إعداد : حمد قدوره ، باحث دكتوراه كلية الحقوق والعلوم السياسية – تونس المنار

  • المركز الديمقراطي العربي

حق الشعوب في تقرير مصيرها أصبح اليوم من المبادئ الثابتة في القانون الدولي، وقاعدة قانونية آمرة من قواعد القانون الدولي العام، بمقتضى التنصيص عليه في ميثاق منظمة الأمم المتحدة لسنة 1945، وما تلاه من قرارات ومعاهدات دولية وفقه قضاء دولي، جميعها تؤكد تثبيته كمبدأ من مبادئ القانون الدولي العام، بل كحق تتمتع به كل الشعوب، لكنه أكثر المبادئ إثارة للجدل في كامل مراحل تطوره. لأن مبدأ تقرير المصير مركز صراع بين إرادتين بني عليهما المجتمع الإنساني منذ نشأته، وهما إرادة التسلط والهيمنة ، وإرادة التحرر والاستقلالية، وهذا الصراع لا ينتهي كما أن الجدل حول مبدأ تقرير المصير لا ينتهي. لذلك تباينت الآراء حول تحديد مفهومه حول مضمونه، وحول طبيعته القانونية، وحول أشخاصه، وحول الفصل بينه وبين الإرهاب.

لم يتعرض أي مبدأ من مبادئ القانون الدولي العام لهذا الزخم من الجدل في النظام الدولي الجديد. هذا الجدل النظري كان له أثره على التوجه الدولي العام في العلاقات الدولية، وعلى مستوى الممارسة خلق واقعا اتسم بالتشرذم والانقسام داخل الدولة الواحدة تحت عدة مسميات : حق تقرير المصير الإثني،أو حق الانفصال أو الانفصالية (séparatisme , sécessionnisme ou sécession). تضاعف عدد الحركات الانفصالية في العقود الأخيرة خاصة بعد سقوط جدار برلين سنة 1989 ، وتفكك الاتحاد السوفييتي سابقا سنة 1991 ، إلى خمسة عشرة دولة أو تزيد، والعديد من دول أوروبا الشرقية( تشيكوسلوفاكيا ، يوغوسلافيا سابقا) ، وشملت هذا الدعوات الانفصالية كل القارات دون استثناء لكن القارة الأفريقية تتزعم كل القارات من حيث كثرة الحركات الانفصالية وتتسم بكونها حركات انفصالية مسلحة تعتمد على الكفاح المسلح ضد حكوماتها ، وما يلفت الانتباه أن هذه الحركات تسبح ضد التيار، وضد مسار التاريخ وتشير بوضوح إلى الفوضى والتناقضات التي يتخبط فيها المجتمع الدولي في النظام العالمي الجديد.

تمثل بداية القرن الواحد والعشرين، بداية لتشكل عالم ما فوق القومية وعصر التكتلات الاقتصادية، وفي عصر العولمة، وجعل العالم قرية كونية تنتفي فيها الحدود الإقليمية وتتراجع السيادة الإقليمية للدولة الوستفالية لفائدة سيادة كونية افتراضية لا تعترف بالحدود الإقليمية، ولا بالسياسة الحمائية للمنتجات الوطنية . في المقابل يطرح التناقض الذي أفرزه تنامي الحركات الانفصالية على أساس أثني أو لغوي هدفها تقسيم الدول وتجزئتها، في زمن يسير فيه التوجه العالمي نحو خلق تكتلات سياسية واقتصادية كبرى بين دول وطنية، تكون قادرة على التصدي لتحديات العولمة والإرهاب ، تجمع بين عديد القوميات والاثنيات، واللغات مندمجة سياسيا واقتصاديا مشكلة وحدة وطنية صلبة.

