اتضح في ظل العقود الأخيرة مدى إحکام السيطرة “الناعمة” لدولة الصين على القارة الأفريقية ، بفضل حجم استثماراتها الکبيرة ، حيث أسهمت الشرکات الصينية في التصنيع وتحسين سبل العيش من خلال استثماراتها في أفريقيا، ما جعلها إحدى القوى الدافعة للنمو الاقتصادي الشامل للقارة ، کما أظهر التقرير السنوي للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين وأفريقيا الصادر فى عام 2021، أن قيمة التجارة الثنائية بلغت 187 مليار دولار في عام 2020، على الرغم من الصعوبات التي فرضتها جائحة فيروس کورونا، لتحافظ الصين على ريادتها کأفضل شريک تجاري لأفريقيا، وذلک على امتداد 12 سنة متتالية. کما أضحت الصين من أولى الدول التي تمنح مساعدات تنموية ضخمة للقارة الأفريقية ، کذلک تمنح القروض إلى درجة إغراق بعض الدول بها مما يثير بعض المخاوف بشأن اعطاء الصين هامشاً مهماً في التفاوض بشأن الصفقات الکبرى، ويمنحها الأفضلية في الفوز بهذه المشروعات العملاقة على غرار مناجم الحديد والمواد الأولية الأخرى. هذا فى ظل توقع أن التعاون الثنائي سيدخل مرحلة جديدة من النمو بقوة دفع کبيرة بفضل فاعلية دور منتدى التعاون الصيني الأفريقي ، الذى سيتم من خلاله تعزيز التعاون الاقتصادى في مجالات عدة ، مثل تدشين المجمعات الصناعية ، وتحسين البنى التحتية فى اطار مبادرة الحزام والطريق . ومن هذا المنطلق ، توقعت “وکالة ماکنزي الأميرکية” أن تصل قيمة الأرباح المالية التي تجنيها الصين من أفريقيا بحلول عام 2025 إلى 440 مليار دولار.

المؤلف
جيهان عبد السلام عباس 
کلية الدراسات الافريقية العليا- جامعة القاهرة
مجلة السياسة والاقتصاد، المقالة 6، المجلد 16، العدد 15، يوليو 2022، الصفحة 165-197

المقدمة:

     شهدت العلاقات الصينية- الإفريقية في العقد الأخير من القرن العشرين قفزة کبيرة ، يُغذيها الانفتاح المتزايد للصين المصحوبِ بدعم تنموي واجتماعي للقارة السمراء ، کما يُغذيها من جهة أخرى تطلع الجانب الإفريقي للبحث عن شراکة مربحة بعيداً عن الدول الأوروبية ذات الطابع الاستعمارى القديم . حيث تعد العلاقات الصينية الإفريقية من العلاقات المتميزة ويتَّضح ذلک من أوجه التعاون المختلفة بين الصين والقارة الإفريقية في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة.. إلخ . وهو ما کان أساس نمو فکرة تأسيس المنتدى الصيني الأفريقي للتعاون عام 2000 . واستمر التعاون الصيني الأفريقي خلال أکثر من 60 عامًا يلبى النداءات السياسية للتعاون الشامل ، کما تم تعميق الصداقة بين الصين وأفريقيا لتصل الى مرحلة “الشراکة الاستراتيجية الشاملة”. بحيث أصبح التعاون بين الصين وأفريقيا نموذجًا للنهوض الآسيوي والأفريقي والتعاون بين الجنوب والجنوب .

      وقد تعززت العلاقات التجارية والاستثمارية بين الصين والدول الإفريقية ، فعلى الجانب التجارى ، أصبحت الصين أکبر شريک تجاري مع إفريقيا ، حيث سجلت التجارة الصينية مع أفريقيا نمواً سريعاً منذ عام 2000 ، وارتفعت تجارة الصين مع أفريقيا بنسبة 14٪ على أساس سنوي، لتصل إلى 170 مليار دولار أمريکي عام 2017 ، واستمرت وتيرة النمو السريع حتى النصف الأول من عام2018، حيث قفز حجم التجارة بنسبة 16% إلى ما يقرب من 100 مليار دولار ، وفى عام 2020 بلغ حجم التبدل التجارى بين الجانبين نحو 187 مليار دولار رغم جائحة کورونا . کذلک الحال بالنسبة لمجال الاستثمار ، حيث بلغ الاستثمار الصيني السنوي المباشر في أفريقيا نحو 4.2 مليار دولار في عام 2020 ، والتي شملت مجالات مثل التصنيع، والمجال الزراعي، والبنية التحتية، والخدمات المالية، والتنمية الخضراء، وتيسير التجارة والاستثمار، والحد من الفقر، والرفاهية العامة، والصحة العامة.

