بقلم بويبية نبيل – إن الاقتصاد يلعب دورا لا يستهان به في بناء العلاقات الدولية وتشكيلها.ولا يمكن بأي حال من الأحوال لأي مجتمع تحقيق أي تقدم بدون تعاون دولي.لذلك نجد أن العلاقات الاقتصادية الدولية ،تقوم علي – مبدأ المشاركة – الذي يعتبر حجر الأساس ،بالنسبة للسياسة الخارجية لأية أمة.

لذلك يبدو لنا أنه منذ سبعينات القرن العشرين، أن الفجوة أو الهوة، التي كانت تفصل بين مجالي العلاقات الدولية والعلاقات الاقتصادية الدولية بدأت تتقلص.فالاقتصاد السياسي الدولي ظهر للعيان، علي الرغم من أنه كان في مستهل بزوغه مجالا للعلوم السياسية .بعض التحاليل النظرية والتجريبية في ميدان سياسة العلاقات الاقتصادية الدولية،بدأت كذلك تظهر في المجلات والكتب الرسمية المحترفة . غير أن الجزء الأكبر من بناء الجسور المهمة قام به من كانوا  يدرسون العلوم السياسية. فقد كانت هناك إشارات وعلامات في طريق هذا التطور، علي أن بعض الاقتصاديين كانوا يلجأون إلى تضمين تحليلاتهم بعض المتغيرات السياسية    [POLITICAL VARIABLES]،وفي نفس الوقت بدأ ينشأ جيل جديد من الطلبة في مجالات وتخصصات متعددة ،يعون كل الوعي العلاقة المتبادلة بين العلوم الاقتصادية والعلوم السياسية؛وهم يتعلمون منذ ذلك الوقت حتى الآن كيفيات استعمال وإدماج  مواد  ووسائل وطرق كلا المجالين . وحصل بعد ذلك الكثير منذ سبعينات القرن الماضي ،لتقوية وتدعيم هذا التطور الأكاديمي.وقبل كل شيء آخر نجد أن الاضطراب الذي وقع في الاقتصاد الدولي قد ساعد هو أيضا، علي إلقاء الضوء علي الأبعاد السياسية للعلاقات الاقتصادية الدولية.مشاكل الدولار المستمرة،تأثير الفتور والركود الاقتصادي علي مستوي العالم، التضخم ،الأزمة النفطية العالمية،ودعوة ومطالبة الدول النامية(المتخلفة) من أجل نظام اقتصادي دولي جديد.هذه، وحزمة أخري من المسائل العالمية، أرغمت الدارسين والمدرسين علي حد سواء، علي إعادة مناقشة الافتراضات (أو الادعاءات) ،التي فرقت بين العلاقات السياسية والعلاقات الاقتصادية علي المستوي الدولي لقرن من الزمان.

 ونجد أن نقاط الارتكاز في مجري هذا التطور ،وكذلك التنظيم والإدارة في ميدان سياسة العلاقات الاقتصادية علي المستوي الدولي، لم تتبدل إلا بقدوم تسعينات القرن الماضي  ق20  ،كما سنري بعد حين ؛من خلال مناقشة، مشاكل ومسائل نسق الاعتماد المتبادل في الغرب،واستمرار تبعية الجنوب للشمال ،والاستقلال بين الغرب والشرق، إلى حين تفكك هذا الأخير في تسعينات القرن الماضي-مواضيع استمرت لتزود الدارس بمدخل صحيح وفعال [A  VALID APPROACH]لدراسة العلاقة بين السياسة والاقتصاد علي المستوي الدولي.أما ما أنجز من أعمال بعد ذلك،فقد كان مجرد إضافات  (لأدوات ولوازم ) كانت تعكس كل من التحولات الأكاديمية والحوادث التي ظهرت تباعا . وأيضا ،كانت عبارة عن انعكاس لأبعاد جديدة لبعض التجارب التي قام بها بعض الكتاب،من أساتذة العلوم السياسية في بعض الجامعات الأمريكية والأوروبية، ومن العالم الثالث(الجنوب حاليا)، أواكتسبها بها بعض  الناس كسفراء لدولهم في دول مضيفة أو لدي الأمم المتحدة، أو بعض  رجال الأعمال من القطاعات الخاصة.

