نشرت هذه الدراسة بمجلة لباب الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، العدد الثالث عشر، فبراير/شباط 2022، عبر الرابط التالي https://studies.aljazeera.net/ar/magazines/book-1450

تحاول الدراسة المساهمةَ في إثراء الأدبيات التي كتبت عن العَسْكَرَة من أجل تقديم مقاربة نظرية تأصيلية لهذه الظاهرة الاجتماعية. وتقترح نموذجًا يتكوَّن من سبعة مؤشرات يمكن توظيفه لدراسة أية حالة معينة لقياس وجود أو غياب العسكرة في دولة ما ومجتمع ما، وهي: معدل الامتصاص السكاني، والمكوِّن العسكري في الاقتصاد، والتأثير العسكري في صناعة القرار، وتضخم الإنفاق العسكري، ونشر الجيش في الشارع، وانتشار السلاح والميليشيات في المجتمع، وعسكرة التنشئة الاجتماعية.

في خطاب مغادرة البيت الأبيض، في 17 يناير/كانون الثاني 1961، حذَّر الرئيس الأميركي، دوايت أيزنهاور (1953-1961)، من التهديد الذي يُشكِّله المجمع الصناعي العسكري على الديمقراطية الأميركية؛ حيث تُمارس من خلاله المؤسسة العسكرية نفوذًا وتأثيرًا كبيرين على الحياة الاقتصادية والسياسية(1). هذا التحذير كان له أثر على الفكر السياسي الأميركي، خاصة، والغربي، عامة، في البحث عن الآليات والأسس القانونية لمنع العسكرة، وتنظيم التفاعل بين الحكومة المدنية والمؤسسة العسكرية في حالة السلم وفي وقت الحرب، وتوفير دعائم الحكم الديمقراطي فيما يتعلق بالفصل بين السلطات والرقابة الديمقراطية للقوات المسلحة. لقد نجحت الدول الغربية في إدارة هذه العملية بطريقة توافق طبيعة نظامها السياسي؛ إذ يُلاحَظ أن المظهر الأهم في العلاقات المدنية-العسكرية في النظام الديمقراطي هو خضوع القوات المسلحة أو المؤسسة العسكرية للسلطة السياسية المدنية، وهذا ما يُعزِّز الممارسات الديمقراطية في أية دولة. كما أن عددًا من الدول التي شهدت تجارب ناجحة في الانتقال الديمقراطي، خاصة في أوروبا الشرقية، وجدت موقعًا مناسبًا للدفاع والمؤسسة العسكرية في مجتمعاتها، وأضحت السيطرة المدنية على العسكريين من أهم مؤشرات تحوُّلها نحو الديمقراطية. لكن على العكس من ذلك، ما زال عدد من الدول النامية يعاني من عدم استقرار أوضاعها الداخلية وعلاقاتها الخارجية بسبب العسكرة في مختلف مظاهرها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحوَّلت إلى ظاهرة لصيقة بالأنظمة الاستبدادية.

وحظيت العسكرة بجاذبية خاصة في حقل الدراسات الدفاعية؛ حيث استحوذت على جزء كبير من اهتمامات الباحثين في تناولهم للعلاقات المدنية-العسكرية، بل إنها كانت الباعث الأساسي وراء ظهور نظرية صمويل هنتنغتون (Samuel Huntington) في العلاقات المدنية-العسكرية التي تقوم أُسُسُها المعرفية على مبدأ سيادة السلطة المدنية على المؤسسة العسكرية. وكان الهدف منها هو وضع قواعد تُفسِّر خطورة الاعتداء على الحكم المدني من طرف العسكريين، وعدم شرعية الانقلابات العسكرية. واستحوذت على اهتمامات علماء الاجتماع العسكري، مثل موريس جانويتز (Moriss Janowitz)، خاصة في كتابه “الجندي المحترف”، وصمويل فاينر (Samuel Finer)، والمجلة المتخصصة في هذا المجال “القوات المسلحة والمجتمع” (Armed Forces & Society)، منذ تأسيسها عام 1974 بجامعة شيكاغو؛ حيث قاما بدراسة الجيش كمؤسسة اجتماعية وتحليل التأثيرات المتقاطعة بينه وبقية مؤسسات الدولة. وذهبت هذه الأدبيات إلى القول بأن العلاقات المدنية-العسكرية يغلب عليها جانب من الصراع، لكن خضوع العسكريين للمدنيين أو تجنب العسكرة يجعل هذا الصراع محدودًا، وتتوقف فعاليته على درجة فعالية السيطرة المدنية. وتطورت هذه الأدبيات مع ما طرحته ريبيكا شيف (Rebecca L. Schiff) فيما أصبح يعرف بنظرية التوافق في العلاقات المدنية-العسكرية، ونظرية التبعية التي ينادي بها بيتر فيفر (Peter D. Feaver) وتؤكد على الطابع التعاقدي في علاقة الجيش بالقيادة السياسية المدنية المنتخبة، ونظرية اقتسام المسؤولية التي طرحها دوغلاس بلاند (Douglace Bland) وتؤكد على تعاون المدنيين والعسكريين في إطار ما يُحدده الدستور والقانون، وأن المصدر الشرعي للسلطة السياسية هو الإرادة المدنية وليس المؤسسة العسكرية. ولقد تعددت الكتابات والأبحاث العلمية في تناول دراسة حالات معينة من العسكرة في أميركا اللاتينية وإفريقيا بحكم تاريخهما الطويل في الانقلابات العسكرية، وحظيت الحالة المصرية والجزائرية في العالم العربي باهتمام الباحثين بحكم فاعلية المؤسسة العسكرية في النظام السياسي ودورها في عسكرة المجتمع والاقتصاد(2).

ضمن هذا السياق، تأتي هذه الدراسة للمساهمة في إثراء الأدبيات التي كُتبت عن العسكرة (Militarisation) من أجل تقديم مقاربة نظرية تأصيلية لهذه الظاهرة الاجتماعية من خلال الإجابة على الحقل الاستفهامي الآتي: ما العسكرة؟ وما أسبابها ومظاهرها؟ وهل يمكن للعسكرة أن تتخذ أحيانًا مظهرًا إيجابيًّا؟ ومتى؟ ما علاقة العسكرة بالفكر السياسي؟ ولماذا تعتبر لصيقة بالأنظمة الديكتاتورية والفاشية والنازية وبالدول التي توجد في حالة حرب؟ ما معنى عسكرة الاقتصاد؟ وكيف تؤثر العسكرة الاقتصادية على العقيدة العسكرية للجيش؟ وما الحلول المقترحة لتفادي العسكرة؟ من خلال الإجابة على هذه الأسئلة تقترح هذه الدراسة نموذجًا يتكون من سبعة مؤشرات يمكن توظيفه لدراسة أية حالة معينة لقياس وجود أو غياب العسكرة في دولة ما ومجتمع ما، وهي: معدل الامتصاص السكاني، والمكوِّن العسكري في الاقتصاد، والتأثير العسكري في صناعة القرار، وتضخم الإنفاق العسكري، ونشر الجيش في الشارع، وانتشار السلاح والميليشيات في المجتمع، وعسكرة التنشئة الاجتماعية. وبناءً عليه، تفترض الدراسة أن العسكرة بكل مظاهرها ومخرجاتها تمثِّل تعبيرًا عن أزمة في العلاقات المدنية-العسكرية.

  1. مفهوم العسكرة

وردت لفظة العسكرة في معظم معاجم اللغة العربية، وجاء توضيح معانيها ودلالاتها وصفاتها موحدًا وغير مختلف فيه. وعرَّف ابن منظور العسكرة، في “لسان العرب”، بالشدَّة والجَذب. وأورد قول الشاعر طرفة: “ظل في عسكرة من حبُّها”، أي ظل في شدَّة من حبُّها. وأضاف “عَسْكَر اللَّيل” أي تراكمت ظُلمته؛ وعَسْكر بالمكان أي تجَمَّع. ويؤكد ابن منظور أن “العَسْكَر” بصيغة الجمع تعني الجيش ومجتمعه(3).  ووقف العميد سامي عوض في “معجم المصطلحات العسكرية” على لفظة “عسكرية” دون ذكر “العسكرة”، وقال بأنها “مصطلح يستعمل في أوسع معناه بمعنى الحرب أو ما يخص الحرب أو شؤونها سواء القوة البرية أو البحرية أو الجوية”(4). وجاء في “المعجم العسكري الموحد” الذي أعدته لجنة توحيد المصطلحات للجيوش العربية، أن كلمة “Militarisation” باللغة الفرنسية تعني نشر الروح العسكرية، وكلمة “Militarisme” تدل على تسلُّط العسكريين أو مذهب القائلين بالتسلُّط العسكري(5).

