شهد النظام الاقتصادي العالمي تغيّرات جذرية خلال السنوات الماضية تزامنت مع ثورات تكنولوجية كبرى كان لها تأثير كبير على الحروب العالمية، حيث غيّرت من شكل الحروب وأساليبها ودوافعها لتصبح حروبا تجارية واقتصادية تمارسها الدول ضدّ بعضها البعض ودفعت شعوبا إلى تبني مواقف حكوماتها والتمسك بالانعزالية والانغلاق، وهو ما دفع باحثين ومحللين إلى البحث في مستقبل العولمة في ظل اختفاء ظواهر اقتصادية وولادة ظواهر جديدة.

تزامن اتساع الحروب الاقتصادية مع صعود أحزاب سياسية وقادة ذوي توجهات شعبوية في العديد من البلدان، فباتت السياسات الشعبوية مسيطرة على التوجهات الاقتصادية للدول، وانعكس ذلك على توجهات الشعوب التي باتت تنبذ العولمة وتحاربها، وهو ما أصبح تحديا جديدا للاقتصاد “المعولم”.

وازدادت مخاطر هذا التوجه بشكل كبير في ظل جائحة فايروس كورونا المستجد التي أصبحت تمثل أحد المخاطر الجوهرية الموجهة للنظام الاقتصادي العالمي، لاسيما بعد أن أجبرت الدول على تبني سياسات “الإغلاق العام” من أجل وقف انتشار الوباء، لكنها ولدت عن غير قصد تهديدات كبيرة للعولمة الاقتصادية كونها قيدت حركة البشر وسفرهم، وأضرت بحركة البضائع، ووضعت سلسلة الإمدادات الدولية أمام مخاطر غير مسبوقة.

وانطلاقا من هذه الرؤية للباحث علي صلاح رئيس وحدة الدراسات الاقتصادية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبوظبي، يأتي كتاب “الشعبوية الاقتصادية: مستقبل العولمة في عصر الجيل الثاني من الحروب التجارية” الصادر عن المركز، وينصب تركيزه على التطورات التي شهدها النظام الاقتصادي العالمي في العقود الماضية، لاسيما منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، الذي شهد تغيرات عميقة وجوهرية جعلت الاقتصاد العالمي أكثر انفتاحا عن ذي قبل، حيث تم تحرير التجارة في السلع والخدمات، وأصبحت حركة البشر بين الدول أكثر يسراً وسهولة، وباتت حركة رؤوس الأموال ونقل التكنولوجيا أكثر نشاطاً وسيولة.

وشهد العالم ولادة نماذج نجاح للتكتلات الاقتصادية الكبرى كالاتحاد الأوروبي الذي تمكن من إزالة الحدود المادية بين دوله وضمان الحرية التامة لحركة سكانه ولربما لم يكن الاتحاد لينجح بهذه الشكل لولا أنه وجد مناخاً عالمياً مواتياً.

حروب اقتصادية

يتناول علي صلاح مظاهر الانتكاس التي شهدها النظام الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة، بعد أن دخل في معتركٍ جديدٍ، وبعد أن شهد نزعة دولية غير مسبوقة من “الحمائية التجارية”، حيث تبارت الدول في فرض رسوم جمركية على منتجات بعضها البعض وعمت مظاهر الاحتكار وتقييد حرية دخول الأسواق، وتزايدت ممارسة الدول لحروب العملات من أجل دعم تنافسية الصادرات في الأسواق الدولية وغير ذلك من ممارسات تجتمع كلها تحت مسمى واحد وهو “الحروب الاقتصادية”.

ويرى صلاح أنه خلال السنوات الماضية نزعت الدول إلى فرض “العقوبات الاقتصادية” ضد بعضها البعض إلى المدى الذي أصبح فيه مصطلح العقوبات والحصار الاقتصادي من العناوين الرئيسية والسمات الجوهرية للعلاقات بين العديد من الدول.

وقد أصبحت العقوبات الاقتصادية والحصار من الأدوات التي تستخدمها الدول لتنفيذ سياساتها الخارجية، تماما كما هي الأدوات السياسية والدبلوماسية بل وأصبح ما يمكن تسميته بـ”دبلوماسية العقوبات الاقتصادية” إحدى وسائل الضغط والتصعيد التي تلجأ الدول إليها من دون تردد ضد الدول الأخرى وصولا إلى إعلان “الحروب العسكرية”.

