الصراع السوري بعد عقد من الزمن: استراتيجية بقاء دمشق وانعكاساتها على الاتحاد الأوروبي

بدأت الانتفاضة في سوريا قبل عشر سنوات، والتي تحولت في النهاية إلى صراع دموي أدّى إلى مقتل مئات الآلاف من الأشخاص وتشريد الملايين.

المحتويات

  • مقدّمة
  • سيطرة الجيش السوري على الأراضي في الشمال
  • مواجهة تركيا في شمال غرب سوريا
  • العلاقات مع قوات سوريا الديمقراطية (SDF) وحزب الاتحاد الديمقراطي PYD
  • نحو الوضع الراهن
  • استنتاجات وانعكاسات بالنسبة للاتحاد الأوروبي

نبذة مختصرة

بدأت الانتفاضة في سوريا قبل عشر سنوات، والتي تحولت في النهاية إلى صراع دموي أدّى إلى مقتل مئات الآلاف من الأشخاص وتشريد الملايين. لقد قيل وكُتب الكثير عن دور وأهداف روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران. تسلّط هذه الورقة البحثية بدلاً من ذلك، الضوء على موقع الحكومة السورية وهدفها الذي يعطي الأولوية لتوطيد سلطتها في المناطق التي تسيطر عليها، مع تبنّي خطاب يهدف إلى الوحدة والسلامة الإقليمية الكاملة. تعكس هذه الورقة من خلال استكشاف استراتيجية بشار الأسد في شمال سوريا ضد تركيا والأكراد، الآثار المحتملة على الاتحاد الأوروبي، وتقدّم مقترحات سياسية ملموسة لصانعي القرار في بروكسل. يضمن الوضع الاقتصادي المتدهور في سوريا على وجه الخصوص، حاجة الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم نظام العقوبات، مع الأخذ في الاعتبار المزيد من العقوبات المستهدَفة، ضد مرتكبيّ انتهاكات حقوق الإنسان مع التخفيف من معاناة المواطنين السوريين العاديين. بالإضافة إلى ذلك، تجادل هذه الورقة بأنه يجب على الاتحاد الأوروبي استخدام خبرته الاجتماعية والاقتصادية لزيادة ظهوره في عملية السلام في جنيف التي تقودها الأمم المتحدة أثناء الانخراط في محادثات ثنائية مع ثلاثية أستانا، لا سيّما في تقديم المساعدة الإنسانية.

المقدّمة

استضاف الاتحاد الأوروبي يومي 29 و30 آذار/مارس 2021 مؤتمره الخامس في بروكسل حول سوريا (Commission Press Release 2021). الهدف من هذا الحدث السنوي هو المساهمة في جهود بناء السلام للأمم المتحدة (UN) في الدولة التي مزّقتها الحرب. كما يسعى إلى حشد المانحين الدوليين لتقديم الدعم للسوريين الذين يعانون من أوضاع اقتصادية مزرية سواء داخل سوريا أو في الدول المجاورة المضيفة للاجئين. لم يلعب الاتحاد الأوروبي دوراً نشطاً في تشكيل التطوّرات على ساحة المعركة في سوريا. ومع ذلك، كان مؤتمر بروكسل أداة بالنسبة للاتحاد الأوروبي ليظل مهماً، لا سيّما فيما يتعلّق بتقديم المساعدات الإنسانية.

كما يعمل الاتحاد كمنصّة للحفاظ على التماسُك والوحدة بين دول الاتحاد الأوروبي بشأن الملف السوري، ومع ذلك لا تتوقع أي إفراج عن أموال إعادة الإعمار قبل تحقيق الانتقال السياسي بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم 2254 (Van Veen et.al 2021, 26).

من الأهمية بمكان قبل الحدث الخامس للاتحاد الأوروبي في بروكسل، التفكير في استراتيجيات الجهات الفاعلة الرئيسية التي تسيطر على الأراضي في سوريا، وهي الحكومة السورية وقوّات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب (YPG) وتركيا. سيكون التركيز في هذا التقرير البحثي، على خطّة لعبة الحكومة السورية في مواجهة تركيا وقوات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب في شمال سوريا. (قوّات سوريا الديمقراطية (قسد) تحالف تأسَّس خلال الأزمة السورية. ويقود التحالف عسكرياً وحدات حماية الشعب (YPG)، وأغلبها من الأكراد.) سيتم شرح موقع دمشق في السنة العاشرة للانتفاضة من خلال الاستفادة من المقابلات شبه المنظّمة التي أجريت مع الصحفيين والأكاديميين والخبراء الإقليميين المطلعين على التطوّرات على الأرض. ستختتم الورقة بتسليط الضوء على الآثار المترتبة على الاتحاد الأوروبي وتقديم مقترحات سياسية ملموسة لصانعي القرار في بروكسل. كما سيتم التعامل مع دور روسيا وإيران والولايات المتحدة في سياق علاقاتهم مع الجهات الفاعلة الرئيسية، فضلاً عن الدعم الذي يقدّمونه للحكومة السورية (روسيا وإيران) وقوّات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب (الولايات المتحدة).

نجحت دمشق حتى الآن في إعادة حكم نحو ثلثيّ سوريا. ومع ذلك، فإن القول بأن بشار الأسد قد انتصر بالفعل في الحرب من شأنه أن يقوّض الواقع المعقد والمريع الحالي على الأراضي السورية. لا تزال مجموعات المعارَضة على وجه الخصوص، تسيطر على أجزاء كبيرة من شمال سوريا، بما في ذلك وجود كبير لتركيا على الحدود السورية.
على الرغم من تطلعات الحكومة السورية وروسيا على المدى القصير والمتوسط للتقدم نحو الشمال والشمال الشرقي من أجل إعادة السيطرة على الطريق السريع M-4 الاستراتيجي في إدلب، ومنع المزيد من التوسع التركي، وإضعاف الإدارة التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي، فإن العديد من التحدّيات التي تعيق هذه الطموحات ستظل على الأرجح مجمّدة تقريباً على الأرض.

وفي الوقت نفسه، تؤثر الأزمات الاقتصادية المتفاقمة على البلاد وتحفز نزعات مثل التطرُّف والنزوح الجماعي والمزيد من عدم الاستقرار الإقليمي. قد توفر التطوُّرات التي يمكن أن تستمر في الامتداد إلى البرّ الأوروبي أيضاً، آفاقاً للسكان السوريين، ما لم يسعى الاتحاد الأوروبي إلى استراتيجية سورية بديلة. وهذا يتطلّب تعديلات فيما يتعلّق بموقفها من قضايا حلّ النزاعات والعقوبات وتقديم المساعدات الإنسانية. تُجادل هذه الورقة بأنه يجب على الاتحاد الأوروبي استخدام خبرته الاجتماعية والاقتصادية، لزيادة ظهوره في عملية السلام بين الأمم المتحدة وجنيف مع الانخراط بشكلٍ أكبر مع ثلاثية أستانا. يتعيّن على الاتحاد الأوروبي إعادة النظر في نظام العقوبات الخاصّ به، للتأكد من أن عقوباته لا تستهدف الشعب السوري العادي، ولكن دون إلحاق أي ضرر برجال الأعمال -الذين يستفيدون من اقتصاد الحرب من خلال احتكار السوق السورية واستغلال احتياجات الناس. أخيراً، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى المشاركة المتوازنة والحيادية مع جميع الأطراف المتصارعة، والتوسُّط فيما بينها لمنع أي عائق أمام تقديم المساعدة الإنسانية.

