على حدودها، وأن روسيا لم تحقق أهدافها العسکرية بشکل کامل کما کان مخطط لها، وأن الحرب الروسية الأوکرانية أعادت تماسک حلف شمال الأطلنطي بصورة غير مسبوقة، وجعلته أکثر تماسکاً من ذي قبل، ودفعت الدول الأوروبية إلى مزيد من التسلح وزيادة الإنفاق العسکري الأوروبي بشکل کبير، ودفعت دول کانت محايدة مثل فنلندا والسويد إلى تقديم طلب للانضمام إلى حلف الأطلنطي بشکل رسمي، وهو ما يعني تطورات ليس في صالح روسيا.

المؤلف
أحمد جلال محمود عبده 
مدرس العلوم السياسية – کلية السياسة والاقتصاد – جامعة السويس
مجلة السياسة والاقتصاد، المقالة 13، المجلد 17، العدد 16، أكتوبر 2022، الصفحة 413-445

مقدمة:

يعد التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا في 24 فبراير 2022، من أبرز الأزمات الجيوسياسية المعقدة، التي تواجه أوروبا بعد انتهاء فترة الحرب الباردة، وذلك في ظل سعي الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي لمحاصرة روسيا جغرافياً، عن طريق جمهورياتها السابقة من جهة، ورغبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في استعادة الأمجاد السوفياتية، عن طريق السيطرة على أوكرانيا، من أجل حماية المصالح الحيوية الروسية، من جهة أخرى.

وقد دخلت الأزمة الأوكرانية مرحلة جديدة من التصعيد بعد اعتراف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 21 فبراير 2022، باستقلال جمهوريتي دونتسك ولوغانسك في منطقة دونباس الواقعة شرقي أوكرانيا بمحاذاة حدود روسيا، وبعدها أطلقت روسيا في 24 فبراير 2022 هجوماً عسكرياً شاملاً ضد أوكرانيا بعد يومين فقط من إعلان هذا الاستقلال، وقد جاء ذلك نتيجة إبداء أوكرانيا نيتها المضي قدماً في محاولاتها الانضمام إلى منظمة حلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي، وهو ما ترى فيه روسيا تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وأعلنت روسيا أن هدفها من اجتياح أوكرانيا هو إسقاط نظام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ونزع سلاح أوكرانيا، ومنع انضمامها إلى حلف الناتو، وإجبارها على الاعتراف بضم روسيا لشبه جزيزة القرم، واستقلال لوغانسك ودونيتسك.

المشكلة البحثية:

تمثل الأزمة الأوكرانية الأزمة الأخطر على الساحة الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن العشرين، لأنها تنطوي على تهديد بنشوب صراع واسع النطاق في القارة الأوروبية، كما قد تسفر عن زعزعة أسس النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية، وعن تمهيد الطريق أمام قيام نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يكون لروسيا، ولحليفتها الصين، دور فاعل فيه. وتقدم أوكرانيا نموذجاً جديداً من الحروب لما بعد الحرب الباردة، حيث تشكل محوراً هاماً في الصراع الدائر بين القوى الكبرى (روسيا، الإتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية)، إذ أن لكل من هذه القوى أوراق ضغط توظفها في هذه الأزمة، فكيف تعاملت الولايات المتحدة مع هذه الأزمة؟ وهل حققت السياسات الأمريكية نتائجها المستهدفة في الحرب الروسية الأوكرانية؟

المنهاجية البحثية:

      اعتمدت هذه الدراسة على المنهج التاريخي، في التعرف على تطور الأزمة الأوكرانية وتطورها، فضلاً على الاعتماد على المنهج التحليلي والاستنباطي للتعرف على الأهمية الإستراتيجية لأوكرانيا في المنظورين الروسي والأمريكي، كما اعتمدت الدراسة على منهج صنع القرار، في التعرف على محددات السياسة الأمريكية تجاه الحرب الروسية في أوكرانيا وسمات هذه السياسة وملامحها، والنتائج المترتبة على تنفيذها، وكذلك التعرف على موقف دول حلف شمال الأطلسي وسياساتها للتصدي العسكري الروسي في أوكرانيا، وكيفية تنسيق الجهود بينها فيما يتعلق بسياسة العقوبات التي فرضتها على روسيا.

تساؤلات الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة على مجموعة من التساؤلات البحثية ومنها:

1. كيف بدأت الأزمة الأوكرانية؟ وما هي أبعادها وجذورها؟

2. ما الأهمية الاستراتيجية لأوكرانيا في المنظورين الروسي والأمريكي؟

3. ما محددات السياسة الأمريكية تجاه التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا؟ وما هي سماتها وملامحها؟ وما النتائج التي ترتبت على تنفيذها؟

4. إلى أي مدى أثر التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا على حلف شمال الأطلسي؟ وما هي انعكاسات ذلك على سياسات الحلف؟ وما الأجراءات التي تم اتخاذها للتصدي العسكري الروسي في أوكرانيا؟

5. ما السيناريوهات المتوقعة للحرب الروسية الأوكرانية؟

تقسيم الدراسة:

    تنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث، يناقش المبحث الأول أبعاد الأزمة الأوكرانية وتطوراتها، وفيه يناقش الباحث جوهر الأزمة الأوكرانية وجذورها، والأهمية الإستراتيجية لأوكرانيا في المنظورين الروسي والأمريكي، ومؤشرات القوة العسكرية في الجيشين الروسي والأوكراني، ويحلل المبحث الثاني: السياسة الأمريكية تجاه التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، وفيه يناقش الباحث محددات السياسة الأمريكية تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، وسمات وملامح هذه السياسة، والنتائج المترتبة على تنفيذها، أما المبحث الثالث فيتناول انعكاسات الأزمة الأوكرانية على حلف شمال الأطلسي، وفيه يناقش الباحث موقف دول حلف الناتو من التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، وسياسات الحلف في هذا الشأن، مع بيان السيناريوهات المتوقعة لانتهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

المبحث الأول

أبعاد الأزمة الأوكرانية – الروسية وتطوراتها

تعود جذور الأزمة الأوكرانية، في الأصل إلى قيام قيادة حلف شمالي الأطلسي “الناتو” بتوسيع مجال نشاطه ومده إلى البلدان الواقعة على حدود روسيا الاتحادية، وذلك خلافاً لوعود كانت قد قدمتها الدول الغربية الكبرى، لدى انهيار الاتحاد السوفياتي وتوحيد ألمانيا، إلى القيادة الروسية وقضت بعدم توسيع الحلف في شرق أوروبا ووسطها.(*)

وقد شهدت أوروبا في سنة 2008 تفجر أزمة شبيهة إلى حد ما بالأزمة الأوكرانية الحالية، وذلك عندما أبدت جمهورية جورجيا المحاذية لحدود روسيا الاتحادية رغبتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وإلى حلف الناتو . ومنذ أغسطس 2008، حدثت اشتباكات بين القوات الجورجية والقوات الانفصالية الموالية لروسيا في إقليم أوسيتيا الجنوبية الذي يتمتع بحكم ذاتي، استتبعها توغل الدبابات الروسية في هذا الإقليم في خطوة قالت موسكو إنها تهدف إلى حماية مواطنيها الذين يحمل الكثيرون منهم جوازات سفر روسية. وفي غضون أيام، سيطرت القوات الروسية على أوسيتيا الجنوبية، وطردت القوات الجورجية من الإقليم، وشنت حتى هجمات على ضواحي تبليسي عاصمة جورجيا. وبعد وقف إطلاق النار الذي تفاوض عليه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، اعترفت روسيا باستقلال أوسيتيا الجنوبية ومنطقة أبخازيا ، بينما وقعت جورجيا، في سنة 2014، اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، لكنها لم تقدم طلباً رسمياً للعضوية فيه، كما لم تنضم رسمياً حتى الآن إلى حلف الناتو .

أولاً: جوهر الأزمة الأوكرانية وجذورها:

تفجرت الأزمة الأوكرانية الحالية، في 21 نوفمبر 2013، عندما أعلنت الحكومة الأوكرانية القريبة من موسكو، أنها لن توقع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي . فاندلعت بعد هذا التاريخ مظاهرات حاشدة في مدينة كييف مناصرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ، وفي 22 فبراير 2014، وأمام ضغط الشارع، قام البرلمان الأوكراني بتنحية الرئيس فيكتور إيانوكوفيتش في ثورة يطلق عليها الأوكرانيون ثورة الكرامة ، وفي 28 فبراير 2014، سيطرت قوات روسية خاصة على جزيرة القرم، التي كان الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف قد ألحقها سنة 1954 بأوكرانيا ، وجرى استفتاء في 16 مارس 2014 أظهرت نتائجه أن أغلبية واسعة من سكان القرم، وهم من الناطقين بالروسية، يؤيدون الانضمام إلى روسيا . الأمر الذي استتبع قيام حلف الأطلسي بإلغاء تعاونه المدني والعسكري مع روسيا، ثم قامت الدول الغربية بفرض عقوبات اقتصادية عليها. بينما قام مناصرو روسيا في “منطقة دونباس”(*) بإعلان قيام جمهوريتي دونتسك ولوغانسك من جانب واحد . وفي 25 مايو 2014، اختير “بترو بوروشنكو” رئيساً جديداً لأوكرانيا، وراحت تدور معارك بين الانفصاليين الموالين لروسيا والجيش الأوكراني .

