بقلم التجاني صلاح عبدالله – كاتب وباحث سوداني

تعتبر نظرية الواقعية الهجومية أن القوة هي الأساس والركن الرئيس لبقاء الدولة,وهي بهذا الاعتبار تتفق مع الواقعية الدفاعية إلا أن الجديد الذي أتي به منظر النظرية “جون ميرشايمر” هو السؤال عن المقدار الذي تحتاجه الدولة.

النظام الدولي(في طرح الواقعية الهجومية)يجبر القوى العظمى على تعظيم وزيادة قوتها النسبية.ويرى “ميرشايمر” في ذلك أن أفضل تلخيص للواقعية الهجومية,هو ما سبق إليه “ج. لويس ديكنسون” في كتابه (الفوضى الأوروبية)الذي يقرر فيه أن السبب الرئيس للحرب العالمية الأولى ليس ألمانيا أو أى قوة أخرى,وإنما هو حالة الفوضى الأوروبية.

اعتمد “جون ميرشايمر” في نظرية الواقعية الهجومية على خمسة فرضيات,تفسر التنافس على القوة بين الدول العظمى وسعيها لتعظيم القوة.

الفرضية الأولى:

يفترض ” ميرشايمر “أن النظام الدولي هو نظام فوضوي بالأساس,لكن ذلك لا يعني انه مشوش أو يمزقه الاضطراب.

الفرضية الثانية :

تعتقد هذه الفرضية أن الدول العظمى بما لها من قوة عسكرية ومادية,قادرة على أحداث الأذى والضرر وربما التدمير التام فيما بينها,وحتى إن لم تكن للدولة قوة عسكرية بالضخامة التي تمكنها الانتصار فان السكان بأنفسهم يشكلون قوة بشرية للدفاع والهجوم,إذ أن لكل رقبة يدان تخنقاها.

الفرضية الثالثة :

لا تستطيع الدول مهما بلغت قوتها والقوة المعلوماتية بها,من التيقن الكامل بأي هجوم ربما يقع عليها,بل استحالة التكهن بما يضمره أصدقاء اليوم.

الفرضية الرابعة :

يعتبر الأمن وسلامة الدولة وبقاءها هو أسمى الأهداف والأولويات,وقد عبر”ستالين” عن ذلك بقوله:أننا نستطيع أن نبني الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي,بل يجب أن نبنيها لكن علينا أولا أن نضمن وجودنا.

الفرضية الخامسة :

وهى الفرضية التي تدفع بأن القوى العظمى فاعل يتسم بالعقلانية,ويدرك مكونات البيئة الخارجية المحيطة به ويضع من الاستراتيجيات ما من شأنه أن يمكنه من البقاء فيها,وعلى وجه الدقة  فإنها تتفاعل مع الدول الأخرى وتراقب أنماطها وكيف يمكن أن يؤثر سلوكها على سلوك الدول الأخرى,وكيف يمكن لسلوك الدول الأخرى أن يؤثر على إستراتيجيتها للبقاء كما تأخذ الدول في حسبانها النتائج بعيدة المدى والآنية لأفعالها.

مع هذا فإن هذه الفرضيات إذا تم إسقاطها بصورة منفردة,لا تكون في رأي”ميرشايمر” مبررا قويا يتوجب معه أن تتصرف الدول بالسلوك العدائي فيما بينها,ولكن تكون موجبة لذلك إذا اجتمعت كلها في دولة واحدة ,وينشأ نتيجة لذلك ثلاثة أنماط من السلوك وهي:

1_الخوف

بمعنى عدم وضع الثقة الكاملة في أي دولة مهما كانت درجة الصداقة والتعامل معها,لأنه من الممكن أن يكون أصدقاء اليوم هم أعداء الغد.الخوف هو الذي جعل كل من المملكة المتحدة وفرنسا تنظران بالريبة والشك لألمانيا بعد توحيدها,رغم أن الدول الثلاثة كانوا حلفاء مقربين لمدة خمسة وأربعين عاما.

2_الاعتماد على الذات

في مجال السياسة الدولية يساعد الله من يساعدون أنفسهم فقط ,وهذا التأكيد بالاعتماد على الذات لا يمنع الدول من تكوين تحالفات,لكن التحالفات أيضا عبارة عن زيجات مصالح مؤقتة فقد يتحول حليف اليوم إلى عدو الغد,وعدو اليوم إلى حليف الغد.

3_تعظيم القوة

القوى العظمى تناضل من اجل زيادة قوتها على منافسيها على أمل أن تكون دولة مهيمنة,وحين تبلغ تلك المكانة الرفيعة تصبح الدولة من قوى الوضع الراهن,والدولة المهيمنة هي دولة بلغت من القوة ما يمكنها من السيطرة على كل الدول الأخرى في النظام,ولا تمتلك دولة أخرى الموارد العسكرية اللازمة لخوض حرب كبرى ضدها,عليه فإن الدولة المهيمنة تكون فعليا القوة العظمى الوحيدة في النظام.

مع ذلك فإن الدول التي تبدأ الضربات الاستباقية سواء ضد دولة أخرى أو ضد أعداء حقيقين أو مفترضين داخل حدود الدولة مع ملاحظة ان دائرة الافتراض دائما تكون أكبر من المعتاد او الحقيقي (وهذا هو المؤلم والمحبط في آن واحد إذ أن معظم الدول في العالم وخوفا على العرش,لا تنظر إلا بمنظار واحد هو الريبة وظن السوء,ونظرة واحدة على أعداد المعتقلين والفارين من بطش الأنظمة البوليسية وأنظمة الجنرالات والدكتاتوريات ,تؤكد تلك الحقيقة المفجعة)لا تعدم أن تعاني من معضلة تجعلها تقوم ببداية هذا السلوك العدائي ,هذه المعضلة على الأرجح هي ضعف النظام الحاكم أو انعدام الثقة لديه بمن حوله وبما يضمرون من نوايا أو بالاثنين معا.ورغم أن الضربات الاستباقية في الحرب هي من أنجع الوسائل للدول في تحقيق النصر ,إلا أن ذلك لا يمنع من حقيقة الضعف لديها بما تنطوي عليه تلك الوسيلة نفسها من عناصر المفاجأة والمباغتة.

يمكن القول أن الواقعية الهجومية تتخذها بشكل واضح الولايات المتحدة وإسرائيل.إسرائيل مثلا تستخدم الضربات الهجومية والاستباقية فيما هو منظور ومتوقع أكثر من الضربات الدفاعية , بل إن الإستراتيجية التي يقوم عليها جيش الدفاع الإسرائيلي هي الضربات الهجومية والاستباقية لتعظيم حالات بقاء دولة الاحتلال. إن مثال إسرائيل الغاصبة يمثل حالة السعي لفرض الهيمنة بالهجوم والضربات الاستباقية  من أجل البقاء في أوضح صورها.وينطبق ذلك على غيرها في أي مكان .