بالرغم من أن الطلاق هو نهاية الحياة الزوجية بمشاكلها وخلافاتها، فإنه في كثير من الأحيان ومع وجود أطفال يكون بداية لمعارك بين الطرفين تستمر لسنوات طويلة، وقودها التهرب من دفع النفقة وحق الزيارة والإيجار، ويكون الضحية الأولى في كل هذا هو الأبناء. 

كل من وطأت قدماه قاعات المحاكم، ويعكف على التفتيش بين أوراق ملفات قضايا الطلاق، إلا ويطالع في طياتها الكثير من قصص واقعية لأزواج يسعون للانتقام بعد فك الرابطة الزوجية.

فبعد أن يتبادل الطرفان وابلا من التهم والسب والشتم إلى درجة كشف الستار عن الأسرار الزوجية، تبدأ الحرب الحفية عند كل منهما بغرض الدفاع عن نفسه حفاظا لماء الوجه أمام أسرته والمجتمع ككل، في محاولة لاستعطاف النفوس بعد تقمصه دور ضحية هذا الزواج، فتهون العشرة ويتناسى كل منهما ما اشتركا فيه لبناء أسرة، ووسط هذه الأجواء المكهربة تتأثر نفسية الأطفال، والأخطر أن معارك المطلقين تتخذ منحى إجرامي، قد تنتهي بجرائم قتل ضحيتها في الغالب الزوجة.

خلع.. فجريمة قتل

من بين القضايا التي تستوقفنا بهذا الشأن، جريمة قتل خلفت أجواء تباينت بين الدهشة والحزن سيما لدى الأسرة الجامعية، كانت بلدية الأصنام بالبويرة مسرحا لها، حيث راحت ضحيتها أستاذة الحقوق بجامعة البويرة المدعوة (ب.ل) البالغة 43 سنة، مساء 14 أكتوبر2021، بعد أن انتقم منها زوجها بسبب نشوب خلافات بينهما ورفع المغدور بها لقضية خُلع، مع صدور حكم بحقها في الحضانة.

وفي تفاصيل هذه القضية، كانت الضحية رفقة شقيقها على متن سيارة بالطريق الوطني رقم 05 ببلدية الأصنام شرق ولاية البويرة، عندما طاردتهما سيارة واصطدمت بهما من الخلف، ليسفر الحادث عن وفاة شخصين (ب.ل) البالغة 43 سنة وهي أستاذة الحقوق بجامعة البويرة وشقيقها “ب.ح” 40 سنة، وإصابة شخصين آخرين يبلغان 29 و24 سنة.

في البداية، الحادثة بدت مجرد حادث مرور مميت، لكن تحقيقات المصالح الأمنية أظهرت عكس ذلك، حيث خلصت إلى أن الحادث مفتعل، والمتهم زوج الأستاذة الجامعية الذي قرر “معاقبة” زوجته بطريقة شنيعة ظنا منه أنها الأنسب لإبعاد كل الشبهات عنه، وبالتالي انتقامه من طليقته لرفعها دعوى خلع ضده عقب نشوب خلافات زوجية حادة، أدت إلى استحالة العشرة بينهما.

من طلب حق الزيارة إلى السجن

ويروي المحامي عمار خبابة في حديثه لـ “الخبر”، تفاصيل قضية طلاق تحولت من طلب حق الزيارة إلى محاولة قتل، حيث أن الأب حرم من رؤية أبنائه الثلاثة بسبب الزوجة التي كان تختلق له الحجج في كل مرة، فاضطر لرفع دعوتين أمام إحدى محاكم العاصمة، الأولى بتهمة عدم تسليم طفل، والثانية بإسقاط الحضانة باعتبار أن الأم موظفة بدوام كامل، ما تسبب في إهمال الأبناء، حسب تصريحات الزوج أمام القاضي.

لكن كل هذه الدعاوي رفضت، فراودت الزوج شكوك في أن وراء الأمر طرف من المحكمة تبين فيما بعد أنه من أقارب الزوجة، هذا الأخير تعرض في أحد الأيام للضرب والجرح العمدي فوجه أصابع الاتهام إلى زوج قريبته بأنه مدبر عملية الاعتداء الجسدي عليه بسبب قضية الطلاق، ليزج به في السجن المؤقت بتهمة محاولة القتل، لكن وبعد عدة جلسات كيّفت القضية من جديد للضرب والجرح العمدي وأطلق سراحه.