  وفي سبتمبر 2014، تم التوصل في مدينة مينسك عاصمة بيلاروسيا إلى اتفاقية بين ممثلين عن حكومتي روسيا وأوكرانيا، وعن القوات الانفصالية في دونتسك ولوغانسك، وعن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بهدف إنهاء الحرب وإيجاد حل سياسي للنزاع في شرق أوكرانيا . غير أن بنود تلك الاتفاقية بقيت حبراً على ورق. وفي 23 يناير 2015، صرح رئيس جمهورية دونتسك المعلنة من جانب واحد بأنه غير معني باتفاقية مينسك، الأمر الذي استتبع التوقيع على اتفاقية مينسك 2 في 12 فبراير 2015 التي أوصت بقيام نظام لامركزي في دونتسك ولوغانسك، وهو ما رفضته، في الواقع الحكومة المركزية في كييف. وهكذا، تم التمهيد لاندلاع حرب أهلية طويلة أسفرت عن وقوع نحو 14000 قتيل، واستئناف الحرب الباردة، وخصوصاً بعد أن أظهر الغرب أنه غير معني بمراعاة المصالح الاستراتيجية الروسية، بعد أن أبدى الرئيس الأوكراني الجديد فولوديمير زيلينسكي، الذي انتخب في مايو 2019، عزمه على الاستمرار في تعزيز توجه بلاده نحو الغرب.

وفي 10 نوفمبر 2021، طلبت واشنطن توضيحات من روسيا بشأن تحركات “غير عادية” لقواتها على الحدود الأوكرانية. بينما اتهم الرئيس الروسي الغرب بتسليم أسلحة وإيفاد عسكريين إلى كييف، وبإجراء مناورات عسكرية “استفزازية” في البحر الأسود وقرب الحدود الروسية. وفي 10 يناير 2022، أجرى الروس والأميركيون محادثات متوترة في جنيف، ثم عقد بعد أيام اجتماع بين ممثلين روس وممثلين عن حلف الناتو رفض ممثلو الحلف خلاله طلب موسكو بألا يضم الحلف أعضاء جدداً في الشرق إلى صفوفه، وألا تتمركز قوات أو معدات عسكرية في الدول التي انضمت إلى الناتو بعد سنة 1998 تخل بموازين القوى الاستراتيجي. وفي 18 يناير 2022، بدأت موسكو بنشر وحدات من جيشها في بيلاروسيا، وبدا واضحاً منذ ذلك الحين أن حل الأزمة الأوكرانية لا يمكن أن يتم دون التوصل إلى اتفاق سياسي دائم يلبي مصالح روسيا.

وبعد خطاب فلاديمير بوتين مساء يوم الاثنين في 21 فبراير 2022، أدان معظم أعضاء مجلس الأمن، الذي عقد اجتماعاً طارئاً، اعتراف روسيا باستقلال الجمهوريتين الانفصاليتين في شرق أوكرانيا ، وكان الرئيس جو بايدن قد أصدر مباشرة، بعد ذلك الخطاب، أمراً تنفيذياً يحظر أي استثمار أو تبادل أو تمويل جديد من قبل الأشخاص الأميركيين للمناطق الموالية لروسيا في دونيتسك ولوغانسك. وفي اليوم التالي فرضت الولايات المتحدة عقوبات مالية واقتصادية على روسيا، ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بصفته رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي، دول الاتحاد إلى فرض “عقوبات أوروبية هادفة” عليها، وقام المستشار الألماني أولاف شولتز بتعليق العمل في خط أنابيب الغاز الروسي “نورد ستريم 2″، بينما أعلن بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني أن بلاده ستفرض حزمة كبيرة من العقوبات على روسيا .

ثانياً:الأهمية الإستراتيجية لأوكرانيا في المنظور الروسي:

أكد “أولجبك كازانوف” أستاذ مشارك بجامعة الاقتصاد العالمي والدبلوماسية، قسم العلاقات الدولية بأوزباكستان أن أوكرانيا تتمتع بأهمية إستراتيجية كبيرة بالنسبة لروسيا، وذلك بالنظر إلى عدة اعتبارات مهمة منها: أن العديد من الأسلحة الروسية تم إنتاجها من قبل المصانع العسكرية الأوكرانية، ومن ذلك محركات طائرات الهليكوبتر الروسية القتالية، وكذلك محركات العديد من السفن الحربية الروسية، بالإضافة إلى أن أغلب رؤوس الصواريخ الروسية يتم إطلاقها من خلال صواريخ يتم إنتاجها، إما بصورة جزئية أو كلية، في مصانع أوكرانية، كما أن أكثر من نصف مكونات الصواريخ الباليستية العابرة للقارات تنتج في أوكرانيا، وهي تستطيع أن تحمل حوالي 80% من الرؤوس الحربية الروسية، ولعل المثال الأبرز على ذلك مجمع يوزماش (Yuzhmash) في أوكرانيا الذي يعد جزءاً من المصانع الإستراتيجية للإتحاد السوفييتي السابق، وتبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية لهذا المجمع 120 صاروخاً باليستياً عابراً للقارات، وتعتمد أوكرانيا في استهلاكها من الطاقة والوقود على روسيا، ويلاحظ أن التنمية المستدامة لاقتصاد أوكرانيا تعتمد على استيراد موارد الطاقة ، أي النفط والغاز بالدرجة الأولى من الخارج .

 بالإضافة إلى ذلك تمركز الأسطول الروسي في قاعدة سيفاستوبل البحرية في جزيرة القرم، والتي تنبع أهميتها من حقيقة أن السيطرة عليها تعني التحكم في البحر الأسود والمناطق المطلة عليه، ولذلك حرصت روسيا منذ تفكك الإتحاد السوفييتي في ديسمبر 1991 على إبقاء أسطولها بالبحر الأسود هناك، وذلك عن طريق إبرام اتفاقيات مع الحكومات الأوكرانية المتعاقبة(*)، وبناء على ذلك تتمتع جزيرة القرم بأهمية جيواستراتيجية، وتدخل في نطاق المصالح الحيوية الروسية التي لا يمكن التنازل عنها، ولعل هذا ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لضم الجزيرة لروسيا .

أما من الناحية العرقية، ينتمي الجزء الشرقي والجنوبي من أوكرانيا إلي روسيا، ويشكل الروس ما يقرب من 17% من سكان أوكرانيا ، وهو ما انعكس على طبيعة الهوية الروسية . بالإضافة إلى ما سبق، تعد أوكرانيا جزءاً من التاريخ والذاكرة الروسية ، فهي تعتبر مكوناً من مكونات الهوية الروسية، إضافة لاعتبارها ميناءاً إستراتيجياً أساسياً لمصالح روسيا الحيوية، كما تمثل أوكرانيا حجز الزاوية للدفاعات الروسية، وتعد امتداداً طبيعياً للصناعة والزراعة الروسية، كذلك فإن أهميتها تنبع من كونها تعطي روسيا القدرة على مد نفوذها السياسي، والعسكري، والاقتصادي، إلى دول شرق أوروبا والقوقاز، والبحر الأسود، كما تمثل أوكرانيا أهمية استراتيجية بالنسبة لمنظومة أمن الطاقة الروسية، حيث تمثل نقطة عبور الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا، وهمزة الوصل لمعظم التحتية للصناعات الروسية، سواء عبر خطوط الأنانبي أو الطرق، والسكك الحديدية .

وتنبع أهمية أالحسابات الروسية في الأزمة الأوكرانية التي تحولت إلى ساحة حرب بالوكالة من هواجس تمدد الناتو والاتحاد الأوروبي في فضائها الحيوي، وصولًا إلى حدودها المباشرة، ومن ثم محاصرتها والضغط عليها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. لأن روسيا ترى في توسع الناتو شرقًا يمثل تهديدًا أمنيًا وجوديًا لها، ولن تقبل روسيا أبدًا بانضمام أوكرانيا إلى المؤسسات الغربية، السياسية والاقتصادية والعسكرية ، وتؤكد أن ذلك كان سببًا كافيًا لشن الحرب، للحصول على ضمانات غربية بعدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو، ووقف التصعيد العسكري شرق أوكرانيا، حيث تطالب روسيا بأن تتوقف أوكرانيا عن محاولات استعادة المناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون الذين تدعمهم روسيا في إقليم دونباس الذي يضم مقاطعتي دونيتسك ولوهانسك شرق البلاد، وترى في ذلك خرقًا لبنود برتوكولي “مينسك 1″ عام 2014، و”مينسك 2” عام 2015، اللذين تم التوصل إليهما تحت إشراف منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ونصا على شكل من أشكال الحكم الذاتي في المقاطعتين .

ثالثاً: الأهمية الإستراتيجية لأوكرانيا في المنظور الأمريكي:

تحتل أوكرانيا التي استقلت عن الإتحاد السوفييتي عام 1991 موقعاً حساساً بين روسيا وأعضاء حلف شمال الأطلسي ، وتتمثل وجهة النظر الأمريكية والأوروبية بأن وجود أوكرانيا قوية ومستقلة يعد جزءاً مهماً من بناء “أوروبا كاملة وحرة وآمنة”، ويتطلب استكمال عمليات تأمين أوروبا – التي أخذت تتسارع منذ تسعينيات القرن العشرين عبر توسيع نطاقي الناتو والاتحاد الأوروبي – تقليص نفوذ روسيا في الأراضي الأوروبية ومحيطها، والوصول إلى آخر نقطة ممكنة تلامس الأراضي الروسية عبر إدماج أوكرانيا بمظلة الشراكة الاقتصادية والأمنية، بما يمكن الغرب من إحكام سيطرته على البوابة الشرقية بدرجة كبيرة .

ويمثل موقع أوكرانيا محوراً إستراتيجياً وجيوبوليتيكيا ذات أهمية كبيرة، فأوكرانيا تعد بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ذات أهمية حيوية، وحيوسياسية، وجيوإستراتيجية تبدأ بمحاصرة منطقة النفوذ الروسي، كما أن موانئ أوكرانيا مهمة لحلف شمال الأطلسي عند دخولها إلى البحر الأسود.

