مقدمة:

يتناول موضوع هذه الدراسة الموسوم ب العقيدة الأمنية الجزائرية بين الالتزامات القانونية والتحديات الجديدة أحد أهم المواضيع الاستراتيجية والحيوية للأمن الوطني الجزائري وهي موضوع العقيدة الأمنية، التي تعتبر مرجعية أساسية في دراسة وفهم وتحليل أي موضوع متعلق بالأمن الوطني للدول،لأنها توضح لنا كيف ينظر لموضوع الأمن الوطني ومبادئه وكيفية العمل على حمايته وصوته وتعزيزه والحفاظ عليه. وقد عملنا في هذه الدراسة شرح وتحليل علاقة الترابط من حيث التأثير والتأثر بين الالتزامات القانونية والدستورية التي تضبط وتحكم عقيدة الأمن الوطني الجزائر مع مختلف التحديات الأمنية الجديدة في الفترة الممتدة على عقد من الزمن بين سنتي 2007 و2017، وإبراز مختلف الإشكالات المطروحة في طريقة ومدى تجاوب العقيدة الأمنية الجزائرية مع هذه التحديات الأمنية على المستويات التشريعية القانونية والسياسية والعملياتية، وتحليل مختلف التهديدات والرهانات التي تواجه الأمن الوطني الجزائري ومستقبل العقيدة الأمنية الجزائرية في ظل هذه التحديات والرهانات الأمنية.

وتستمد العقيدة الأمنية الجزائرية توجهها العام من عدة ركائز أهمها مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى سياسيا وعسكريا، وهو من أهم المبادئ التي تقوم عليها السياسة الخارجية والدبلوماسية الجزائرية أيضا، كما ساهمت العديد من العوامل في بلورة وصياغة العقيدة الأمنية الجزائرية كالعوامل التاريخية والجغرافية والايديولوجية والسياسية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية، والتي كان لها تأثير كبير في صياغة مبادئ ومرتكزات العقيدة الأمنية كالنهج الدفاعي والعقيدة البرية، ومبدأ الاستقلالية الأمنية بعيدا عن المظلة الأمنية الخارجية، ورفض التواجد الأجنبي على أراضيها ورفض التدخلات الخارجية، ودعم القضايا العادلة وقضايا التحرر وتقرير المصير عبر العالم، ورفض استخدام القوة العسكرية في حل النزاعات والخلافات ودعم الحلول السلمية وفق قرارات الشرعية الدولية بما يدعم التعاون الدولي وليد العنف والتحالفات العسكرية وغيرها من المبادئ التي تشكل جوهر العقيدة الأمنية الجزائرية.

وتقع الجزائر في مناخ جيوبوليتيكي متغير وشديد التأثر بفعل العوامل والمتغيرات الأزموية المعقدة في المحيط الاقليمي، فمنطقة المغرب العربي تعرف سجالا أمنيا سواء بين القوى الإقليمية ودول المنطقة ولا ينفك عنها حتى دور القوى الخارجية، كالخلاف والتوتر بين المغرب والجزائر التي تغذيه خلافات تاريخية ومنافسة على الريادة الاقليمية للمنطقة وخلاف حول قضايا المنطقة كالصحراء الغربية، وتدخل بعض الأطراف الخارجية في تأزيم الخلاف بدعم طرف على طرف، اضافة إلى التوتر والاضراب الذي نتج عن أحداث الربيع العربي” في دول المغرب العربي الشرقية أي ليبيا وتونس، وهو ما يجعل المنطقة في حالة توتر وعدم استقرار مزمن يفرز تحديات أمنية كبيرة.

وتشكل منطقة الساحل الأفريقي مصدر اهتمام جزائري بما تمثله من عمق استراتيجي للأمن الوطني، وبما تفرزه من تهديدات وتحديات، فأبعاد الاهتمام الجزائر بمنطقة الساحل يرجع إلى كونها تمثل مجال استقطاب وتنافس لقوى خارجية، ومجال للحركة والمناورة للقوى الإقليمية لما تحوزه من أهمية جيواستراتيجية واقتصادية، وتعمل الجزائر على دعم استقرار المنطقة وضمان أمنها ومحاولة افراغها من كل التحديات والمخاطر التي يمكن أن تهدد الأمن الوطني والاقليمي، کارتدادات وانعكاسات الأزمات الأمنية كالأزم المالية وانتشار التنظيمات الإرهابية، وتدخل القوى الأجنبية في المنطقة كفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.