ويتعيَّن التمييز في تعريف العسكرة بين مستويين: مستوى الدولة ومستوى السياسة الدولية. على مستوى الدولة، تتمثَّل دلالاتها في تفاعل الجيش كمؤسسة نظامية -تتكون من أشخاص مشكَّلين عسكريًّا وفق بنية هرمية مع سلم ترتيب الرتب والقيادة ومدرَّبين على استعمال السلاح واستراتيجيات الحرب- مع المؤسسات المدنية والمجتمع. وهذا التفاعل هو الذي يعكس إما الاستقرار أو الصراع في منظومة العلاقات المدنية-العسكرية حسب الطابع الديمقراطي أو الاستبدادي في النظام السياسي. في هذا المعنى، يرى زيد الزلزلي أن العسكرة “تعني طغيان الطابع العسكري على المجتمع المدني بحيث لا نجد فرقًا بين الواقعين، العسكري والمدني”. وتدل العسكرة كذلك على “مجموعة من الأعراف والتقاليد التي اعتاد عليها مجتمع معين في حياته وهي عادات قريبة من التقاليد العسكرية”(6). وتذهب أريتا هولمبرغ (Arita Holmberg) إلى أن العسكرة تعني قوة تأثير الجيش على القرار السياسي والحياة العادية للمجتمع(7). وتتلخص العسكرة على مستوى الدولة في تحكُّم العسكر في السياسة والمجتمع، يرافقها خطاب يسعى إلى شَرْعَنَتِها كإجراء احترازي ضروري للحفاظ على الأمن القومي(8). وتؤدي العسكرة إلى ضعف قوة المدنيين في علاقتهم بالعسكريين، ويفقد الجيش صفة الحياد في علاقات السياسة والسلطة داخل المجتمع؛ حيث يصبح له نصاب مستقل في الكيان السياسي. وتُخِلُّ العسكرة بالوظائف الاحترافية التي أُنشئِت من أجلها المؤسسة العسكرية التي تعتبر، بحسب عبد الإله بلقزيز، “إحدى مؤسسات الدولة التنفيذية التي تخضع لرأس السلطة التنفيذية… وعلى هذا، جرى وصف تدخلهم في الشأن السياسي والسيطرة على الحكم بالانقلاب العسكري أو انقلاب الدولة باللغة الفرنسية (Coup d’Etat) بمعنى جزء من الدولة انقلب عليها”(9).

أما على مستوى السياسة الدولية، يمكن تعريف العسكرة بتعاظم اللجوء إلى العنف المسلح في حل الأزمات والنزاعات بين الدول، وتراجع دور الدبلوماسية. والأصل في العلاقات بين الدول هو عدم التهديد باستعمال القوة، وعلاقات حسن الجوار، وفض النزاعات بالطرق السلمية، وهي جزء أساسي من المبادئ التي بُنِي عليها ميثاق منظمة الأمم المتحدة. كما تُعرَّف العسكرة على المستوى الدولي بتضخم النفقات العسكرية، وسباق التسلُّح على حساب أولويات التنمية. وفي هذا المعنى يدل عدد من الوقائع على عسكرة السياسة الدولية؛ حيث يُقدِّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، المعروف اختصارًا بسيبري (SIPRI)، أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ 1822 مليار دولار، عام 2018، بنسبة 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي أو 239 دولارًا للفرد. وتعتبر الولايات المتحدة الأميركية والصين والسعودية والهند وفرنسا أكبر خمس دول إنفاقًا في المجال العسكري بنسبة 60%، سنة 2018، لكن السعودية هي صاحبة العبء العسكري الأكبر، حيث بلغ حجم إنفاقها في نفس العام 8.8% من ناتجها المحلي الإجمالي(10). وبالاستناد إلى مؤشرات دليل السلام العالمي، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، الذي أنشأه، سنة 2007، ستيف كيليليا (Steve Killelea)، فإن العسكرة بهذا المعنى تقلِّل شعور الدول بالسلام(11).

ويُستخلص مما سبق، أن للعسكرة مستوى وطنيًّا ودوليًّا. على المستوى الأول تكون مرادفة للتحكُّم، أي تحكُّم الجيش في الدولة والمجتمع، وهي بذلك تكون على مذهب القائلين بخروج الجيش عن ممارسة الوظائف الأساسية التي أُنْشِئ من أجلها في الدفاع عن الحدود وسيادة الدولة. أما على المستوى الثاني، فتحيل العسكرة على تعاظم استعمال القوة في حل الأزمات والنزاعات الدولية، وقلِّة الشعور بالسلام بسبب سباق التسلُّح.

  1. نشأة العسكرة

العسكرة ظاهرة قديمة سابقة على نشأة الدولة القومية، وعرفتها العديد من الدول إلى حدود نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث إلى هذا التاريخ لم تترسخ الممارسة التي تنادي بسيطرة المدنيين على الجيوش. على الرغم من أن هذه الأفكار ظهرت مع بزوغ فجر الديمقراطية في القرن الثامن عشر، وبالتحديد مع الثورة الأميركية والفرنسية. لكن التجربة الأميركية، وظهور مرسوم الأمن القومي في 1947، شكَّل ركيزة مهمة في بناء منظومة غير صراعية في العلاقات المدنية-العسكرية، وحسم مسألة خضوع العسكر للقيادة السياسية، باعتبار ذلك يمثِّل مبدأ جوهريًّا من مبادئ الديمقراطية. والجدير بالذكر، أن الفكر الليبرالي يرفض فكرة العسكرة ويهتم بالتركيب المدني للمجتمع، وهو مجتمع لا يحكمه العسكر ولا يحكمه رجال الدين، وتسود فيه سلطة القانون وحل الخلافات عن طريق الحوار والتفاوض وليس العنف.

تاريخيًّا، كان للعسكرة ارتباط وثيق بالفكر السياسي، ونشأت في ظل أيديولوجيات ومقولات وأفكار فلسفية مجَّدت العنف السياسي، ونادت بتحويل المجتمع إلى كتلة على استعداد دائم للقتال. فالفاشية عند بينيتو أندريا موسوليني (حاكم إيطاليا ما بين 1922-1943)، والنازية عند أدولف هتلر (حاكم ألمانيا ما بين 1933-1945)، والاشتراكية القومية المتطرفة عند فرانثيسكو فرانكو (حاكم إسبانيا ما بين عامي 1939-1975)، أنتجت أفكارًا مبنية على التشدُّد والعنصرية، واستعمال القوة وتمجيد دور الجيش. وهكذا أسهمت هذه الأيديولوجيات في نشر ثقافة عسكرة المجتمعات، واعتبار الشعب أداة بيد الدولة. كما أن الفكر الماركسي كان له نصيب من هذه الثقافة باعتباره يؤمن بأن الصراع مع الرأسمالية تاريخي وطويل لا ينتهي إلا بعد القضاء عليها. وعلى هذا المنهاج، سارت الحركات اليسارية التي آمنت بفكرة الشرعية الثورية لاستلام السلطة عن طريق القوة وبالاستعداد الدائم للدفاع عن الثورة. ولهذا، فإن الجيش يعتبر أداة الثورة في الدول الشيوعية، وامتدادًا للحزب الشيوعي على مستوى العلاقات التنظيمية والأيديولوجية.

كما أن الحروب الثورية، أو حروب التحرير ضد الاستعمار، كان لها دور في عسكرة عدد من الدول والمجتمعات باعتبار أن هذه الحروب تطلبت تعبئة جميع طاقات الشعب، وتأسيس جيش التحرير لمقاومة الاستعمار. لقد كان هذا الأخير (جيش التحرير) هو النواة الأساسية لتأسيس الجيش النظامي لدول الاستقلال الوطني، وآمن بالشرعية التاريخية بالنظر إلى دوره في حرب التحرير، وتأسيس دولة ما بعد الاستقلال. وعلى سبيل الذكر، يمثِّل هذا السياق التاريخي جزءًا كبيرًا من أسباب تدخل الجيش المغربي في الحياة السياسية في المرحلة الأولى من استقلال المغرب إلى غاية الانقلابين العسكريين الفاشلين، سنة 1970 و1971، الشيء الذي دفع ملك المغرب آنذاك، الحسن الثاني (1961-1999) إلى اعتماد استراتيجية وصفت بـ”استراتيجية عزل الانقلاب لإبعاد الجيش عن السياسة”(12). كما أن الوصف الذي يُطلق على النظام السياسي الجزائري، باعتباره نظامًا مُعَسْكرًا (militarisé) بتعبير مجيد بن الشيخ، يرتبط بسياق التحوُّل من جيش التحرير إلى جيش ما بعد الاستقلال(13). وهذا ما ذهب إليه جون فرانسوا داغوزان (Jean-François Daguzan) في دراسته للجيوش المغاربية(14).