سيطرة الجيش السوري على الأراضي في الشمال

كان خُمس سوريا في ربيع 2013، بعد عامين من اندلاع الأزمة السورية، فقط تحت سيطرة الحكومة السورية (Balanche 2021). ومع ذلك، فإن الدعم العسكري الروسي بعد أيلول/سبتمبر 2015 قد وفر لدمشق القدرة على توسيع سيطرتها تدريجياً على الأراضي في البلاد. لعبت “الميليشيات الخاصة والمدعومة من الدولة والأجنبية” أيضاً دوراً رئيسياً في كسب الأراضي وحمايتها (Waters 2019). يسيطر الجيش السوري اعتباراً من عام 2021، على ما يقرب من ثلثي سوريا، بما في ذلك المدن المهمّة مثل “دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس ودرعا ودير الزور”، وبالمقابل هناك “12 مليون شخص في الخارج”. يُقدّر عدد السكان المقيمين بنحو 17 مليون “(Balanche 2021).

في غضون ذلك، تؤكّد الحكومة السورية في الخطاب الرسمي عزمها على تحرير كامل الأراضي السورية (Aji 2019). لكن الوجود التركي في غرب نهر الفرات، وكذلك بين بلدتيّ رأس العين وتل أبيض من جهة، وسيطرة قوّات سوريا الديمقراطية على مناطق شمال شرقيّ سوريا من جهة أخرى، يعيق طموحات الحكومة السورية. ظلّت الخطوط الأمامية على حالها تقريباً منذ آذار/مارس 2020، وفي الوقت الحالي، لا يبدو أن أيّ جانب متعارِض مستعد لتغيير هذا على المدى القصير. لكن من المرجّح على المدى المتوسّط ​​والطويل، أن يسعى الجيش السوري إلى التحرُّك شمالًا في محافظة إدلب، من أجل تأمين السيطرة على طول مقطع اللاذقية -حلب من الطريق السريع M-4. ولتحقيق ذلك يحتاج إلى دعم روسي كامل يعتمد على علاقات روسيا مع تركيا. ومن المحتمل أيضاً أن دمشق تنتظر أو تتمنّى فشل سياسة تركيا الخارجية المتزايدة الحزم والعسكرة في مرحلة ما، الأمر الذي قد يؤدّي إلى تقليص قدرة تركيا المالية واللوجستية على دعم المعارضة السورية.
على الرغم من حكمها لثلثي البلاد، فإن الحكومة السورية “تسيطر على 15 بالمائة فقط من الحدود البرية الدولية للبلاد” (Balanche 2021).

تسيطر تركيا والجماعات المسلحة المدعومة من تركيا، هيئة تحرير الشام وقوّات سوريا الديمقراطية على عدة معابر حدودية في شمال سوريا، على حساب خطط بشار الأسد لاستعادة السيادة الكاملة على بلاده (Balanche 2021). من المرجّح حتى على المدى الطويل، أن تظلّ المناطق الحدودية المباشرة في إدلب وعفرين وعزاز وجرابلس وتل أبيض ورأس العين تحت السيطرة التركية (بشكلٍ مباشر أو غير مباشر من خلال الدعم/العلاقات مع الجيش الوطني السوري “الجيش الوطني السوري (SNA) هو تحالف لجماعات المعارضة المسلحة المدعومة من تركيا.” وهيئة تحرير الشام). تفتقر الحكومة السورية إلى القوّة العسكرية أو السياسية لإعادة السيطرة على المعابر الحدودية في هذه المناطق. من ناحية أخرى، أقامت روسيا علاقة متوازنة مع تركيا، ومن غير المرجّح أن تتخذ خطوة لمواجهة تركيا التي نَشرت آلاف الجنود في المناطق التي تسيطر عليها.

من المرجّح أن تستمر الاتفاقات التركية الروسية في المناطق التي تسيطر عليها قوّات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي، في تفضيل الدوريات المشتركة من قبل الطرفين، في محاولة لإبعاد قوّات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب عن الحدود التركية السورية المباشرة. تم الاتفاق على ذلك بين أنقرة وموسكو بعد العملية العسكرية التركية في تشرين الأول/أكتوبر 2019، والتي استهدفت المنطقة الواقعة بين تل أبيض ورأس العين. ونُشِرَتْ منذ ذلك الحين، القوّات الروسية لتأمين مناطق الاتصال بين الجيش التركي و”الجيش الوطني السوري” من جهة وقوّات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب من جهة أخرى في شمال شرق سوريا. كما طُلب من الجيش السوري “الحكومي” إرسال بضع مئات من القوّات إلى الحدود، لكن وجودهم في الوقت الحالي محدود ورمزي في الغالب (Balanche 2021). قد يدفع الروس في المستقبل، لنشر المزيد من قوّات الحكومة السورية -ليس تطوّراً غير مواتٍ تماماً لتركيا التي تفضّل حكم الحكومة السورية على حدودها، بدلاً من حكم قوّات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب، لأنها تَعتبر وحدات حماية الشعب كفرع من حزب العمال الكردستاني ولا تقبل بالحكم الذاتي الكردي عبر حدودها.

مواجهة تركيا في شمال غرب سوريا

تُعتبر الرسائل الأسبوعية التي يقدّمها المندوب الدائم للجمهورية العربية السورية إلى مجلس الأمن الدولي، من المصادر الجيّدة لمعرفة موقف الحكومة السورية الرسمية من تصرُّفات تركيا في سوريا. وتطالب الحكومة السورية في هذه الرسائل مجلس الأمن بتحمُّل مسؤوليته في “إنهاء الوجود غير الشرعي لتركيا” على الأراضي السورية ((Identical letter on 12 January 2021). تتجنّب الحكومة السورية توجيه اتهامات مباشرة للجمهورية التركية أو الشعب التركي. تُلقي باللوم بدلاً من ذلك، على ما تسميه “نظام أردوغان” أو “النظام التركي”، مكرِّرة التسمية التي استخدمتها تركيا لتعريف حكم الأسد في سوريا على أنه “النظام السوري” أو “نظام الأسد” ((Identical letter on 12 January 2021). تشير الرسائل المتطابقة إلى أجندة تركيا التوسُّعية، والتي تتجلّى بحسب الحكومة السورية في الممارسات التالية: “إجبار المواطنين السوريين على الحصول على بطاقات الهوية التركية، إجبار المزارعين على بيع محاصيلهم للتجار الأتراك، فرض المنهاج التركي في المدارس. واتباع سياسة التهجير القسري والتغيير الديموغرافي والتتريك”(Identical letter on 12 January 2021).