 من خلال هذه الأعمال ،والتجارب الأكاديمية والتمثيل الحكومي الدبلوماسي ،وتطعيمها ببعض التجارب الخاصة بكل كاتب، وإضافة وجهة النظر الخاصة إلى المظاهر التطبيقية للمسائل التجارية ،والنقدية،والاستثمارية.منذ ذلك الحين، أصبح الموضوع ذو أبعاد ثلاثة يرسم ويتم تصميمه علي التجارب الأكاديمية ،والحكومية،وقطاع الأعمال الخاصة،وأعتقد أن الموضوع اصبح الآن عبارة عن تعليل وتفسير كامل لدوران التأثير والتأثر للبيئة الاقتصادية السياسية العالمية.

تفاعل الاقتصاد مع السياسة

      إن علم السياسة هو  : [ علم المعرفة المنهجية المنظمة لشئون الدولة ] قد كون منذ البداية علما قائما بذاته.والإغريق  هم من أبدع  وابتكر في  السياسة وهم واضعوا علم السياسة معا.يقول أحد المفكرين لا أتذكر أسمه إن اليونان القديمة هي أم الحضارة الأوربية ومعلمتها قد طبعتها بسمتها الغالبة وهي العلم.

وقد كان أر سطو، من بين الفلاسفة  الإغريق ، ليس فقط هو الرائد الأول للمعرفة العلمية ،ولكن كان أيضا واضع هذه القاعدة الهامة، وهي أن لكل علم شخصيته المستقلة، ونحن ندين له بالسياسة وبعلم السياسة بين العلوم .والترتيب الذي وضعه أر سطو يقوم  علي التمييز بين ثلاثة عمليات عقلية هي:المعرفة (SAVOIR) والعمل(FAIRE) والإبداع (CREER) .في رأي أر سطو توجد ثلاثة طوائف أساسية  من  العلوم  هي   :   العلوم النظرية، هي( الرياضيات ، والطبيعة، وما وراء الطبيعة).العلوم العملية:وبين الطائفتين تقوم العلوم العملية وهي:الأخلاق والاقتصاد والسياسة.والعلوم الشعرية: (وتشمل العلوم الشعرية والمنطق، والخطابة،وفن الشعر).الأخلاق: علم السلوك الإنساني أي معرفة سلوك الفرد أو ما يسمي اليوم (LA-MORALE) .والاقتصاد: هو العلم الذي يدرس الأسرة،تكوينها ،ومواردها ومعني أصل الكلمة باليونانية هو(المنزل).

والسياسة:هي العلم ،الذي يدرس دستور المدينة، وإدارة شئونها. وتقع السياسة عمليا في قمة هذا التدرج، لأن موضوعها وهو المدينة يشمل التنظيم الاجتماعي برمّته. وتسيطر السياسة ،نظريا ،علي غيرها من العلوم .لأنها تتحكم في سائر نواحي النشاطات  الإنسانية الأخرى من الناحيتين الفكرية والمادية معا.لذلك ،كان يشار إلى السياسة  بأنها ملكة العلوم                    [THE QUEEN OF SCIENCES].

    غير أن ،التفرقة تبدوا واضحة عند الإغريق، بين السياسة التي هي معرفة الأشياء الوطنية ،والاقتصاد وهو العلم الذي يعني بالأشياء المنزلية.ويري أرسطو ، أن علم الاقتصاد يشتمل علي ثلاث مجموعات من الروابط الاجتماعية، بين الأزواج، وبين الوالدين والأبناء، وبين السادة والعبيد . يضاف إليها معرفة إدارة شئون البيت . ومنذ ابتداء النصف الثاني  من القرن 18 حدث انشقاق في بنيان بديع هز أركان العلاقة بين الاقتصاد والسياسة ، إذ ظهرت الحيرة التي أخذت تتزايد بسبب الاستعمال المطرد لاصطلاح كان يستعمل في بداية القرن 17 هو اصطلاح[ الاقتصاد السياسي].

رأينا من قبل، أن الفرع الخصيب ألا وهو [علم السياسة ] كان ينمو ويزدهر  باقتفاء أثر أرسطو ،أما الفرع الآخر وهو علم الاقتصاد الذي كان ما يزال موضوعا ناشئا ضعيفا عنده ،سرعان ما ذبل عوده.إلا أنه وتحت تأثير الأخلاق المسيحية صارت علاقات الأسرة تأخذ باطراد شكل العلاقات الشخصية التي لا تخضع للاقتصاد وإنما يحكمها علم الأخلاق المعروف منذ عهد الإغريق . ومع بداية تلاشي نظام الرقيق بدأت  تنقص بشكل محسوس أهمية موضوع العلاقة بين السيد والخادم،وأخذت المسيحية تميل كل الميل هنا أيضا نحو هذه العلاقات وتضعها في كنف علم الأخلاق. ومن ثم فإنه لم يبق لعلم الاقتصاد من مجال سوى ما يتعلق ب’’ الذمة المالية وبالعناية بشؤون المنزل ‘‘.