ويعتبر التاريخ الطويل في السيطرة على الحكم عبر الانقلابات العسكرية أحد العوامل الأساسية في ظهور العسكرة، خاصة في دول أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا التي عاشت تجارب متكررة من تدخل الجيش في السياسة. فعلى سبيل الذكر، عرفت دول القارة الإفريقية منذ ستينات القرن الماضي ما يفوق 100 انقلاب عسكري ناجح، وشهدت الدول العربية منذ استقلالها ما يقارب 65 انقلابًا عسكريًّا ما بين ناجح وفاشل أغلبها في موريتانيا والسودان ومصر والعراق. واستأثر موضوع العسكرة السياسية الناجمة عن الانقلابات العسكرية باهتمام الباحثين، وظهرت قراءات تُفسِّرها بضعف بنية الدولة ومؤسساتها المدنية، وبتفشي الفساد وسوء الإدارة، وتدني ثقافة المؤسسة العسكرية التي لم تصل إلى درجة من الاحتراف العسكري يسمح لها بعدم تجاوز حدود مسؤولياتها تجاه الدولة والمجتمع. وضمن هذا السياق، يصف كلود ويلش (Welch Claude) وآرثر سميث (Smith Arthur)(15) هذه الظاهرة بالعلاقات المدنية-العسكرية البريتورية (Praetorianism)، التي “تنشأ نتيجة الانقلابات العسكرية والتدخل العسكري واسع النطاق في الحياة السياسية؛ حيث يكون الجيش فوق السلطة المدنية ويحافظ على وضع التحكُّم أو التهديد بالتدخل، ويشغل العسكريون مناصب سياسية. وقد شاع هذا النموذج في دول العالم الثالث بعد حصولها على الاستقلال بسبب افتقاد مؤسساتها السياسية الشرعيةَ القوية، وانخفاض درجة الاحتراف في مؤسسة الجيش”(16). ويؤكد هنتنغتون، مؤسس النظرية التقليدية في العلاقات المدنية-العسكرية، أن الاحتراف (Professionalism) هو الآلية الرئيسية لضمان إقامة علاقات مدنية-عسكرية ديمقراطية، ويرى أن الضابط الذي يتميز بدرجة عالية من الاحتراف العسكري يكون لديه استعداد للخضوع للسلطة المدنية ورفض المساس بشرعية الحكم المدني(17).

الشكل (1): الأسباب التاريخية لنشأة العسكرة

1

المصدر: الباحثان

  1. مؤشرات قياس العسكرة

يختلف حجم وطبيعة العسكرة من دولة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، حسب عدد من المعطيات التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولهذا يتعيَّن وضع مؤشرات كمِّية ونوعية للقياس كأداة منهجية لتحليل درجة تحكُّم الجيش في مؤسسات الدولة والمجتمع. ويمكن تلخيص هذه المؤشرات فيما يلي:

أولًا: معدل الامتصاص السكاني

يُقصَد بهذا المؤشر نسبة الأفراد المنتسبين إلى القوات المسلحة من مجموع عدد السكان، ويمكن أن يُطلَق عليه كذلك معدل المشاركة العسكري. بمعنى أنه كلما كان هناك تضخم في عدد المجندين النظاميين وغير النظاميين كانت هناك عسكرة. وتكمن أهمية المؤشر في ترتيب وقياس قوة الجيش بناء على عدد المنتسبين. ووفقًا لذلك، يمثِّل الامتصاص السكاني للجيش الإسرائيلي 3.3%، وهو يفوق المعدل الدولي الذي يقارب 2%. ويعتبر هذا المؤشر أكثر تضخمًا في كوريا الشمالية؛ حيث يصل عدد الجنود النظاميين 1.2 مليون جندي، بالإضافة إلى 4.5 ملايين من الجنود الاحتياطيين من مجموع السكان البالغ عددهم 25.67 مليون نسمة. لكن هذا المؤشر لا ينطبق على جيش التحرير الصيني رغم ضخامة عدده الذي يُقدَّر بنحو 2.183.000 جندي، وكذلك الجيش الهندي الذي يبلغ تعداده 1.329.998 جندي بالمقارنة مع النسبة المئوية من مجموع عدد السكان. ولابد من الإشارة إلى أن إلزامية الخدمة العسكرية لا تعتبر عسكرة إلا في حالة تضخم معدل الامتصاص العسكري. أما ما عدا ذلك فتعتبر إجراء عاديًّا لتلبية احتياجات الجيش من الموارد البشرية، وهي “واجب يؤديه الفرد عن انتمائه للوطن، وغالبًا ما تنحصر في فئة عمرية محدَّدة حسب القوانين التي تنظمها في كل دولة (…). وتعتبر الخدمة العسكرية من أهم مظاهر العلاقات المدنية-العسكرية في إطار علاقة الجيش بالمجتمع باعتبار أن دمج المدنيين لفترة محدودة في المؤسسة العسكرية يُسهِم في التنشئة الاجتماعية، ويساعد على الانخراط في المجتمع، غير أن الاتجاه العام في أغلب دول العالم يسير نحو إلغاء العمل بقوانين الخدمة العسكرية واستبدال نظام التجنيد التطوعي بها”(18).

ثانيًا: المكوِّن العسكري في الاقتصاد

يُقصَد بهذا المؤشر نسبة المقاولات والأعمال التجارية المملوكة للجيش سواء كأفراد أو مؤسسة. ويُطلَق عليه كذلك عسكرة الاقتصاد الذي يحيل على تحوُّل اقتصاد دولة ما إلى اقتصاد عسكري تابع للجيش في معظم القطاعات الاقتصادية بدل أن يكون تحت سيطرة المدنيين. وهي عسكرة تحول دون قيام الحكومة بتدبير شؤون الاقتصاد بشكل فاعل أو وضع سياسة اقتصادية دون تحكُّم أو تعطيل من المؤسسة العسكرية. وعسكرة الاقتصاد تُحوِّل الجيش إلى فاعل اقتصادي في عمليات التنمية على حساب القطاع الخاص؛ الشيء الذي يعرقل الاستثمار المحلي والأجنبي ويحُدُّ من نزاهته. ويميز طلال كداوي تمييزًا دقيقًا بين الاقتصاد المعسكر واقتصاد الحرب؛ “ففي اقتصاد الحرب تُسخَّر الإمكانات الاقتصادية المتاحة لخدمة المجهود الحربي، وتُرَتَّب الأولويات، وبخاصة الإنفاقية، لتَصُبَّ في تعزيز هذا المجهود. قد تكون هذه التدابير من طبيعة مؤقتة لا تلبث أن تزول بانتهاء حالة الحرب. أما الاقتصاد المعسكر فيُعبِّر عن حالة تعاظم المكوِّن العسكري في الاقتصاد، وارتفاع الدرجة التي يمارسها التأثير العسكري في صنع القرار الاقتصادي في الدولة”(19).

ووفق هذا التعريف، سنجد للتوضيح والفهم أن عسكرة الاقتصاد تعتبر سمة بارزة في مصر؛ حيث تتحدَّد علاقة المؤسسة العسكرية بالمجتمع عبر مجموعة من الأنشطة الاقتصادية التي تتحكَّم في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الدولة، وتنعكس سلبًا على العقيدة العسكرية للجيش المصري.