(Read more)  الامارات وبداية إعادة التموضع في الشرق الاوسط وليس اليمن فقط

بالإضافة إلى ذلك، تشير الرسائل المتطابقة إلى هدف الحكومة السورية إنهاء الوجود العسكري التركي في شمال غرب سوريا (Identical letter on 02 January 2020). تمكّن الجيش السوري وبدعم عسكري روسي وإيراني مكثف، من استعادة السيطرة على طول الطريق السريع M-5 الذي يربط دمشق بحلب. لا تريد تركيا تكرار سيناريو M-5 على طول الطريق السريع M-4 في محافظة إدلب، ونشرت ما بين 10000 إلى 15000 جندي، في محاولة لردع أيّ هجوم للجيش السوري في هذه المنطقة (Kardaş 2020, 118). ومع ذلك، تفتقر الحكومة السورية إلى القوّة العسكرية لتغيير وضع الصراع الحالي المجمَّد في إدلب.

أدّى وجود الجماعات المتطرّفة في إدلب -حراس الدين، والحزب الإسلامي التركستاني، وتحرير الشام، وآخرون -إلى خطوة (قانونية) لتركيا في المنطقة كجزء من اتفاقية سوتشي في 2018. على الرغم من أن هذا الاتفاق، وفقاً للحكومة السورية، محدَّد زمنياً، وأن قتال تركيا ضد هذه الجماعات المتطرّفة ظلّ غير ناجح، يبدو أن الوجود التركي في إدلب صارماً، ويكمله العدد الهائل من النازحين داخلياً على الحدود التركية. لا تريد تركيا تدفق لاجئين جُدد إلى حدودها، وترغب في الحفاظ على إدلب كمنطقة آمنة بحكم الأمر الواقع يمكنها الاستمرار في إيواء ما يقرب من 3 ملايين سوري. وهذا يترك الحكومة السورية معطّلة لأن تطبيق اتفاقات المصالحة الخاصّة بها سيكون أكثر صعوبة في هذه المنطقة.

شنَّ الجيش السوري والمليشيات المساندة له عند استرجاع الأراضي المفقودة بين 2016 وشباط/فبراير 2020، هجمات وسيطر على بعض الأراضي، وتوسّطت روسيا في تهدئة التصعيد مع مجموعات المعارضة المسلحة وتركيا، واستأنفت نفس الدورة من خلال مواصلة عملياتهم العسكرية (Medina 2020). ومع ذلك، أصبحت إدلب “سوريا صغيرة بدون الأسد” ولا يوجد لدى غالبية السكان مكان آخر يذهبون إليه (Gjevori 2020). تحتاج سوريا إلى دعم روسي وإيراني لتمكين مكاسب إقليمية جديدة، وفي مرحلة ما، قد يعقد ثلاثي أستانا (روسيا وإيران وتركيا) صفقة للسماح للجيش السوري بالاستيلاء على أجزاء من طريق M-4 السريع في إدلب (Medina 2020). قد يمهّد هذا الطريق لحدوث ما يسميه Balanche وضع “غزة الجديد”، وهو ما يقلّل من وجود المعارضة إلى 1000 كيلومتر مربع، على مقربة من الحدود التركية السورية شمال مركز مدينة إدلب (Balanche 2020). ومع ذلك، هذا ليس سيناريو محتمَل على المدى القصير. في الوقت الحالي، لا يبدو من المعقول أن تغيّر الحكومة السورية الوضع الراهن القائم في المنطقة. وكما تجادل هيديا ليفينت: “سوريا لم تربح الحرب مع تركيا وتركيا لم تربح الحرب مع سوريا (..) سوريا تريد تركيا أن تغادر إدلب دون أن تأخذ أي شيء، لكن تركيا لا تريد أن تفعل ذلك، وإلى جانب ذلك فإن تركيا لديها بعض المزايا بأيديها، ولا يمكن لدمشق ولا روسيا ولا إيران تجاهل هذه المزايا (..)تؤسّس تركيا في مناطق عملياتها الخاضعة للرقابة، إدارة جديدة بين التعليم في المدارس، والعلاقات الاقتصادية، وكذلك في السوق، والناس يستخدمون الليرة التركية، لذلك لا تريد تركيا ترك كل تلك الاستثمارات ورائها دون أخذ أي شيء (..) لذلك، سنشهد رغم ذلك مفاوضات، وربما نشهد بعض الاشتباكات المحدودة على الأرض، لكنني أعتقد لا تركيا أو روسيا أو دمشق تعرف ما سيحدث غداً “.

من المشاكل الكبيرة التي تعرقل قدرة الحكومة السورية على شنّ هجمات إضافية في إدلب أو في أيّ مكان آخر في شمال سوريا هي الظروف الاقتصادية السيئة في البلاد. يعاني الناس من نقص الخبز والوقود والمجاعة خطر كبير على الملايين (Lister 2021). في عام 2019، كان 83 في المائة من السوريين يعيشون بالفعل تحت خط الفقر، ومع التضخُّم الحالي الذي يضرب البلاد، لن تنخفض هذه النسبة في أي وقت قريب (Tsurkov 2021 a). فقد ارتفعت الأسعار كما أشار برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، بنسبة 247 بالمائة في سوريا، بينما تشير إليزابيث تسوركوف إلى أن العملة وصلت إلى أدنى مستوياتها بمتوسط ​​قيمة 4000 ليرة سورية مقابل دولار واحد وقت كتابة هذا التقرير (Tsurkov 2021 b). بالإضافة إلى ذلك، لا يزال خطر تنظيم الدولة الإسلامية المتجدّد في وسط وجنوب سوريا يلحق إصابات بالجيش السوري (Waters 2020). ولا يقل أهمية عن ذلك، لا يمكن للحكومة السورية الاعتماد بشكلٍ كامل على روسيا في تمكين جيشها من استعادة “كل شبر من سوريا”، بالنظر إلى وجهة النظر الروسية بشأن الوجود العسكري التركي على الأراضي السورية (Aji 2019).

لا يبدو أن روسيا تبدي اهتماماً كاملاً بطرد تركيا من سوريا في الوقت الحالي. كما يؤكّد دريس ليساج: “تسامَحت روسيا مع بعض تدخّلات الأسد في إدلب لكنها محدودة. تسمح روسيا بالوجود التركي في الوقت الحالي (..) تلعب روسيا لعبة أكبر بكثير على نطاق عالمي حيث يكون هذا النوع من التفاهم الفعلي، ناهيك عن التحالف، مع تركيا ثميناً بالنسبة لروسيا (..) من الناحية الجيوسياسية، لإضعاف الناتو والكتلة الغربية”.