كما تلعب روسيا وأوكرانيا دوراً مهماً في تصدير النفط والغاز الطبيعي والفحم والقمح، وغيرها من السلع في السوق العالمية، وتشير التقارير أن كلا البلدين ينتجان 70 % من النيون العالمي وهو سلعة حيوية في إنتاج أشباه الموصلات مما سبب أزمة لشركات صناعة السيارات التي تشهد بالفعل ندرة في رقائق الكمبيوتر، كما أن كلا البلدين مسؤول عن 13 % من الإمداد العالمي من التيتانيوم الذي يستخدم في صناعة الطائرات، وكذلك عن 30 % من البلاديوم العالمي (يعد البلاديوم من عائلة البلاتين من المعادن، ويعتبره خبراء المجوهرات بديلا للذهب أو البلاتين) ويستخدم في صناعة السيارات، والهواتف المحمولة، وسيكون لهذه الأزمة آثار سلبية اقتصادية ليس فقط على روسيا وأوكرانيا، بل على الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، ومن أهم الآثار المتوقعة من حرب روسيا على أوكرانيا، ارتفاع معدلات التضخم بسبب زيادة أسعار النفط، وزيادة أسعار المواد الغذائية، وارتفاع أسعار المواد الخام في جميع أنحاء العالم .

وفي سبيل تحليل أسباب حراك الغرب وروسيا ووصولهما إلى الوضع الراهن المتأزم، يمكن إمعان النظر في الخريطة السياسية الراهنة للمنطقة المركزية الفاصلة بينهما وواقع تنافس النفوذ فيها، إذ يمكن استنتاج الآتي :

1. أصبحت معظم الدول الكبيرة في أوروبا الشرقية والوسطى مثل بولندا ورومانيا وهنغاريا وسلوفاكيا وبلغاريا تحظى اليوم بالعضوية الكاملة في كل من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وتم ترسيخ انتمائها الغربي بعد تداخل مصالح شعوبها اقتصادياً وسياسياً وأمنياً ضمن المنظومة الغربية الأطلسية، ولم يعد بإمكان روسيا أن تتحدى الغرب في هذه الدول التي تشكل عمقاً جغرافياً وخط دفاع أول عن أوروبا الغربية.

2. بقيت هناك دولتان فقط (أوكرانيا وبيلاروسيا) كي يستكمل الغرب بضمهما حرمان روسيا من نفوذها في المنطقة المركزية المتمثلة في أوروبا الشرقية كاملة، ومع عقد الاتحاد الأوروبي اتفاقاً للشراكة مع أوكرانيا في مارس 2014، فإنه يسعى بذلك لمد نفوذه إلى أكبر دول أوروبا الشرقية مساحة، وأكثرها سكاناً، وأعمقها امتداداً جغرافياً نحو روسيا، وهي تحتل أكثر من نصف طول البوابة الشرقية، فهي بذلك تعد أهم دولها.

3. إن تكريس مصالح الغرب ونفوذه في أوكرانيا يعني بالنسبة إلى روسيا إطباق نفوذه على شمال البحر الأسود كله، وعلى شبه جزيرة القرم ذات الأهمية الإستراتيجية والتاريخية، ومع وجود الحليف التركي للغرب في الساحل الجنوبي لهذا البحر، ورومانيا وبلغاريا في الساحل الغربي، وجورجيا في جزء من الساحل الشرقي، فإن الوجود الروسي على البحر الأسود سوف ينحسر في جزء من الساحل الشرقي فقط، وإذا كانت فائدة البحار استراتيجياً بالنسبة إلى الدولة الكبرى تكمن في الحركة الآمنة لأساطيلها العسكرية وسهولة وصولها إل مقاصدها، فإن البحر الاسود سيطبح شبه فاقد لتلك الفائدة بالنسبة إلى روسيا إن استكمل الغرب إدماج أوكرانيا كاملة بشراكاته الاقتصادية والأمنية بما فيها شبه جزيرة القرم، ولعل هذا ما جعل روسيا تتصرف بسلوك تقليدي مسلح على الرغم من الانعكاسات السلبية التي تتوقعها من ردود فعل الغرب.

4. إذا نجحت مساعي الغرب في إدماج أوكرانيا في المنظومة الاقتصادية والأمنية الغربية، فحينذ لن يتبقى إلا جمهورية بيلاروسيا لتكون فاصلة بين الغرب وروسيا، لكنها ستكون محاطة شمالاً وجنوباً وغرباً بالغرب وحلفائه، ما يجعلها الوحيدة الموالية لروسيا في البوابة الشرقية لأوروبا.

ويناء على ما سبق يمكن القول أنه إذا تمت عملية إدماج أوكرانيا ضمن عمليات الإدماج الاقتصادية الأمنية الأوروبية – الأطلسية بأكملها، فيكون الغرب قد حرم روسيا من المنطقة المركزية التي كانت تعطي ميزة إستراتيجية للقوة البرية الروسية.

رابعاً: مؤشرات القوة العسكرية في الجيشين الروسي والأوكراني:

يمكن رصد أهم مؤشرات القوة العسكرية في الجيشين الروسي والأوكراني، وذلك على النحو التالي :

1. يحتل الجيش الروسي المرتبة الثانية بين أقوى جيوش العالم، بينما يحتل نظيره الأوكراني المرتبة الثانية والعشرين عالمياً.

2. يبلغ تعداد جنود الجيش الروسي في الخدمة 850 ألف جندي، ليحتل المرتبة الخامسة في القوة العددية لجيوش العالم، في المقابل يصل عدد أفراد الجيش الأوكراني إلى 200 ألف جندي محتلاً المرتبة 20 عالمياً.

3. تبلغ ميزانية الدفاع الروسية حوالي 154 مليار دولار أمريكي محتلة المرتبة الثالثة بين دول العالم في الإنفاق الدفاعي، فيما تقدر ميزانية الدفاع الأوكراني بحوالي 11.9 مليار دولار لتقع بالمرتبة 20 بين دول العالم.

4. يمتلك الجيش الروسي أكثر من 4173 طائرة حربية، ليحوز المرتبة الثانية عالمياً بين الجيوش العالمية، بينما يمتلك الجيش الأوكراني 3188 طائرة حربية فقط ليكون بالمرتبة 31 عالمياً.

5. يمتلك الجيش الروسي 12.420 ألف دبابة ليتصدر جيوش العالم، متفوقاً على نظيره الأوكراني الذي يمتلك 2596 دبابة فقط ويحتل المرتبة 13 عالمياً.

6. يتكون الأسطول الروسي من 605 قطع بحرية، منها 49 كاسحة ألغام، بينما يضم الأسطول البحري الأوكراني 38 قطعة بحرية فقط.

7. تمتلك روسيا 1218 مطاراً، في حين تمتلك أوكرانيا 187 مطاراً فقط، ويبلغ طول الطرق البرية بروسيا حوالي 1.28 مليون كم، فيما لا تتعدى 170 ألف كم بالنسبة لأوكرانيا.

من تحليل مؤشرات القوة العسكرية بين روسيا وأوكروانيا يتضح أن هناك خللاً واضحاً في ميزان القوة العسكرية لصالح روسيا، وهذا ما تدركه الولايات المتحدة وحلفاءها، الذين قرروا دعم أوكرانيا في حربها مع روسيا لتحقيق المصالح الغربية. 

المبحث الثاني

السياسة الأمريكية تجاه التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا

  منذ حشد روسيا قواتها العسكرية على الحدود مع أوكرانيا في شهر أكتوبر2021، ثم تدخلها العسكري في الأراضي الأوكرانية في 24 فبراير 2022، تواجه الولايات المتحدة الأمريكية أزمة دولية معقدة، تعد واحدة من الأزمات الأصعب منذ نهاية الحرب الباردة ، حيث يعد التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا تحدياً للهيمنة الأمريكية، وقد أعطى هذا التدخل الولايات المتحدة الأمريكية فرصة استثنائية لتكريس صورة سلبية عن الرئيس الروسي بوتين من أنه يقود نظاماً مارقاً، وتستهدف الولايات المتحدة الأمريكية من ذلك ردع محاولات روسيا على المدى الطويل عن تحدي الأحادية الأمريكية .

      وبعد مرور نحو ما يقرب من أربعة شهور على التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، ما زالت القوات الروسية غير قادرة على تحقيق اختراق جوهري في الميدان، ورغم أن الاستراتيجية العسكرية الروسية تحولت، منذ منتصف أبريل 2022، من هدفها الرئيس المتمثل في السيطرة على العاصمة كييف، وإسقاط نظام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي، إلى التركيز على شرق أوكرانيا، وتحديدًا منطقة دونباس، فإن هجومها البري ما زال يواجه مقاومة شديدة تعوق تقدمه، ويمكن تفسير بسبب الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها لأوكرانيا، وفي هذا الصد تطرح الدراسة تساؤلاًت مهمة، منها: ما هي محددات السياسة الأمريكية تجاه الحرب الروسية الأوكرانية؟ـ وما طبيعة الدعم الغربي لأوكرانيا وما هي أشكاله ومظاهره؟ وهو ما يمكن التركيز عليه في هذا المبحث من الدراسة.

أولاً: محددات السياسة الأمريكية تجاه الحرب الروسية الأوكرانية:

حددت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مجموعة من المحددات التي تحقق الأهداف الاستراتيجية لحماية المصالح الأمريكية من تداعيات تلك الأزمة، وتشمل ما يلي :

1. تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا: وضعت واشنطن في إدارتها لأزمة أوكرانيا خطاً أحمر يتمثل في عدم الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا لأي سبب يتعلق بالأزمة، وفي هذا الإطار أكد البيت الأبيض مراراً وتكراراً على أن الولايات المتحدة لن ترسل قوات عسكرية إلى أوكرانيا. وأعاد الرئيس بايدن في خطابه يوم 24 فبراير 2022 تأكيد هذا الأمر، وقال إن بلاده لن ترسل قوات على الأرض في أوكرانيا. لكن في الوقت نفسه أكد بايدن أن الولايات المتحدة سوف تتدخل لو حدث اعتداء على أي دولة في حلف “الناتو”، وستقوم بتفعيل التزاماتها بموجب “المادة 5” من ميثاق الحلف(*).