مطلقات تحت المراقبة

وبمحكمة بئر مراد رايس في الجزائر العاصمة، عرضت قضية السيدة “إيمان.ن”، التي كانت هي الأخرى ضحية لانتقام طليقها بعد رفعها شكوى ضده بسبب عدم التزامه بمواعيد زيارة الأبناء، على الرغم من أنها محددة من قبل المحكمة، فهو إما يأتي متأخرا أو لا يأتي بتاتا، وبعد صدور حكم الطلاق، لم يتركها زوجها وشأنها، وأصبح يضايقها ويراقب تحركاتها في كل مكان تذهب إليه، ما دفعها لرفع دعوى أخرى ضده.

نفس المعاناة تقريبا عاشتها السيدة “هاجر.ع”، هذه الزوجة كانت تجربتها مع الطلاق من أصعب التجارب التي مرّت في حياتها بسبب همجية طليقها في التعامل معها ومع عائلتها على حد تعبيرها.

تقول هاجر: “طلبت الطلاق بعد محاولات عديدة للحفاظ على الحياة الزوجية احتراما للعشرة من أجل ابني الذي لم يتعد الثلاث سنوات، لكن اليوم أعيش كابوسا حقيقيا بعد أربع سنوات من الانفصال لأني أفكر بالزواج مرة أخرى، وأخشى إن فعلت أحرم من رؤية وحيدي الذي فزت بقضية حضانته بعد الطلاق، خاصة بعد تهديد طليقي المستمر لي أني في حال تزوجت سأحرم من رؤيته للأبد”.

تتابع محدثتنا: “أصبح يضايقني بشكل مستمر وفي كل مكان، وحتى عائلتي لم تسلم منه، ففي كل موعد زيارة إبننا يختلق الشجار معهم، إلى درجة أنه رفع دعوى قضائية ضد شقيقي وأبي يتهمهما فيها بالضرب والجرح العمدي، والقضية لم يتم بعد الفصل فيها بمجلس قضاء العاصمة”.

مواقع التواصل الإجتماعي … حلبة لمعارك التشهير

بعيدا عن أروقة المحاكم، انتقلت شجارات المطلقين إلى الفضاء الأزرق، إذ أصبح كل طرف يلجأ لتشويه سمعة الطرف الآخر ونشر عيوب الآخر على الملأ، زيادة على التشهير به على مواقع التواصل الاجتماعي، كأن تغرد مطلقة لمتابعيها “ما رأيكم في زوج لا ينفق على أولاده ولا يزورهم”، أو “طلقت زوجتي بعد عام فقط من الزواج لأنها غير قادرة على القيام بواجباتها الزوجية”، وغيرها من الأسرار. والأمر يتعدى في بعض المنشورات إلى استعراض تفاصيل الحياة الزوجية أو حتى ذكر الإسم بالكامل، في محاولة من الطرفين تلطيخ سمعة كل واحد منهما، متخذين من العالم الافتراضي ملاذا لانتقام تحت حسابات بأسماء مستعارة والتلاسن والتهديد والوعيد غير المباشر.

إعادة الزواج.. مشكلة أخرى

بالمقابل، هناك بعض المطلقين من يقررون طي صفحة فشل الزواج الأول والبدء في حياة جديدة، في محاولة لتعويض السنوات المريرة وتذوق السعادة مع زوج أو زوجة جديدة، ولكن سعادتهم لا تدوم، ويدخلون في مشكلات عدة بسبب طليق الزوجة أو طليقة الزوج، حيث يتتبع الزوج السابق طليقته ويحاول اقتحام حياتها بأي شكل وأي طريقة، أو تقوم المطلقة بالاتصال بالزوجة الجديدة وإهانتها، بغية إثارة المشاكل وتعكير صفو الحياة الزوجية الجديدة.

وبلغة الأرقام، نشير إلى أن الجزائر تسجل سنويا أكثر من 68 ألف حالة طلاق أي بمعدل حالة طلاق كل ثمانية دقائق، وعادة ما يكون الأطفال أول وأكثر الضحايا بمعدل 100 آلاف ضحية سنويا، حسب آخر إحصائيات كشفتها رئيسة الجمعية الوطنية لحقوق المرأة المطلقة السيدة خلفية فتيحة .