تعتبر المؤسسة العسكرية المصرية كيانًا شبه مستقل في موارده من خلال عملية هيمنة على اقتصاد الدولة منذ الانقلاب العسكري الأول، عام 1952، الذي أطاح بالنظام الملكي وحرَّر مصر من التبعية للاحتلال الإنجليزي. منذ ذلك التاريخ، سيطر الجيش على الدولة لمدة ستة عقود، وكان كل رؤساء مصر ينتمون إلى الجيش، باستثناء فترة حكم الرئيس محمد مرسي كأول رئيس مدني منتخب بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 (من 24 يونيو/حزيران 2012 إلى 3 يوليو/تموز 2013). بدأت سيطرة الجيش باتباع سياسة تقوم على أساس الارتباط بالطبقة الفقيرة من خلال دعم المواد الاستهلاكية الأساسية وعلى رأسها الخبز المدعوم، وتوفير شقق بأسعار مناسبة، والتحكُّم في قطاع البناء وتشييد الفنادق ومراكز الاصطياف، وبناء الطرق وقاعات الأفراح والملاعب الرياضية والمجمعات الاستهلاكية والمشاريع الزراعية. وقد تم تجريد الجندي المصري من قيم الجندية ومن وظيفته الأساسية كجندي ليشتغل في أعمال السخرة وفي النشاطات التجارية بأجور زهيدة، والعمل في الحقول والمعامل التابعة للقوات المسلحة المصرية. وهكذا تم تأسيس قطاع أعمال مستقل أو ما يُطلِق عليه يزيد الصايغ “إمبراطورية الأعمال” بالموازاة مع السيطرة على المؤسسات الحكومية التي توفر الخدمات الأساسية في مجال المياه، والمواصلات والاتصالات، وشبكة الصرف الصحي، واستصلاح الطرق(20). كما أن تسريح عدد كبير من الضباط برتبة عقيد وعميد للحفاظ على الهيكل الهرمي للمؤسسة العسكرية وتعيين بعضهم كمديرين سهَّل عملية السيطرة على الدولة والمجتمع. وقد تناول عدد من الدراسات العلمية(21) هذه الإمبراطورية الاقتصادية للجيش المصري من خلال جرد وتحليل للمؤسسات والشركات التابعة للجيش والقطاعات الاقتصادية التي يُسيطر عليها، وعلى رأسها:

– وزارة التصنيع الحربي التي تشرف على الصناعة العسكرية التي يذهب إنتاجها لتلبية الجيش المصري وللتصدير.

– جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع الذي تأسس سنة 1979، وهو متخصص في الأنشطة الهندسية والصناعية والزراعية والإنتاج الحيواني والدواجن والصناعات الغذائية.

– الهيئة العربية للتصنيع التي تُشغِّل أكثر من 15 ألف من العاملين والمهندسين والفنيين، والمتخصصة في معالجة المياه، والسكك الحديدية، وصناعة السيارات وتجهيزاتها، والمعدات الاستثمارية وقطع الغيار، والأجهزة الإلكترونية، والطاقة المتجددة، ومعدات زراعية وخشبية واستهلاكية.

– الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المتخصصة في عدة أنشطة، مثل مشاريع العمران، وشبكات الطرق، والمطارات، وحفر الآبار وتحلية المياه.

– جهاز الصناعات والخدمات البحرية، الذي تأسس سنة 2003، والمتخصص في الصناعات والخدمات البحرية.

– إدارة النوادي والفنادق للقوات المسلحة.

– إدارة الخدمات الطبية للقوات المسلحة.

– جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة.

باختصار، يسيطر الجيش المصري على نسبة كبيرة من الاقتصاد بنسبة تصل ما بين 40% و60% من الاقتصاد المصري(22) عبر مئات من الشركات التي تستثمر في مختلف القطاعات الزراعية والصناعية والخدماتية، وترتبط بعلاقات قوية مع المؤسسات العامة والخاصة لضمان الحصول على معاملة تفضيلية على حساب نزاهة الاستثمار والقطاع الخاص.  ويشكِّل الاقتصاد العسكري في مصر قاعدة أساسية للنظام السياسي، وآلية للهيمنة العسكرية على الاقتصاد المدني تصعب معه ممارسة الإدارة الاقتصادية الفاعلة من طرف الحكومة(23).

ثالثًا: التأثير العسكري في صناعة القرار

يُعرف هذا المؤشر عادة بالعسكرة السياسية، ويُقصَد به التأثير الكبير الذي تمارسه المؤسسة العسكرية على عملية صناعة القرار الاستراتيجي في الدولة. ففي مثل هذه الحالة، تكون القيادة السياسية غير مستقلة عن سلطة الجيش وغير قادرة على توجيه القوات المسلحة باعتبارها سلطة مدنية تمثِّل الشعب وتقع عليها مسؤولية اتخاذ القرار الاستراتيجي باسمه. كما أنها تكون عاجزة عن ضمان أن مؤسسات الدولة واستراتيجيتها الوطنية هي الخيارات الحرة للشعب وليس للقوات المسلحة.

وتعني العسكرة السياسية سيادة المؤسسة العسكرية على السلطة المدنية، والأصل أن القرار السياسي النهائي بيد القيادة المدنية المنتخبة، والقوات المسلحة تُنفِّذه في ظل منظومة من العلاقات المدنية-العسكرية تقوم على تقدير خبرة المحترفين العسكريين ومشورتهم في التوصل إلى قرارات حول الأمن القومي. والعسكرة السياسية، بهذا المعنى، تعمل خارج دائرة القانون والدستور، وتسيء إلى الطابع المدني للدولة، وتؤدي إلى تعظيم قوة العسكريين في العلاقة مع المدنيين، وتدخُّلهم في الحياة السياسية. وهكذا، يحدث الإخلال بقاعدة أن العسكريين أداة بيد الدولة مع ضمان استقلاليتهم المهنية.

وتدل تجارب العسكرة السياسية في إفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا والعالم العربي، خاصة الجزائر ومصر والسودان وموريتانيا، على أن العلاقات المدنية-العسكرية يغلب عليها جانب الصراع وعدم التجانس، وفقدان السلطة المدنية لسلطتها في توجيه العسكريين. ومن أهم أسباب ذلك ضعف المؤسسات السياسية للدولة، وعدم فعالية نظام التعددية السياسية، والتدخلات الأجنبية، والانقلابات العسكرية. وترتبط العسكرة السياسية أحيانًا بأسباب اقتصادية في حالة عجز الدولة عن توفير الموارد وتقديم الخدمات، وبأسباب اجتماعية مرتبطة بالصراعات والتناقضات بين المكونات الطائفية والقبلية والجهوية في المجتمع. وتتوسع العسكرة السياسية في مؤسسات الدولة من خلال تولي كبار الضباط مناصب عليا في قطاعات مدنية عامة.

رابعًا: تضخم الإنفاق العسكري

يُقصَد بهذا المؤشر الإنفاق الكبير على التسلُّح والخدمات العسكرية؛ حيث يجري تسخير الموارد البشرية والاقتصادية لخدمة الأغراض العسكرية والأمنية على حساب القطاعات الحيوية الأخرى، ويُشار إليه بالعبء العسكري، أو الجهد العسكري (Military Effort)، أو العبء الدفاعي (Defense Burden). ويُعد هذا المؤشر الأكثر استخدامًا لشموليته وأهميته، لأنه يسمح بقياس الضغط الذي يمارسه الإنفاق العسكري على الموارد المتوافرة من خلال قياسه بوصفه نسبة من الدخل القومي، أو قياس نسبة الفرد من السكان من الإنفاق العسكري، أو نسبة الإنفاق العسكري من الميزانية الحكومية. بعبارة أخرى، تتحقَّق العسكرة حينما تستحوذ النفقات العسكرية على القسط الأكبر من موارد التنمية، لأن امتلاك مقومات عناصر قوة الدولة لا يتحقق بالتفوق العسكري فقط بدون قوة الاقتصاد والدبلوماسية والمعلومات، التي تُعرف في اللغة الإنجليزية بمختصر “DIME“(24). ولهذا، فإن العسكرة بهذا المعنى تتسبَّب في عجز ميزانية الحكومة مما يستلزم تداركه من خلال الاقتراض. باختصار، فإن الإنفاق العسكري الذي يتجاوز المعدل المقبول يتحوَّل من المنظور الاقتصادي إلى عسكرة، وإلى اقتطاع من فرص التنمية في حالة تضخمه فوق الحاجة الضرورية.