     وفي الوقت الذي تنتشر فيه جائحة ” کوفيد-19 ” في جميع أنحاء العالم، دعمت الصين وأفريقيا بعضهما البعض في مواجهة الوباء، ووصلت إمدادات طبية هائلة تبرعت بها الحکومة الصينية وشرکات صينية على حوالي 50 دولة ومنطقة أفريقية. وقد ساعدت تلک التبرعات التي وصلت في الوقت المناسب، في التخفيف من حدة نقص الإمدادات الطبية في القارة لمواجهة الوباء. کما تدفق من الصين مساعدات بقيمة 280 مليون دولار لدعم دول من القارة الأفريقية في ظل جائحة کورونا، وجاء کثير من هذه الأموال من القطاع الخاص ومن رجال أعمال صينيين.

– اشکالية الدراسة : على الرغم من تعدد اوجه التعاون الاقتصادى بين الصين والدول الأفريقية ، بدأت المخاوف بشأن سيطرة الصين وبسط نفوذها على افريقيا بالقوى الناعمة وهى القوة الاقتصادية وليس قوة السلاح . ومن ناحية أخرى أشار البعض الى طبيعة المکاسب الاقتصادية التى تحظى بها الدول الافريقية من الصين سواء فى شکل استثمارات او معونات ومساعدات أو تبادل تجارى مما يساعد دول القارة فى تخطى أزماتها ورفع معدلات النمو الاقتصادى بها . وان کانت مشکلة کثافة القروض الصينية الى افريقيا تمثل تخوف محل اهتمام ؛ لأنه قد يودى بالعلاقات الصينية الافريقية الى مأزق ومواقف تفاوضية لصالح الصين ولو على حساب الدول الافريقية المتعثرة بالديون . ومن هذا المنطلق أصبح جدير بالدراسة تحليل طبيعة تلک العلاقات وأوجه الفرص والتحديات التى تنتج عنها .

– تساؤلات الدراسة : انطلاقاً من الاشکالية السابق عرضها ، تسعى الدراسة الى محاولة الاجابة عن التساؤلات الاتية :-

1) کيف تطورت العلاقات الصينية الأفريقية ، وماهى طبيعة الأهداف الاقتصادية التى تسعى الصين الى تحقيقها فى افريقيا ؟

2) الى أى مدى تطورت التجارة بين الصين وافريقيا ، وماهو هيکل هذا التبادل التجارى ؟

3) ما هى طبيعة العلاقات الاستثمارية الصينية فى أفريقيا ، وأى القطاعات الاقتصادية محل التمرکز الصينى ؟

4) کيف تدفقت المساعدات المالية والقروض الصينية الى القارة الأفريقية ، وماهى أوجه استخدامات تلک التدفقات ؟

– هدف الدراسة : تسعى الدراسة الى القاء الضوء على طبيعة تطور العلاقات الاقتصادية بين الصين وأفريقيا ، من حيث التبادل التجارى ، العلاقات الاستثمارية ، والتدفقات المالية والقروض بين الجانبين . مع ترکيز الضوء على فرص التعاون الاقتصادى المتوقعة خلال الفترة المقبلة ، والتحديات التى قد تؤثر على قوة العلاقات الصينية الافريقية .

– منهجية الدراسة : تستخدم الدراسة المنهج الوصفى التحليلى بالاعتماد على استخدام المؤشرات الاقتصادية لتحليل هيکل التجارة والاستثمار والمساعدات الاقتصادية والقروض بين الصين وافريقيا مثل : هيکل وحجم الصادرات والواردات ونسبتها الى تجارة الصين وافريقيا ، وقيمة الاستثمارات الصينية فى افريقيا وتوزيعها على القطاعات المختلفة ونسبتها الى اجمالى الاستثمارات ، وقيمة المساعدات والمنح والقروض ومدى مساهمتها فى الاقتصاد الأفريقى ….الخ.

– فرضيات الدراسة :

تنطلق الدراسة من فرضيتين رئيسيتين مفاداهما الاتى :

– أن انشاء منتدى التعاون الاقتصادى الأفريقى فى عام 2000 قد ساهم فى تحسن العلاقات الاقتصادية الصينية الأفريقية بشکل کبير .

– أن العلاقات الاقتصادية بين الصين وأفريقيا تسير فى الاتجاه التکاملى وليس التنافسى وفقا لمبدأ الربح للطرفين .

– الدراسات السابقة المتعلقة بموضوع الدراسة :

أولا- دراسات باللغة العربية:

1) رضا محمد هلال، ” العلاقات الصينية بالدول النامية.. المنطلقات والأبعاد ” ، مجلة السياسة الدولية، العدد 173 (القاهرة : مرکز الأهرام للدراسات الاستراتيجية ، يوليو 2008).

    تعرضت هذه الدراسة فى بدايتها الى السياق العام للعلاقات الصينية الافريقية من حيث تطور أداء الاقتصاد الصينى منذ عام 1990، کذلک تطور التوجهات التنموية للقارة الأفريقية منذ حصولها على الاستقلال وحتى الوقت الراهن . ثم رکزت الدراسة الى الاهداف السياسية للصين فى أفريقيا کذلک الاقتصادية والتى تترکز فى فتح الاسواق الافريقية للسلع الصينية ، والبحث عن الثروات الطبيعية ،وخلصت الدراسة الى أن التجربة التنموية الصينية والاصلاحات الاقتصادية التى قامت بها عاملين مهمين فى تعاظم دورها على الساحة الدولية ، جعلتها قادرة على منافسة الولايات المتحدة الامريکية والاتحاد الاوروبى فى افريقيا ، وخلق فرص تعاون اقتصادى کبيرة مع العديد من الدول الأفريقية خاصة فى ظل تميز العلاقات بينهما بعدم المشروطية والتدخل فى الشأن السياسى الداخلى.

