محمد عبدالرحمن عريف

بالعودة لتلك الفترة الزمنية العراقية، نجد أنه لم يكن الإعلام غائباً عن أذهان الانجليز عند احتلالهم العراق، فقد بدأوا منذ اللحظات الأولى للاحتلال بإصدار البيانات التي توعد العراقيون بتحقيق مطامحهم وأهدافهم في الحرية والاستقلال، والاستفادة من التطورات الحضارية، وأنهم محررون وليسوا غزاة، إنهم جاءوا لتحرير العراق من الاحتلال العثماني، ونزعاته القومية العنصرية وتخلفه واستبداده وطغيانه.

عندما تمكن الاحتلال الانجليزي من السيطرة على معظم أنحاء العراق اتجه إلى استخدام الصحافة لكسب المثقفين العراقيين إلى جانبه، وتعبئتهم لخدمة أهدافه وإظهاره بمظهر المدافع عن الحضارة والديمقراطية وأنه ليس غازياً ومستعمراً واستخدم الصحافة وسيلة للتوعية بهذا الاتجاه وجذب الناس للتصديق بادعاءاته تلك، والاقتناع بصحتها، واختار الانجليز المدن الكبرى لإصدار الصحف الموالية.

لأهمية وخطورة الأدوار التي مارستها هذه الصحف أنتبه العراقيون إلى ضرورة إصدار صحف عراقية وطنية مستقلة عن الاحتلال، وتصدرت المطالبة بإطلاق حرية الصحافة حيث كانت سلطات الاحتلال تحول دون صدور صحافة عراقية مستقلة، وبعد إلحاح شديد ومطالبة مستمرة سمحت سلطات الاحتلال بإصدار بعض الصحف والمجلات، فهي الأصوات الناعمة، والسلطات الرابعة والخامسة، وغيرهم، هي الصحافة العراقية التي عملت في تلك الفترة على إظهار الاتجاهات العامة للشعب التي تؤشر ميولهم نحو مرشحيهم.

عن شكل النظام الذي يتبعه من يتولى إدارة شؤون البلاد العامة، وبرزت في هذا الميدان السياسي جريدة “العراق” وكانت من الصحف السباقة لتغطية الحدث المهم في حياة الشعب العراقي. ودافعت بحماس شديد في الترويج للبيت الهاشمي وأظهرت الجريدة رغبتها في أن يتولى عرش العراق أحد أبناء الشريف حسين بن علي.

لقد اتخذ تأييد فيصل ملكاً على العراق عند بعض المثقفين العراقيين اتجاهاً متطرفاً في الحماسة ومبالغة شديدة في إظهار الدعاية الاعلامية للنظام الملكي المنتظر. ومن هؤلاء الأخوان (رشيد ومحمد الهاشمي) وهما صحفيان، فقد كانا من أشد المتحمسين لفيصل والنظام الملكي، حتى أن أحدهما (رشيد الهاشمي) تخلى عن عمله في جريدة “دجلة” إذ كان يعمل محرراً فيها لأنه شعر أن اتجاه الجريدة يؤيد النظام الجمهوري، كما قام اخوه (محمد الهاشمي) بحملات دعائية إعلامية تؤيد فيصل، من خلال نشره للمقالات والقصائد الحماسية التي تمجد فيصل وتشييد بدوره القومي ومؤهلاته لعرش العراق. قبل أن يصل إليه.

من المواقف المسجلة لدور المثقفين العراقيين في خضم الأحداث الوطنية، لاسيما ترشيح فيصل لعرش العراق، أن شاعر ثورة العشرين محمد مهدي البصير قدم كتاباً خطياً في السادس عشر من تموز/ يوليو 1921 وقدمه لفيصل معلناً فيه مبايعته له وكان محمد مهدي البصير من أشد المعجبين بشخصية فيصل، حتى أنه نظم قصيدة فيه ونشرها بعنوان (فيصل في عالم الخيال) في عام 1919، أي قبل ترشيح فيصل لعرش العراق بمدة طويلة، يقول فيها: ليحيا الأميــر لنــا فيصل شريف النجار كريم النسب ومطلع القصيدة ينم عن التأييد والاعجاب اللذين يحملهما الشاعر للملك فيصل.

كما بادر محمد رضا الشبيبي في آواخر عام 1920 إلى إظهار موقفه في ترشيح فيصل لعرش العراق، في كتاب خطي قدمه إلى رجال ثورة العشرين عندما سافروا إلى الحجاز بعد انتهاء الثورة، ذكر فيه (أن العقلاء والمفكرين يتفاءلون خيراً، خصوصاً وأقول سمو الأمير فيصل وأصغي إلى أقوال المخلصين العاملين من أهل البلاد وخاصة أولئك الأبطال المجاهدين الذين اشتروا استقلال العراق بدمائهم وأموالهم).