ويتبيَّن من خلال الجدول أدناه رقم (1)، وانطلاقًا من التعريف الذي تقدَّم سابقًا، أن المنفقين الخمسة عشر الكبار هم الأكثر عسكرة للسياسة الدولية، لكن إنفاقهم العسكري ليس دائمًا مماثلًا لمعدل النمو الاقتصادي؛ حيث يوجد تفاوت من دولة إلى أخرى. ففي حالة العربية السعودية، التي تعتبر أكبر منفق على السلاح بدون منازع، هناك سحب واضح من المخصصات المدنية لصالح المشتريات العسكرية باعتماد مقياس حجم العبء العسكري من الناتج القومي، وهو ما يؤثر بشكل سلبي في الاستثمار، وبرامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والإنفاق المخصص لتكوين المهارات.

الجدول (1): الدول الخمس عشرة الأكثر إنفاقًا على السلاح عام 2018(25)

المرتبة الدولة النفقات العسكرية 2018 (مليارات الدولارات) 2009-2018(%) النفقات العسكرية كحصة من الناتج المحلي الإجمالي(%) نسبة الإنفاق العسكري لكل دولة قياسًا للإنفاق العالمي لعام 2018(%)
2018 2017 2018 2009
1 1 أميركا 649 17- 3.2 4.6 36
2 2 الصين [250] 83 [1.9] [2.1] [14]
3 3 السعودية [67.6] 28 [8.8] 9.6 [3.7]
4 5 الهند 66.5 29 2.4 2.9 3.7
5 6 فرنسا 63.8 1.6 2.3 2.5 3.5
 المجموع الفرعي للخمس الكبار 1097 60
6 4 روسيا 61.4 27 3.9 3.9 3.4
7 7 بريطانيا 50.0 17- 1.8 2.4 2.7
8 9 ألمانيا 49.5 9.0 1.2 1.4 2.7
9 8 اليابان 46.6 2.3 0.9 1.0 2.6
10 10 كوريا الجنوبية 43.1 28 2.6 2.7 2.4
المجموع الفرعي للعشر الكبار 1347 74
11 13 إيطاليا 27.8 14- 1.3 1.6 1.5
12 11 البرازيل 27.8 17 1.5 1.5 1.5
13 12 أستراليا 26.7 21 1.9 1.9 1.5
14 14 كندا 24.6 12 1.3 1.4 1.2
15 15 تركيا 19.0 65 2.5 2.5 1.0
المجموع الفرعي للخمس عشرة الكبار 1470 81
العالم  1822 5.4 2.1 2.6 100

خامسًا: نشر الجيش في الشارع

يحيل هذا المؤشر في قياس العسكرة على ظاهرة نشر المواقع العسكرية وثكنات الجيش في مراكز المدن أو بالقرب منها؛ حيث يكون أفراد القوات المسلحة في احتكاك يومي بالمواطن وجزء من الحياة الاجتماعية. ويُبيِّن هذا المؤشر الاختلال في وظائف الجندي مقابل الشرطي، أو القوات المسلحة مقابل أجهزة الأمن الداخلي؛ مما يؤدي إلى الصراع في منظومة العلاقات المدنية-العسكرية. فالمهمة الأصلية التي أُنْشِئت من أجلها القوات المسلحة هي الدفاع عن استقلال الدولة وسيادتها ووحدة أراضيها ضد أي هجوم عسكري أجنبي، في حين تُعتبر أجهزة الأمن الداخلي أو جهاز الشرطة المسؤول الأول عن حفظ النظام العام، والتحري عن الجرائم والكشف عنها، وضبط الجناة وتسليمهم إلى العدالة لمحاكمتهم؛ فهي في “جوهرها تسعى إلى استقرار النظام في المجتمع حتى لو أدى ذلك إلى استعمال العنف بالقدر الذي يسمح به القانون لها باعتبارها أداة تنفيذ القانون”(26). وبالتالي، فإن نشر الجيش في الشارع، وتكليفه بوظائف الأمن الداخلي، يعتبر عسكرة للمجتمع. وهذا لا يعني الفصل الكامل بين المجال العسكري والمجال المدني وغياب التعاون بين الأجهزة الأمنية والأجهزة العسكرية التي يمكن أن تقوم بأدوار غير تقليدية، أي الأدوار التي تتجاوز الوظيفة الإلزامية التي أُنْشِئت من أجلها(27). بناءً عليه، “يجب في كل الحالات التمييز بين مهمات القوات المسلحة وأجهزة الشرطة؛ فالجندي جندي، والشرطي شرطي، ولكل واحد منهما وظائف محدَّدة. صحيح أن كليهما يُعتبر أداة الدولة لفرض هيبتها وحفظ الأمن والاستقرار، لكن حينما يُطلب من الجيش مساعدة أجهزة الشرطة، يجب تحديد السلطات التي تقتضيها أدوار فرض القانون، حتى لا يكون هناك سوء استخدام لهذه الصلاحيات وتُواجَه باستهجان الجمهور ورفضه، بل يستحسن أن يتفادى الجيش التعامل المباشر مع الجمهور، وألا يُطلَب منه القيام بذلك إلا في حالة الضرورة، وإبقاء مهمات فرض القانون والأمن الداخلي بيد الشرطة المدنية والقوات شبه العسكرية”(28).

وتتمثَّل الضرورة هنا في حالة الإعلان عن الطوارئ؛ حيث تُمنَح الأجهزة الأمنية والعسكرية صلاحيات واسعة لمواجهة تهديد استثنائي. وفي هذه الحالة، حالة الطوارئ، تتخذ العسكرة مظهرًا “إيجابيًّا” بنشر الجيش في الشارع كجزء من التدابير والإجراءات التي تتخذها سلطات الدولة على المستوى الوطني، أو في جزء معين من ترابها، بهدف ضبط الأمن والحفاظ على النظام العام إثر وقوع أحداث استثنائية مثل هجمات خارجية ضد الدولة، أو أعمال شغب واسعة النطاق، أو هجمات واسعة، أو كوارث أو نحو ذلك. ولهذا تكون العسكرة في هذه الحالة إيجابية دعت إليها الضرورة القصوى لحماية الكيان السياسي للدولة والمجتمع من تهديد حقيقي استثنائي لكن يجب أن تنتهي بزوال التهديد الاستثنائي باعتبار حالة الطوارئ حالة مؤقتة تُفرض بناء على إعلان حكومي استجابة لوضع غير عادي، ويؤدي اللجوء إليها إلى تعليق بعض الخدمات والوظائف الاعتيادية التي تقوم بها الحكومة، ويتعيَّن على المواطنين تغيير سلوكهم الاعتيادي ويُخوَّل الجيش والأجهزة الأمنية تنفيذ خطط التأهب وأحيانًا تقييد الحريات المدنية أو تعليقها. لهذا، فإن هذا الوجه الإيجابي للعسكرة يرتبط بوجود إطار قانوي أو مرجعية دستورية يرافقها إطار عملياتي والتزامها بالمبادئ التي تجب مراعاتها في حالة الطوارئ، وهي الصفة المؤقتة باعتبارها حالة استثنائية والتهديد الاستثنائي والإعلان عنها، أي إخبار المواطنين واحترام مبدأ التناسبية في الإجراءات المتخذة.

والجدير بالذكر، أن حالة الطوارئ تُمثِّل إجراء شائعًا في الأنظمة المستبدة، وقد تمتد إلى فترات طويلة، توازي فترة بقاء هذه الأنظمة في الحكم، وفي بعض الحالات يجري الإعلان عن تطبيق القانون العسكري ويمارس الجيش سلطات واسعة. ونذكر من التاريخ العربي المعاصر، أن ملك المغرب، الحسن الثاني، أعلن، في 7 يونيو/حزيران 1965، حالة الاستثناء وحلَّ البرلمان بمقتضى المادة 35 من الدستور، وأمر الجيش بالنزول إلى الشارع واستمرت حالة الاستثناء مدة خمس سنوات إلى غاية 31 يوليو/تموز 1970. وأثناء حرب 1967، أعلنت مصر حالة الطوارئ، وجرى إيقاف العمل بها عام 1980 لمدة 18 شهرًا، وأُعِيد فرضها بعد اغتيال الرئيس أنور السادات، في أكتوبر/تشرين الأول 1981، واستمر العمل بها طيلة فترة حكم الرئيس حسني مبارك، التي بلغت ثلاثة عقود من 1981 إلى غاية تنحيه عن السلطة في 11 فبراير/شباط 2011، لكن جرى الرجوع إليها مرات عديدة بعد هذه الفترة.