“زواج مستعجل ينتهي بطلاق فوضوي”

يقول الدكتور والأستاذ الجامعي سعيد بلحيمر، المختص في علم النفس الإكلينيكي بجامعة سيدي بلعباس، أن الطلاق فراق يأتي بعد شقاق وهو بالمفهوم الاجتماعي فشل لزواج لم يكلل بالنجاح والديمومة.

وحسب محدثنا، فإن نجاح أي زواج مرهون بوعي كلا الزوجين، وبمدى سعة صدر كليهما لإنجاح هذا التقارب الحتمي والمشترك والمصيري بينهما، من خلال فهم بعضهما البعض واحترام خصوصيات شخصية كل واحد منهما، وتقدير مشاعرهما وحاجياتهما لتحقيق غاية قد تتعدى كيانهما وتتلاقى يوما ما مع حقوق الأبناء في بناء صرح أسري مشترك وكيان جماعي واحد وموحد معهما، على اعتبار أن أي كائن له استعداد فطري لبناء ذاته والانصهار مع الآخر، وما أن نقوم بإسقاط هذه المعادلة على واقعنا، نكتشف عدة عوامل تسببت في اختلالها ويتعثر تطبيقها عبر المسار، وبالتالي يترتب عنها وبعد زواج غير مدروس شقاق ثم انفصال ثم طلاق.

وهنا يواصل الدكتور بلحيمر: “يجب أن نعلم أن أي زواج فوضوي وعشوائي لا تحترم فيه المقدمات والمضامين والخاتمات، سيترتب عنه بالضرورة طلاق فوضوي وعشوائي، ولا تحترم فيه حقوق الذوات، وبالتالي ينسى فيه فضل المعاشرة وشتى الاعتبارات، وينجم عنه مشاكل وعواقب وسلبيات معيقة للحقوق والواجبات”.                                                                                                        ولفت بلحيمر إلى أن محدودية الثقافة في مجتمعنا، وقصور الوعي وطغيان العادات والتقاليد والأعراف وفلسفة العناد جعلت الكثير من أبنائنا وبناتنا لا يحسنون التعامل لا مع الزواج ولا مع الطلاق”.

وعلى ضوء كل هذا يقول الأخصائي النفساني في تصريح لـ”الخبر”: “تتفكك الأسرة ونرى انهيارها السريع، وبالإضافة إلى هذه العوامل الذاتية والمرتبطة بالتناقض بين شخصية الزوج والزوجة هنالك عوامل محيطية، كتدخل الوالدين والأنساب في شؤون تسير الأسرة وفي مصيرها وكذا العوامل الاقتصادية وتفشي البطالة”.

وكل هذه العوامل يؤكد بلحيمر “فرض على الزوجين التسرع في إيجاد حلول قد يكون الطلاق إحدى خياراته، وعلى هذا الأساس يتوجب على أبنائنا المتزوجين أو المقبلين على الزواج أن لا تأخذهم النشوة لحد نسيان أو تناسي عواقب الزواج عبر توفيرهم للعوامل الذاتية والإجتماعية والمادية المسببة لكل هذا وذاك، وعبر عدم حرصهم على التعاطي معه بتحضر وروية وتعقل، مع عدم الاندفاع لتفادي عواقبه على كل أفراد الأسرة، بدءا بالزوجة ثم الزوج ثم الأبناء”.

وفي السياق ذاته، ذكرت الأخصائية النفسانية ومديرة مركز البحوث والتطبيقات النفسانية، الدكتورة سميرة فكراش، أن الطلاق في مجتمعنا هو بداية لمعارك لا متناهية، والاحتقان والضغينة والحقد بين المطلقين، وكذا بين الأبناء وأفراد العائلتين.

وأرجعت فكراش السبب إلى الصورة التي بنيت عبر الزمن، عن الطلاق، حيث قالت: “حقيقة الطلاق هو أبغض الحلال، لكن أيضا حماية للرجل والمرأة والأبناء حتى يعيشوا بعيدا عن المشاحنات”.

وأضافت المختصة النفسانية “أن معارك الطلاق تغيب فيها أحيانا كل الأسس الإنسانية والأخلاقية، فنجد الأم التي تحرم أبناءها من أبيهم، والرجل الذي يقوم بتركيب صور وفيديوهات للانتقام من طليقته بهدف الإساءة لسمعتها وغير ذلك من صور حروب ما بعد الطلاق، وهم يستغلون الأطفال في صراعاتهم فينشأ الأطفال مقهورين ويعيشون صراعات داخلية” .

