مقدمة

السياسة الخارجية عبارة عن عملية إدارة منظمة الشؤون وعلاقات الدول مع محيطها الخارجي، ولهذا فمن الطبيعي أن تتأثر بالتطورات والأحداث التي تقع في هذا المحيط. وتهدف هذه السياسة بالأساس إلى حماية وتعزيز المصالح الوطنية. وعادة ما ترتبط أهدافها بالقدرات والإمكانات المتاحة التي تزخر بها الدولة وفقا لهذا فإن طبيعة وأشكال القوة التي تتمتع بها الدول تشكل محددا رئيسيا على ممارسة سياستها الخارجية في إطار الفوضوية الدولية.

ولأن الدول قد لا تتمكن من تحقيق الأهداف القومية بمفردها خاصة في ظل غياب سلطة ع المية مركزية، فهي وان كانت لا تستطيع أن تعتمد كليا على غيرها من الدول لحماية وجودها وخدمة مصالحها تحتاج إلى التفاعل مع محيطها الخارجي. وقد تختلف هذه الحاجة اعتبارا من اختلاف إمكانات الدول، فإذا كانت الدول القوية اقدر على حماية نفسها فان الدول الضعيفة تسعى إلى التحالفات والمنظمات الدولية وزيادة حجم قوتها لضمان استمرار بقائها في الساحة الدولية ولتعويض النقص في قدراتها والمحافظة على مصالحها. وبالقدر الذي يتعلق فيه الأمر بألمانيا فإن الفوضوية لها انعكاسات سلبية كبيرة على الشؤون الخارجية الألمانية ومؤسسات صنع القرار بها، نتيجة التفاعل الكبير الذي تشهده البيئة الدولية ومسار القضايا العالمية التي لها انعكاسات على الصالح القومي لمختلف الدول، إن هذه البيئة الدولية تميل محددا هاما للسياسة الخارجية الألمانية الذي قد يدفع صناع هذه السياسة أحيانا إلى تبني مواقف تتعارض والمبادئ التي يؤمنون بها أو تقوم عليها علاقات بلادهم الدولية فإمكانات المانيا العسكرية والاقتصادية المتواضعة نسبيا مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية الهائلة، يدفعها إلى التركيز على العمل في اطر جماعية من خلال أوروبا والأمم المتحدة من اجل تحقيق مصالحها والتعامل مع المسائل الدولية التي تهمها.

وهذا واضع من مسار التكامل ا الألماني مع باقي الوحدات الأوروبية في الاتحاد الأوروبي وريادة علاقاتها الدولية انطلاقا من وحدة قراراتها الخارجية مع قرارات مؤسسات الاتحاد لحماية كيانها ودعم قوتها الاقتصادية بتأمين حدودها الأوروبية وتوطيد علاقاتها في إطار الشراكة الأطلسية لحفظ السلم والأمن وتحقيق دولة القانون خاصة بعد موجة العولمة التي شهدها النظام الدولي كمتغير نمطي أدى إلى تحولات جدرية في ميزان القوى الدولي، تزامنا مع هذه التحولات عمدت العديد من الدول إلى تغيير سياستها الخارجية بما يتماشى ومتطلبات هذا النظام الدولي الجديد.

وكانت القوة الناعمة والذكية ابرز مشاهد السياسة الخارجية بعد سقوط جدار برلين وصدور مؤلف” صدام الحضارات” لهنتغتون، ليتغير مسار العلاقات الدولية من صدام تسلحي قبل الحرب الباردة شاركت فيه المانيا بقوة عسكرية صلبة في الحربين الكونيتين الأولى والثانية، ثم التغير مسارها جدريا إلى نبذ التسلح وبناء اقتصاد عالمي وسياسة ثقافية عالمية شكلت أهم ركائز السياسة الخارجية الألمانية بعد الحرب الباردة في إطار التنافسية والسير نحو التعددية القطبية لإعادة برمجة النظام الدولي وكسر رتابة اللحظة الأمريكية

فما محددات السياسة الخارجية الألمانية؟ وكيف تتم عمليات صنع القرار المحددة للمواقف الألمانية في قضايا السياسة الدولية؟

تحميل الدراسة