   وقد شهد القرن 17 واحدا من هذه التقلبات ،التي سبق أن مر بها علم السياسة ، مما غير تماما من معني كلمة الاقتصاد ، ففي عام 1615 نشر مونتكريتيان مطوله، في علم الاقتصاد السياسي، أهداه إلي الملك الشاب، لويس XIII وإلي والدته الوصية علي العرش .ومؤدي فكرة مونتكريتيان التي شرحها في رجاء متواضع، هي أنه ’’يتعين أن يكون تصريف الدولة لشئونها ،كما لو كان الأمر يتعلق بأسرة ؛لذلك، يتعين علي الدولة التصرف بالقسطاس في مواردها المحدودة‘‘.ويعقد مونتكريتيان مقارنة بين الإدارة الاقتصادية العائلية، وبين سلوك البذخ الذي كانت تسير عليه الدولة، وبخاصة إسراف الملوك والإنفاق اللا محدود علي سلوك البذخ …!

ويرى مونتكريتيان أنه يجب أن يطبق الأمير، في الدولة نفس القوانين التي تطبق في إدارة أموال الأسرة .وهكذا نري أنه كان يخلط ويضم فرعين  من المعرفة فصل بينهما أرسطو في دقة وعناية. فهو يسمي اقتصادا سياسيا كل ما يتعلق بقواعد الإدارة الحسنة لأموال المملكة.وسرعان ما وجدت هذه الفكرة من يكفلها من الاقتصاديين، وهكذا  يصير الاقتصاد بنقله من المنزل إلي الدولة ،هو :’’فن إحكام إدارة الأشياء المادية‘‘.

     عندما أضيفت صفة (سياسي) إلي اسم (اقتصاد) أصبح التعبير يعني(عبارة خاص بالدولة). ، أو مرادفا لها، واحتفظ الاقتصاد السياسي، عند آدم سميث( ADAM-SMITH ) ،بتبعيته التقليدية للسياسة ،فعرضه هذا المؤلف علي أنه  (أحد فروع المعرفة التي يجب أن يحيط بها المشرع ورجل الدولة، وهو فرع يرمي إلي إثراء الشعب والملك معا، وبصفة خاصة يهدف إلي تزويد الدولة بدخل كاف لأداء الخدمات والنهوض بمرافقها العامة ‘‘.ولكن سرعان ما ظهر أن موقف آدم سميث قد تأثر بما ظل باقيا من العصور الغابرة .

      ومنذ منتصف القرن 18 أخذ الاقتصاد يبتعد عن السياسة ،وانفصل منها وعنها وصار [علما منطقيا للأشياء الاقتصادية] التي يجب كما قال البعض: ’’أن ينظر إليها في ذاتها ولذاتها ‘‘، ومعرفة هذه الأشياء تعتبر مجالا قائما بذاته،و عندما ارتدي علم الاقتصاد ثوبه الجديد أصبح ليس مستقلا عن السياسة، فحسب ولكنه زعم أنه حقق لنفسه استقلالا تاما.

وهكذا ،في القرنين 19و 20  لم يعد للاقتصاد من حيث أهدافه الكبرى، صلة بالسياسة .كما انقطعت صلته أيضا بالمعني اللغوي الأصلي لاصطلاح الاقتصاد .وأصبحت تصفه التعريفات الجديدة طبقا للمفهوم الفرنسي التقليدي  ب[ علم الثروات]،[علم المبادلة]  مع إضافة صفة [بعوض].    وعاد الناس في فرنسا إلى استعمال مجرد لفظة [ECONOMIQUE]باعتبارها إسما،و [SCIENCE ECONOMIQUE]إبعادا لعلم الاقتصاد عن السياسة لفظا ومعني وموضوعا.