2. محاولة ردع التدخل العسكري الروسي ضد أوكرانيا: انطلاقاً من مصلحتين رئيسيتين لواشنطن، الأولى تتعلق بالمصالح الأمريكية في أوروبا والتداعيات السلبية التي يمكن أن يخلفها سيناريو التدخل العسكري الروسي على هذه المصالح، والثاني يتعلق بـ “المحدد الصيني” في الأزمة، فقد كانت هناك تقييمات أمريكية بأن هذا التدخل العسكري سوف يشجع بكين على تكرار السيناريو نفسه في تايوان.

3. ضمان أمن الطاقة العالمي: تعد روسيا واحدة من أكبر الدول المصدرة للنفط والغاز إلى القارة الأوروبية، وبالتالي فإن أي تصعيد أو توتر معها سوف يؤثر على أسواق الطاقة العالمية، وسيؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار النفط، الأمر الذي سوف ينعكس مباشرة على المواطن الأمريكي في الداخل، وعلى الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني موجة تضخمية. ومن هذا المنطلق، كان أحد الأهداف الأمريكية في إدارة أزمة أوكرانيا يتمثل في ضمان أمن الطاقة العالمية وتدفق النفط والغاز. وفي هذا السياق، قامت واشنطن بمشاورات مع حلفائها، خاصة في دول الشرق الأوسط، لضمان العمل على إيجاد بدائل للنفط والغاز الروسي.

4. منع سقوط الحكومة المركزية في كييف: أكدت التقييمات الاستخباراتية الأمريكية أن جزءاً من أهداف بوتين في تحركه العسكري ضد أوكرانيا، يتمثل في العمل على السيطرة على العاصمة كييف، وإسقاط نظام الرئيس “فلوديمير زيلينسكي”، ومحاولة تنصيب حكومة موالية لموسكو في كييف، كجزء من رؤية روسيا حول أوكرانيا، حيث تعتبرها جزءاً من دول المحيط الحيوي لروسيا.

5. عدم الاستجابة لخطة الضمانات الأمنية الروسية: مع تصاعد حدة ووتيرة الأزمة الحالية، قدمت روسيا في ديسمبر 2021 إلى الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين مبادرة أطلق عليها “الضمانات الأمنية الروسية”، والتي هي الأساس الحاكم لموقف موسكو في الأزمة، والسبب الرئيسي في تحركها العسكري للسيطرة على أجزاء من أوكرانيا.

وقد نشرت وزارة الخارجية الروسية مسودة المقترحات الروسية الخاصة بالضمانات الأمنية، التي تم إرسالها إلى الإدارة الأمريكية، والتي نصت على ضرورة إلتزام الطرفان بما يلي :

1. عدم المشاركة، بشكل منفرد أو ضمن تحالفات عسكرية أو منظمات دولية، في أي إجراءات تضر بأمن أحدهما الآخر وتقوض المصالح الأمنية الجذرية لبعضهما البعض، مع ضرورة أن تلتزم أي منظمات أو تحالفات عسكرية دولية لديهما العضوية فيها بالمبادئ المطروحة في ميثاق الأمم المتحدة، وعدم استخدام أراضي دول أخرى لتحضير أو تنفيذ هجوم عسكري على أحدهما الآخر أو اتخاذ أي إجرءات أخرى تخص المصالح الأمنية الجذرية لبعضهما البعض.

2. تتعهد الولايات المتحدة بمنع امتداد الناتو شرقاً وعدم انضمام دول من الجمهوريات السابقة للاتحاد السوفيتي إلى الحلف، بالإضافة إلى عدم إنشاء قواعد عسكرية في الجمهوريات السوفيتية السابقة غير المنتمية إلى الناتو، واستخدام البنى التحتية فيها لممارسة أي أنشطة عسكرية وعدم تطوير التعاون العسكري الثنائي معها.

3. التزام الطرفان بعدم نشر قوات وأسلحة، لا سيما ضمن إطار منظمات دولية وتحالفات عسكرية، في المناطق التي يرى الجانب الآخر في انتشار هذه الأسلحة والقوات فيها تهديدا لأمنه، ما عدا الانتشار في داخل أراضي الدولتين.

4. الإمتناع عن تسيير تحليقات قاذفات ثقيلة مخصصة لنقل أسلحة نووية وغير نووية وعن نشر سفن حربية سطحية من أي أنواع في المناطق خارج مجالهما الجوي ومياههما الإقليمية والتي من شأن هذه الطائرات والسفن منها ضرب أهداف في أراضي الطرف الآخر، ومنع ممارسة أنشطة عسكرية خطيرة في عرض البحر والمجال الجوي فوقه، بما يشمل تحديد أدنى مسافة للتقارب بين السفن والطائرات الحربية لهما.

5. عدم نشر صواريخ متوسطة وقصيرة المدى خارج حدودهما وفي تلك المناطق داخل أراضيهما التي من شأن هذه الصواريخ منها ضرب أهداف في أراضي الطرف الآخر، وعدم نشر أسلحة نووية خارج حدودهما، ويسحبان ما سبق أن نشراه من هذه الأسلحة في الخارج، مع إزالة كافة البنى التحتية الخاصة بنشر أسلحة نووية خارج حدودهما، والامتناع عن تدريب كوادر عسكرية ومدنية من دول أخرى لا تملك ترسانة نووية على استخدام هذه الأسلحة وعن إجراء تدريبات ومناورات تحاكي سيناريو شن ضربات نووية.

ونتيجة لعدم استجابة الولايات المتحدة لهذه المطالب، بعد طلب روسيا رد أمريكي رسمي مكتوب عليها، تصاعدت الأزمة وبدأت روسيا عملياتها العسكرية في أوكرانيا في 24 فبراير 2022 ، ووضعت روسيا بذلك الولايات المتحدة في مأزق الرد على تطورات الأزمة في أوكرانيا، فما هي طبيعة الرد الأمريكي على التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا؟ وما هي سمات وملامح هذا الرد؟

ثانياً: سمات وملامح السياسة الأمريكية تجاه الأزمة الأوكرانية:

اتخذت الإدارة الأمريكية مجموعة من الخطوات للاستجابة للأزمة بين روسيا وأوكرانيا، والتعامل مع التهديدات الناتجة عنها، وشملت هذه الخطوات ما يلي:

1. تقديم الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا:

  في ضوء “الخط الأحمر” الذي وضعته إدارة بايدن بعدم التورط في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، وعدم إرسال قوات عسكرية أمريكية على الأرض، عملت الإدارة الأمريكية على توفير بدائل أخرى لدعم كييف، وأبرزها الحشد السياسي للحلفاء الأوروبيين، والتنسيق المستمر مع الدول الأوروبية والدول الرئيسية الأخرى مثل كندا واليابان، وتأكيد العديد من رسائل الدعم والتضامن مع الحكومة والشعب في أوكرانيا، وإرسال شحنة عاجلة من الأسلحة الحديثة إلى كييف في أواخر يناير 2022 لدعم قدرات الجيش الأوكراني، وأيضاً الموافقة على قيام دول من “الناتو” بتسليم صواريخ مضادة للدروع وأسلحة أمريكية أخرى إلى أوكرانيا .

وبناءً على ما سبق قدمت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها دعماً كبيراً لأوكرانيا وذلك على عدة مستويات على النحو التالي:

• من الناحية الاستخباراتية: شاركت الولايات المتحدة معلومات استخباراتية حساسة مع أوكرانيا، كان لها أثر مهم في توجيه عدد من الضربات الموجعة إلى القوات الروسية، ومن هنا يأتي الاتهام الروسي للولايات المتحدة بأنها منخرطة في الحرب مباشرة ضدها، وهو أمر يثير قلقًا من إمكانية الانزلاق نحو مواجهة عسكرية بين البلدين النوويين، وبرغم احتفاظ روسيا بترسانة نووية استراتيجية ضخمة، قادرة على ضرب أهداف حول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن العقيدة العسكرية الروسية لا تسمح باستخدام الأسلحة النووية إلا في حال وجود تهديد وجودي للدولة .

وقد ساعدت المعلومات الاستخباراتية الأمريكية أوكرانيا في تحديد أهداف عسكرية روسية ومهاجمتها. وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن القوات الأوكرانية تمكنت بفضل هذه المعلومات الاستخباراتية، حتى الآن، من قتل 12 جنرالًا روسيًا، وقصف وإغراق أحد أهم قطع الأسطول الروسي في البحر الأسود، الطراد موسكفا، في أبريل 2022 .

• من الناحية العسكرية: التزمت إدارة بايدن بوعدها بأن تجعل أي عمل عسكري روسي في أوكرانيا باهظ التكلفة، وذلك عبر حزم من المساعدات العسكرية للأوكرانيين، ومع أنه كان هدد بوتين في القمة الافتراضية التي جمعتهما، في ديسمبر 2021(*)، بأن واشنطن وحلفاءها سيقدمون دعمًا عسكريًا لأوكرانيا، بما في ذلك أسلحة هجومية متقدمة، في حال أقدمت روسيا على غزوها، فإن الروس استخفوا على ما يبدو بكلام بايدن، ولم يقدروا بدقة الدور الذي ستؤديه هذه الأسلحة في ساحة المعركة. فقد ساهم التسليح الأمريكي والغربي الكبير للقوات الأوكرانية في تغيير موازين القوى على الأرض، وترافق ذلك مع سوء التخطيط العسكري الروسي، وضعف خطوط الإمدادات اللوجستية، وغياب التغطية الجوية للقوات البرية الغازية، وعدم تأمين أنظمة اتصال متطورة لضمان عدم التجسس عليها، وقد تسبب ذلك كله في إلحاق خسائر فادحة بالقوات الروسية .