وفرضت تونس حالة الطوارئ بعد حادثة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، عندما قام محمد البوعزيزي بإضرام النار في نفسه، وكان من نتائجها حظر التجوال المتواصل، وأُنهي العمل بها من طرف الرئيس التونسي السابق، محمد المنصف المرزوقي، في 6 مارس/آذار 2014، لكن جرى الرجوع إليها عدة مرات بعد هذا التاريخ. غير أن الخطط الأمنية التي يجري تنفيذها بالتعاون مع الجيش لا تعتبر حالة طوارئ من مثل خطة “فيجيبيرات” في فرنسا، أو نظام “حذر” بالمغرب. فخطة “فيجيبيرات”، التي يعود تاريخها إلى عام 1978، تهدف إلى تعزيز قدرة الأمن على مواجهة أية تهديدات ومساعدة قوات الشرطة، وتتكون من مجموعة من الإجراءات، أهمها: رفع حالة التأهب القصوى تحسبًا لاحتمالية وقوع هجمات إرهابية بهدف حشد كافة الإمكانات الأمنية، ونشر العسكريين في الأماكن العامة، وتعبئة الشرطة وأجهزة أمن شركة السكك الحديدية، ورفع عدد الدوريات طوال فترة الأعياد، خصوصًا في المناطق التجارية ووسط المدن وشبكات النقل.  ولا يختلف نظام “حذر”، الذي انطلق في المدن المغربية الكبرى، سنة 2014، كثيرًا عن “فيجيبيرات”، فهو خطة أمنية تهدف إلى مكافحة الإرهاب، وحماية المواطنين والسياح الأجانب، ويضم قوات الجيش، والدرك الملكي، والشرطة والقوات المساعدة في كل من المطارات والمحطات السككية والطرقية وأماكن التجمعات الكبرى، وجرى تفعيله في إطار تعزيز قدرات القوى الأمنية المغربية لمواجهة أي خطر إرهابي.

سادسًا: انتشار السلاح والميليشيات المسلحة في المجتمع

يُقصَد بهذا المؤشر أن الانتشار الواسع للسلاح بين فئات الشعب بصورة خارجة عن سيطرة ورقابة السلطة يعتبر من قبيل عسكرة المجتمع، وكذلك انتشار الجماعات المسلحة غير النظامية، لأن الجيش هو القوات المسلحة لدولة ما، وكل جماعة مسلحة خارج سلطة الدولة لا تُعتبر جيشًا، لأن الدولة ككيان سياسي موحد لا تقبل بوجود أكثر من جيش داخل مجالها الإقليمي، بل جيش واحد تحت سلطتها يتكون من عدة أفرع عسكرية ويتميز ببنية هرمية مع سلم ترتيب الرتب ووحدة القيادة. وهذا النوع من العسكرة الناتج عن انتشار السلاح والميليشيات في المجتمع يحول دون إحلال السلام داخل الدولة، وينتشر غالبًا في الدول التي تشهد حروبًا أهلية، وفي المجتمعات التي تكون فيها سلطة القبيلة أو الطائفة أقوى من سلطة الدولة. وما يميِّز الدول التي تشهد حروبًا أهلية هو المواجهة العسكرية بين القوات النظامية من جهة، والقوات المتمردة أو المنشقة من جهة أخرى، باستعمال الأسلحة الخفيفة وأحيانًا الثقيلة واللجوء إلى حرب المدن والعصابات. ففي مثل هذه الحالات تكون غالبية أفراد المجتمع مسلحة بأسلحة سهلة الاستعمال والنقل والتهريب لضمان أمنهم في ظل عجز الدولة عن توفير الأمن لهم. وتسعى الجماعات العسكرية غير النظامية إلى الحصول على أسلحة ثقيلة بسبب مطالب انفصالية أو قومية أو طائفية أو قبلية من أجل الاستحواذ على السلطة.

وفي السياق العربي، يُعرِّف، عبد العالي حور، الميليشيات المسلحة بأنها “أجنحة عسكرية تدافع عن تنظيمات وتكتلات قومية أو طائفية أو إثنية أو فئوية أو جغرافية مضطهدة، أو عصابات قتل وإرهاب منظم مختلف الأهداف يظهر تأثيرها في المجتمع عندما تعمُّ الفوضى وينفلت زمام الأمن، وينعدم دور الدولة في حماية الوطن والمواطن”(29). ويشكِّل هذا النوع من العسكرة تهديدًا للاستقرار السياسي للدولة، وتهديدًا لحياة المدنيين، بسبب القتال في المناطق ذات الكثافة السكانية. بالنسبة للتهديد الأول، شكَّلت ظاهرة ما يسمى بـ”الجيوش العشائرية”، أو “القبلية”، أو “الجهوية”، تحديًا للسيادة الوطنية والاستقرار السياسي للعراق ولبنان وسوريا واليمن وليبيا، وخلقت انقسامات اجتماعية ونزعات انفصالية.

لقد تحوَّلت هذه الدول إلى دول عاجزة، وانشغل، على سبيل الذكر، الجيش النظامي في سوريا بالدفاع عن بقاء النظام في السلطة في ظل تفجر الصراعات الأهلية وانتشار “الكتائب المناطقية” و”لجان التأمين القبلية”. ويعتبر تسلُّح القبائل، التي تُعد بمنزلة العنصر الأساسي في تكوين المجتمع الليبي، العامل المهم في تحديد خارطة الحرب الأهلية في ليبيا بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، عام 2011، حيث استغلت القبائل انهيار مؤسسات الدولة للقيام بدور الأجهزة الأمنية في تأمين المناطق التي توجد فيها، وتغذية ساحة المواجهة بالعتاد العسكري وبالمقاتلين(30). وفي العراق، شكَّلت المعركة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المعروف اختصارًا بـ”داعش”، تحديًا للقوات العراقية في حماية المدنيين وفي استعادة المدن الكبرى، مثل الرمادي أو الفلوجة أو الموصل؛ حيث أدَّت العمليات العسكرية التي استخدم فيها تنظيم الدولة المدنيين دروعًا بشرية، والتخفي في المناطق السكنية أثناء عمليات تحرير هذه المدن، إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى وتدمير واسع النطاق ونزوح السكان. باختصار، يمثِّل هذا النوع من العسكرة خطرًا على إنهاء النزاع وبناء السلام، خاصة فيما يتعلق بعملية نزع السلاح وجمعه، وحلِّ الميليشيات المسلحة، وتوحيد المقاتلين تحت سلطة جيش وطني واحد بقيادة موحدة.

سابعًا: حضور قوي للتقاليد والثقافة العسكرية في عملية التنشئة الاجتماعية  

يُقصَد بهذا المؤشر تنظيم المجتمع على أُسُس عسكرية بحتة؛ حيث يُكرَّس الإعلام والتعليم لغرس التقاليد العسكرية ونشر خطاب يُمجِّد دور الجيش من خلال إنتاج الأغاني والأناشيد والأفلام الوثائقية حول بطولات العسكريين. فمنذ ثورة يوليو/تموز 1952، تدخل الجيش المصري في المناهج التعليمية للتأكيد على ارتباط الجيش بالطبقات الفقيرة واعتباره رمزًا للوطنية والتحرر من التبعية والاستعمار، وممارسة الرقابة العسكرية على الصحافة والبرامج الإذاعية والتليفزيونية وتوظيف السينما والفن لعسكرة الحياة العامة. وترافق هذا مع التجنيد الإجباري الذي يمتد من سنة إلى ثلاثة سنين وتقييد حرية الأفراد في الحصول على التوظيف والسفر بالقيام بالخدمة العسكرية(31).

وفي الحالة الاسرائيلية، كتب الباحثان، أيمن إغبارية وعماد جرايسي، أن مناهج التعليم في إسرائيل تقوم على أساس تعزيز المضامين القومية-الدينية، ويتضمن ذلك “تشجيع عسكرة التعليم، وتقوية تداخل قوى اليمين الاستيطاني عبر جمعيات ومناهج تسعى إلى نشر أفكار الصهيونية المتديِّنة وشَرْعَنَة الرؤى الاستيطانية”(32). ويضيف الباحثان أن هناك مؤشرات على عسكرة التعليم من خلال “تعزيز مثالية الجندي كنموذج تربوي، وعقد محاضرات وورشات عمل يُقدِّمها ضباط في الجيش، ومنح مكافآت للمعلمين بناء على معايير تتعلق بخدمتهم العسكرية، وعقد لقاءات بين الطلاب والجيش”(33).