ربما كانت الفكرة الأساسية الغالبة ،علي  التوجه الفردي الحر في كثير من النواحي، هي فكرة التلقائية أكثر من فكرة الحرية والفرد. الظواهر الاقتصادية،  هي مظهر من المظاهر الطبيعية ،في صورة تلقائية انبعاثية ،تنظم نفسها بنفسها ،وعلي حد مدلول الكلمة المأثورة، لقس إيطالي فإن[ العالم يسير نفسه بنفسه],وهكذا  يخضع الاقتصاد لقوانين (طبيعية) .ومن ثم، فإن السياسة لا شأن لها في هذا المجال.وهي وإن تدخلت ، فلكي تضع العوائق، وهذا ما يعرقل سير هذه العجلة المدهشة، التي تدور دون هذه العوائق. بعد هذا، يخلص المذهب الفردي الحر إلي مفهوم   ضيق ضئيل  عن الدولة[MAINIMALITAIRE]، حتى يتضاءل دورها فيه، إلي أبعد ما يمكن  .  والسياسة في حياة الرجل العادي إن هي إلا استثناء أو مسألة عارضة .وكما لوحظ منذ ذلك الوقت أن ’’الإنسان في عصر المذهب الحر هو أقل الناس اهتماما بالسياسة ‘‘  .  والغريب في الأمر، أن التوجهات الاشتراكية، تتفق  في جوهرها مع خصمها العنيد المذهب الفردي في عدائهما للسياسة :(إبعاد السلطة السياسية، عن كل ما هو في حيز المجال الحيوي للاقتصاد)،تقريبا هو نفسه منظور (فناء الدولة  في المجتمع).

     لكن في الواقع ،نجد أن  تفاعل السياسة والاقتصاد، عبارة عن موضوع قديم، كان يحتل مكانته في دراسة العلاقات الدولية.ويمكن تتبع مساره من أيام تجاري القرن 17 إلي ماركسي القرنين 19و 20 .حيث أن طلاب العلاقات بين الدول ،قد تناولوا مسائل الاقتصاد السياسي الدولي، ضمن المواضبع الدراسية المقررة . وهذا لايعني، أن دراسة الاقتصاد السياسي الدولي، في القرن 20 لم تهمل ولم يستخف بها ،لأن السياسة والاقتصاد، كما رأينا قد طلقا من بعضهما وعزلا في النظرية التحليل ،إن لم يكن في واقع العلاقات الدولية نفسها.

   سبب من أسباب، هذا الطلاق ،يوجد في التراث (أو الميراث) النظري الأكاديمي الغربي الحديث .التراث، الذي صبغ بصبغته كثيرا من الدراسات السياسة  والاقتصادية الحديثة في الليبرالية.وهو  المسؤول، عن الفصل المصطنع، بين الاقتصاد والسياسة .لأن النظريين الليبراليين ،قد رفضوا مفهوم العصر القديم، لاتحاد النظام  السياسي والاقتصادي .واستبدلوه بنظامين منفصلين .

أولا :جادل وناقش الليبراليون ،أن النسق الاقتصادي يرتكز علي الإنتاج ،والتوزيع، والاستهلاك للسلع والخدمات؛ هذه التطورات الاقتصادية تشتغل بموجب القوانين الطبيعية .أبعد من ذلك، فقد تمسك الليبراليون  بالقول: انه يوجد تآلف وتناسق[HARMONY] في هذه القوانين، وفي النسق  الاقتصادي .وفي مثل هذا الاتساق والتناغم الطبيعي، ستعمل القوانين الطبيعية بطريقة جيدة أو أحسن، وفي فائدة الجميع و المجتمع ،عندما تتدخل السلطة السياسية أقل ما يمكن بعملها الأتوماتيكي .وأعتبر الليبراليون، أن النشاط الاقتصادي، سيحتفظ ويبقي من اختصاص المؤسسة الخاصة، وليس من اختصاص المؤسسة الحكومية أو العامة .

ثانيا : أكد الليبراليون أن النسق السياسي، يتألف من القوة  [POWER] ،والتأثير[INFLUENCE] ،وصناعة القرار العمومي .

وأن السياسة ليست مثلها مثل الاقتصاد ،فإنها لا تطيع القوانين الطبيعية أو التناسق والتآلف الطبيعي،بل قد تقدم علي لي عنقها .السياسة، شيء غير متفادي[UNAVOIDABLE] والحكومة ضرورية، لإسداء خدمات أساسية –كالدفاع عن الوطن،والقانون الذي يفصل في المنازعات،وحفظ النظام العام .وكيفما كان ذلك لكن ففي نظر  الليبراليين، يتعين علي الحكومة ،والسياسة ، أن لا تتدخلا في النظام الاقتصادي الطبيعي .حقا ،ففي النسق الدولي ،كان أمل الليبراليين الوحيد ،هو العمل من أجل تحقيق السلام والتآلف أو التناسق، الذي يمكن تجسيده ،عن طريق عزل السياسة عن الاقتصاد، وترك التطورات الطبيعية والتآلفية المتناسقة لحرية التجارة، تعمل وتأخذ مجراها بين الدول،ليس فقط لتحمل معها الازدهار،بل وكذلك السلام لجميع الأمم.