• ومنذ بدء الغزو، قدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها من الأوروبيين وفي حلف شمال الأطلسي “الناتو”، ومن خارجهما، ككوريا الجنوبية واليابان، مساعدات عسكرية تقدر بمليارات الدولارات، شملت قاذفات صواريخ خفيفة، وطائرات هجومية من دون طيار، وصواريخ ستينغر وجافلين، وأنظمة رادار وتعطيل اتصالات وتجسس، وبدأ يتضح من تصريحات مسؤولين أميركيين أن هدف الولايات المتحدة في أوكرانيا لم يعد محصورًا في ضمان هزيمة روسيا، بل في إضعافها “إلى درجة لا تستطيع معها تكرار ما قامت به من غزو لأوكرانيا”. ووفقًا لوزارة الدفاع الأمريكية، فإن واشنطن قدمت لأوكرانيا عام 2021 ما يقرب من 450 مليون دولار مساعدات عسكرية، وقد بلغ حجم المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا منذ عام 2014 أكثر من 2.5 مليار دولار.

• من الناحية الاقتصادية: فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون وغيرهم سلسلة من العقوبات الدبلوماسية والاقتصادية والمصرفية والتكنولوجية والعسكرية والتقنية المتتالية، التي لحقت مؤسسات الدولة الروسية وبنوكها ومصارفها. ولم يسلم قطاع الطاقة الروسي، الذي يمثل شريان اقتصاد الدولة، من تلك العقوبات، ما فاجأ الكرملين الذي راهن على إحجام الاتحاد الأوروبي عن فرضها جراء اعتماد كثير من دوله على وارادات النفط والغاز من روسيا. غير أن العقوبات الغربية ذهبت أبعد من ذلك، إذ شملت، أيضًا، رموز الحكم في روسيا في مسعى لخلخلة بنية نظام الرئيس فلاديمير بوتين من داخله. وفعلًا، نجحت تلك العقوبات في عزل روسيا عالميًا إلى حد بعيد، وأنهكت الاقتصاد الروسي الذي يحتل المرتبة الحادية عشر عالميًا، بقيمة 1.7 تريليون دولار، انهاكاً واضحاً، وتعتقد الإدارة الأمريكية أن روسيا غير قادرة من الناحية الاقتصادية على تحمل تبعات الاحتلال الكامل لأوكرانيا .

2. التأكيد على دعم دول “الناتو”:

نظراً لأن التقييم الاستراتيجي الأمريكي للأزمة الحالية، يقسمها إلى مستويين، الأول يتعلق بأوكرانيا، والثاني يتعلق بحلف “الناتو” ودوله، خاصة في الجناح الشرقي من الحلف، فقد خصصت إدارة بايدن جزءاً من تحركاتها لتأكيد دعم الحلف. وفي هذا الإطار، وافق الرئيس بايدن في فبراير 2022 على نشر 3000 جندي أمريكي في بولندا وألمانيا ورومانيا، في خطوة لتعزيز دول “الناتو” في أوروبا الشرقية، كما وافق في الشهر نفسه على إرسال 7000 جندي إلى ألمانيا. وهذه التحركات بجانب التنسيق والتواصل المستمر مع “الناتو”، تهدف بشكل رئيسي إلى تطمين الحلفاء، وإرسال رسالة مباشرة بأن واشنطن سيكون لها موقف إذا حدث اعتداء على أي من دول الحلف.

3. فرض عقوبات غربية على روسيا:

في محاولته ردع روسيا عن القيام بعمل عسكري ضد أوكرانيا، هدد بايدن بفرض عقوبات اقتصادية “مدمرة” ضد روسيا، وتقديم دعم عسكري لأوكرانيا، بما في ذلك أسلحة هجومية متقدمة، والسعي لعزل موسكو دوليًا، وكان واضحًا الجهد الذي بذلته واشنطن في التنسيق مع حلفائها في الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، واليابان وأستراليا، وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا، لمعاقبة روسيا. وقد تمكنت واشنطن من تجاوز مخاوف بعض شركائها اللذين قد تتأثر مصالحهم بشدة نتيجة فرض عقوبات معينة على روسيا، خاصة ما يتعلق منها بمنع بنوك ومصارف روسية من الوصول إلى نظام SWIFT للتعاملات المصرفية والتحويلات المالية الدولية .

والإعلان عن إجراءات للحد من قدرة روسيا على القيام بأي أعمال تجارية بالدولار أو اليورو أو الجنيه الإسترليني أو الين الياباني في مسعى لتقييدها في النظام الاقتصادي العالم . كما قررت الولايات المتحدة حظر الطائرات الروسية من المجال الجوي الأمريكي، لتنضم إلى عدد متزايد من الدول الأوروبية التي أغلقت مجالها الجوي أمام روسيا، لترد الأخيرة باتخاذ قرار بإعلاق مجالها الجوي أمام 36 دولة .

وجاءت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفائها على روسيا على النحو التالي :

1. فرضت الولايات المتحدة وحلفاءها عقوبات على أحد أكبر البنوك الروسية والذي يلعب دوراً في تمويل مشروعات البنية التحتية الروسية وأنشطة وزارة الدفاع، وذلك رداً على اعتراف موسكو رسمياً بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين في شرق أوكرانيا وتحريك معدات وقوات عسكرية في أراضيهما.

2. حرمان موسكو من الحصول على تمويل من مؤسسات التمويل الأمريكية والأوروبية. وصممت العقوبات الجديدة بهدف الإضرار بالقطاعات الاستراتيجية في الاقتصاد الروسي، خاصة قطاع التكنولوجيا والقطاع العسكري وقطاع الصناعات الفضائية.

3. شملت العقوبات الأمريكية خط نقل الغاز بين روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق، المعروف بـ “نورد ستريم 2″، وذلك بعد إعلان ألمانيا تعليق العمل به.

4. منع تداول الديون السيادية الروسية في الأسواق الغربية، إضافة إلى فرض عقوبات على الأثرياء الروس المقربين من الكرملين وعلى أفراد عائلاتهم.

5. فرض عقوبات تستهدف الرئيس الروسي ووزير خارجيته، سيرجي لافروف، وبهذا يكون بوتين أول رئيس لدولة كبرى يخضع لمثل هذه العقوبات.

6. عزل عدد من البنوك والمصارف الروسية عن نظام SWIFT للتعاملات المصرفية والتحويلات المالية الدولية.

7. الحد من قدرة البنك المركزي الروسي على الوصول إلى احتياطاته من العملات الأجنبية، والمقدرة بـ 630 مليار دولار، بالإضافة إلى فرض عقوبات على صندوق الثروة السيادي الروسي وعلى إحدى الشركات التابعة له.

 ما سبق يؤكد الاتهام الروسي للولايات المتحدة الأمريكية بأنها منخرطة بشكل مباشر في الحرب، بل هي التي تقود وتوجه الحرب ضدها في أوكرانيا. وتخشى إدارته أيضًا من أن تتخذ موسكو هذه المعلومات ذريعة للقيام برد ما ضد مصالح واشنطن، ما قد يقود إلى تصعيد بين الطرفين لا تريده إدارة بايدن.

ثالثاً: النتائج المترتبة على السياسة الأمريكية الداعمة لأوكرانيا:

هل حقق الدعم الأمريكي والغربي لأوكرانيا هدفه؟ للإجابة على هذا التساؤل، يمكن القول أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا قد جاءت بنتائج عكسية سياسيًا وأمنيًا على مصالح روسيا، لماذا؟ لأن روسيا كانت قد أعلنت أن أحد أسباب غزو أوكرانيا يتمثل في منع الأخيرة من الانضمام إلى الناتو، وهو ما ترى فيه موسكو تهديدًا لأمنها القومي على حدودها الجنوبية الغربية، بل ذهب بوتين أبعد من ذلك، إلى حد اشتراط سحب الناتو قواته وأسلحته من عدد من دول أوروبا الشرقية، وجمهوريات البلطيق الثلاث، ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفياتي، وقد أعلنت فنلندا والسويد، رسميًا، وبتشجيع أمريكي، سعيهما للانضمام إلى الناتو في أقرب وقت ممكن. ومن شأن ذلك أن يوسع حدود روسيا المشتركة مع الحلف من نحو 700 كيلومتر حاليًا إلى أكثر من 1900 كيلومتر .

  كما يمكن التأكيد على أن ما اتخذته الإدارة الأمريكية من خطوات في التعامل مع أزمة روسيا وأوكرانيا لم يغير الموقف الروسي، فلم تنجح تحركات واشنطن في ردع موسكو عن موقفها، فالرئيس بوتين مستمر في عملياته العسكرية حتى كتابة هذه السطور، وإلى الآن أي بعد مرور ما يقرب من أربعة شهور، استطاعت روسيا السيطرة على ما يزيد عن 20 % من الأراضي الاوكرانية أي تقريبا ما يساوي 125.000 ألف كم من أوكرانيا، كما أن الدعم العسكري الذي قدمته وستقدمه واشنطن لأوكرانيا، لن يؤثر على توازن القوى بين الأخيرة وروسيا. فبالرغم من تقدم قدرات الجيش الأوكراني منذ عام 2014، فإنها تظل محدودة في مواجهة القوات الروسية. وربما تنجح القوات الأوكرانية في تعطيل تقدم نظيرتها الروسية، لكنها لن تنجح في وقف تقدمها .

بالإضافة إلى ما سبق يمكن التأكيد على محدودية فاعلية العقوبات على المدى القصير والمتوسط، لأن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها سيكون لها تأثير سلبي على الاقتصاد الروسي، لكن هذا التأثير سوف يستغرق وقتاً، كما أن موسكو وضعت تقديراتها حول خيارات التحرك الأمريكي، ومن ثم استعدت ولو جزئياً لامتصاص تأثير هذه العقوبات. وبغض النظر عن مستوى تأثير العقوبات وأضرارها على الاقتصاد الروسي، فإنها لم تجبر موسكو على تغيير موقفها، لأن حساباتها الاستراتيجية بشأن مصالحها وأمنها القومي في أوكرانيا أكبر من حسابات الخسائر الاقتصادية.