وفي دراسته للعسكرة، من خلال تحليل مناهج التاريخ، يستخلص وائل المبحوح أن “التربية العسكرية في إسرائيل تلعب دوراً رئيسًا في ترسيخ العقيدة العسكرية من خلال التأكيد على ضرورة تجنيد المجتمع وتحويله لشعب مسلَّح، بحيث يقوم كل فرد بأداء مهمة محدَّدة في المجهود الحربي”(34). ويُعد قانون التحضيرات قبل الخدمة العسكرية الإلزامية، الذي تمَّ سَنُّه عام 2008، أهم الأدوات التشريعية لإعداد الطلاب للخدمة العسكرية والمشاركة الاجتماعية. ولقد ساعد هذا القانون في انتشار الأكاديميات التحضيرية العسكرية لإنتاج النخب العسكرية. يضاف إلى هذا أن المؤسسة العسكرية بإسرائيل تعتبر أهم مؤسسة في البحث العلمي، وأن نسبة عالية من أنشطة البحث العلمي تجري لحسابها بشكل مباشر أو غير مباشر(35).

ويمارس الإعلام دورًا خطيرًا في تعزيز العسكرة متخذًا في ذلك مظهرين فيما يطلق عليه العسكرة الإعلامية. المظهر الأول هو تبرير الانقلاب الذي يحتاج أثناء نجاحه إلى الدعم السياسي الشعبي؛ حيث يلعب الإعلام دورًا كبيرًا في تثبيته، وبناء تحرك شعبي لصالحه عن طريق تقديم الانقلاب كضرورة للحفاظ على الأمن القومي وتفادي انزلاق الدولة في صراعات يصعب السيطرة عليها. أما المظهر الثاني فيرتبط بلجوء المؤسسة العسكرية إلى بناء أذرع إعلامية تابعة لها داخل الحقل الإعلامي كما تؤكد ذلك الحالة المصرية؛ حيث يمتلك الجيش بطريقة غير مباشرة عددًا من الفضائيات عن طريق رجال أعمال مرتبطين به من أجل حشد المواطنين وتعبئتهم لضمان تأييد الجيش(36). وعلى هذا المستوى تتخذ العسكرة الإعلامية أسلوبًا معينًا في التغطية الإخبارية لتبرير الاصطفاف إلى جانب المؤسسة العسكرية.

ومن بين أخطر مظاهر عسكرة التنشئة الاجتماعية كذلك هو تجنيد الأطفال في الحروب والنزاعات المسلحة، وهو انتهاك جسيم للقانون الدولي، حيث تنص القاعدة 136 من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر -بشأن القانون الدولي الإنساني العرفي- على أنه لا يجوز “تجنيد الأطفال في القوات المسلحة أو في جماعات مسلحة”. كما أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقية حقوق الطفل ينصَّان على أن تجنيد الأطفال يشكُّل جريمة حرب في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. وعلى سبيل الذكر، ظل هذا النوع من العسكرة مظهرًا بارزًا في سياسة التجنيد في الجيش اليمني الذي كان يقبل في صفوفه مَنْ هم أقل من 15 عامًا. واعتمدت الجماعات المسلحة في النزاع الذي شهده اليمن منذ ثورات الربيع العربي، خاصة جماعة الحوثي، على تعزيز قدراتها القتالية عبر تجنيد الأطفال واستغلالهم في الحرب. وتتوفر جماعة الحوثي -حسب دراسة ميدانية أنجزها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان- على 52 معسكرًا لتجنيد الأطفال وتتوفر على 10333 طفلًا مجنَّدًا(37).

الشكل (2): مؤشرات قياس العسكرة

2

المصدر: الباحثان

  1. التداعيات السلبية للعسكرة

العسكرة بكل مظاهرها ومخرجاتها تمثِّل تعبيرًا عن أزمة في العلاقات المدنية-العسكرية، لأن وجود الجيش في مختلف مناحي الحياة يحوِّل المجتمع إلى معسكر خاضع لرقابته الدائمة. كما أنها تشكِّل تهديدًا حقيقيًّا للطابع المدني للدولة ولنسيجها الاجتماعي والاقتصادي، باعتبارها نسقًا من العلاقات يقوم على القمع والسيطرة على الدولة والمجتمع؛ حيث يترتب عليها طغيان الطابع العسكري على الطابع المدني في النظام السياسي، وتتعرض الحريات العامة وحقوق الإنسان، ومبادئ التداول الديمقراطي على السلطة، للخطر. وتمنح الأنظمة الديكتاتورية التي تنتشر فيها العسكرة صلاحيات غير محدودة للجيش فوق القانون والدستور؛ مما يؤدي إلى التغاضي عن الممارسات غير المشروعة، وتسخير الموارد البشرية والاقتصادية لصالح المؤسسة العسكرية. ولهذا، فالعسكرة رديف لغياب، أو على الأقل تراجع، سمو سلطة القانون والدستور واستقلالية القضاء، ويترتب عليها تغييب لدور المجتمع المدني كقوة موازية لمنظومة العسكر وكآلية وساطة لتمثيل المواطنين بعيدًا عن القطاع السياسي الرسمي.

وعلى المستوى الاقتصادي، ترصد زينب أبو المجد خطورة العسكرة الاقتصادية على العقيدة العسكرية للجيوش من خلال دراستها للحالة المصرية. لقد أدى تعاظم المكوِّن العسكري في الاقتصاد المصري من خلال الشركات المملوكة للجيش كمؤسسة وكأفراد إلى ظهور جيل من “الضباط النيوليبراليين”، فمنذ استيلاء الجيش على السلطة، عام 1952، بدأ الانتماء الطبقي للمنتسبين إليه من الرتب العليا يتغيَّر تدريجيًّا من الطبقة الوسطى إلى طبقة رجال الأعمال العسكريين ومديري شركات يهيمنون على السوق من أجل تحقيق مكاسب شخصية ومؤسساتية مستفيدين من دعم بيروقراطية الإدارة لتسهيل مشاريعهم. وأدى الانخراط الواسع للجيش في النشاط الاقتصادي إلى ظهور نخبة عسكرية بفكر رجال الأعمال والمستثمرين، وتحوُّل واضح في العقيدة العسكرية من عقيدة ذات هوية قومية عربية في فترة حكم جمال عبد الناصر وأنور السادات إلى عقيدة ضيقة ذات بُعد وطني في ظل التحول إلى الرأسمالية منذ عهد حكم حسني مبارك(38).  ولقد تعززت عسكرة الاقتصاد المصري بعد الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي، في 3 يوليو/تموز 2013، وتأثيرها المباشر على الأسواق والسياسة الاقتصادية والمالية للدولة مع توسيع قطاعات “إمبراطورية الإنتاج الحربي” بتعبير يزيد الصايغ. إن هذا التحول الوظيفي من الدفاع إلى الاقتصاد أدخل المؤسسة العسكرية في متاهات أضرَّت بالقطاع الخاص والاستثمار المحلي والأجنبي الذي يخشى المشاركة في القطاعات والأنشطة الاقتصادية التي يسيطر عليها الجيش بسبب انعدام المنافسة الشريفة.

خلاصات

تبدو العسكرة ظاهرة معقَّدة ومتشابكة ترتبط ببنيات اجتماعية واقتصادية وسياسية وتاريخية تقوم على تمجيد الجيش والقوة العسكرية، وتشكِّل عقبة نحو التحوُّل إلى الديمقراطية وبناء علاقات مدنية-عسكرية غير صراعية. يحتاج التخلص منها إلى حلول في مختلف مناحي الحياة أبرزها بناء دولة المؤسسات على الأسس الدستورية واستقلال السلطات وسيادة سلطة القانون. فالعسكرة تحيل على تحديات بناء الدولة الحديثة في مفهومها المدني فيما يتعلق بوجود مرجعية واضحة وموحدة في القوانين والتشريعات، والقبول بالتعددية السياسية وحقوق المواطنة، والتداول السلمي على السلطة باحترام إدارة الشعب التي يُعبَّر عنها عبر صناديق الاقتراع، والفصل بين السلطات وضمان استقلال القضاء، والرقابة الديمقراطية وتعزيز دور المجتمع المدني، والتنشئة الاجتماعية المدنية لأفراد المجتمع.

