وليد عبد الحي

إذا كانت الفترة من 1948 ( انشاء اسرائيل) الى 1977 ( زيارة السادات للقدس) مثلت سيطرة العسكر (الأحذية الثقيلة) العرب بآيديولوجياتهم القومية اليسارية ، فإن الفترة من 1979( الثورة الايرانية وظاهرة جهيمان العتيبي والتدخل الروسي في افغانستان) الى 2018 ( نهاية دولة داعش) شكلت مرحلة ” تنامي حركة الاسلام السياسي المسلح ” .
في كلتا المرحلتين لم يحصد العالم العربي – في الحصيلة النهائية- سوى الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، فالقوميون واليساريون العرب تناحروا فيما بينهم بطريقة لا تختلف من حيث المضمون عن تناحر داعش وجبهة النصرة او الضغائن بين حزب التحرير والاخوان المسلمين او بين شظايا الاخوان المسلمين فيما بينهم.
في تقديري ان الفشل لكليهما ناتج عن بعدين رئيسسين:
أولا: بعد داخلي يتمثل في ان البنية العربية ثقافيا واجتماعيا لم يصبها تغيير يتناسب مع واقع التغير المتسارع في العالم ، فالناصريون والبعثيون والقذافيون والبومدينيون..الخ لم يدركوا ان قوانين التطور الاجتماعي والنسق الفكري للمجتمع لا تصنعها الأحذية الثقيلة، ثم ان انتقال النظرية من مجال “النص الفكري” الأنيق الى غبار الواقع المشوه تاريخيا يحتاج لمشاركة واسعة من كل العقول وليس بحشر كل العقول في زنازين ” الثورات”، ولولا هذه البنية الذكورية التي تغذت من الفكر اليساري بطريقة الحقن وليس الرضاعة الطبيعية لما كان العداء بين بعث العراق وبعث سوريا اشد من عدائهم لاسرائيل، ولما انقلب البعثيون على عبد الناصر الذي اعدم سيد قطب لمجرد انه خالفه الراي ، ولما سجن بومدين رفيق السلاح احمد بن بيلا ولما قتل وشرد يساريو اليمن الجنوبي بعضهم بعضا ، ولما طبق اليساري جعفر نميري الذي جاء بمساندة الشيوعيين ” الشريعة الاسلامية” في جنوب السودان، ولما توهم القذافي انه صاحب نظرية اكتشف من خلالها أن المرأة تحيض بينما الرجل لا يحيض….الخ.
ذلك كله يكشف عن تجذر فكرة ” الغلبة والدهاء ” في العقل السياسي العربي ، وهي الفكرة التي ارتكز عليها ابن خلدون في تفسير الصراعات العربية الداخلية منذ سقيفة بني ساعدة الي يومه.
وبالمقابل فشل الاسلام السياسي بممثله الاول والاكبر – الاخوان المسلمون- من تحقيق اية نتائج ملموسة بغض النظر عن الاسباب ، فرغم ان الاخوان نشأوا كحزب منذ أكثر من 90 عاما، فانهم فشلوا في الوصول للسلطة العليا الا مع مرسي الذي ولدت سلطته ميتة، وإذا كانوا قد وصلوا للبرلمانات( الاردن ومصر والمغرب وتونس ..الخ) فأن تأثيرهم الاستراتيجي لم يتجاوز تأثير الأعضاء العرب في الكنيست الاسرائيلي ، ناهيك عن تشققاتهم من ناحية ونزوع قطاع عريض منهم لفكرة ” الحقيقة في جيبي”.