يتبع بيركاي مانديراسي وأويتون أورهان هذا البيان بالقول إنه في إدلب، تمَّ التوصُّل إلى توازن قوى جديد على الأرض. ويؤكّدان أن كلاً من تركيا وسوريا عانتا، ولا سيّما أنّ الجيش السوري غير قادر على شنّ هجوم عسكري جديد، ما لم تكن روسيا على استعداد، لكن روسيا وتركيا لديهما علاقات متبادلة مثل قضايا الطاقة والتجارة الثنائية.
لذلك، يمكننا القول أنه، في الوقت الحالي، لا أحد ينوي صداماً جديداً في إدلب، قبل التوصُّل إلى حلٍّ سياسي، لا سيّما فيما يتعلّق بالنازحين داخلياً. كما يؤكد حمزة هاسيل، مساعد أبحاث بلاد الشام في ORSAM: “يحتاجون أولاً إلى رسم خريطة لما سيكون مستقبل سوريا وما سيكون الحلّ السياسي (..) بعد هذا قد تشنّ روسيا والجيش السوري هجوم عسكري جديد ضد الجماعات المتطرّفة في إدلب”.
تظلّ المصالحة الدبلوماسية المباشرة بين هذين البلدين على المدى القصير إلى المتوسط، فيما يتعلّق بالعلاقات التركية السورية الأوسع، غير مرجّحة. كما يُجادل فرحات غوريني: “أنت بحاجة إلى طبيعة أكثر حسماً على الأرض قبل أن تصل إلى النقطة التي قد تتحدّث فيها تركيا وسوريا مع بعضهما البعض”.
بالإضافة إلى ذلك، كما يؤكّد أويتون أورهان، فإن النازحين السوريين الذين يعيشون في إدلب ومناطق العمليات التركية الأخرى في شمال سوريا معادون للأسد بشدّة، وبالتالي، إذا تعاملت تركيا بشكلٍ مباشر مع الحكومة السورية، فإن ذلك سيخلق مشاكل أخرى لتركيا، الأمر الذي يضرّ بالصورة التي يقدّمها أردوغان لنفسه على أنه “منقذ السوريين”. ومع ذلك، يشير إنجين يوكسل إلى بعض المحادثات عبر القنوات الخلفية بين ضباط المخابرات، بما في ذلك اجتماع موسكو بين رئيسي جهازي المخابرات التركية والسورية في كانون الثاني/يناير) 2020. هنا، ورد أن الحكومة السورية تطالب “باعتراف تركيا بوحدة أراضي سوريا، وانسحاب القوات التركية ووكلائها من سوريا، والقضاء على العناصر المتطرّفة في إدلب لفتح الطريقين السريعين M-4 وM-5” (Erdemir and Knippen 2020). من المرجّح أن تظلّ الحركة الدبلوماسية بين أنقرة ودمشق في المستقبل القريب، سرية، وتشمل أجهزة الاستخبارات بدلاً من ممثلين من وزارات الخارجية.

العلاقات مع قوات سوريا الديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب
تسعى قوّات سوريا الديمقراطية والجماعة الرئيسية المهيمنة في التحالف -حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وجناحه المسلح (وحدات حماية الشعب) – في شمال شرق سوريا، إلى الحفاظ على المكاسب التي تحققت خلال الحرب الأهلية والسعي إلى استمرارها من خلال نموذج الحكم في “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES)”. ولتحقيق ذلك، يحتاج حزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب، إلى ضمان استمرار وحتى تمديد الدعم السياسي والعسكري الأمريكي، مع موازنة المطالب القادمة من روسيا من أجل التسوية مع الحكومة السورية. تعتمد الجماعة أيضاً على روسيا والولايات المتحدة لتجنّب أي هجمات مستقبلية من تركيا والميليشيات التي تعمل بالوكالة عنها.
بالنسبة لدمشق، كان العدو الرئيسي في الصراع المستمر منذ عقد من الزمن هو الجيش السوري الحر وغيره من الجماعات الثورية أو الدينية أو المتطرّفة التي تدّعي الانتماء إلى الإسلام. وباستثناء بعض الاشتباكات العرضية في مدينتي القامشلي والحسكة، لم يواجه الجيش السوري عسكريا PYD / YPG. لم يمتنع الطرفان عن التعاون في شمال حلب وشمال شرق سوريا، بدعم وتسهيل في الغالب من قبل روسيا، من أجل إحباط التهديد العسكري الذي تشكّله تركيا والميليشيات التابعة لها. ومع ذلك، تستخدم كل من روسيا والحكومة السورية الاستعدادات والأنشطة العسكرية التركية كوسيلة لإقناع وحدات حماية الشعب بالتنازل عن المزيد من الأراضي لسيطرة الجيش السوري، كما اتضح في الهجمات التركية الأخيرة على محيط عين عيسى في أواخر عام 2020 وأوائل عام 2021.
مع شعور بشار الأسد بثقة أكبر نتيجة المكاسب الإقليمية بين عامي 2016 و2020، أصبحت الحكومة السورية أكثر حزماً في مطالبها من حزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب والتي يمكن تلخيصها في خمس نقاط. أولاً، لا تعترف الحكومة السورية رسمياً بالإدارة الذاتية التي أقامتها قوات سوريا الديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور (Hatahet 2019, 2). ثانياً، تعارِض دمشق أيّ حل فيدرالي للصراع السوري، خلافاً لما تتصوّره قوات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب (Mansour 2019). ثالثاً، في سوريا المستقبلية، قد تكون الحكومة المركزية على استعداد لمنح حزب الاتحاد الديمقراطي نوعًا من السلطة في الحكم المحلي، لكن هذا يُنظر إليه بشكل أساسي في الحقوق الثقافية والتعليمية بدلاً من الحقوق السياسية (Deli 2020). رابعاً، تطالب دمشق حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بإنهاء تعاونه مع ما تسمّيه “القوات الأمريكية المحتلة” (Identical letter on 16 September 2020).
أخيراً، تريد الحكومة السورية دمج وحدات حماية الشعب في الجيش السوري (Van Wilgenburg 2020). قد يدفع التهديد التركي حزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب للتنازل أكثر لمطالب الحكومة في دمشق. ومع ذلك، فإن الظروف الاقتصادية المتدهورة تقوّي يد حزب الاتحاد الديمقراطي، حيث إن المنطقة التي يسيطرون عليها في شمال شرق سوريا غنية بالموارد الزراعية وتضم حقولاً نفطية رئيسية. (Van Wilgenburg 2020). علاوة على ذلك، يدرك حزب الاتحاد الديمقراطي أن الجيش السوري عانى الكثير خلال الحرب الأهلية وأن هجمات داعش الناشئة لا تزال تتسبّب في سقوط ضحايا في وسط وشرق سوريا. كما أن لحزب الاتحاد الديمقراطي وجوداً راسخاً في بعض المدن مثل القامشلي والحسكة.
تمكّنت قوات الأمن الداخلي التابعة لها، الأسايش، في هذه المدن، من فرض حصار على الساحات الأمنية الحكومية مؤخراً في كانون الثاني/يناير 2021 (SYRIAHR 2021). جاء ذلك رداً على منع دمشق إيصال المساعدات للأكراد الذين يعيشون في تل رفعت والأحياء الكردية في حلب (Van Wilgenburg 2021). لكن في الصورة الكبيرة، قد تؤدّي المصالح المتقاربة لتركيا وسوريا في عرقلة تشكيل كيان كردي مستقل في شمال سوريا، إلى زيادة التوترات بين الحكومة السورية وحزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب.
يؤكّد هاسيل Hasil فيما يتعلّق بهذا الموضوع، أنه على المدى الطويل، ليس من غير الواقعي أن نرى أن الحكومة السورية ستستعيد وتحكُم المزيد من الأراضي في شمال سوريا على طول الحدود التركية. ويؤكد: “هذه الفكرة واقعية دائماً لأن تركيا تدعم أيضاً وحدة سوريا (..) تركيا لا تريد تفكيك سوريا لأن التهديد الرئيسي في سوريا بالنسبة لتركيا هو وحدات حماية الشعب”. يضيف فريديريك جيردينك: “بالطبع الأسد وأردوغان ليسا صديقين رسمياً، لكنني أعتقد أنهما لهما نفس الهدف، مثل الأكراد لا يمكنهم الحصول على الحكم الذاتي، لذلك إذا كان الأسد هو الذي سيطر على المناطق الكردية مرّة أخرى، فمن المحتمَل أن يكون خير لأردوغان أيضًاً، طالما أن الأكراد مقموعون ولا يبنون أي حكم ذاتي”. في الواقع، يعني هذا أن تركيا قد توقف قصفها العرَضي لمدن مثل منبج وتل رفعت وعين العرب وتل تمر، إذا زاد الجيش السوري تدريجياً من سيطرته في هذه المناطق بدعم من روسيا وإيران.