مثل هذا الفصل النظري، بين السياسة والاقتصاد ،قاد إلي /وتقوى بالتخصصات الأكاديمية الحديثة .منذ القرن 19 نجد أن علم الاقتصاد والعلوم السياسية قد تابعا  تطورها  كمجالين منفصلين، فركز كل واحد منهما علي تطورات منفصلة عن الآخر ،وكل منها إلي حد بعيد تجاهل الأرضية المشتركة، أين يتداخل ويترابط الاثنان بالفعل. نتيجة لذلك، فإن الاقتصاد السياسي الدولي ،نجده قد تشر ذم  إلي السياسة الدولية ،والاقتصاد الدولي ،وما يتفرع عنهما .فالاقتصاديون في جزء كبير ، تجاهلوا دور العوامل السياسية، في تطور و سياسة الاقتصاد الدولي .في حين نجد أن رواد السياسة الدولية، قد نزعوا ،هم أيضا نحو تجاهل المسائل الاقتصادية في دراسة مجريات  العلاقات ما بين الدول . تطورين اثنين، أحدهما سياسي والآخر  اقتصادي ،تبعا الحرب العالمية الثانية ، عمقا وقويا هذا التقسيم المألوف في التحليل.

 في السنوات  الأولي، لما بعد الحرب، توصلت القوى العظمي العالمية ، إلي عقد اتفاقية حول العلاقات الاقتصادية الدولية المستقبلية  .في الغرب تم وضع حجر الأساس لنسق أو نظام بريتون وودز THE  BRETTON  WOODSلإدارة الاقتصادي الدولي، الذي أسس  ووضع أو شيد القواعد اللازمة، لتنظيم وإدارة العلاقات التجارية والمالية ،فيما بين الدول الصناعية العظمي .وفي الشرق دشن  السوفيات هيمنته علي أوربا الشرقية،  التي رسمت القواعد الأساسية،  لنسق اقتصادي دولي ،كخصم منفصل للغرب  –  ومستقر .   أخيرا ، وأثناء العقد الأول، لما بعد الحرب يلاحظ المتتبع للأحداث، أن القسم الأكبر من العالم الثالث، بقي خاضعا من الناحية  السياسية والاقتصادية للغرب وارتبط مع بلدانه المتطورة بعلاقات إمبريالية، رسمية وغير رسمية .هذه الدول لم يكن لها اختيار،  في  الإذعان  و القبول ،أو رفض النظام  الاقتصادي الدولي ،الذي أسس لهم (أو نشأ في غيابهم) .

كنتيجة لتشغيل الهياكل والقواعد المتفق عليها للتفاعل الاقتصادي الدولي،نجد أن الخلاف حول القضايا والمسائل الاقتصادية خفّض إلي حده الأدنى .كذلك، فإن أهمية المظهر الاقتصادي للعلاقات الدولية،  بدت وكأنها تتقهقر  أو تتراجع،  علي الرغم من، أن بعض التطورات، مثل المجموعة الاقتصادية الأوروبية ،وقضية الجنية الإسترليني، كانت  تقفز علي السطح من حين لآخر .  من تطورات ما بعد الحرب أيضا ،نجد أن  التفاعل أو العلاقات الاقتصادية الدولية المتبادلة، قد دحرجت إلي مرتبة مستوى السياسة الدنيا [LOW-POLITICS] .تطور آخر لما بعد الحرب تسبب في تقهقرا للعلاقات الاقتصادية الدولية كان بروز الحرب الباردة .لأن  القضايا أو المسائل التي كانت تدخل في نطاق العلاقات الدولية و أخذت حيزا كبيرا من تفكير وجهد صناع القرار و الملاحظين، هي مسائل [الأمن] :بسبب استيلاء أو هيمنة الاتحاد السوفيتي علي شرق أوربا ،وتطور قدرته النووية ،وتقسيم ألمانيا ،وانبعاث اتفاقية منظمة حلف الأطلسي، والاستراتيجية النووية الأمريكية ،والصراع الكوري،و حرب فيتنام، ومسائل الحرب المحدودة .                                           لذلك كله، فإن تحاليل العلاقات الدولية ،قد ركزت علي ما كان يبدو  أنها مواضيع تتعلق بالسياسة العليا [HIGH POLITICS] ،مثل الأمن  والمسائل التي ترتبط بهذا الموضوع، تحاليل النسق [SYSTEMS ANALYSIS]، نظرية اتخاذ القرار ، الاستراتيجية ونظرية اللعبة ، والمحاكاة ، حل الصراع ، كل هذه المواضيع أسست علي أولوية القضايا الأمنية . هذا، لأن واقع العلافات الدولية السائد آنذاك، قوض أركان الفصل بين دراسة الاقتصاد و دراسة السياسة الدولية . معطيات عقود ما بعد الحرب التي صبغت دراسة السياسة الدولية بصبغة الإجماع الاقتصادي، وبقاء تأجج الصراعات العسكرية ،نراها قد تغيرت وتحولت . لذلك نجد أن الابتعاد أو الانشقاق الصيني الروسي ،وفتور علاقات الترابط داخل الحلف الأطلسي ،ساعدت علي استبدال القطبية (تؤجل بالمواربة والحيلة) لسنوات الخمسينات، بنظام دولي أكثر مرونة. وعلي الرغم من أن الوفاق الشرقي-الغربي ،فان(الولايات المتحدة وأوربا الغربية) لم يعودا كثيري الاهتمام جدا بأمنهما العسكري.