ويشير إلى أن الحروب الاقتصادية تعد من أقدم أنواع الحروب التي عرفتها البشرية، وقد بدأت تلك الحروب مـع بداية وجود البشر على وجه الأرض في شكل صراعات محدودة على الموارد الطبيعية بين الجماعات والقبائل، وفي نطاقات صغيرة. ثم أخذت منحى أكثر صخبا مع اكتشاف الذهب والمعادن، فاتجهت الدول إلى تسخير قواهـا العسكرية المتطورة من أجل حسم تلك الحروب، وكان الأمر يصل بالدول القوية عسكريا إلى احتلال الدول الضعيفة واستعمارها من أجل الاستحواذ على ذهبها ومعادنها.

تغيّر الأمر الآن فتبدلت الحروب مـن حيث الشكل والمضمون، وباتت الدول أقل نزوعا إلى استخدام الأدوات العسكرية في حسمها؛ بل إنها تشنّ بأدوات غير عسكرية في ظل ما حققه العالم من تقدم تكنولوجي كبير ساعد على التضييق على الدول المعادية وعزلها عن محيطها الدولي بأدوات مالية وتجارية، تأخذ صورة العقوبات الاقتصادية والحصار المالي والمقاطعة ودعم المنتجات الوطنية في مواجهة منتجات الدول المستهدفة. أضف إلى ذلك حروب العملات وحروب الشركات وغيرها من الحروب التي أصبحت لها فاعلية وجدوى تقترب كثيرا من فاعلية الأدوات والأسلحة العسكرية؛ بل تفوقها في بعض الجوانب خصوصا تلك المتعلقـة بالتكلفة فهي أقل تكلفة كثيرا من الأدوات العسكرية، سواء تعلق الأمر بالتكلفة المادية أو المعنوية أو البشرية.

ويؤكد صلاح أن الدول لم تتوان في جعل التكنولوجيا ضمن إطار حروبها الاقتصادية تجاه بعضها بعضا سواء من خلال تطويع هذه التكنولوجيا وتطبيقاتها كأداة وسلاح من الأسلحة المستخدمة في الحروب، كما حدث من خلال قيام بعض الدول بتطوير تقنيات تكنولوجية للتجسس الاقتصادي على الآخرين سواء كانوا دولا أو شركات، أو حتى بين الشركات وبعضها بعضا.

كما أن الدول جعلت التكنولوجيا نفسها موضوعا للحروب والنزاعات والتنافس الاقتصادي من خلال سعيها المستمر للتفوق التكنولوجي، فعملت على ضخ الاستثمارات في مجال البحث والتطوير أو سرقة التكنولوجيا المتطورة لدى الدول الأخرى. وكل ذلك أضاف أو يضيف كل يوم نقاطا لدى بعض الدول كحجج وذرائع لتقويض العولمة والانفتاح على الآخر.

ويضيف أنه بينما اقتصرت سلوكيات رفض العولمة والنزوع إلى الانعزالية على الدول والحكومات في بادئ الأمر، فإن عدواها انتقلت إلى الشعوب في الآونة الأخيرة فانساقت بعضها خلف مساعي حكوماتها، وأصبحت بدورها غير متقبلة للانفتاح على العالم الخارجي، حتى إن هذه النزعة دفعتها إلى اتخاذ قرارات استثنائية تضرها وتضر اقتصاد بلادها رغم أنها تعتقد أنها تحمي بلادها من المخاطر الاقتصادية القادمة من الخارج.

وقد تجلت هذه الحالة بوضوح في عام 2016 لدى تصويت البريطانيين لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي، وقد تسبب قرارهم ذلك في دفع اقتصادهم إلى التراجع في العديد من المؤشرات.

انعزالية فردية وجماعية

يوضح صلاح أن مثبطات العولمة لم تقتصر على الأسباب الاقتصادية بل شهدت إضافة عوامل أخرى منها التهديدات غير التقليدية الناتجة عن العولمة، والتي بدا أحد تجلياتها في صورة التفشي السريع لفايروس كورونا المستجد، والذي أضاف وقودا جديدا إلى النزعة الانعزالية المسيطرة على العالم وجعل الدول والحكومات أكثر حذرا في ما يتعلق بفتح الأسواق أمام البضائع الأجنبية، وكذلك في ما يرتبط بفتح الحدود والمطارات أمام المسافرين القادمين من الخارج، وغير ذلك من المظاهر السلبية التي تدعو بدورها إلى التساؤل عما ستفضي إليه هذه الأحداث في نهاية المطاف، وطبيعة وحجم العراقيل والقيود التي ستوضع على طريق العولمة بسببها، والأهم من ذلك أيضا هو مدى قابلية ومرونة الدول في إزالة هذه العراقيل والقيود لمنع التعرض لأزمات مماثلة في المستقبل.