كان على الاسلام السياسي ان يدرك ان الواقع السياسي يختلف عن قائمة الطعام “menu” التي يقدمها لك النادل في المطاعم لتختار وجبتك ، فالفشل في تحقيق نتائج يعني ان وعيك بالواقع فيه خلل والا لماذا فشلت ؟ ، فالفشل ياتي نتيجة عدم القدرة على فهم موازين القوى للمتصارعين او نتيجة افتقادك لآليات التطور والتكيف مع التغيرات او لهشاشة تنظيمك السياسي او لثقافتك السياسية…فالتذرع بتآمر القوى المعادية على الاسلام السياسي يعني ان هذا الاسلام السياسي وكأنه كان يتوقع ان يسانده الخصوم في مخططاته..فالوضع الطبيعي ان تتم مقاومة لك..والحقيقة ان ” اوهام الوعي” هي المسؤولة عن فشل الاسلام السياسي وتحوله لداعشية، وهو نفس منطق تفسير فشل اليسار القومي وغير القومي وتحوله لفاشية.
واضافة لتصارع هذين التيارين داخليا فقد تصارع التياران ضد بعضهم بعضا ، فاليساري هو من وجهة نظر الاسلامي ليس الا عميلا للاتحاد السوفييتي او منحلا اخلاقيا او هو في ضلال مبين..بينما اليساري لا يرى في الاسلامي الا عميلا امريكيا او ظلاميا ، وتناحروا قتلا وتشريدا حيث اتيحت لهم الفرص،
وهكذا تطورت القومية العربية عند البعض الى فاشية بينما تطور الاسلام السياسي الى داعشية، فالاولى لا تقر للكردي أو للأمازيغي حقوقه مثلا ، والثانية لا ترى في المسيحي إلا دافع جزية وليس له الحق في تولي المناصب العليا كرئاسة الجمهورية مثلا…
وتمكنت الرجعيات العربية والقوى الدولية من تأجيج الصراع بين هذين التيارين ، فوظفت الاسلام السياسي في فترة من الفترات ضد اليسار القومي ، وها هي هذه القوى ذاتها اليوم تعتبر الاسلام السياسي حركات ارهابية.
وإذا انتهت الفاشية العربية الى الاعتراف باسرائيل ، فان الرجعيات العربية تتوضأ في تل ابيب ، وتسعى جهدها ” لطمأنة ” اسرائيل..بينما تعالج ” بعض ” جرحى الاسلام السياسي في مستشفيات اسرائيل.
ان المجتمعات ” الذكورية الغيبية القبلية الأمية تقنيا ومعرفيا ” مفارقة لمنطق العصر ، ولن تخرج من شرنقتها بعساكر عرب افريقيا في السودان ومصر والجزائر أو بحفتر ليبيا او بالفريق اول محمد ولد عبد العزيز في موريتانيا والحاكم منذ عشر سنوات.
ثانيا : البعد الخارجي: من الطبيعي ان يستثمر الخارج هذا الواقع المواتي له، فاسرائيل تريد التحالف مع ما تسميه ” الضواحي” أي الاقليات، وآخر يبحث عن قواعد للجم أمريكا ، وآخر يريد السوق العربي وبتروله، ورابع يعمل على توسيع عمل حلف الناتو على الارض العربية، وآخر يريد تحقيق مشروع الاتحاد من أجل المتوسط، وآخر يريد تحويل المنطقة لحزام وطريق يربطه باوروبا واسواقها، وآخر يريد للفرنكوفونية- بشكلها اللغوي وبمضمونها السياسي الاقتصادي- ان تبقى حية في دولها..والعلاقات الدولية ليست الا البحث عن المصالح من هذه القوى ووضع خططها لاستغلال المجتمعات الهشة وتزويد العسكر بالمزيد من الاحذية الثقيلة من ناحية ، وفتح المكاتب لبعض الاسلام السياسي لمناكفة من قال لا ” إنْ وُجد” من ناحية ثانية…ويكفي النظر في قائمة القوى الاقليمية والدولية التي تدعم حفتر والقوى المقابلة التي تدعم السراج في ليبيا، فرغم مرور حوالي ثماني سنوات على تعاون هذه القوى في اغتيال القذافي..ها هي اليوم تتصارع فيما بينها.
لن نخرج من شرنقة الفشل الا بإيجاد معادل أخلاقي( بالمعنى السياسي لا الفردي) ” لثقافة ” الغلبة والدهاء”، وهو أمر لن نبلغه الا بمزيد من العلم والتصنيع ، وهي قضية يطول شرحها.

 

Print Friendly, PDF & Email