وأمام هذا المناخ الأمني المعقد من تنامي للتحديات الأمنية المختلفة في منطقة الساحل الأفريقي والمغرب العربي، كانتشار الجماعات الارهابية ونشاطها الاقليمي ذو التوجه والارتباط العالمي، وتزايد نشاط الجريمة المنظمة بمختلف أشكالها العابرة للحدود كتجارة وتهريب المخدرات والسلاح الهجرة غير الشرعية، وترابط هذه التهديدات مع بعضها البعض في بنية علائقية معقدة، واستمرار التوتر والاضطرابات الأمنية والسياسية في أغلب دول الجوار خاصة أزمتي مالي وليبيا، والنزاع في الصحراء الغربية والتوتر مع المغرب، مع التواجد الأجنبي في دول الجوار بتدخلات عسكرية مباشرة كالتدخل الفرنسي في مالي والتدخل الأوروبي والأطلسي في ليبيا، أو عن طريق القواعد العسكرية تحت ذرائع واشكال مختلفة كمالی والنيجر وليبيا، وتزايد حدة التنافس بين القوى الكبرى في المنطقة كالتنافس بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والصين (اقتصاديا وروسيا (عسکریا)، كل هذه التحديات الأمنية لها انعكاسات سلبية على أمن الجزائر وعلى أداء استراتيجيتها الأمنية في سبيل حماية الأمن الوطني.

إن هذه التحديات الأمنية الجديدة أثرت بشكل كبير على العقيدة الأمنية الجزائرية في ظل الالتزامات القانونية والدستورية التي توجه السلوك والفعل الأمني الجزائري في التعامل مع هذه التهديدات والمخاطر الأمنية، كمبدأ عدم التدخل، ورفض نشاط وتدخل خارج الحدود للجيش الوطني، والاعتماد على استراتيجية دفاعية ترتكز على حماية الحدود الوطنية وسلامة التراب الوطني، بيد أن طبيعة هذه التحديات الأمنية الجديدة كتحديات ذات طبيعة متحولة ومتغيرة وعابرة للحدود ذات امتدادات اقليمية وعالمية يصعب ضبطها والتحكم فيها، كما يصعب مواجهتها بمقاربة عسكرية تقليدية، تشكل تحديا كبيرا للسياسة الأمنية الجزائرية على المستوى الاستراتيجي والالتزام القانوني والاخلاقي، ولذلك من الضروري تكيف العقيدة الأمنية الوطنية مع هذه التحديات وتحيين القواعد القانونية والنصوص التشريعية وحتى الالتزامات الأخلاقية التي توجه العقيدة الأمنية لمسايرة هذه التحديات ومواجهتها وتعزيز الأمن والمصلحة الوطنية. فمستقبل الأمن الوطن الجزائري يرتبط بمدى تكيف وتحيين القواعد القانونية والتشريعية وتطوير العمل الاستراتيجي وفق مقتضيات البيئة الأمنية الجديدة وكسب رهانات المرحلة لبناء عقيدة أمنية أكثر فاعلية وتتمتع بمرونة أكبر خدمة للمصلحة الوطنية وتعزيز الأمن والاستقرار الوطني بشكل دائم ومستمر.