كما أن إخضاع المؤسسة العسكرية للرقابة يعتبر أهم أداة في ترسيخ سيادة السلطة المدنية على مؤسسة الجيش عن طريق تعزيز البعد الاحترافي ليس فقط فيما يتعلق بالخبرة في استعمال القوة، والتمكن من استراتيجيات الحرب والتدريب الجيد على إدارة العمليات العسكرية، ولكن كذلك فيما يتعلق بالتأهيل التربوي والمعرفي والارتقاء بثقافة الجنود لإدراك مسؤوليتهم الاجتماعية على اختلاف درجاتهم ورتبهم العسكرية في الدفاع عن الدولة والحفاظ على كيانها السياسي.

وتتطلب حلول العسكرة إصلاح قطاع الأمن، خاصة بالنسبة للدول التي خرجت من الثورات والحروب الأهلية أو الدول التي تشهد مسار التحول من نظام سياسي إلى نظام آخر. والغرض من إصلاح قطاع الأمن هو توفير الأمن من طرف الأجهزة الأمنية النظامية بالشكل الذي يعيد للدولة احتكار العنف المشروع، والقضاء على الميليشيات المسلحة في إطار إعادة الهيكلة والتطوير، أي إعادة إدماجها في المؤسسات الأمنية والعسكرية، وجمع السلاح المنتشر داخل المجتمع إما طواعية، أو عن طريق استعمال القوة والتحكُّم في تخزينه وجعله تحت رقابة الدولة للتحرر من توظيفه من طرف الأفراد والجماعات في الصراع على السلطة والموارد الاقتصادية.

وتخلص الدراسة أيضًا إلى أن القضاء على الاقتصاد العسكري، ووضع القطاعات التي يوجد فيها تحت المراقبة المدنية، يعتبر من بين أهم المدخلات لتجاوز معوقات الاستثمار والتنافس الحر في العملية الإنتاجية وتشجيع نمو القطاع الخاص. وهذا يعني، تعطيل شبكة رجال الأعمال العسكريين التي تستفيد من بيروقراطية الإدارة لخدمة مصالحها.

مراجع

(1) “Transcript of President Dwight D. Eisenhowers Farewell Address (1961),” ourdocuments.gov,  “accessed June 2, 2021”. https://bit.ly/3HsynJX.

(2) Samuel P. Huntington, The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations, (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1957). Morris Janowitz, The Professional Soldier, (New York: The Free Press, 1960). Samuel. E. Finer, The Man on Horseback: The Role of the Military in Politics, (Oxford: Pall Mall Press, 1962). Douglas L. Bland, “A Unified Theory of Civil–Military Relations,” Armed Forces and Society 26, no. 1, (1999): 7-25. Peter D. Feaver, Armed Servants: Agency, Oversight, and Civil-Military Relations, (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2003). Rebecca L. Schiff, The Military and Domestic Politics: A Concordance Theory of Civil-Military Relations, (New York: Routledge, 2009).

(3) ابن منظور، لسان العرب، (القاهرة، دار المعارف، 1986)، ج 1، ص 2945.

(4) العميد سامي عوض، معجم المصطلحات العسكرية، (عمَّان، دار أسامة للنشر والتوزيع، 2008)، ص 373.

(5) لجنة توحيد المصطلحات للجيوش العربية، المعجم العسكري الموحد، (القاهرة، دار المعارف، 1970)، ج 1، ص 392.

(6) زيد حازم الزلزلي، عسكرة المجتمع: التأثيرات السياسية والأمنية، (عمان، دار أمجد، 2018)، ص 29. أحال الكاتب في تعريفه للعسكرة على دراسة الباحث أسامة حامد محمد، “عسكرة المجتمع العراقي وانعكاساته التربوية والنفسية واستراتيجية الحد منه”، دراسات إقليمية، (المجلد 7، العدد 19، 2010).

(7) Arita Holmberg, “A demilitarization process under challenge? The example of Sweden,” Defence Studies 15, no.3 (2015): 236.

(8) Sharan Grewal and Yasser Kureshi, “How to Sell a Coup: Elections as Coup Legitimation,” Journal of Conflict Resolution 63, no.4 (2019): 1001-1031.

(9) عبد الإله بلقزيز، “السياسة في ميزان العلاقة بين الجيش والسلطة”، في الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العرب، تحرير: مجموعة من المؤلفين، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 14.

(10) Nan Tian et al., “Global Developments in Military Expenditure,” in SIPRI Yearbook 2019, (Oxford University Press, 2019), 250-259.

(11)  إبراهيم اسعيدي، “اتجاهات التحولات الاستراتيجية بدول الخليج”، في التقدير الاستراتيجي الخليجي 2020-2021، (الدوحة، مركز الدراسات الاستراتيجية، 2021)، ص 107-118.

(12) Brahim Saidy, “Army and Monarchy in Morocco: Rebellion, Allegiance and Reform,” The International Spectator 53, no. 2 (2018): 94-110.

 (13) Madjid Benchikh, Algérie – Un système politique militarisé, (Paris: L’Harmattan, 2003), 252.

(14) Jean-François Daguzan, Le dernier rempart? Forces armées et politiques de défense au Maghreb, (Paris: Publisud, 1998), 214.

(15) Claude E. Welch and Arthur Smith, Military Role and Rule: Perspectives on Civil-Military Relations, (North Scituate, MA: Duxbury Press, 1974).

(16) انظر: إبراهيم اسعيدي، “مراجعات فيروس كورونا للعلاقات المدنية-العسكرية”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 13 أبريل/نيسان 2020، (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2021): https://bit.ly/3nk7BLE.

(17) Huntington, The Soldier and the State, op. cit.

(18) إبراهيم اسعيدي، “تطور السياسة الدفاعية القطرية بعد أزمة الحصار”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 17 سبتمبر/أيلول 2020، (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2021): https://bit.ly/30x6rDu.

(19) طلال محمود كداوي، الإنفاق العسكري الإسرائيلي 1965-1990، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، ص 110-111.

(20) Yazid Syigh, “The Officers’ Republic in Egypt,” The Carnegie Papers (2012), “accessed June 27, 2021”. https://bit.ly/3CnSzZR.

(21) من بين أهم هذه الدراسات:

Yazid Syigh, Owners of the Republic: An Anatomy of Egypt’s Military Economy (Carnegie Middle East Center, 2019); Zeinab Abul-Magd, Militarizing the Nation: The Army, Business, and Revolution in Egypt (New York: Columbia University Press, 2017).

(22) Abigail Hauslohner, “Egypt’s Military Expands its Control of the Country’s Economy,” The Washington Post, March 16, 2014, “accessed June 2nd, 2021”. https://wapo.st/3ntTPGF.

(23) Syigh, Owners of the Republic, 187-230.

(24) D: Diplomacy, I : Intelligence, M: Military, E: Economy.

(25) معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، الكتاب السنوي 2019، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2020)، ص 243.

(26) محمد خميس إبراهيم، “المدلول القانوني للشرطة”، مجلة الفكر الشرطي (المجلد 1، العدد 1، يونيو/حزيران 1992)، ص 45.

(27) اسعيدي، “مراجعات فيروس كورونا للعلاقات المدنية العسكرية”، مرجع سابق.

(28) المرجع السابق.

(29) حور عبد العالي، “تحولات المؤسسة العسكرية في العالم العربي: عسكرة المجتمع ونشوء الميليشيات”، مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية، (العدد 8، 2017)، ص 54.

(30) Florence Gaub, “The Libyan Armed Forces between Coup-proofing and Repression,” Journal of Strategic Studies 36, no.2 (2013): 221-244

(31) Syigh, Owners of the Republic, 331-339.

(32) أيمن إغبارية وعماد جرايسي، “الرؤى الإسرائيلية لمستقبل التعليم في ظل السياسات النيوليبرالية وصناعة الهوية والتدين والصهيونية والعسكرة”، استشراف (العدد 4، 2019)، ص 141.

(33) المرجع السابق، ص 160.

(34) وائل المبحوح، دراسة تحليلية نقدية لمدى تضمن مناهج التاريخ العبرية بالمرحلة الثانوية في فلسطين المحتلة لمفاهيم العسكرة، (رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، غزة، 2013)، ص 35.

(35) كداوي، الإنفاق العسكري الإسرائيلي 1965-1990، مرجع سابق، ص 112.

(36) أسامة الرشيدي، “مصر: السياسات الإعلامية بعد 3 يوليو/تموز 2013″، المعهد المصري للدراسات، 28 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول: 27 يونيو/حزيران 2021): https://bit.ly/3oCRCHY.

(37) المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، عسكرة الطفولة، (جنيف، 2021) ص 10-11.

(38) Abul-Magd, Militarizing the Nation, 45-60.