أصبح من الضروري أن يتنبه المجتمع الدولي لظاهرة الانقسامات التي أصبحت تمثل خطرا على النظام العالمي برمته، وأن يجد الحلول المناسبة للحد منها، وإبعاد شبح تفكك الدولة الوطنية يقول باسكال بونيفاس “Pascal Boniface” في تدوينة له: «إن الحروب المعاصرة لا ينتج عنها إطلاقا وحدة الدول بل تمزقها»، خاصة في أفريقيا التي تأذت أكثر من غيرها من هذه الظاهرة نتيجة الانفعالات الإثنية. ويتساءل “ألكسي ديث’ “Alexis Dieth” ما هو العمل لإبعاد التفكك الإثني عن دول أفريقيا السمراء هل يجب مجابهة هذه الظاهرة بسياسة الحزم والضغط ضد الحركات الانفصالية ومسكها ومراقبتها أمنيا أو استعمال القوة العسكرية لضمان وحدة الدولة التي يريدون الانفصال عنها؟، أم الدخول في حوار مع الانفصاليين وإبرام اتفاق معهم لتقاسم السلطة على التخلي عن التعددية الإثنية والعقائدية والثقافية ؟ أم يجب أن تترك تلك الاثنيات الانفصالية تكمل مسارها بعيدا عن المركز، ويعاد رسم الحدود الموروثة عن الاستعمار من جديد إلى غاية أن يتولد عنها دول متجانسة إثنيا ولغويا وثقافيا ؟ أم نحافظ على وحدة الدولة في حدودها الموروثة على الحقبة الاستعمارية بتوحيد كل الاثنيات مؤسساتيا، وعضويا في شعب-أمة ، وذلك لإبعاد شبح الانفصالية والانقسامية، وأثبتت التجارب بأن الحل العسكري لا يمكن أن يفضي لحل مرض للجميع ولا ينهي الصراع بصفة دائمة، دولة السودان منذ استقلالها سنة 1955، وهي في صراع مسلح مع الحركات الانفصالية لكن في الأخر جلس الجميع للتفاوض وأيقن الجميع لا حلول للقضايا العالقة إلا عن طريق الحوار. صراع اريتريا مع إثيوبيا من أجل الانفصال لم تأت به البندقية بل جاء بالحوار الذي أفضى إلى استفتاء واستقلال اريتريا سنة 1993[1]. كذلك تقاسم السلطة لم ينهي النزعة الإثنية الانقسامية المتأصلة تاريخيا في بعض الأقليات السودان طرحت مسألة تقاسم السلطة بين الشماليين والجنوبيين في أكثر من مناسبة لكنها لم تنهي الصراع الانفصالي، كذلك مراجعة الحدود الاستعمارية تفضي إلى طهور دويلات صغيرة فعلا متجانسة لكنها غير قابلة للاستمرارية سياسيا واقتصاديا في زمن العولمة، والتكتلات الإقليمية والدولية الكبرى، ومراجعة الحدود الاستعمارية لها انعكاسات خطيرة على أفريقيا والمجتمع الدولي بأسره، انتشار الفوضى والحروب والهجرة غير المقننة وتفتح الباب على مصراعيه للتدخلات الخارجية ،ولنا أمثلة حية التدخل الخارجي في ليبيا وفي القرن الأفريقي. تبحث تلك القوى عن الثروات الباطنية، وعلى مواقع النفوذ الاستراتيجي.

لعل الحل الأنسب للقضاء على الصراعات الإثنية الانفصالية في أفريقيا وغيرها من دول العالم الثالث التي أغلبه ايعاني من نفس المشاكل والقضايا،هو إقامة نظام فدرالي إثني ديمقراطي ، والتجربة الأثيوبية منذ التسعينات في إقامة فدرالية إثنية أعطتها الاستقرار والتنمية ، ونقلتها من دولة مجاعة إلى دولة الصناعة وغزو الفضاء.

من أسباب الصراعات الإثنية في دول العالم الثالث خاصة الدول التي ورثت حدودها الإقليمية عن الحقبة الاستعمارية كان رسم الحدود الإدارية بين المستعمرات لا يكترث للتنوع الديمغرافي للسكان الأصليين فكانت الحدود الإقليمية للدول المستحدثة تضم عشرات الإثنيات مثلا إثيوبيا تضم اليوم أكثر من ثلاث وسبعين إثنية. كما أن المفاهيم المتعلقة بنشأة الدولة الوطنية الحديثة والمنقولة عن الغرب، لم تنضج بعد لدى شعوب وحكومات دول العالم الثالث حيث لم تنتهي لديها روابط القرابة، والإثنية، واللهجات ، والقبيلة وهي تجمعات بشرية سابقة لنشأو الدولة الأمة.  في فترة الحرب الباردة كانت الصراعات الانفصالية والانقسامية، صراعات يغلب عليها الطابع الإيديولوجي، انفصال اليمن الجنوبي الاشتراكي عن الشمال الليبرالي، الحرب الكورية جنوب ليبرالي وشمال شيوعي. أطراف النزاع الشيوعية مدعومة من الكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفييتي سابقا والأطراف الليبرالية تدعمها الكتلة الغربية الليبرالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