 في سبعينات القرن XX الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أظهرا  إرادة وقدرة علي الوصول إلي اتفاقيات حول المسائل الأمنية لتخفيف تأجج ضغط الحرب الباردة .السياسة الشرقية لألمانيا الغربية أو[OSTPOLITIK] ،والاتفاقيات التي تم التوصل إليها في ملتقى هلسنكي في سنة 1975 ، فيما يتعلق بالأمن الأوربي، ساعدت علي التقليل بشكل كبير من مفعول عنصر  عدم الاستقرار  في أوربا الشرقية .

    أخيرا ، الحرب الطويلة الأمد، في فيتنام قد انتهت .والبلدان  الأوربية أتممت مشوارها الصعب، في مفاوضاتها مع  مستعمراتها التي تحررت منها .البلدان المتحررة، الآن تريد أن تعيش في سلام، لتلتفت إلى  مواصلة ومتابعة برامجها التنموية.

    في نفس الوقت ،الاتفاقية الواسعة، حول القواعد الاقتصادية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، انهارت تحت ثقل وزن القوي الجديدة الأقوى[THE POWERFUL NEW FORCES] من الدول الغربية ،و تحطم نظام بريتون وودز للتسيير، أو انهار. تجدد نشاط وقوة الاقتصاد ين الأوربي والياباني، وجهد وعسر  يقع علي ميزان مدفوعات  الولايات المتحدة، بسبب الحرب الفيتنامية أولا ثم الأزمة البترولية،والتضخم ، ونمو الأسواق الرأسمالية الطوعية، الاختيارية، الإرادية. كل ذلك قاد إلي تفكك وتحلل النسق النقدي الدولي، الذي طور بعد الحرب العالمية الثانية . موازاة مع نمو المجموعة الاقتصادية الأوربية كقوة اقتصادية  ،وديناميكيات التجارة اليابانية ،والكساد المرتد والمتكرر ، والتضخم المخيم أو المحلق [ THE SOARING INFLATION]، عوامل أقل ما يقال عنها أنها كادت أن  تهدد العلاقات التجارية فيما بين وحدات المنظومة الغربية  .

أنماط دولية جديدة للإنتاج، وضعت تحدي متعدد الوجوه للنظام الدولي السياسي والاقتصادي التقليدي . في الشرق،الاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية الشيوعية أوجدوا نسقهم المغلق المنضبط للتنمية الاقتصادية والتفتوا إلي الغرب من أجل سد نقص التجارة والتكنولوجيا فقط .و كانت تصرفات الصين تدل علي رغبتها في زيادة الارتباطات الاقتصادية مع الدول المتقدمة صناعيا . وفي الجنوب ،أي في دول العالم الثالث المستقلة حديثا ،كانت البلدان حديثة الاستقلال ،مثقلة بمشاكل اقتصادية جديدة، وطلب اقتصادي جديد،هذا وقد وصلت إلى حلبة الملعب الدولي متأخرة. الاعتبارات السياسية الرئيسية، لهذه البلدان كانت هي التنمية الاقتصادية ،المساعدة، التجارة والاستثمار الأجنبي، والاستقلال النهائي .ولكن الإشكالية الكبرى التي أصبحت مطروحة هي: كيف ستندمج اقتصادات هذه الدول في الاقتصاد الدولي ؟ فعلا، أصبحت إشكالية كبري . مع العلم أن ،بعض البلدان التي كانت توصف بأنها  أقل تطورا –البرازيل ،المكسيك وجنوب كوريا علي سبيل المثال –كان لها اقتصاديات أكثر نشاطا وحيوية ، استطاعت أن تهدد حتي بعض القطاعات الحساسة في بعض الدول المصنعة .