ويعتقد الكاتب أن مثل هذه الظروف تحتاج من الحكومات تجنب اللجوء إلى السياسات الحمائية التي تفاقم الأزمات وتعرقل تدفق سلاسل القيمة العالمية وتزيد من مستويات عدم اليقين، والأكثر أهمية هو ضرورة تجنب فرض قيود على الصادرات من الأغذية والمنتجات الطبية الضرورية، والعمل معا لمساندة زيادة الإنتاج وضمان تدفق الموارد إلى حيث تشتد الحاجة إليها، وتشجيع منشآت الأعمال على الحفاظ على مستويات أعلى من المخزون وتنويع الموردين من أجل إدارة المخاطر.

ويلفت صلاح إلى أن مجمل المشهد الآن وما يعانيه الاقتصاد العالمي من تراجع في حجم النشاط وانكماش نسبي في حركة التجارة، وارتداد إلى الخلف في ما يتعلق بحركة البشر بين الدول للعمل أو السياحة، وسواء كان ذلك ناتجا عن سياسات حمائية مقصودة من الدول كتجلّ لحالة النزاع والاحتراب التجاري التي سيطرت على المشهد طوال ما يزيد على عقد من الزمان، أو ناتجا عن سياسات حمائية عفوية اتخذتها الدول من أجل منع انتقال فايروس كورونا والحد من فرص تحوله إلى وباء على أراضيها؛ فكل ذلك جعل الحمائية التجارية سمة مشتركة بين السياسات الاقتصادية للعديد من الحكومات، بل بات ينظر إليه بشكل أو بآخر على أنه تصرف مطلوب وضروري، إن لم يكن من قبل الحكومات فإنه كذلك من قبل الشعوب، وإذا كانت بعض الشعوب انجرفت إلى ذلك التوجه خلف مخاوفها النابعة في الأساس من التوجهات الرسمية لحكوماتها، والتي صدرت إليها أن كل ما يعانونه من مشكلات تتعلق بالبطالة والتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وغيرها ليس إلا بسبب العولمة؛ فإن شعوبا أخرى عديدة باتت مقتنعة بضرورة وضع القيود والعراقيل أمام حركة السلع والبشر لحماية نفسها من الأمراض والفايروسات.

ويلاحظ أن كل هذه المعطيات تبقي مصير العولمة محل تساؤل حول ما إذا كان ما تشهده العولمة الآن يقودها إلى نهاية محتومة تختفي بسببها، أم أن كل ذلك ليس إلا موجة جديدة من العولمة، كما أشار منتدى دافوس في عام 2019، مدللا على ذلك بأن ما يشهده العالم الآن من اختفاء ظواهر اقتصادية وولادة ظواهر جديدة يؤذن بانتهاء مرحلة في تاريخ تطور النظام الاقتصادي العالمي وبداية مرحلة جديدة، تمثل موجة جديدة من موجات العولمة، أطلق عليها منتدى دافوس اسم “الموجة الرابعة من العولمة”.

ويتابع أنه بصورة أكثر شمولية فإن اختيار أي من الجانبين كإجابة عن سؤال مستقبل العولمة، يتضمن الوقوع في فخ إما التشاؤم المفرط، وذلك في حالة اختيار الجانب الأول، أو التفاؤل المفرط، وذلك في حالة اختيار الجانب الثاني، وفي كلتا الحالتين فإن الإجابة ليست هي بالنفي التام أو التأييد غير المشروط لأي منهما. فما تشهده العولمة الآن هو موجة ارتدادية ورياح معاكسة ذات أسباب منطقية، ولها مبرراتها كذلك، وعادة ما تحدث مثلها أيضا بعد موجات الازدهار الكبيرة والطويلة للعولمة. إن الموجة العكسية التي تشهدها العولمة الآن أتت بعد مرحلة من الازدهار والتوسع المتسارع الذي شهدته طوال العقود الخمسة الأخيرة من القرن العشرين.

وعلى الجانب الآخر يشدد علي صلاح على أنه ليس بالأمر الحصيف القول إن ما تشهده العولمة الآن ليس إلا بداية لمرحلة جديدة تسمى “الموجة الرابعة من العولمة” من خلال الاعتماد في التقدير على مظاهر التطور التكنولوجي والمعرفي، حيث يتحول العالم تدريجيا نحو استخدام تكنولوجيات الجيل الخامس لأنظمة الاتصالات اللاسلكية، من دون الأخذ في الاعتبار حالة النزاع التجاري الدولي الآخذة في التعمق على مدى سنوات، وحالة الرفض المسيطرة على العديد من الشعوب تجاه العولمة ومعطياتها. وفي النهاية يمكن تلخيص المشهد في أن العالم الآن هو موجة ارتدادية شديدة من الموجات المعاكسة لتيار العولمة.