اليوم ، وبعد تفكك المنظومة الاشتراكية، والانتصار الوهمي للغرب الليبرالي،  الذي  اعتبره المفكرون الغربيون من أمثال “فرنسيس فوكوياما”[2] في كتابه نهاية التاريخ والرجل الأخير بأن نهاية الحرب الباردة هي نهاية التاريخ ونهاية الصراع الإيديولوجي والانتصار النهائي للنظام الليبرالي .

بدأ مفكرو الغرب يروجون لما يسمى حوار الحضارات. فصدمهم “صوموئيل هنتقتون” بكتابه صدام الحضارات[3] الذي اثبت الواقع الدولي المعاش صحة نظرته فكل الصراعات الدولية والأهلية اليوم منطلقها إثني أو لغوي أو ثقافي. الصراعات في الشرق الأوسط اليوم أما مذهبي: سني / شيعي  أو ديني : مسلم/ مسيحي / يهودي، أو إثني وقومي: عربي/ كردي /درزي … وأمام هذه التشرذم للمكون السكاني لهذه الدول وغيرها من الدول التي تعاني من التنوع الإثني للسكان ، أصبح من الضروري على تلك إعادة ترسيخ الانتماء الوطني عند تلك الشعوب وغرس وتعزيز روح المواطنة لديها ، متجاوزة بذلك الاحتقان الإثني، وكل أشكال الانتماءات السابقة للدولة الأمة  Eat –nation))،التي كانت عبر التاريخ سببا من أسباب الحروب الأهلية ، كالحرب الأهلية في لبنان خلال السبعينات من القرن الماضي[4] ، وعامل تخلف اقتصادي واجتماعي، السودان له من المياه والأراضي الخصبة والمراعي الشاسعة ما يجعل الوطن العربي بأكمله يحقق الأمن الغذائي لشعوبه، لكن الصراعات الإثنية، جعلت الحكومة السودانية تترقب المساعدات الخارجية للحد من المجاعة التي تفتك بالشعب السوداني، وتركت السودان من أكثر بلدان العالم تخلفا. أغلب البلدان الأفريقية لا تختلف كثيرا عن حال السودان.

في المقابل ننظر إلى البلدان الأفريقية التي أنهت الصراع الإثني بين مكوناتها السكانية مثل دولة رواندا التي أنهت بالحكمة الصراع الإثني الذي فتك بها خلال التسعينات من القرن الماضي حيث قارب ضحاياه المليون بين قتيل وجريح ومشرد هي اليوم من أرقى البلدان الأفريقية في نسبة النمو، حيث لجأ القائمون على السلطة فيها إلى تقاسم السلطة وقبول الرأي المخالف وجعلوا من مصلحة الوطن هي العليا فوق المصالح الفردية والإثنية فرواندا اليوم مضرب أمثال في الرفاهة والازدهار بين شعوب القارة الأفريقية . كما أن الدولة الأثيوبية التي أخذت العبرة من انفصال اريتريا عنها سنة 1993 وقطعت مع النزاعات الإثنية بإقامة نظام فدرالي إثني فقفزت من دولة تخلف ومجاعة إلى دولة تقدم وصناعة.

حلمي الشعراوي، الثورة الإريترية وحق المصير، مجلة السياسة الدولية، العدد50 ، مصر ،1977 ،ص. 75.

د. عبد المجيد العبدلي ، مصدر سابق ، ص.49 .[1]

  [2] فوكوياما فرنسيس، نهایة التاریخ وخاتم البشر، ترجمة: حسين أحمد أحمين، ط 1، القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر.1993  .

   [3]صموئيل، هنتنجتون، صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي. ترجمة: د. مالك عبيد أبو شهيوة، محمد محمود خلف، الجماهيرية الليبية: الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، 1999 ، ص. 14 .

  [4] برهان غليون ، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات ، دار الطليعة للنشر والطباعة ،بيروت ، 1979، ص . 30 .