من المثقفين العراقيين الذين تحمسوا للدعوة لترشيح فيصل لعرش العراق، الصحفيان إبراهيم حلمي العمر وعبد اللطيف الفلاحي، فقد أصدرا جريدتي “لسان العرب”، و”الفلاح” قبيل وصوله إلى العراق ببضعة أيام وجعلا منهما منبراً لحملات التأييد الشعبية لفيصل من خلال المقالات التي نشراها في الجريدتين. إضافة إلى ما سبق فقد اتخذت مواقف الفئة المثقفة العراقية المؤيدة لترشيح فيصل أسلوباً آخر في المساهمة لكسب التأييد العام لفيصل من خلال التجمعات الثقافية التي يدعون لعقدها. فقد دعا ناجي السويدي ورفاقه إلى عقد اجتماع عام في بغداد، يوم السابع عشر من حزيران/ يونيو عام 1921، حضره ما يقارب من خمسمائة من العراقيين بمختلف انتمائاتهم الثقافية والفكرية والمهنية تمهيداً لاستقبال فيصل في العراق.

 سارع معظم المثقفين العراقيين إلى إظهار تأييدهم لترشيح فيصل بمختلف الأساليب فبادروا إلى إعطائه مبايعتهم خطياً وشفهياً وإعلامياً عن طريق الصحف العراقية ومنهم في تلك المرحلة شكري الفضلي ومحمد باقر الشبيبي ومحمد ناجي القشطيني وإبراهيم الباجه جي، كما انسحب موضوع المساندة والتأييد لفيصل على كافة الأصعدة والتيارات والأديان، فقد بادر إلى تأييد فيصل المثقف اليهودي الشاب المعروف أنور شاؤول، وبعث مكي الشربتي العضو السابق في جمعية العهد برقية تأييد لفيصل بتاريخ الخامس والعشرين من تموز/ يوليو 1921.

 يظهر من خلال مبادرات التأييد وتتابعها لترشيح فيصل من قبل الفئة المثقفة العراقية انها بدت قريبة العهد بموعد وصول فيصل إلى العراق، وهذا يعني أن المثقفين العرقيين قد لمسوا حقائق مؤكدة على فوز فيصل بعرش العراق وأن مسألة ترشيحه باتت من المسلمات اليقينية، ففي الثامن والعشرين من حزيران/ يوينو 1921، أعلن كاظم الدجيلي وهو صحفي، عن تأييده لفيصل مؤكداً فوزه بعرش العراق وأما الشاعر جميل صدقي الزهاوي فقد أعلن عن تأييده لفيصل بعد يومين من وصول الأخير إلى بغداد فسماه في الأول من تموز/ يوليو 1921 الملك الأجل الأكبر مما يدل أن الزهاوي كان مدركاً فوز فيصل بالعرش. كما أعلن عبد الحسين الأزري صاحب (جريدة الروضة) في اليوم نفسه تأييده للأمير فيصل، وبعد مرور يوم واحد فقط أعلن الشاعر محمد باقر الحلي مبايعته له كما بايعه داود صليوا صاحب جريدة (صدى بابل)، وعبد الرزاق عدوه من (النخبة القانونية)  الذي أعلن ان جميع الطبقات الاجتماعية والفئات المثقفة قد (رحبت بمقدمه).

لقد توثقت عرى العلاقة بين المثقفين العراقيين وبين الأمير فيصل المرشح لعرش العراق فما أن وطأت أقدامه أرض العراق حتى تمخضت تلك العلاقة عن رباط وثيق بين الطرفين متخذة منحى جديداً. فعندما غادر الأمير فيصل جدة في الثاني من حزيران/ يونيو 1921 قاصداً البصرة رافقه القاضي المعروف يوسف السويدي، وعند وصوله البصرة يوم الثالث والعشرين من الشهر نفسه استقبل فيها استقبالاً منقطع النظير بحسب رؤية شاهد عيان. وكان عطا أمين، بوصفه من النخبة القانونية العراقية ومن الناشطين البارزين ضمن الوفد الذي استقبل هناك المرشح لعرش العراق، ونيابة عن اللجنة التي أعدت لاستقبال فيصل في العراق تحدث المحامي البارز محمد زكي. وتحت شعار الحملة المؤيدة لترشيح فيصل وانتخابه انضوى جمع المثقفين العراقيين البارزين، أمثال كاظم الدجيلي، ورشيد الهاشمي وعبد الرزاق عدوه ومكي الشربتي وسلمان الشيخ داود وثابت عبد النور.

يبقى أنه في حفل تتويجه يوم 23 اب/ أغسطس سنة 1921 شكر الملك فيصل الشعب العراقي ووعد بالمباشرة بإجراء انتخابات المجلس التأسيسي، لوضع دستور للبلاد وعلى قواعد الحكومات السياسية الديموقراطية وعلى أن يصادق المجلس التأسيسي على المعاهدة مع الدولة المنتدبة بريطانيا التي ستحدد العلاقة بين البلدين.

Print Friendly, PDF & Email