(Read more)  الصراع التركي اليوناني في شرق المتوسط ودور الأطراف الإقليمية

نحو الوضع الراهن
تنطوي استراتيجية الحكومة السورية بشكلٍ عام، على طموح لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: استعادة سيطرتها على الأراضي في البلد بأكمله. إفراغ أكبر عدد ممكن من المعارضين، والقضاء على إمكانية المعارضة المسلحة أو مكافحة التمرُّد ضد حكمها (Balanche 2019). ومع ذلك، فمن غير المرجّح أن تعيد دمشق حكم الأراضي السورية بأكملها، ربما، حتى على المدى الطويل. ربما ما زلنا نشهد بعض التحوُّلات على الأرض، لكن الحكومة السورية تفتقر إلى القوّة العسكرية والسياسية لتغيير الوضع الراهن في باقي مناطق المعارضة في شمال سوريا، مع الأخذ في الاعتبار على وجه الخصوص الدعم العسكري التركي القوي للمعارضة.
من المحتمَل جداً أن تحدّد الدول الثلاثة المكوَّنة من روسيا وإيران وتركيا إلى أي مدى ستتمكّن دمشق من استعادة المزيد من الأراضي في إدلب. قد تتحرّك في مرحلة ما، قوّات الجيش السوري إلى الشمال، من أجل تأمين المصالح الاقتصادية على طول الطريق السريع M-4. ومع ذلك، من المرجّح أن تحتاج دمشق في المناطق الأخرى التي تسيطر عليها تركيا، إلى قبول الوضع الراهن مع الجيش التركي.
ستحدّد استراتيجية التوازن لقوّات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب في الشمال الشرقي، بين روسيا والولايات المتحدة على الأرجح، إلى أي مدى ستتمكّن الحكومة السورية من استعادة مناطق إضافية. يمكن للأكراد والحكومة السورية بوساطة روسية، تحقيق التوازن بين مطالبهم بالحكم الذاتي من جهة، وسلامة الأراضي والسيادة من جهة أخرى، ولكن حتى الآن فشلت جميع المبادرات الروسية. ومع ذلك، فإن حلّ ودمج قوات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب في الجيش السوري أمر غير مرجّح، لأن قوات سوريا الديمقراطية (SDF) تريد فقط الاندماج في الجيش السوري بشرط أن تحافظ على وضعها الخاص (Van Wilgenburg 2020). لن تكون قوات سوريا الديمقراطية / وحدات حماية الشعب خاصة مع بقاء حزب الاتحاد الديمقراطي أقوى صانع قرار سياسي داخل الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، حريصة على الاندماج في الجيش السوري، ما لم يتمتع الأكراد بدرجة معيّنة من الحكم الذاتي ويتم الاعتراف بهم على أنهم كيانات عرقية متميزة. كما أكّد فريديريك جيرينك “إنهم يتصوّرون أنفسهم كجزء من سوريا، لكن هدفهم هو تقويض هيكل الدولة، وإذا تمكّنوا من تحطيم الهياكل المركزية، فهذه هي سوريا التي يريدون الاستثمار فيها، وهذا ما ستخدِمه قوات دفاعهم”.
من المتوقع أن يكون الحد الأقصى الذي ستكون الحكومة السورية على استعداد لتقديمه للأكراد هو “نموذج القامشلي”، والذي يوفر للأكراد وسيلة لممارسة شكل من أشكال الحكم المحلي، بينما يظلّون تحت سلطة الحكومة المركزية في دمشق. قد يؤدّي ذلك إلى تحسين الحقوق الثقافية والتعليمية والاقتصادية للأكراد دون إدخال تغييرات جوهرية على الحقوق السياسية، كما أشار الأسد كخطوة مستقبلية محتمَلة (Deli 2020). بعبارة أخرى، يمكن أن يكتسب الأكراد بعض القوّة على عملية صنع القرار المحلي، لكن تحقيق الظروف التي تعترف فيها دمشق حقاً بالوجود القومي للأكراد كمجموعة عرقية مميَّزة أمر غير محتمَل إلى حدٍ ما وهو الأمر الذي يسعى الأكراد جاهدين لتحقيقه بعد سنوات من التهميش من دمشق.

