تنطوي المنظومة المعرفية الغربية على بعد معرفي تشكله البيانات والمختبرات واستنتاجات البحث النظري والميداني،وتستند هذه المنظومة إلى شبكة مفاهيمية(conceptual) تتوارى خلفها ظلال ميتافيزيقية مزهوة بقدر من التعالي المسنود بالموقع الحضاري الذي احتلته هذه المنظومة في العراك العضوي والمجرد في مسيرة الحضارة الانسانية.
لكن هذا الزهو قاد الى “إنكار مرضي” لمساهمة الآخرين في تشييد الحضارة الإنسانية المتحررة من الأسر الإثني أو الديني ، ولعل كتاب نهاية التاريخ لفوكوياما – الذي استثمر لحظة الانهيار السوفييتي- جسد هذا التعالي الذي اتضحت هشاشته بعد أن تعالت صرخات الفكر الرأسمالي بفعل الاضطراب الاقتصادي المعاصر وتوالي نظريات ما بعد الحداثة واتساع تدريجي للشقوق في الجدار الغربي ، ناهيك عن أن النموذج الصيني قدم شاهدا عصريا على قدرة الشرق في أن يساهم مرة أخرى في تطوير المجتمع الإنساني، فها هو كونفوشيوس يشرق بحسه الإنساني ليغذي “زينغ بيجيان” ونظرية الصعود السلمي المعاصرة،وشكل ذلك سلسلة فقارية آسيوية واعدة تمتد من ممر ملقا إلى مضيق البسفور.

ولن نطل ثانية على تفكيك “إدوارد سعيد” للاستشراق ، ولا مبرر لتأكيد الصفاء الصوفي للحلاج وابن عربي والسهروردي ووجودية المعري في مقابل “موت الله” عند نيتشة “وعبثية الكون “عند سارتر”…إنه تدفق للطاقة الفكرية البشرية يتقاطع أحيانا ولكنه يصر على التوازي في أغلب الأحيان لا سيما عندما يحضر التاريخ محملا بالأحقاد.

هذا سياق يؤصل لتحليل بعض الأدبيات الإعلامية والفنية الغربية على غرار فيلم(innocence of muslims) الذي يدور في دائرة من المعميات ، بمخرج مجهول ومنتج مجهول وكاتب قصة مجهول وسيناريست مجهول، ولكن بهدف معلوم ألا وهو ” تحطيم شخصية محورية في التراث الإنساني اسمها محمد”…
وهنا تبدو المقابلة بين زهوين ثقافيين لا قيمة لهما على جانبي المعادلة الحضارية، أحدهما عربي ينبش التراث الغربي بحثا عن عبارة ممجدة ومادحه لتراثنا فيتغنى بها، وزهو غربي مقابل لا يرى في محمد إلا محاربا أو ناكحا في مواجهة حضارة تمحورت حول العقل(كانت) وما دون العقل(فرويد) وما بعد العقل(كوكس(..

وعند تحليل طرفي هذه المعادلة التي تخرج عن سياق التطور الذي ساهم فيه محمد واتباعه ، كما ساهم فيه المعلم الأول(ارسطو) واتباعه، وإن تكن المساهمة لكل منهما لها ميدانها وقيمتها لكل طرف، سنجد بالتحليل أن تقييم المساهمتين من قبل الأتباع شابها الكثير، فأتباع محمد المعاصرون ثاروا على فيلم تافه التقط وقائع جدلية وحولها لمشاهد ساخرة بلهاء ولكنهم تناسوا أن الهدم الحقيقي لحضارتهم لا يتأتي من فيلم لم أجد فيه عند مشاهدته أي صدق لا في الملابس ولا في الأحداث التاريخية ولا في نمط الحوار ولا في الديكور …بل الهدم الحقيقي لحضارتنا يأتي من ما هو أخطر كثيرا، فما قيمة فيلم تافه أمام النبش تحت قواعد المسجد الأقصى واحتلال كل ما هو مبارك حوله؟ وما قيمة رسم كاريكاتيري انتقامي لنثور كل هذه الثورة أمام صمتنا على وقوف غيارى الدين تحت أعلام الناتو؟ نثور على فيلم تافه ولكننا نتفهم “الحفاظ على الاتفاقيات الدولية مع إسرائيل”؟؟؟ نثور على الصغائر لنبرر الكبائر…
إن الرد على هذا الإسفاف من هامش صناع الحياة بأن نحقق إنجازات علمية ونسميها مختبرات محمد، أو نقتحم الفضاء ونضع على سطح القمر علامات عليها اسم البيروني كما فعل فاروق الباز ولو أن المختبر منهم…تعالوا نصنع موسيقى ترقى بالحس الإنساني،تعالوا ننجز أدبا يجعل عملاقا مثل غوتة الألماني يقف مشدوها أمام “تأبط شرا” ويهيم بحسه الوجودي فيقدمه للألمانية.

وبالمقابل فإن الفكر الغربي الذي أبدع وأدهش لا يستطيع تغييب نظرتنا النقدية، فماركس التحرري كان أول من برر استعمار الجزائر والهند بحجة “أننا بحاجة للتطوير”، ومارتن لوثر الذي أنشأ البروتستنتينة وأسس لتطور المنظور الليبرالي كان يقول”أقتلوا أطفال الشرق قبل أن يكبروا ويصبحون جنودا”، وهيغل بحث في شخصية محمد معتقدا أنه”تركي”،وغوبينو وضع أربع مجلدات في علم البيولوجيا أسماها” عدم التساوي بين الأجناس”،وهو ما دل على عقم كبير.

مقابل هؤلاء منا وهؤلاء منهم ، أقر الفارابي بأنه “استفاد من أرسطو وأفلاطون وسقراط”، وأقر بالمقابل توما الأكويني الذي يعد اهم منظري الفكر الديني السياسي المسيحي بأنه تلميذ نجيب “لابن رشد”، وحيا طه حسين شك “ديكارت” مثلما أثنى توينبي وشوبنهور على الحسن بن الهيثم والرازي، وإن ألحد نيتشة فقد الحد ابن الراوندي، وكان خيال دانتي في كوميديته الإلهية غارقا فيما أغرقنا فيه المعري في رسالة غفرانه، وإن نقلنا عنهم الفلسفة المجردة فقد نقلوا عنا الفلسفة المجسدة، تعلمنا نحن من أفلاطون مقابل انهم نقلوا في روبنسون كروزو ما أبدعه ابن طفيل برمزيته العالية في “حي بن يقظان”…هذا التيار المتلاقح هو الذي يؤسس لتطور البشرية أما المتطاولون على رموزنا ورموزهم فهم زبد السيل الحضاري المتدفق.

العبث السياسي في الحوار الحضاري(٢)
د. وليد عبد الحي

 

Print Friendly, PDF & Email