لذا تؤكد الكثير من الكتابات العلمية على أن تسوية النزاع الأوكراني الروسي يمكن تحقيقه بالإتفاق بين جميع الأطراف المعنية (روسيا – أوكرانيا – الولايات المتحدة الأمريكية – حلف شمال الأطلسي)، على أن تكون أوكرانيا دولة محايدة في السياسة العالمية بمعنى ألا تقوم بأي تحالفات رسمية أو تعاون عسكري غير دفاعي مع أي من الجانبين، وهذا سيخدم الأهداف والمصالح الأمريكية والأوكرانية والروسية، وأن أي حلول للأزمة الراهنة لا تأخذ فكرة الحياد الأوكراني في الحسبان ستؤول إلى الفشل، كما أن إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على حق الناتو في ضم أوكرانيا يهدد فعلياً بإعادة إندلاع الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين .

المبحث الثالث

انعكاسات الأزمة الأوكرانية على حلف شمال الأطلسي

تعود العلاقات بين حلف الناتو، وأوكرانيا إلى أوائل التسعينيات، ومنذ ذلك الحين تطورت العلاقات لتصبح واحدة من أهم شراكات الناتو، وقد بدأ تطور علاقات الحلف بأوكرانيا بعد الحوار والتعاون وانضمام أوكرانيا إلى مجلس تعاون شمال الأطلسي عام 1991، وبرنامج الشراكة من أجل السلام عام 1994، كما تم تعزيز العلاقات بتوقيع ميثاق الشراكة المميزة بين أوكرانيا وحلف الناتو عام 1997، وإنشاء مفوضية الناتو وأوكرانيا، وافتتاح مركز المعلومات والتوثيق التابع لحلف الناتو في كييف في عام 1997 .

يعد حلف الناتو من أهم الفاعلين الدوليين المعنيين بالأزمة الأوكرانية على نحو مباشر الذي يصنفها بعض المحللين بأنها أخطر صراع جيوسياسي منذ الحرب العالمية الثانية، وستؤدي إلى عواقب عالمية أكبر بكثير من عواقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 ، وذلك لسببين أساسيين: أولهما: متمثل بأن الأزمة الأوكرانية طرحت على السطح بطريقة واضحة عمق الخلافات القائمة بين روسيا والناتو فيما يتعلق بسياسة التوسيع، أو ما يسمى “سياسة الباب المفتوح” التي ينتهجها تجاه جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، ثانيهما: متمثل بحظوة أوكرانيا في علاقاتها بالناتو، منذ عام 1994، بوضعية الشريك الإستراتيجي، ما يجعلها مؤهلة لتصبح عضواً كامل العضوية داخل الحلف وتستفيد تبعاً لذلك من مقتضيات الدفاع الجماعي التي ينص عليها الفصل الخامس من معاهدة واشنطن عام 1949 المؤسسة لهذا الحلف، وبناءً على هذين السببين، فرضت الأزمة الأوكرانية على حلف شمال الأطلسي إعادة التفكير في ما يجب القيام به في ظل وجود أزمة خطيرة مع روسيا يتطلب تدبيرها أسلوباً جديداً لا يقوم على العودة إلى منطق الحرب الباردة المتمثل بمنطق التوازن الإستراتيجي، وسياسة الردع .

أولاً: موقف دول حلف الناتو من التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا:

اجتمع رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي الثلاثين، يوم 24 مارس 2022 بشأن بحث رد الحلف على التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا الذي يعتبر التهديد الأخطر للأمن الأوروبي والأطلسي منذ عقود، وصدر في هذا الشأن بيان من دول الحلف أكد على ما يلي :

1. إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، مع دعوة الرئيس بوتين إلى الوقف الفوري لهذه الحرب وسحب قواته العسكرية من أوكرانيا، ودعوة بيلاروسيا إلى إنهاء تعاونها مع روسيا، وتعليق العمليات العسكرية على الفور.

2. دعوة روسيا إلى الانخراط بشكل بناء في مفاوضات ذات مصداقية مع أوكرانيا لتحقيق نتائج ملموسة، بدءا بوقف دائم لإطلاق النار والعمل فوراً على سحب كامل قواتها من الأراضي الأوكرانية.

3. التضامن بشكل كامل مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي وحكومة أوكرانيا، ومع المواطنين الأوكرانيين الذين يدافعون عن وطنهم، مع التأكيد على دعم دول الحلف الثابت لاستقلال وسيادة ووحدة أراضي أوكرانيا داخل حدودها المعترف بها دوليا والتي تمتد إلى مياهها الإقليمية.

4. حق أوكرانيا في الدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة. مع استمرار تقديم الحلف المساعدة لأوكرانيا في مجالات مثل الأمن السيبراني والحماية من التهديدات ذات الطبيعة الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية.

5. تساهم تصرفات روسيا في تدمير أسس الأمن والاستقرار الدوليين. وأن دول الحلف قامت بفرض عقوبات ضخمة وتكاليف سياسية باهظة على روسيا من أجل إنهاء هذه الحرب.

6. دعوة جميع الدول، بما فيها جمهورية الصين الشعبية، إلى دعم النظام الدولي الذي يتضمن مبادئ السيادة والسلامة الإقليمية، على النحو المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، والامتناع عن دعم المجهود الحربي الروسي بأي شكل من الأشكال، والتوقف عن أي عمل يساعد روسيا في الالتفاف على العقوبات.

7. التأكيد على الإلتزام بالمبادئ الأساسية التي يقوم عليها الأمن الأوروبي والعالمي، بما في ذلك المبدأ القائل إن لكل دولة الحق في اختيار الترتيبات الأمنية الخاصة بها دون تدخل خارجي، مع التأكيد بالإلتزام بسياسة الباب المفتوح لحلف الناتو بموجب المادة 10 من معاهدة واشنطن.

8. الإلتزام باتخاذ جميع الخطوات اللازمة لحماية أمن المواطنين في الدول الحلفاء والدفاع عن كل شبر من أراضيهم، فالإلتزام بالمادة 5 من معاهدة واشنطن هو التزام صلب ولا يتزعزع من جميع دول الحلف.

9. بناء على تصرفات روسيا، قام دول الحلف بنشر عناصر من قوة الرد التابعة لحلف الناتو، وتم وضع 40 ألف جندي على الطرف الشرقي من أراضي دول الحلف، جنباً إلى جنب مع المعدات الجوية والبحرية المهمة، تحت قيادة الناتو المباشرة بدعم من عمليات الانتشار الوطنية للحلفاء. ونقوم فوق ذلك بإنشاء أربع مجموعات قتالية إضافية متعددة الجنسيات في بلغاريا والمجر ورومانيا وسلوفاكيا، مع اتخاذ جميع التدابير والقرارات لضمان الأمن والدفاع لجميع الحلفاء في جميع المجالات، مع التأكيد على أن هذه الإجراءات هي إجراءات وقائية وليست تصعيدية.

10. تمثل حرب روسيا غير المبررة ضد أوكرانيا تحدياً أساسياً للقيم والأعراف التي جلبت الأمن والازدهار للجميع في القارة الأوروبية، وإن قرار الرئيس بوتين لمهاجمة أوكرانيا هو خطأ استراتيجي، وله عواقب وخيمة على روسيا والشعب الروسي. وسوف نظل متحدين وعاقدي العزم على معارضة العدوان الروسي ومساعدة حكومة وشعب أوكرانيا والدفاع عن أمن جميع الحلفاء.

يعكس هذا البيان طبيعة علاقات روسيا المتوترة بحلف الناتو، خلال السنوات القليلة الماضية، بسبب ميل الناتو للتوسع نحو الشرق، واختلال التوازن بشكل كبير في إمكانيات روسيا وحلف الناتو، وتدهور نظام الحد من التسلح، فضلاً عن تطوير البنية التحتية العسكرية للناتو بالقرب من الحدود الروسية، كما شهدت روسيا أزمة حقيقية عندما قامت بروكسل بطرد ثمانية دبلوماسيين من المعتمدين في البعثة الدبلوماسية الروسية لدى حلف شمال الأطلسي، متهمة إياهم بالقيام بأنشطة استخباراتية مشبوهة لصالح موسكو تتضمن التجسس والاغتيالات، لكن الرد الروسي جاء سريعاً عندما قامت موسكو بتعليق عمل بعثتها لدى الحلف وإغلاق مكاتب حلف الناتو في موسكو، وإغلاق مكاتب الاتصال العسكري والمعلومات لتابعة للحلف في موسكو .

ثانياً: سياسات حلف الناتو للتصدي العسكري الروسي في أوكرانيا:

استعدت دول حلف الناتو للتدخل العسكري الروسي في أوكرانيا قبل حدوثه بشهرين، وذلك بعد عملية انتشار القوات الروسية وطبيعة الحشد العسكري الروسي قرب الحدود الأوكرانية، والتي قدرتها الدوائر الغربية المعنية العسكرية والاستخبارية بحوالي 150 ألف جندي روسي، ومعدات ضخمة لا تكفي لعملية عسكرية محدودة، وقدرت أن العملية العسكرية الروسية ستكون على اتساع أوكرانيا.

بناء على ما سبق، بدأت دول حلف شمال الأطلسي، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا بالدرجة الأولى، الاستعداد لمواجهة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، فاتخذت في هذا الشأن عدداً من الإجراءات منها :

1. قامت دول حلف شمال الأطلسي بعمليات تدريب واسعة لمجموعات عسكرية أوكرانية على أسلحة مضادة للدبابات والطائرات، وتم نقل معدات عسكرية من حلف الأطلسي عبر بولندا وسلوفاكيا بالتحديد إلى داخل أوكرانيا استعداداً لهذه العملية، وفي خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من التدخل العسكري استمر نقل الأسلحة الأكثر تطوراً في العالم من دول حلف شمال الأطلنطي والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى داخل أوكرانيا.