استنتاجات وتداعيات بالنسبة للاتحاد الأوروبي
من المرجّح مع دخول الانتفاضة السورية والحرب الأهلية التي تلت ذلك عامها العاشر في عام 2021، أن يبقى بشار الأسد في السلطة، ليحكم ما يسميه “مجتمعاً أكثر صحة وتجانساً” (Hubbard 2017). كما أنه من المرجّح أن تستمر السيطرة الإقليمية لتركيا ووكلائها المسلحين من جهة، وقوّات سوريا الديمقراطية/حزب الاتحاد الديمقراطي من جهة أخرى، مع بعض التحوُّلات المحتمَلة على الأرض.
ستحاول الحكومة السورية وروسيا على الأرجح في تصميمها على إعادة السيطرة على جميع الأراضي السورية، التوسُّط في صفقة مع ثلاثي أستانا للتقدُّم شمالاً من خلال إعادة السيطرة على قسم اللاذقية -حلب من الطريق السريع M-4. بالإضافة إلى ذلك، ستصرّ دمشق في النهاية على رؤية القوّات التركية تغادر الأراضي السورية، ومع ذلك، من غير المتوقع أن يتغيّر الوضع الراهن بعد الاتفاق التركي الروسي في آذار/مارس 2020 على المدى القصير إلى المتوسّط. علاوة على ذلك، من المرجّح أن تؤدّي العلاقة الجيوسياسية بين تركيا وروسيا إلى ترسيخ حالة الصراع المجمّدة المتوقعة في شمال سوريا بالكامل -على المدى القصير على الأقلّ.
ستسعى روسيا في غضون ذلك، وبالتنسيق مع تركيا، إلى إبعاد قوّات سوريا الديمقراطية عن الحدود التركية السورية، مع زيادة وجود الجيش السوري. بالإضافة إلى ذلك، من المرجَّح أن تستمر روسيا في استغلال الوجود التركي في الشمال الشرقي، للضغط من أجل الحصول على تنازلات من الإدارة التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي في الشمال الشرقي. من المرجَّح أن تتبنّى دمشق في هذه العملية، موقفاً صارماً إلى حدٍ ما -يمكن للأكراد أن يكتسبوا بعض القوّة على عملية صنع القرار المحلية، وبعض التحسن في الحقوق الثقافية والاقتصادية ولكن تحقيق الظروف التي تعترف فيها دمشق حقاً بالوجود القومي للأكراد كمجموعة عرقية مميَّزة، هو بالأحرى غير محتمَل.
حتى الآن يرفض الاتحاد الأوروبي التحدُّث مع الحكومة السورية، ولا يريد الاستثمار في إعادة الإعمار حتى يتم بدء الانتقال السياسي. لا يمكن للاتحاد الأوروبي كما يذكر الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ونائب رئيس المفوضية، جوزيب بوريل، أن يبدأ الحديث عن التطبيع مع دمشق إلا بعد أن “تغيّر الحكومة السورية سلوكها، وتوقف القمع ضد شعبها والمشاركة في العملية السياسية “(European Commission 2020). الدافع الرئيسي للموقف الصارم للاتحاد الأوروبي هو فكرة، أن تمويل إعادة الإعمار لن يكون فعّالاً لأنه من شأنه أن يزيل الشرعية عن السياسات الحالية للحكومة السورية كما هي الآن (International Crisis Group 2019). في غضون ذلك، اختار الاتحاد الأوروبي الضغط على دمشق من خلال فرض عقوبات على البلاد، الأمر الذي يجعل الحياة اليومية بشكلٍ خاصّ أكثر صعوبة بالنسبة للسوريين الذين يعيشون في ظل حكم الحكومة. على الرغم من تصريح بوريل بأن هذه العقوبات لا تستهدف المساعدات الإنسانية أو الإمدادات الطبية، تفيد التقارير أن أكثر من 80 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر (European Commission 2020 and Tsurkov 2021). إلى جانب عدم الاستقرار العسكري، يتطلّب هذا الواقع من الاتحاد الأوروبي، السّعي لاستراتيجية سورية بديلة قد توفر آفاقاً للسكان السوريين.
تم تبنّي أحدث استراتيجية للاتحاد الأوروبي بشأن سوريا في عام 2017 وحدّدت ستة أهداف رئيسية لتحقيقها: “إنهاء الحرب من خلال انتقال سياسي حقيقي، تعزيز انتقال هادف وشامل في سوريا، إنقاذ الأرواح من خلال تلبية الاحتياجات الإنسانية للسوريين الأكثر ضعفاً، تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير، تعزيز المساءلة عن جرائم الحرب، ودعم صمود الشعب السوري والمجتمع السوري “(European Council 2020). تضمَّنت الإجراءات السياسية للاتحاد الأوروبي وفقاً لهذه الأهداف الاستراتيجية، عقوبات مستهدفة أفراد وكيانات مختارة، دعم عملية جنيف التي تقودها الأمم المتحدة والتي تهدف إلى إيجاد حل سلمي، وتقديم المساعدة الإنسانية للشعب السوري داخل البلاد وخارجها في البلدان المجاورة (Van Veen et.al 2021, 24).
يظلّ الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي، على الرغم من التغييرات في ساحة المعركة وظهور موقف لصالح حكم الأسد في المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان في وسَط وغرب البلاد، هو إعطاء الأولوية للتغيير السياسي بما يتماشى مع اللغة المعتمَدة في “بيان جنيف” من حزيران/يونيو 2012 (Van Veen et.al 2021, 26). تنصّ وثيقة الأمم المتحدة هذه على أن الشعب السوري يجب أن يقرّر مستقبل بلده ويدعو إلى إنشاء “هيئة حكم انتقالية تمارس سلطات تنفيذية كاملة”، بما في ذلك الأشخاص الذين يمثلون المجتمع السوري بأكمله (UNSC 2012). كما ربط الاتحاد الأوروبي مشاركته في إعادة إعمار سوريا بتحقيق الانتقال السياسي (Asseburg 2020).
