قضايا اقتصادية

العلاقات الإقتصادية الإسرائيلية – الخليجية

بعد ثورات الربيع العبري في بعض الدول العربية تبين بالكاشف المخطط الإسرائيلي حول السيطرة على النفوذ الإقليمي والتفوق العسكري والاقتصادي والسياسي في المنطقة العربية. إذ يعتبر التخلص من الأنظمة السابقة بصفة نهائية والقضاء على نظرية الحكم الأبدي والتوريث أهم إنجاز ليفسح المجال لدولة إسرائيل لتكوين نواة صراع داخلي في بعض الدول العربية لخدمة مصالحها ونفوذها السياسي والاقتصادي في تلك المنطقة بالدرجة الأولي.

 إن الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط و خاصة منها الحرب في سوريا و تزايد النفوذ العسكري الإيراني في المنطقة أصبحت كلها أوراق تخدم الأجندة الإسرائيلية علي المدي البعيد. أما نظرية التطبيع مع هذه الدويلة الصغيرة أصبح اليوم محل اهتمام كبير بصفة علنية. إذ من المعروف و حسب تصريحات السفيرة الإسرائيلية في باريس أن كل حكومات الدول العربية تقييم علاقات سرية مثل بعض دول شمال إفريقيا أو علنية مثل مصر و الأردن.

و للتعريف بمصطلح التطبيع هي في مفهومها الكلي تعتبر كلمة غريبة نوعا ما لأنها تدل علي حياة غير طبيعية مع كائنات غريبة عن كوكبنا و التوجه نوع تطبيع الحياة معها. إذ لا يجب استعمال مثل هذه المفردات في العلاقات الدولية, لأن كلمة التطبيع لها طابع عنصري و عدائي. إن دولة إسرائيل معترف بها دوليا من قبل الأمم المتحدة و من قبل 193 دولة عالمية لذلك تواجدها من الناحية القانونية في المنطقة العربية هو شرعي. أما بخصوص العلاقات العربية الإسرائيلية يجب فصل الدين عن السياسة بصفة كلية و الاهتمام بجوهر العلاقات الاقتصادية و السياسية و العسكرية.

أما إذ تبين أن الدين هو سلطان علي سلطة الدولة فتصبح هنا القضية صراع أديان بالدرجة الأولي. إن بعض نماذج الدول الدينية مثل دولة الفاتيكان المسيحية و دولة إيران الإسلامية الشيعية و دولة السعودية الإسلامية السنية تعيش شعوبها في انغلاق كلي و رفض قاطع للتواصل مع الأديان الأخرى. إن الدين لله و حده و الوطن للجميع لذلك من واجب الشعوب التحلي بالعلمانية و الانفتاح علي الطرف الآخر و وضع المصالح الإقتصادية صلب الإهتمام الرئيسي الأولي.

كما أن كلمة التطبيع تحيلنا لمصطلح الكراهية و هو مصطلح مرفوض بشكل كلي في العلاقات الدولية فعلي سبيل المثال تدرس اليوم اللغة العبرية في أغلب الدول العربية و حتي في معاهدها الدبلوماسية و هذا لا يعد تطبيع و إنما انفتاح علي الثقافات العالمية. أيضا هناك العديد من علاقات الصداقة بين الشعب الإسرائيلي و بعض الشعوب العربية و هذا أيضا يندرج ضمن الإنفتاح علي وجهات النظر الأجنبية.

إذا تبقي فقط مشكلة “الإحتلال و الإستطيان” و هي تعد جوهر الصراع العربي الإسرائيلي أو بالأحرى التضامن مع الشعب العربي الفلسطيني المضطهد. إن دولة إسرائيل العلمانية تعتبر جزءا لا يتجزأ من المنطقة العربية بحيث هذا الصراع بين الجهة الفلسطينية و الجهة الإسرائيلية له انعكاسات سلبية علي العلاقات العربية – الإسرائيلية. إذ في هذا السياق بعد تحديد مفهوم التطبيع من الجانب العلمي يمكن القول أنه لا توجد مشكلة أديان و إنما توجد مشكلة بين حالة سلم و حالة حرب. إذ تقييم مصر و الأردن علي سبيل المثال علاقات دبلوماسية كاملة و ذلك بتمثيل رفيع المستوي بسفارة في كلتا الدولتين مع تبادل تجاري و إقتصادي خاصة في قطاع الغاز و المواد الغذائية.