أهمية الموضوع

لاريب أن دراسة موضوع العقيدة الأمنية الجزائرية تكتسي أهمية كبيرة على المستويين العلمي الأكاديمي والعملي التطبيقي، وهذا ما نوضحه كالآتي:

الأهمية العلمية: إن تحليل ودراسة السلوك الأمني للدولة وسياستها الأمنية يرتكز في المقام الأول إلى عقيدتها الأمنية، وعليه فإن العقيدة الأمنية للدولة هي التي تمد الباحث بالمادة الخام الأساسية التي ينطلق منها في دراسة وتحليل الأمن الوطني للدولة وما يرتبط به من تهديدات ومصادر التهديد والاستراتيجيات المنتهجة لمواجهتها والتصدي لها، ومنه فإن دراسة العقيدة الأمنية الجزائرية تمدنا بالمادة العلمية الضرورية في البحوث والدراسات الأكاديمية المتعلقة بالأمن الوطني الجزائري سواء ما تعلق بتحليل مختلف التهديدات ومصادر التهديد للأمن الوطني أو ما تعلق بالسياسة الأمنية والسلوك الأمني الذي تأخذ به الجزائر لمواجهة هذه التهديدات.

الأهمية العملية: فتزايد حدة المشاكل الأمنية والاضطرابات في دول الجوار وانتشار التهديدات بمختلف مستوياتها وأنماطها في المنطقة المغاربية الساحلية التي تعتبر المجال الحيوي والعمق الاستراتيجي للأمن الوطني الجزائري، وتوسع مفهوم الأمن وظهور أنماط جديدة من التهديدات سياسية واقتصادية ومجتمعية وصحية وعلى مستويات عدة عالمي والاقليمي ووطني ومجتمعي وفردي، يفرض على الجزائر أن تكون لها عقيدة أمنية متكاملة وشاملة وواضحة المعالم والمياد لمواجهة هذه التهديدات المختلفة، على اعتبار أن العقيدة الأمنية للدولة هي المرجعية الأساسية التي تبثق منها السياسات والاستراتيجيات الأمنية والعسكرية لمواجهة التحديات والمخاطر وضمان الأمن والاستقرار للدولة والمجتمع.

أهداف الدراسة:

هناك جملة من الأهداف العلمية والموضوعية التي استدعها دراسة موضوع العقيدة الأمنية الجزائرية ومدجي تكيفها مع التحديات الأمنية الجديدة في ظل الالتزامات القانونية والدستورية التي تحددها، منها:

– التطلع إلى تقديم إضافة علمية أكاديمية معرفية في مجال دراسة الأمن الوطني الجزائري، وبالضبط

في تناول موضوع العقيدة الأمنية الجزائرية، لاسيما وأن هذا الموضوع والمجال يعرف قلة من حيث الاهتمام بالبحث العلمي فيه ومن حيث الكتابة الأكاديمية والتألف حوله.

-محاولة تقديم تصور شامل وموسع وفهم دقيق حول العقيدة الأمنية الجزائرية من حيث المرتكزات القانونية والدستورية وكذلك المرتكزات التاريخية والسياسية والجغرافية والأيديولوجية، وهذا يمثل لبنة هامة في فهم السياسة الأمنية للجزائر واستراتيجيتها الأمنية والعسكرية لمواجهة التحديات والدهانات الأمنية الحالية والمستقبلية.

– تحليل أهم التحديات الأمنية الجديدة وتفكيكها وتبيان طبيعتها ومصادرها إقليميا ودوليا، وإبراز أهم تأثيراتها على صياغة العقيدة الأمنية الجزائرية.

– إعطاء تصور مستقبلي أو قراءة مستقبلية للعقيدة الأمنية الجزائرية بناء على المعطيات الأمنية الواقعية حاليا، أي محاولة إعطاء تصور للمسار المستقبلي للسياسات الأمنية الجزائرية في مواجهة هذه التحديات الأمنية الجديدة ذات الوتيرة المتصاعدة والعلاقة المتشابكة والمعقدة. – محاولة إزالة اللبس والغموض على موضوع الظاهرة الأمنية في الجزائر، باعتبار أن دراسة وتحليل العقيدة الأمنية للدولة تعطينا نظرة شاملة على المنظومة الأمنية للدولة من حيث المبادئ والثوابت المحركة للسياسات والاستراتيجيات الأمنية التي يتم تجسيدها في الميدان لمواجهة التحديات والأخطار الأمنية.

تحميل الرسالة