من غير المرجَّح أن يَحدث انتقال سياسي على النحو المتوخّى في “بيان جنيف” لعام 2012 وأعاد التأكيد عليه من قبل الاتحاد الأوروبي في وثيقة استراتيجيته لعام 2017 في كل سوريا. وهذا يتطلّب إعادة تقييم للاستراتيجية جنباً إلى جنب مع الخطوط الحمراء الحالية للاتحاد الأوروبي في سوريا، “لا تطبيع مع النظام. لا نخاطر بتحويل تمويلنا إلى النظام أو للإرهابيين، ولا إعادة إعمار قبل أن تبدأ العملية السياسية بحزم “(Borrell 2020). من المرجّح أن يؤدّي التعامل المباشَر مع الحكومة في دمشق على مستوى الاتحاد الأوروبي إلى الكثير من الجدل داخل الاتحاد وبين مؤيّدي المعارضة السورية. ومع ذلك، فقد حان الوقت لأن يقوم الاتحاد الأوروبي ببعض التعديلات فيما يتعلّق بموقفه من قضايا حلّ النزاعات والعقوبات وتقديم المساعدات الإنسانية، لأنه ما لم يتصرّف الاتحاد الأوروبي بشكل أكثر حزماً في هذه المجالات الثلاثة، فإن الأزمة الإنسانية الاقتصادية المتفاقمة ستميّز البلاد، وهو ما يؤدّي إلى المزيد من اللاجئين والتطرُّف والمزيد من عدم الاستقرار الإقليمي.
أولاً، يجب على الاتحاد الأوروبي زيادة ظهوره في عملية جنيف التي تقودها الأمم المتحدة، مع الانخراط في محادثات ثنائية مع الجهات الفاعلة في أستانا. حتى الآن، فقدَ الاتحاد الأوروبي فرصة لعب دور في محاولات صنع السلام، حيث استُبعِدَ من محادثات أستانا للسلام وظلّ في الظل في عملية جنيف التي تقودها الأمم المتحدة. أصبح البُعد العسكري للصراع السوري في عامه العاشر، قابلاً للتفاوض إلى حدٍ ما بين ثلاثي أستانا المكوَّن من روسيا وإيران وتركيا. ومع ذلك، كما تؤكّد كارميت فالنسي، فإن انخفاض حدّة الصراع العنيف في سوريا “قد كشف الوجه الجديد للحرب السورية في شكل أزمة اجتماعية واقتصادية عميقة” (Middle East Institute 2021)، التي تعتبر منصّة أستانا غير مجهّزة للتعامل معها.
استمرار الفساد وسوء الإدارة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، والانخفاض العام في قيمة عملتها، وانعدام الازدهار الاجتماعي والاقتصادي، وفرض حظر داخلي على المساعدات من قبل دمشق، فضلاً عن التهديد بحدوث وضع إنساني أكثر صعوبة في إدلب، في حالة المزيد من عمليات الجيش السوري، يجب أن يستلزم الاتحاد الأوروبي إبراز خبرته في البعد الاجتماعي والاقتصادي والسعي إلى محادثات ثنائية مع روسيا وإيران وتركيا. ومع ذلك، يدرك مؤلفو هذه الورقة أن الملف السوري لا يهيمن على العلاقات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي والثلاثي. في المقابل، تم الاستيلاء على المحادثات بنبرة معادية -كان آخرها في شباط/فبراير 2021، وصف وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الاتحاد الأوروبي بأنه “شريك غير موثوق به” (Herszenhorn and Barigazzi 2021) –وهو ما يقوّض النهج البنائي الذي تحتاجه سوريا. لذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي التفكير في كيفية إعادة إنشاء علاقة أكثر توازناً تستند إلى فرص التعاون فيما يتعلّق بالأزمة السورية.
وينطبق الشيء نفسه على محادثات جنيف التي تعطي الأولوية حالياً لكتابة دستور سوري جديد. أعرب مبعوث الأمم المتحدة الخاصّ لسوريا، غير و. بيدرسن في الآونة الأخيرة، عن “الحاجة إلى دبلوماسية دولية بنّاءة” في سد الفجوات بين أطراف النزاع (OSES 2021). لا يساعد الموقف الحالي للاتحاد الأوروبي، وعلى المستوى المؤسّسي، يجب على الاتحاد الأوروبي التفكير في كيفية لعب دور أكثر بروزاً في جنيف، وما إذا كان ينبغي أو يمكنه إنشاء بعض القنوات الأخرى التي يمكن أن تدعم صنع السلام في سوريا.
ثانياً، عقوبات الاتحاد الأوروبي الحالية سارية حتى 1 حزيران/يونيو 2021 ويحتاج الاتحاد الأوروبي قبل التمديد التلقائي للإجراءات التقييدية، إلى التأكد من أن عقوباته لا تستهدف الشعب السوري، ولكن دون إلحاق أي ضرر برجال الأعمال -الذين يستفيدون من اقتصاد الحرب من خلال احتكار السوق السوري واستغلال حاجات الناس. من المحتمل أن يسعى الاتحاد الأوروبي إلى التوافق مع إدارة بايدن. ومع ذلك، لم يلعب نظام العقوبات أي دور إيجابي في إحلال السلام في سوريا. والأسوأ من ذلك، فقد أدّى إلى تفاقم حياة عامة الشعب السوري، حيث يعيش حوالي 80 بالمائة منهم الآن في فقر (UN News 2021). بالإضافة إلى ذلك، تضرّ العقوبات بمصداقية الغرب في المجتمع السوري، وتؤيّد دعاية دمشق بأن “الوضع الحالي كان نتيجة” مؤامرة غربية “على دولتهم” (Salman and Zahid 2014).
أخيراً، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى المشاركة المتوازنة والحيادية مع جميع الأطراف الثلاثة الرئيسية المتصارِعة (مع هيئة تحرير الشام من خلال مساعدة تركيا)، والتوسُّط فيما بينها لمنع أي إعاقة لتقديم المساعدة الإنسانية. تسيطر دمشق على الصعيد الإقليمي، على غالبية سوريا، ولكن على طول الحدود في الشمال والشرق، فإن وصولها محدود. وفقاً لذلك، يحتاج الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، إلى ضمان حصول المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية على الدعم المؤسّسي الذي تحتاجه عند التعامل مع جهات فاعلة متعدّدة تتحكّم في المعابر الحدودية.
لا يمكنهم السّماح للحكومة السورية أو روسيا بتركيز المساعدات الإنسانية في دمشق. ومع ذلك، قد يتطلّب هذا نوعاً من المسَاومة على العقوبات. لذلك، يتعيّن على الاتحاد الأوروبي إعادة النظر في نظام العقوبات الخاصّ به، بينما يكون مستعدّاً للتحدُّث مع جميع الجهات الفاعلة ذات الصّلة في حلّ النزاع في سوريا.

(Read more)  قراءة في الانتخابات الإسرائيلية وتداعياتها

المراجع
Adleh, F. and Favier, A (2017). “Local Reconciliation Agreements in Syria: A non-starter for Peacebuilding”. European University Institute RSCAS/Middle East Directions 2017/1
Aji, Albert (2019). “Assad vows to ‘liberate every inch of Syria’ from foreign troops”. Military Times 17 February 2019
Asseburg, Muriel (2020). Reconstruction in Syria. SWP Research Paper July 2020
Balanche, Fabrice (2019). “A Humanitarian Time Bomb in Idlib”. The Washington Institute for Near East Policy. Policy Watch 3147
Balanche, F. (2020). “Idlib May Become the Next Gaza Strip”. The Washington Institute for Near East Policy. Policy Watch 3288
Balanche, Fabrice (2021). “The Assad Regime Has Failed to Restore Full Sovereignty Over Syria”. The Washington Institute for Near East Policy. Policy Watch 3433
Borrell, Josep (2020). “Syria: Speech by HR/VP Josep Borrell in the EP on the current security situation in Syria”. Available at: Syria: Speech by HR/VP Josep Borrell in the EP on the current security situation in Syria – European External Action Service (europa. eu), accessed 18 February 2021
Deli, Khurshid (2020). “‘Al-Qamishli Model’ between American Confusion and Russian Advance”. Available at: https://www.asocenter.org/node/570, accessed 17 February 2021
Erdemir, Aykan and Kinippen, Brenna (2020). “Turkish and Syrian Intelligence Chiefs Meet in Moscow”. Foundation for Defense of Democracies (FDD), 17 January 2020.
European Commission Brussels IV Conference (2020). “Online press conference opening remarks by Josep Borrell”. https://audiovisual.ec.europa.eu/en/video/I-192721 accessed 25 February 2021
European Commission Press Release. 2021. “European Union to host Brussels V Conference on Syria”. https://ec.europa.eu/commission/presscorner/detail/en/ip_21_427
European Council (2020). “Syria: Council response to the crisis”. Available at: Syria: Council response to the crisis – Consilium (europa.eu) accessed 18 February 2021
Gjevori, Elis (2020). “The M5 highway of death is the key to controlling Syria”. TRT World, 11 February 2020.
Hatahet, Sinan (2019). “The Political Economy of the Autonomous Administration of North and East Syria”. European University Institute Research Project Report 2019/16
Herszenhorn, David M. and Barigazzi, Jacopo (2021). “Borrell stands by as Lavrov calls EU ‘unreliable partner’”. Politico 05 February 2021
Hubbard, Ben (2017). “Syrian War Drags On, but Assad’s Future Looks as Secure as Ever”. New York Times, 25 September 2017
Identical letters dated 2 January 2020. “From Permanent Representative of the Syrian Arab Republic to the United Nations addressed to the Secretary-General and the President of the Security Council”. United Nations Digital Library. accessed February 21, 2020, https://digitallibrary.un.org/record/3846461?ln=en
Identical letters dated 11 February 2020. “From Permanent Representative of the Syrian Arab Republic to the United Nations addressed to the Secretary-General and the President of the Security Council”. United Nations Digital Library. accessed February 21, 2020, https://digitallibrary.un.org/record/3850562?ln=en
Identical letters dated 16 September 2020. “From Permanent Representative of the Syrian Arab Republic to the United Nations addressed to the Secretary-General and the President of the Security Council”. United Nations Digital Library. accessed December 21, 2020, https://digitallibrary.un.org/record/3884889?ln=en
Identical letters dated 12 January 2021. “From the Permanent Representative of the Syrian Arab Republic to the United Nations addressed to the Secretary-General and the President of the Security Council”. United Nations Digital Library. accessed February 21, 2020, https://digitallibrary.un.org/record/3898163?ln=en#record-files-collapse-header
International Crisis Group (2019). Lessons from the Syrian State’s return to the south. Report Number 196
Kardaş, Ş. (2020). “Turkey and the Idlib Crisis: Lingering Dilemmas and Future Prospects”. Turkish Policy Quarterly Vol 19 Number 2, pp. 112-119
Lister, Charles (2021). “2021 will be a defining year for Syria”. Middle East Institute 12 January 2021
Mansour, Adnan (2019). “Syrian government won’t accept federalism in north-eastern Syria – Syrian politician”. North Press Agency, 19 September 2019
Medina, Alicia (2020). “Syria’s 2020 in a nutshell, and what to expect for 2021?”. Syria Direct, 28 December 2020.
Middle East Institute (2021, February 19). “The Syrian Civil War and its Aftermath: A Book Talk with Itamar Rabinovich and Carmit Valensi [webinar]”. Available at https:// www.mei.edu/events/syrian-civil-war-and-its-aftermath-book-talk-itamar-rabinovich-and-carmit-valensi accessed 01 March 2021
OSES – Office of the Special Envoy of the Secretary-General for Syria (2021). “Transcript of Virtual Press Stakeout by United Nations Special Envoy for Syria Mr. Geir O. Pedersen Following his Briefing to the Security Council”. 09 February 2021
Salman, Mohammad and Zahid Farman (2014). “Flawed Policies in Syrian Crisis”. Available at: https://cf2r.org/foreign/flawed-policies-in-syrian-crisis-2/ accessed 21 February 2021
SYRIAHR (2021). “Syrian government forces are disrupting coexistence in Rojava: Asayesh”. Available at: https://www.syriahr.com/en/203499/ accessed 25 February 2021
Tsurkov, Elizabeth. a (2021). “Kneel and Starve: Under the Watchful Eye of the Secret Policy, Syrians Go Hungry”. Available at: https://newlinesinstitute.org/syria/kneel-andstarve-under-the-watchful-eye-of-the-secret-police-syrians-go-hungry/ accessed 4 March 2021
Tsurkov. Elizabeth. b (2021, March 2). Rapid depreciation today of the Lebanese and Syrian currencies. The black-market rate now is $1= 10,000 Lebanese lira = 4,000 Syrian lira. . Twitter. https://twitter.com/Elizrael/status/1366753964973305870
UN News (2021). “Without ‘constructive international diplomacy’ Syria’s peace process will not move forward”. Available at: https://news.un.org/en/story/2021/02/1084272 accessed 18 February 2021
UNSC (2012). “Identical letters dated 5 July 2012 from the Secretary-General addressed to the President of the General Assembly and the President of the Security Council”. Available at: https://digitallibrary.un.org/record/730361 accessed 18 February 2021
Van Veen, Erwin; Pellise, Alba Di Pietrantonio; Ezzeddine, Nancy and Napolitano, Paolo. 2021. Band-aids, not bullets EU policies and interventions in the Syrian and Iraqi civil wars. Netherlands Institute of International Relations ‘Clingendael’ CRU Report
Van Wilgenburg, Wladimir (2020). “The Future of Northeastern Syria: In Conversation with SDF Commander-in-Chief Mazloum Abdi”. Fikra Forum. 10 January 2020
Van Wilgenburg, Wladimir (2021). “Syrian regime-aligned militia, Kurdish-led forces clash in Hasakah; casualties reported”. Kurdistan24.net. 31 January 2021
Waters, Gregory (2019). “The lion and the eagle: the Syrian Arab Army’s destruction and rebirth”. Middle East Institute Policy Paper. Available at: https://www.mei.edu/publications/lion-and-eagle-syrian-arab-armys-destruction-and-rebirth accessed 04 March 2021
Waters, Gregory (2020). “The Syrian regime’s combat losses in Spring 2020, and what lies ahead”. Middle East Institute Policy Paper Available at: https://www.mei.edu/sites/ default/files/2020-06/The%20Syrian%20Regime%E2%80 %99s%20Combat%20 Losses%20in%20Spring%202020%2C%20and%20What%20Lies%20Ahead.pdf accessed 04 March 2021

الرابط الأصلي:
https://brussels-school.be/publications/other-publications/syrian-conflict-after-decade-survival-strategy-damascus-and-its

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

المقالات: 12935

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.