بالتالي هذه العلاقة تنبني بالأساس علي درجة الثقة و حالة السلم بين هذه الدول المجاورة الثلاثة. أما بخصوص جوهر الموضوع و هي العلاقات الإسرائيلية – الخليجية و التي تعد تطورا جديدا بصفة علنية بعدما كانت في السابق بصفة سرية. إذ من المعروف أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقييم علاقات تجارية و إقتصادية عبر فتح قنصلية إسرائيلية لها بدبي. أيضا قطر لها علاقات علنية عبر فتح مكتب تجاري و هي الآن بصدد دراسة فتح سفارة و تمثيل دبلوماسي بالكامل.

أما مؤخرا و الحدث البارز علي الساحة الدولية هي العلاقات السعودية و الإسرائيلية و هي تتمثل في توطيد العلاقات و التوجه نحو السلم الدائم مع دولة إسرائيل بحيث بدأت هذه العلاقات العلنية بزيارة ولي العهد الملك محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود لإسرائيل و لقائه برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو و إبرامه العديد من الصفقات التجارية و الإقتصادية و الإستثمارية.

أيضا للتذكير بالحدث الهام الذي جري مطلع هذه السنة هو فتح الأجواء السعودية بالكامل للرحلات الجوية الإسرائيلية نحو الهند و بلدان شرق آسيا. أما الأكثر تطورا في هذه العلاقة هو التحضير لفتح سفارة إسرائيلية في المملكة العربية السعودية و بالتحديد في مدينة الرياض. إن العلاقات الإسرائيلية – الخليجية تشهد مؤخرا نشاط دبلوماسي مكثف علي أعلي مستوي وربما أغلب هذه الدول الخليجية ستصبح لها سفارات بين الجانبين بالتحديد الإمارات العربية المتحدة و قطر و المملكة العربية السعودية. كما أن المصالح التجارية تضاعفت بين هذه البلدان خاصة بعد الأحداث في المنطقة منها الحرب في سوريا و من المؤكد أن هذه العلاقات تندرج في المقام الأول في الجانب الإقتصادي. إذ كانت سوريا في السابق قبل سنة 2011 تمثل معبر مرور العديد من الشاحنات المحملة بالبضائع من الدول الخليجية نحو تركيا حتي الوصول إلي دول الإتحاد الأوروبي.

أما البديل اليوم بعد هذه الأحداث أصبحت نقطة العبور الإسرائيلية التي وافقت حكومتها ضمن صفقة تجارية علي فتح معابرها لمرور الشاحنات الخليجية عبر أراضيها للوصول إلي تركيا ثم أوروبا. أيضا إبرام العديد من الصفقات الإستثمارية و تبادل السلع الغذائية مثل التمور و الزيت و غيرها من المنتجات و زيارة العديد من رجال الأعمال المستثمرين بين الطرفين للإستثمار في مجال العقارات و البناء و البنية التحتية. إن الإتجاه الدبلوماسي الخليجي “العلني” يتمثل بالأساس في وضع المصلحة الإقتصادية و التجارية بالدرجة الأولي بين الطرفين و إعتماد مفهوم حالة السلم و الثقة و التعاون الدولي.

أما الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي فقد تم التخطيط له من قبل الإدارة الأمريكية بوضع صفقة تسمي بصفقة القرن أو إتفاق القرن بين دولة فلسطين و الدول العربية و دولة إسرائيل. إذ بعد نكبة 1948 و نكسة 1967 أصبحت أغلب الدول العربية تدور في فلك بما يسمي التطبيع و تجريمه أو اللجوء للعلاقات السرية للكذب علي شعوبهم. أما الحقيقة فهي دائما إسرائيل العدو الأول بأجهزتها الإستخباراتية و عملياتها الإجرامية و إستيطانها الغير الشرعي.

إن العلاقات الإسرائيلية – الخليجية تشهد مؤخرا الإنتقال من السرية إلي العلنية برعاية أمريكية لإيجاد تسوية سلمية عادلة و سلام دائم بين جميع الأطراف تخدم المصالح التجارية و الإقتصادية بالأساس و تزيل مفهوم العداوة الدائمة خاصة علي ما سيتم الإعلان عنه في وثيقة صفقة القرن من أهمها هو إعلان إستقلال دولة فلسطين و وقف الحرب بصفة نهائية.

 بقلم فؤاد الصباغ باحث اقتصادي دولي

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock