د صالح محروس محمد

الحقيقة أن ما حققته رواندا من نمو اقتصادي وتقدم أثار حفيظة وعقلية الكثير كيف وصلت هذه الدولة من الحرب الأهلية إلى نموذج يحتذى به في الأخذ بطريق النهوض والتقدم . ولعل المتابع لقصة التجربة الرواندية يرى بقوة جهود الرئيس بول كاغامي, فمثلا عند قراءة التجربة الماليزية يذهب ذهنك لمفجر نهضتها “مهاتير محمد” و وعند دراسة التجربة السنغفورية لابد أن تذكر رائد نهضة سنغفورة “لي كوان يو” , هنا نتحدث عن رائد نهضة رواندا بول كاغامي الذي تولي الحكم في عام 2000 وحمل على عاتقه تحقيق هدفين الأول: تحقيق السلم الاجتماعي داخل المجتمع الرواندي عن طريق تحقيق العدالة والتصالح والهدف الثاني: انتشال الدولة من الفقر بخطط تنمية حقيقية .
فكان البدء بتطبيق نظام العدالة التشاركية “غاتشاتشا 2001” (لجنة الوحدة والمصالحة الوطنية)، ومهمتها الأساسية عملية التصالح والتسامح، بدءاً من تحقيق العدالة، وعرض الحقيقة، وتعزيز الهوية الوطنية المشتركة., وسعت هذه اللجنة إلى لتحقيق الهدف الاول تعزيز السلام المجتمعي بتبغيض الشباب في الفرقة والعرقية والطائفية القاتلة, عبر تدريس مقررات حول الابادة الجماعية في المدراس واقامة الدولة المعسكرات الشبابية لمناقشة أسباب الابادة وكيفية تلافي تكرارها, وبالتالي تبني الرئيس الرواندي فكرة وطن جديد وعلم ونشيد وطني ودستور يعزز الوحدة وطي صفحة الماضي البغيض وحظر استخدام مسميات الهوتو و التوتسي، وتجريم استخدام اى خطاب عرقي.
فتحقيق العدالة يعطي الشرعية والمصداقية في أعين السكان أقوى من التخويف بالقوة . فنظام العدالة التشاركية، المعروف باسم غاتشاتشا، قامت فكرته على التصدي للكم الهائل من القضايا المتأخرة. وانتخبت المجتمعات المحلية قضاة لإجراء المحاكمات للمشتبه فيهم بجريمة الإبادة الجماعية المتهمين على جميع الجرائم. وتخفف محاكم غاتشاتشا أحكامها إذا أعلن الشخص توبته والتمس التصالح مع المجتمع . ويقصد بهذه المحاكم مساعدة المجتمع على المشاركة في عملية العدالة والمصالحة في البلد. فبجهود الرئيس الرواندي بول كاغامي الذي استطاع ان يوقف اكبر حرب ابادة قبلية في القرن العشرين راح ضحيتها مليون قتيل خلال مائة يوم بين قبيلتين تسمى الهوتو، والتوتسي.بدأ استقرار البلاد, ومن نتائج السلام الاجتماعي والعدالة أصبحت رواندا أكثر البلاد جذبا لرجال الأعمال والسياح مما ساعد على ارتفاع معدل النمو الاقتصادي بـ %8 خلال 2014، وزاد عدد السياح الزائرين لها من 105 ألف سائح سنة 2000 إلى ما يقارب المليون سائح سنة 2014، وتعبر من افضل البيئات الاقتصادية الناشئة, وعلى مستوى الصحة انخفض مستوى وفيات الأطفال من 2030 طفل عام 1998، إلى 55 طفل فقط عام 2012، وانخفض معدل وفيات الرضع من 120 رضيع لكل ألف رضيع عام 1998، ليصبح 31,1 رضيع فقط عام 2015. هذا وتنفق رواندا %27 من ميزانيتها العامة على الصحة ( الوعي بأهمية الاهتمام بقطاع الصحة فالشخص المريض لايعمل ) وعلى صعيد التعليم اهتمت رواندا به على إنه أساس تقدم أي أمة ، بلغ عدد الملتحقين بالمدارس الابتدائية %93 سنة 2013، بعدما كانت النسبة لا تتعدى 50% خلال التسعينات، كما يتفوق عدد النساء العاملات في مجال التدريس على الرجال.
و هكذا فبعد أقل من 20 سنة تحولت رواندا إلى قبلة للمال ولرجال الأعمال في منطقة إفريقيا وانتزعت العاصمة “كيجالى” لقب أجمل عاصمة إفريقية لسنين متوالية، مع جائزة شرف للنظافة والأمن والمحافظة على نظام المدينة النموذجية. ‎وحققت الاستقرار والنمو الاقتصادي الذي ارتفع بسببه الناتج المحلي فيها 7.5 % بين عامي (2015م -2016م)، والآن تحتل المركز السابع بين دول العالم في النمو الاقتصادي وفي المركز 22 في ريادة الأعمال. ‎ وأصبحت السياحة فيها تمثل نحو 43% من الدخل القومي للبلاد ، و في السنوات الأخيرة تضاعف متوسط دخل الفرد في رواندا إلى ثلاث مرات بسبب الانتعاش الاقتصادي. .
لاشك أن لشخصية الرئيس الرواندي بول كاغامي -الذي جعل من كل عام في ذكري الابادة هدفا تنمويا يجتمع عليه الشعب – دور مهم في ما جققته رواندا من تنمية في وقت قصير , فبطي صفحة الماضي الحزينة وتحقيق برنامج للعدالة أصبحت رواندا حديث العالم كمنوذج لدولة إفريقية صغيرة حققت نمو اقتصادي وتميز في وقت قصير . والآن، يعتبر الحديث عن العرقية في رواندا أمرا غير قانوني، إذ ترى الحكومة أن ذلك يساعد في منع إراقة المزيد من الدماء. ويلقى بول كاغامي، زعيم الجبهة الوطنية الرواندية ورئيس البلاد منذ عام 2000، ترحيبا واسعا في البلاد حاليا نظرا للإنجازات الاقتصادية السريعة التي قام بها في دولته الصغيرة. وعمل ايضاً على تحويل رواندا إلى مركز تكنولوجي، مميز في أفريقيا.