قليل من البلدان الجنوبية،نجدها قد نطت إلي المسرح الاقتصادي الدولي ،وفي حوزتها ثرواتها البترولية الجديدة .غير أن أغلبية بلدان العالم  الثالث،والحالة هذه ،قد وقعت ضحية للنسق الاقتصادي الدولي الحالي . وواجهت عوائق عديدة  كانت تعرقل محاولات التنمية الاقتصادية . لذلك كله ،فالعالم الثالث كمجموعة كان يطالب  بإنشاء نسق اقتصادي دولي جديد، وإعادة بناء العلاقات الاقتصادية الدولية بين الدول،بين الذين يملكون  [THE HAVES] والذين لا يملكون  [THE HAVE NOTS]. إذن ،وكما نري أن  الإجماع الاقتصادي الذي ساد لفترة ما بعد الحرب كان يتفكك وأن المسائل الاقتصادية أصبحت تنبعث من جديد لتطرح نفسها إلي جانب مسائل الأمن .هذه المواضيع، أصبحت هي هدف التركيز في العلاقات الدولية .لذلك ،إذا كانت النظرية والتحليل تحافظان علي اتصالهما بالواقع،سيكون من الضروري بناء الجسور ومحو الفجوة التي كانت تفصل بين السياسة  والاقتصاد، لاكتشاف التداخل بينهما ضمن النسق الدولي .هذه الدراسية تحاول أن تناقش،موضوعا واحدا لهذا التداخل ،الطريق الذي من خلاله يمكن  للسياسة  الدولية أن تصبغ أو تشكل الاقتصاد الدولي .

كذلك هناك علاقة وطيدة بين علمي السياسة والاقتصاد ناتجة عن التداخل الواضح بين الأوضاع السياسية والاقتصادية ، حيث يوجد تأثير متبادل بينهما ، فمثلا نجد أن هناك علاقة ارتباط بين كيفية توزيع الدخل (وضع اقتصادي) والاستقرار السياسي داخل المجتمع(وضع سياسي). كذلك نجد أن الثورات الكبرى كالثورة الفرنسية(1789) والثورة الروسية(1917) جاءت على إثر أوضاع اقتصادية غير صحية (انتشار الفقر والجوع وعدم عدالة التوزيع). أيضا نجد أن المحرك الأساسي للاستعمار(الذي هو ظاهرة سياسية) كان سعي القوى الاستعمارية الأوربية إلي الحصول على مصادر رخيصة للمواد الخام ، وفتح أسواق جديدة لتصريف منتجاتها الفائضة (عوامل اقتصادية).