2. تمثلت هذه الأسلحة في قاذفات الصواريخ المضادة للدبابات والدروع من طراز جافلين(*)، وكذلك القاذفات المضادة للدبابات التي أنتجتها بريطانيا بالتعاون مع السويد، وهو الصاروخ الأكثر تطوراً في العالم، إذ أنه قادر على تدمير الدبابات الأكثر قوة. وقدرت مصادر أخرى أن عدد الصواريخ المضادة للدبابات والدروع التي قدمت الى أوكرانيا قد تجاوز ثلاثون ألف صاروخ، إلى جانب صواريخ ستينجر المضادة للطائرات(**)، ولم تكتف دول حلف الأطلنطي بذلك ولكنها قدمت الطائرات المسيرة الأمريكية من طراز سويتش بليد 30 وسويتش بليد 60، والتي تسمى بالطائرات المسيرة الانتحارية(***).

3. وبالإضافة إلى ذلك، كان هناك تعاوناً استخباراتياً وعسكرياً كبيراً، فقد قامت أجهزة الاستخبارات العسكرية في حلف شمال الأطلنطي وبريطانيا والولايات المتحدة برصد كل التحركات الروسية والقيام بعمليات اختراق لشبكات التواصل العسكري بين الوحدات العسكرية الروسية، وهو ما مكن القوات الأوكرانية من توجيه بعض الضربات المؤثرة وآخرها ضرب الطراد موسكوفا أهم قطعة بحرية روسية في البحر الأسود. واستمر تدفق الأسلحة من حلف شمال الأطلنطي إلى أوكرانيا عبر السكك الحديدية بين أوكرانيا ودول الجوار، وهو ما تحاشت روسيا توجيه ضربات إليه، خاصة أنه يمكن أن ترتب خسائر مدنية كبيرة للأوكرانيين الذين يتجهون للجوء إلى دول الجوار.

وقد عزز حلف الناتو من إجراءاته الدفاعية بشكل كبير رداً، على حرب روسيا على أوكرانيا، من خلال نشر عناصر من قوة الرد التابعة للحلف، حيث يوجد حالياً 40000 ألف جندي في المنطقة المجاورة لأوكرانيا تحت التوجيه المباشر لقيادة الحلف، بالإضافة إلى 130 طائرة مقاتلة حليفة، و 140 سفينة موجودة بالمنطقة، بالإضافة إلى انتشار القوات والمعدات الأمريكية،مثل صواريخ باتريوت، وقد وصل عدد القوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا إلى 100 ألف جندي .

ويتضح من التحليل السابق أن هدف الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دول حلف شمال الأطلنطي من هذه الإجراءات هو استنزاف القوة الروسية بتحويل أوكرانيا لنموذج أشبه بأفغانستان، وتقليص قدرة روسيا على بيع الأسلحة والتي تعد أحد المصادر الأساسية لروسيا، بالإضافة لإضعاف روسيا كحليف للصين القوة الصاعدة في مواجهة الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الدفع في اتجاه روسيا للتخلي عن حلم تحولها لدولة كبرى والارتضاء بكونها قوة متوسطة.

وهنا تطرح الدراسة تساؤلاًت مهمة، ومنها كيف أثر دعم الولايات المتحدة الأمريكية، والإتحاد الأوروبي، وحلف الناتو لأوكرانيا على روسيا؟ وهل ساهمت الإجراءات التي تم اتخاذها في هذا الشأن في تغير الإستراتيجية العسكرية الروسية؟

يمكن القول إجابة على التساؤلات المطروحة أن إجراءات الدعم والمساندة العسكرية والاستخباراتية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي وحلف الناتو قد ساهمت في تغيير الخطة العسكرية الروسية كما أكد د.محمد مجاهد الزيات في مقالة له بعنوان” لماذا طالت الحرب الأوكرانية حتى الآن؟” حيث حدث تغير في الخطة العسكرية الروسية فبدلاً من محاولة تغيير نظام الحكم في أوكرانيا، والسيطرة على العاصمة كييف، أدركت روسيا أن هناك عملية استنزاف يجري الترتيب لها من جانب حلف شمال الأطلنطي وبأسلحة متطورة لاستنزاف القوات الروسية التي تدخل العاصمة كييف، وهو ما دفع الحملة العسكرية إلى التوقف، ثم بدأت ملامح تغيير الخطة والتراجع عن التقدم نحو العاصمة، وتجميع القوات، والاتجاه مرة أخرى إلى منطقة الشرق والجنوب وإعادة نقل الذخيرة والعتاد وتحسين أوضاعها التكتيكية للتركيز على المنطقة الجنوبية والشرقية التي تتضمن طبقاً للهدف الاستراتيجي السيطرة على الجمهوريتين الانفصاليتين دونيتسك ولوهانسك، وكذا طرد القوات الأوكرانية التي كانت تتركز في بعض المناطق التابعة للإقليم أو محاصرتها أو تدميرها، ثم محاصرة منطقة ماريوبول أهم ميناء عسكري على البحر الأسود في منطقة بحر آزوف، وهو الميناء الأساسي لتصدير الحبوب الأوكرانية لمنطقة آسيا والشرق الأوسط .

من هنا يمكن القول أن العقيدة الروسية قد ركزت على تصعيد العمليات في منطقة الشرق، نظراً لأنها خطوط الإمداد قريبة من الأراضي الروسية وغير معرضة لضربات أوكرانية، ونجحت هذه الخطة في الاستيلاء على ماريوبول لتصبح هي أول مدينة استراتيجية تم الاستيلاء عليها منذ بداية الحملة العسكرية حتى الآن، كما أن السيطرة على بحر آزوف يعني انتهاء الاحتكاك الذي كان قائماً بين روسيا وأوكرانيا في هذا البحر، وتأمين منطقة القرم، وتوفير الامتداد الارضي لجزيرة القرم إلى روسيا، وهي كلها مكاسب يمكن أن تزايد القيادة السياسية الروسية بعد الفشل في تحقيق الأهداف الرئيسية التي كانت تستهدفها من تغيير النظام في أوكرانيا والوصول إلى العاصمة، حيث إنها لم تجد تأييداً شعبياً لذلك.

وأكد “وولفجانج ريختر” في دراسته المعنونة ” التوترات بين الناتو وروسيا: بوتين يأمر بغزو أوكرانيا” والمنشورة في المعهد الإلماني للشؤون الأمنية والدولية على أن قرار الرئيس الروسي بوتين بالتدخل العسكري في أوكرانيا قد دمر فرص الحلول التفاوضية، واخترق نظام الأمن الأوروبي التعاوني، وميثاق الأمن الأوروبي، واتفاقية مينسك، وأعاد إلى الأذهان أحلام الإمبراطورية الروسية، بالإضافة إلى ذلك فقد استخف بوتين بتصميم أوكرانيا على المقاومة ودعم الغرب لها، وأصبح الان يواجه العديد من التحديات، من أهمها: دولة أوكرانية أكثر اتحاداً، وحلف شمال الأطلسي أكثر قوة وتماسكاً، وتعزيزاً عسكرياً غير مسبوق للجناح الشرقي لحلف الناتو، بالإضافة إلى ذلك فإنه يتعين على الرئيس بوتين مواجهة عزلة اقتصادية ومالية وسياسية كبيرة مع آثار خطيرة طويلة الأجل .

ثالثاً: السيناريوهات المتوقعة للحرب الروسية الأوكرانية:

على الرغم من الدعم الكبير الذي تحظى بها أوكرانيا منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وعلى الرغم من عدم قدرة روسيا على السيطرة الكاملة على أوكرانيا، إلا أن روسيا قادرة على زعزعة استقرار أوكرانيا، وإعاقة إندماجها في الأطر الأوروبية الأطلسية . وبعد تجاوز الحرب الروسية الأوكرانية شهرها الرابع، فيما يلي خمسة سيناريوهات محتملة لهذه الحرب، ولا يستبعد أحدهما الآخر لكن جميعها تقع ضمن حدود الاحتمالات المتوقعة :

1. سيناريو حرب الاستنزاف: قد تستمر الحرب لشهور إن لم يكن سنوات وتخوض خلالها القوات الروسية والأوكرانية حرب استنزاف طويلة، لا يرغب أي طرف بالاستسلام. ويرى الرئيس الروسي بوتين أنه يمكن أن يكسب الحرب من خلال إظهار الصبر الاستراتيجي والمراهنة على أن الدول الغربية ستشعر بـ “إرهاق أوكرانيا” وستركز أكثر على أزماتها الاقتصادية والتهديد الصيني، لكن الغرب يستمر في تصميمه ويواصل تزويد أوكرانيا بالأسلحة، وتنشأ خطوط معركة شبه ثابتة وتتحول الحرب الى صراع دائم بوتيرة منخفضة وتصبح “حرباً إلى الأبد”.

2. سيناريو الإعلان الإحادي لوقف إطلاق النار: يعد هذا السيناريو من السيناريوهات المتوقعة لعدة أسباب منها: ماذا لو فاجأ الرئيس بوتين العالم بوقف لإطلاق النار من طرف واحد؟ يمكنه أن يكتفي بما حققه من مكاسب على الأرض ويعلن “النصر”، ويمكن أن يدعي أن “عمليته العسكرية” قد اكتملت، فالانفصاليون المدعومون من روسيا في دونباس باتوا يتمتعون بالحماية، وأقام ممراً برياً إلى شبه جزيرة القرم، ويمكنه بعد ذلك السعي لكسب موقف أخلاقي والضغط على أوكرانيا لوقف القتال، هذا السيناريو يمكن أن تلجأ إليه روسيا في أي وقت، إذا أرادت الاستفادة من الضغط الأوروبي على أوكرانيا للتنازل والتخلي عن بعض أراضيها مقابل السلام، ومع ذلك، ستعارض الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وجزء كبير من دول أوروبا الشرقية هذا التوجه، حيث يرى ساسة هذه الدول أن الغزو الروسي يجب أن يفشل من أجل أوكرانيا والنظام الدولي، لذا فإن أي وقف أحادي لإطلاق النار من جانب روسيا قد يغير تبريرات الحرب، ولكنه لن ينهي القتال.