كما أشارت إلى أن تدخّل أولياء الزوج أو الزوجة في حياتهما الشخصية، يزيد المشاحنات والمشاعر السلبية التي بقيت من الطلاق، وتتفاقم بذلك المشكلات لتبلغ عتبة الطلاق، ناهيك عن جلسات الصلح التي لم تعد تلعب دورها، والمفروض أن تهدئ النفوس وليس إضافة حقد وضغينة للطرفين، مبرزة ضرورة وضع آليات لمرافقة الأسرتين.

“تحقيق السعادة المادية..هدف الزواج العصري”

إشكالية ما بعد الطلاق، حسب أستاذ علم الاجتماع بجامعة البويرة خالد زعاف، ترتبط بالكثير من المتغيرات، منها تغير النظام الأسري الذي انتقل من نظام الأسرة الممتدة إلى النووية، ناهيك عن انتقال نمط الحياة من الفلاحي إلى الاستهلاكي، كل ذلك خلق الرغبة في تلبية الحاجات البيولوجية.

بالإضافة، يواصل الأخصائي الإجتماعي، إلى تغيير مفهوم السعادة الذي انتقل هو الآخر من مفهوم معنوي يعتمد على الجانب العلائقي إلى الجانب المادي الاستهلاكي، وكل هذه المتغيرات الاجتماعية تحت ما يسمى بالعولمة المرتكزة على مفهوم الفرادانية والأنانية، أفرزت أزواجا ترى أن الأولية لنفسها، ليصبح الهدف من الزواج تحقيق السعادة المادية.  وذكر محدثنا مشكلا آخر، يتعلق بالثقافة الريعية التي تخلق هذه الصراعات، وينتج عنها أسرة عاجزة عن خلق بدائل جديدة لتحقيق السعادة، وهو من بين أسباب تفكهها.

نفقات الأولاد والزيارة والإيجار وقود حروب الطلاق

من جهته أكد المحامي عمار خبابة أن أغلب المشكلات بين المطلقين بعد الانفصال، بسبب نفقات الأولاد والإيجار والزيارة، ما يخلق مضايقات ومشاكل تنتهي إلى أروقة المحاكم وارتكاب جرائم.

وأوضح خبابة أن قانون الأسرة الجزائري حفظ للمرأة المطلقة حقوقها في كل الحالات، خاصة إذا ما كان لدى هذه الأخيرة أولاد من الزوج الراغب في فك الرابطة الزوجية، حيث أنها تستفيد من نفقة العدة، ومبلغ مالي تطلبه الزوجة كتعويض عن الضرر المعنوي الذي لحقها، ناهيك عن نفقة كل طفل، والتي تبلغ في بعض الأحيان 6000 دج عن الطفل الواحد، بالإضافة إلى وجوب تخلي الطليق عن مسكن الزوجية لطليقته، حتى تعيل فيه الأبناء، وفي حالة عدم ملكيته لبيت خاص، يجب عليه كراء شقة لزوجته السابقة وأبنائه.

ووفق محدثنا، فإن معظم الخلافات بين الأزواج بعد الطلاق سببها النفقة، على الرغم من أنه يتم تحديدها بقيمة معينة بينهما، إلا أن عدم الالتزام بها يشعل الحرب بينهما، حيث أن تراكم مبالغ النفقة على الزوج وعجزه عن تسديدها، يدفع بالزوجة لرفع دعوى عدم دفع النفقة أمام المحكمة ما يهدد الزوج بالسجن، فضلا عن سبب ثاني لا يقل أهمية عن النفقة وهو حق الزيارة.

فالزوج إما أنه لا يلتزم بمواعيد الزيارة أو يأخذ الأبناء ويقضون معه وقتا أطول من الذي حدده القاضي وأحياناً لا يرجعهم لها، فترفع الزوجة عليه قضية، وأحياناً يحدث خلاف بينهما، إذا تأخر الزوج مع الأولاد أكثر من الوقت المحدد، وتمتنع الأم من جعل الأبناء يرون والدهم في المرة المقبلة، مما يجعل الطليق يرفع قضية هو الآخر من أجل الحصول على حقه في الزيارة.