أيضا نجد أن هناك علم هجين يهتم بدراسة التأثيرات المتبادلة بين الأوضاع السياسية والأوضاع الاقتصادية هو علم الاقتصاد السياسي.
كذلك فموضوعات الثروة والدخل وأوضاع الطبقة العاملة وسياسات توزيع الدخل والضرائب كلها موضوعات اقتصادية لكنها محل اهتمام علم السياسة في ذات الوقت كم لا ننسى أن السياسات الاقتصادية توضع من جانب الساسة.
علاقة علم السياسة بعلم الاجتماع:
هناك ارتباط قوي بين علمي السياسة والاجتماع ، ويرجع ذلك إلي الارتباط القوي بين الأوضاع الاجتماعية والأوضاع السياسية للمجتمع ، فمثلا البناء الاجتماعي السليم للمجتمع(طبقة غنية قليلة العدد _ طبقة وسطى ضخمة _ طبقة فقيرة قليلة العدد) ينعكس إيجابيا على الاستقرار السياسي للمجتمع والعكس صحيح ، فالتفاوت الطبقي الحاد (تضخم الطبقة الفقيرة وتآكل الطبقة الوسطى) يؤدي إلي زعزعة الاستقرار السياسي للمجتمع.
كذلك هناك موضوع مثل التنشئة السياسية للفرد هو محل اهتمام مشترك لعلمي السياسة والاجتماع ، فالتنشئة السياسية هي العملية التي من خلالها يكتسب الفرد معارفه وتوجهاته وآرائه وأفكاره السياسية ، وهي عملية تراكمية تتم خلال سنوات عديدة من عمر الفرد ومن خلال مجموعة من المؤسسات الاجتماعية مثل الأسرة والمدرسة ودار العبادة وجماعة الرفاق والجامعة وغيرها.
وارتباطا بما تقدم ظهر علم الاجتماع السياسي كتعبير عن الارتباط بين علمي السياسة والاجتماع، وهو يهتم بدراسة التأثير المتبادل بين الأوضاع السياسة والظروف الاجتماعية للأفراد والجماعات والفئات المجتمعية المختلفة.
علاقة علم السياسة بالتاريخ:
يقدم التاريخ لعالم السياسة سجلا غنيا بالمعلومات والبيانات الخاصة بالواقع السياسي يمكن الإفادة منها في صياغة قواعد علمية عامة تستخدم في فهم وتحليل وتفسير ذلك الواقع ، ومن هنا فالارتباط قوي بين علم السياسة والتاريخ فلا غنى لكليهما عن الآخر ، ولعل خير تعبير عن ذلك مقولة “إن علم السياسة بلا تاريخ هو كنبات بلا جذور والتاريخ بدون علم السياسة هو كنبات بلا ثمر”.
ويشار هنا إلي أن هناك فرع من فروع المعرفة يعرف بالتاريخ الدبلوماسي يهتم بدراسة تاريخ العلاقات السياسية الدولية ، وهو بذلك يمثل قاسما مشتركا بين علم السياسة والتاريخ.
علاقة علم السياسة بالقانون:
وجود فرع رئيسي من فروع علم السياسة يعتمد في دراسته على المنهج القانوني وهو(النظم السياسية) وهو نفس الفرع الذي يدرسه القانونيون تحت مسمى (القانون الدستوري).

_ القانون الدولي كذلك يعتبر فرعا مشتركا بين المعارف السياسية والقانونية ، حيث ينصب على دراسة العلاقات السياسية الدولية بمنهج قانوني ، مرتبطا بمجموعة من المبادئ المثالية التي تستهدف تحقيق واقع دولي مثالي ، مثل مبدأ حل المنازعات بالطرق السلمية ، ونبذ استخدام القوة في العلاقات الدولية ..وغيرها.

_ موضوع نظرية الدولة هو أيضا من الموضوعات المشتركة التي يهتم بها علماء السياسة وفقهاء القانون ، باعتبار أن الدولة هي مجتمع سياسي يسوده القانون أو كما نقول دائما فالدولة والقانون توأمان.

_ كذلك هناك موضوع على قدر كبير من الأهمية يركز عليه كل من علم السياسة والقانون ألا وهو موضوع (شرعية السلطة) والتي تعني مدى دستورية السلطة ، أي مدى التزامها بالقانون فهي شرعية طالما التزمت بالقانون والعكس صحيح.

وهكذا يتضح من خلال ما تقدم التداخل الكبير بين علم السياسة والقانون.
علاقة علم السياسة بعلم النفس:

يعتبر علم النفس كذلك من العلوم التي تتداخل معرفيا مع علم السياسة ، وهناك فرع مشترك بين العلمين يعرف بعلم النفس السياسي ، وهو يهتم بدراسة تأثير العوامل النفسية على السلوك السياسي للأفراد. فمثلا يقال إن العصبيين (نفسيا) لا يطيقون الجور السياسي ودائما ما يتصف سلوكهم السياسي بالتهور.

وقد حاول البعض تفسير السلوك السياسي لبعض القادة التاريخيين استنادا إلي ظروفهم النفسية ، فمثلا يقال إن السلوك التوسعي العدواني لكل من نابليون وهتلر وموسوليني يرجع إلي عقدة نفسية لديهم أساسها أنهم كانوا قصار القامة، وبالتالي _ حسب هذا الرأي_ فقد انعكست هذه العقدة على سلوكهم السياسي عندما أصبحوا قادة لدولهم فشرعوا في غزو الشعوب الأخرى لإثبات ذواتهم والتخلص من مركب النقص.

لمعلومات اضافية

https://www.politics-dz.com/community/threads/ylaq-ylm-alsias-bylm-alaqtsad.4186/

https://www.politics-dz.com/community/threads/ylm-alaqtsad-alsiasi-u-fruy-alylum-alagtmayi-al-xr.2864/

https://www.politics-dz.com/community/threads/mfxum-almyrf-alsiasi-ylm-alsias-alylum-alsiasi.40/

 

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email