3. سيناريو إتمام التسوية السياسية وتقاسم المصالح: بالإضافة إلى ذلك،هناك سيناريو متوقع وهو التسوية السياسية، ماذا لو أدركت كل من أوكرانيا وروسيا أنهما لا تستطيعان تحقيق المزيد من الناحية العسكرية ودخلا في محادثات من أجل الوصول إلى تسوية سياسية؟، وماذا لو قررت القيادة في كييف وبعد أن باتت غير واثقة من استمرار الدعم الغربي أن الوقت قد حان للتحدث مع الروس؟، ويلاحظ أن أي تسوية سياسية ستكون صعبة لأسباب ليس أقلها عدم ثقة أوكرانيا بروسيا. وقد لا يصمد أي اتفاق سلام ويمكن أن يعقبه المزيد من القتال.

4. سيناريو انتصار أوكرانيا: ويعني هذا السيناريو اندماج أوكرانيا ضمن الكتلة الغربية، فهل يمكن لأوكرانيا أن تخالف كل التوقعات وتحقق شيئاً أقرب إلى النصر؟ هل تستطيع أوكرانيا إجبار القوات الروسية على الانسحاب إلى المواقع التي كانت تنتشر فيها قبل الغزو؟ وماذا لو فشلت روسيا في الاستيلاء على كل دونباس وتكبدت المزيد من الخسائر؟، بالإضافة إلى العقوبات الغربية التي توجه ضربة لآلة الحرب الروسية، كما تشن أوكرانيا هجمات مضادة باستخدام راجمات الصواريخ الجديدة التي حصلت عليها وتستولي على الأراضي الواقعة في خطوط تمركز القوات الروسية وتمر عبرها خطوط إمدادها. وتنجح أوكرانيا في تحويل جيشها من قوة دفاعية إلى قوة هجومية، ولكن هذا السيناريو غير محتمل نظراً لأن بوتين لن يقبل بهزيمة عسكرية تقليدية، خاصة إذا كان لديه خيار نووي.

5. سيناريو انتصار روسيا: ماذا لو حققت روسيا “انتصاراً” محتملاً؟ حيث لا تزال روسيا تخطط للاستيلاء على العاصمة كييف وفرض سطوتها على الكثير من أراضي أوكرانيا، ويمكن لروسيا الاستفادة من مكاسبها في دونباس وتحرير القوات، وقد أكد الرئيس الأوكراني أن روسيا سيطرت بالفعل على 20% من الأراضي الأوكرانية.

رغم واقعية السيناريوهات المطروحة لمستقبل الأزمة إلا أن الباحث يضيف إلى السيناريوهات السابقة سيناريو آخر وهو سيناريو تقسيم أوكرانيا إلى قسمين، وذلك بعد أن تحولت أوكرانيا إلى ساحة حرب بالوكالة، بين كل من روسيا والغرب، وفي ظل التصعيد العسكري الراهن، يمكن القول أنه من الوارد انقسام أوكرانيا إلى قطرين، قطر في الشرق يتبع روسيا، وقطر في الغرب يتبع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

خاتمة الدراسة:

      تناولت الدراسة عبر مباحثها الثلاثة “أبعاد الأزمة الأوكرانية وتطوراتها”، و”السياسة الأمريكية تجاه التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا “، و”انعكاسات الأزمة الأوكرانية على حلف شمال الأطلسي”، وأجابت الدراسة على التساؤلات البحثية التي طرحتها في الإطار العام للدراسة، وتوصلت الدراسة لمجموعة من النتائج، يمكن توضيح أهمها فيما يلي:

1. أن روسيا لا تستطيع التراجع في أوكرانيا أو أن تتركها لتصبح جزءاً من الإتحاد الأوروبي أو حلف الناتو، إذ فضلاً عن المشاعر القومية الروسية التاريخية تجاهها، واعتبارها جيوبولتيكياً “منطقة مصالح متميزة”، فإنها تقع في جوارها المباشر، وتشكل مساحة ضخمة تبلغ نحو 603 آلاف كيلو متر مربع، وتتكون من كتلة بشرية كبيرة يبلغ عددها نحو 44 مليون نسمة، ما يجعلها الحصن الإستراتيجي الواسع والأخير الذي يعزل روسيا عن الغرب وحلفائه، ومع اعتبار شبه جزيرة القرم جزءاً من روسيا بعد ضمها، فليس من المتصور أن تتخلى عنها، وبخاصة أنها ترغب في ضمان وجود دائم لأسطولها في البحر الأوسط من دون اتفاقية مشتركة مع أوكرانيا.

2. أن الغرب لا يمكن أن يتراجع في أوكرانيا، لأن ذلك قد يرسل رسالة سلبية إلى حلفائه الآخرين في أوروبا الشرقية بعدم موثوقيته وعدم إمكانية الاعتماد عليه في حال تعرضهم أيضاً للتهديد من قبل روسيا، وبخاصة إذا استعادت قوتها الإقليمية والدولية السابقة.

3. لن تتوقف موسكو عن العمليات العسكرية في أوكرانيا قبل أن تحصل على تعهدات واضحة بأن الناتو لن يقوم بتوسعات جديدة على حدودها، كما أن روسيا تسعى في المدى القريب إلى انتزاع أكبر تنازلات ممكنة من أوكرانيا، مثل استقالة رئيسها وحكومتها ونزع سلاح جيشها، واختيارها الحياد.

4. إن الحرب الروسية طالت لأسباب متعددة من أهمها نجاح قوات حلف شمال الأطلنطي والولايات المتحدة وبريطانيا بالتحديد في الاستعداد لتلك الحرب وترتيب عملية استنزاف القوات الروسية، والقوات الروسية انتبهت لذلك مؤخرًا بعض مضي شهر تقريبا فأعادت تغيير استراتيجيتها لتلك العملية وبدأت التركيز على منطقة الجنوب والشرق كهدف رئيسي ووحيد في الوقت الحالي.

5. أن روسيا لم تحقق أهدافها العسكرية التي كانت ترجوها مع بداية العملية العسكرية سوى الاتفاق على عدم انضمام أوكرانيا الى حلف الاطلنطي في الوقت الحالي وعدم امتلاكها لسلاح نووي. إلا أن من النتائج غير المتوقعة للعملية العسكرية أنها أعادت تماسك حلف شمال الأطلنطي بصورة غير مسبوقة، فقد كان الرئيس الفرنسي صرح قبل بداية مثل هذه العمليات أن حلف الأطلنطي يعاني من أزمة دماغية، إلا أنه الآن أكثر تماسكًا.

6. دفعت العملية العسكرية في آثارها الجانبية أيضًا إلى مزيد من تسلح الدول الأوربية وبخاصة ألمانيا التي زادت من اعتماداتها للتسليح، كما أن الحلف تمدد عسكريًا في الدول المجاورة لروسيا بصورة غير مسبوقة من خلال تمركز قوات أمريكية وقوات للحلف في هذه الدول، وأكثر من ذلك دفع دول كانت محايدة مثل فنلندا والسويد إلى التقدم رسمياً بطلب للانضمام إلى حلف الأطلنطي، وهو ما يعني تطورات ليس في صالح روسيا.

7. أن العقوبات الاقتصادية المفروضة ضد روسيا لن تردعها عن أهدافها التي تطمح لتحقيقها عبر التدخل العسكري في أوكرانيا، وحتى إن كانت تلك العقوبات ستضر باقتصاد روسيا بصورة نسبية، فيمكن لها الإلتفاف على العقوبات، أو فرض عقوبات مضادة تضر الاقتصاد الأوروبي.

8. أن روسيا لا تزال هي الطرف المتحكم في معادلة الاشتباك العسكري في أوكرانيا، رغم ما تواجهه من تحديات قد تتصاعد مع طول أمد الحرب في أوكرانيا، كما ستظل أوكرانيا محوراً ضمن محاور متعددة في مسار سيطول في المستقبل في معركة الترتيبات والسياسات الدفاعية بين روسيا والقوى الغربية.

9. إن هناك فجوة بين الأهداف والاستجابة الأمريكية للأزمة الأوكرانية، تعكس “مأزقاً استراتيجياً” لإدارة بايدن، فالأخيرة نجحت في تحقيق بعض أهدافها، خاصة المرتبطة بدعم أوكرانيا سياسياً وعسكرياً ودعم حلف “الناتو”، ومن المحتمل أيضاً تحقيق هدف تأمين أمن الطاقة، لكنها فشلت في منع التدخل العسكري الروسي ضد أوكرانيا. ومع احتمالات استمرار العمليات العسكرية الروسية داخل أوكرانيا، فإن أوكرانيا ستكون تحت السيطرة الروسية، ومن ثم سنعود للمربع الأول وهو الضمانات الأمنية الروسية، ربما يتم التفاوض بشأنها مباشرة بين موسكو وكييف، أو بين موسكو والولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.

10. أن تسوية النزاع الأوكراني الروسي يمكن تحقيقه بالإتفاق بين جميع الأطراف المعنية (روسيا – أوكرانيا – الولايات المتحدة الأمريكية – حلف شمال الأطلسي)، على أن تكون أوكرانيا دولة محايدة في السياسة العالمية بمعنى ألا تقوم بأي تحالفات رسمية أو تعاون عسكري غير دفاعي مع أي من الجانبين، وهذا سيخدم الأهداف والمصالح الأمريكية والأوكرانية والروسية، وأن أي حلول للأزمة الراهنة لا تأخذ فكرة الحياد الأوكراني في الحسبان ستؤول إلى الفشل، كما أن إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على حق الناتو في ضم أوكرانيا يهدد فعلياً بإعادة إندلاع الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.