لماذا دائماً نهتم كل الاهتمام بالسياسة وننحي الإدارة جانباً وكأنها شيء سهل وبسيط؟ لماذا نحلل ونراقب الانتخابات التشريعية ونهمل من يدير الأمانة العامة لمجلس النواب؟ لماذا نهتم بمن يرأس السلطة السياسية في الدول ولا نهتم بكيف يمكن إدارة هذه الدول؟ هل تقدم الغرب عن طريق حزب سياسي معين على رأس السلطة أم أنه تقدم بشكل وأسلوب إداري ساعدة على تحقيق أهدافة بكفاءة وفعالية؟ ما العلاقة بين السياسة والإدارة؟ هل العلاقة تأثير وتأثر؟ هل العلاقة طردية أم عكسية؟ هل العلاقة تداخلية أم تضاربية ؟ إلى أي مدى يمكن أن تؤثر السياسة على الإدارة والعكس؟ إلى أي مدى يمكن أن تتقدم الدولة هل باهتمامها بالسياسة أم لاهتمامها بالإدارة؟

 في الحقيقة إن السياسة لها تأثير قوي وفعال في الشكل الإداري الذي عليه الدولة، ففي الوقت الذي نتسائل فيه عن «لماذا هم يتقدمون ونحن نتأخر؟»، نجد أن المشكلة تكمن لدينا في تقدم الاهتمام بالسياسة على الاهتمام بالإدارة ، فالأزمة في عالمنا العربي تكمن في الإدارة وليست في قلة الموارد، القضية تتعلق في كيفية التقليل من النفقات وزيادة الإيرادات وحتماً أن ذلك لن يحدث إلا في وجود شكل إداري قادر على تغيير الواقع العادي لواقع أفضل ومتطور.

 ومن الجدير بالذكر لقد أصبح من اللازم ضرورة التفرقة بين الإدارة والسياسة؛ لأن السياسة هي وضع الأهداف والغايات وتحديد وسائل الوصول إليها وتحقيقها، بينما تتعلق الإدارة بكيفية تنفيذ تلك الأهداف والغايات. مع العلم أنه كلما كانت الإدارة مدركة للسياسة العامة للدولة، ومدركة تماماً لمقاصدها كلما كانت أقدر على التنفيذ السليم ، والإنجاز المتميز . لكن الأمور لا تسير على هذه الطريقة في أحياناً كثيرة. ففي بعض الأحيان تخطئ السياسة فى تحديد غاياتها نتيجة عدم تحديد وترتيب الأولويات، أو الابتعاد بالمشكلات الزائفة عن المشكلات الحقيقية ، لذا فإن السياسة قد تخطئ أيضاً فى تحديد مواقيت ومراحل التنفيذ، وعدم وضع القوانين اللازمة التى تضمن سير العمل بطريقة أفضل. أما العراقيل التي تصيب  الإدارة فتتمثل فى التباطؤ، وعدم التنفيذ الصحيح للعمل ، وكذلك فى قلة وانعدام الإشراف على الذين يقومون بالتنفيذ أو عدم وضعهم فى الأماكن التي تناسبهم.

 ومن ناحية أخرى هل يعنى هذا قطع العلاقة تمامًا بين السياسة والإدارة ؟ الإجابة بالطبع لا، فالعلاقة بينهما تأثير وتأثر، فكلاً منهما تتعلق بالأخرى وتحتاج إليها باستمرار. فالسياسة بعد أن تضع خطتها للإدارة تقوم هي الأخرى بمتابعتها و مراقبتها ، والتأكد من حسن تنفيذها للمراحل المختلفة التى وضعتها لها ، ثم تقوم في معرفة المشكلات التى تقابلها ، وكيفية العمل على حلها. كما تقوم الإدارة هي الأخرى بأن تطلع السياسة بصورة مستمرة على سير العمل بها ، وما قد يحدث من عراقيل قد تتطلب حذف أو تعديل أو تغيير الخطة الاستراتيجية التي وضعت ، لذلك فإن المتابعة والرقابة والتداخل بين السياسة والإدارة ينبغي أن يظل مستمراً و قائمًا.

إن حل هذه المعضلة الصعبة أي الاختلاف والتضارب بين السياسة والإدارة في رأيي يرجع إلى التباعد بين السياسة والإدارة وعدم التنسيق بينهما. فلو تحقق الربط والتعاون والتنسيق بينهما على النحو الذي أوضحناه في السطور السابقة لزالت معظم المشكلات والعراقيل التي نعاني منها ، و نشكو من عدم وجود حل لها .

 كما يذكر فقهاء وفلاسفة علماء السياسة أن السياسة علم، وهذا ما نراه في الواقع في الكثير من الدول التي تقوم بالدفع بسياسيين مؤهلين على مستوى عالي من الخبرة والقدرة والفكر و المهارة ليتولوا القيادة السياسية في أقطارهم، فهي لا تتم بطريقة عشوائية كما الحال في بعض الدول النامية. والسياسة بحر واسع لكن الإدارة بحر أعمق وأوسع.

 كما أن هناك مؤثرات كبيرة ومتعددة تُشكِّل تهديدات للإدارة وللأمن معاً في الدول النامية وفي القارة الأفريقية على حد سواء منها: القبلية والمحسوبية والقبلية والعنصرية تطل برأسها وأصبحت مقياساً ومؤشراً لتولي المناصب الرفيعة في الدول؛ مما يهدد الأهداف الإستراتيجية العليا المراد تحقيقها وتنفيذها في وقت قياسي. وليست الإدارة بالشيء اليسير والبسيط يسهل حصرها في جانب ضيِّق. فسوء الإدارة وعدم تحقيق الكفاءة والفعالية يؤديان لضياع الموارد المتاحة مع زيادة النفقات وقلة الإيرادات.

كتب/ محمد بغدادي

باحث دكتوراه بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية

جامعة القاهرة