العراق بين غواية الحاضر وعناد التاريخ

وليد عبد الحي

هل يمكن تحليل الشخصية العراقية بمعزل عن عالم الاجتماع العراقي المعروف علي الوردي منذ دراسته ” شخصية الفرد العراقي ” في مطلع الخمسينات من القرن الماضي؟، ففي فهمه للشخصية العراقية يركز الوردي على فكرة محورية هي ” ازدواجية الشخصية العراقية” ويربطها بالموقع الجغرافي، فازدواجية الشخصية العراقية تتبدى جلية في رأيه في أن الفرد العراقي ” يهيم بالمُثل العليا” من ناحية لكنه يذوب في نزواته من ناحية ثانية، ويعلل ذلك جغرافيا بالقول أن العراق يقع على حافة كل من ” حضارة بدوية محاربة ” و ” حضارة زراعية خاضعة “، وكأن الوردي يعيدنا لتناحر ” الأنا العليا و الهو” عند فرويد خاصة عندما تعجز “الأنا” عن حل التناقض.

ويبدو لي ان هذه الازدواجية هي التي تفسر المسافة الفاصلة بين رؤية الحجاج بن يوسف لهم بأنهم ” أهل الشقاق والنفاق” وبين رؤية عمر الخطاب لهم بأنهم ” جمجمة العرب ورمح الله في الارض “، ويبدو ان عسر التوفيق بين هذين البعدين أفرز شخصية تائهة حائرة لكنها قبل ذلك مشحونة بالشجى فصارت مثالا لكل ” حزن مثل اسواق العراق” كما يقول مظفر النواب.

يتكرر المشهد السابق- الازدواجية- في البنية السياسية العراقية المعاصرة، فهو مشهد تنزاح ستارته عن شلال دم لم ينقطع بفعل الصراع السياسي منذ 1979، لكن وراء الستار مرجعية دينية قادمة من كهوف التاريخ وتتحكم في حركة المجتمع وتوجهاته دون أي سند دستوري في المواد ال144 التي يشتمل عليها الدستور، و بنظريات يتشبث بها العقل الجمعي وتفوض السلطات لمن يحكم بشرعية شعبية الى حين عودة مهدي ينتظروه دون ملل منذ عشرات القرون…في العراق يتحول البعثي وفي فترة قصيرة للغاية الى داعشي يقاتل أهله بشراسة، كان ينادي على بائع الورد مع ناظم الغزالي وصار يجز الرقاب مع البغدادي..حكم البعثيون العراق لعشرات السنين فكانوا الاشد عداء للبعث المجاور.

وتتبدى الازدواجية أكثر في مجيء نخبهم السياسية على ظهر الدبابة الأمريكية وبمساندتها ، وبدستور كان لبريمر نصف مواده وللسيستاني نصفه الثاني ، ثم ينشقون عن بعضهم فيتحول بعضهم لصراع عسكري مع من جاء بهم، ثم يتوقفون عن قتاله ويصمتون عن بقاء العديد من قواته التي تتمركز في العراق طبقا لرغبة البنتاغون لا رغبة حكام العراق، بل يزور العراق الرئيس الامريكي وقادة عسكريون دون أي إذن او علم من حلفاء بريمر.

وتزداد الصورة قتامة في جماهير تهتف” سنة وشيعه ،وهذا الوطن ما نبيعه”، لكنها تنهش بعضها في البيوت والمقالات وفي الداخل والخارج.

مجتمع رآه عمر بن الخطاب جمجمة العرب، لكن هذا المجتمع غيَّب العروبة تماما من دستوره، فهو في احسن الأحوال ” عضو مؤسس وفعال في الجامعة العربية”(المادة 2 من الدستور) ، ولغته العربية واحدة بين خمس لغات أثنتان منها للدولة وثلاث أخرى غيرها للتعليم مع ابقاء المجال مفتوحا للغات أخرى(نفس المادة)، والعراق الحامل لهموم الامة العربية لم يجد تحليل مضمون لبعض الصحف العراقية الهامة حاليا أكثر من 7% من قضايا الأمة العربية في مادتها الصحفية ، وتغيب القضية المركزية للعرب في تصريحات المسئولين العراقيين بشكل ملحوظ نتيجة الخلط لدى النخب الجديدة بين الرغبة في طمس الثقافة القومية (لكي لا ينبت البعث من جديد) وبين العجز عن تطوير منظور جديد، وتحكم محاكمهم بالبراءة على زوار اسرائيل من النواب العراقيين فيكرروا الزيارة رغم أنهم حاربوا اليهودية منذ نبوخذنصر،…وهو ما يعيد الازدواجية للظهور ثانية.. لهم دستور يجعل من دور الرئيس شكليا لكن الرئيس يتصرف وكأنه في نظام رئاسي…

ازدواجية اخرى تبدو في ان العراق صاحب ثاني أكبر مخزون احتياطي بترولي في العالم، لكن نسبة الفقر وباحصاءات المؤسسات الدولية تتزايد، ويحتل مرتبة ضمن الأعلى في نسب الفساد ..

ترى هل ستبرأ هذه الشخصية المزدوجة ؟ يبدو أن عناد التاريخ أقوى من كل رياح التطور..فشلال الدم منذ 1958 الى الآن لم ينقطع بل أراه يزداد تدفقا…فهل كان الحجاج في القرن السابع الميلادي بعيدا عن علي الوردي؟ انها المسافة بين البدوي المحارب والمزارع المحافظ…ربما