2) حسين قوادرة ، ” العلاقات الاقتصادية الصينية – النيجيرية وأثرها على التنمية الاجتماعية – الاقتصادية فى نيجيريا ” ، مجلة الباحث للدراسات الاکاديمية ، المجلد 6 ، العدد 10 ، 2019 ( باتنة ، کلية الحقوق والعلوم السياسية ، 2019) .

     تتناول هذه الدراسة التوسع الاقتصادى الصينى فى نيجيريا باعتبارها أحد أکبر الاقتصادات فى أفريقيا ، والتى حظيت باهتمام من قبل الصين منذ عام 1971. حيث تعرضت الدراسة فى البداية الى تطور العلاقات الاقتصادية بين الجانبين بالترکيز على الاستثمارات الصينية فى قطاع النفط النيجيرى، حيث تملک الصين أکثر من 30 شرکة عاملة فى نيجيريا بقطاع الطاقة ، کذلک قطاع البناء والاتصالات .کما تطور حجم التجارة بينهما بشکل سريع . ثم عرضت الدراسة تأثير الصين على مستوى التنمية فى نيجيريا . وتوصلت الدراسة الى أن العلاقات الصينية النيجيرية لا تفيد نيجيريا بقدر ما تفيد الصين ، فکانت الفوائد الاقتصادية المحققة للصين أکبر من حالة نيجيريا ، خاصة فى ظل تنامى القروض الصينية للحکومة النيجيرية . وأوصت الدراسة بضرورة أن تقوم نيجيريا بوضع السياسات التنموية فى قطاعها الصناعى لحمايته وتحفيزه ضد الواردات الصينية ، ومحاولة استغلال ثروات البلاد للحد من القروض وما تفرضه من املاءات .

ثانياً- دراسات باللغة الانجليزية :

1) Secretariat of the China-Africa Economic and Trade Expo (CAETE) , China- Africa Economic and Trade Relationship Annual Report ,( China-Africa Economic and Trade Expo , 2021)

تتناول هذه الدراسة تحليل للعلاقات الصينية الافريقية من عدة اتجاهات ، حيث تعرض فى البداية الى التجارة البينية للجانبين وتطورها وطبيعة السلع والخدمات محل التبادل ، کذلک أهم الوجهات الأفريقية للتجارة الصينية وکان على رأسها : جنوب أفريقيا ونيجيريا وأنجولا والکونغو . ثم تم تحليل العلاقات الاستثمارية بين الصين وافريقيا من حيث تطور عدد الشرکات الصينية العاملة فى أفريقيا ، وطبيعة المجالات محل الاستثمار . وتوصلت الدراسة الى وجود تطور ايجابى فى العلاقات الاقتصادية الصينية الافريقية ، خاصة مع اتباع الصين منهج تحقيق الربح للطرفين ، حيث ترکزت الاستثمارات الصينية فى مجالات تنموية هامة للقارة منها التعدين والنفط والبنية التحتية وتکنولوجيا المعلومات ، کذلک کانت العلاقات التجارية قائمة على مبدأ الميزة النسبية ، اذ تصدر افريقيا سلع ومواد خام وتمد الصين الدول الافريقية بالسلع الصناعية التى تفتقدها . وانتهت الدراسة الى عدة توصيات أهمها ضرورة أن تساعد الصين أفريقيا فى النهوض بالصناعة بها ، ورفع مستوى التدريب والتأهيل للقوة العاملة فى افريقيا ، فضلاً عن حاجة أفريقيا الى توظيف الاستثمارات الصينية فى مجالات أوسع تواکب وتتلاءم مع الخطة التنموية لأفريقيا 2063 .

2) Xiaoqin Ding, Qiaoyan Chai and Cheng Chen , ” China–Africa Economic and Trade Cooperation from the Perspective of the Community with Shared Benefits: Achievements, Challenges, and Prospects” , World Review of Political Economy , Summer 2020, Vol. 11, No. 2.

    تتعرض هذه الدراسة الى مجالات التعاون الاقتصادى بين الصين وأفريقيا . حيث تناولت التجارب التاريخية المتشابهة بين الصين وأفريقيا من حيث الاستغلال الاستعمارى وحرکات التحرر الوطنى حتى التحول نحو أهداف تنموية مشترکة . فخلال ستة عقود من التعاون الاقتصادي والتجاري تحققت مؤشرات ايجابية بين الجانبين ، کان أهمها انشاء منتدى التعاون الصينى الافريقى عام 2000 ، وارتفاع حجم التبادل التجارى من 6.484 مليار دولار عام 1999 الى 221.88 مليار دولار في عام 2014. کما ارتفع مستوى التعاون الاستثماري الصيني مع إفريقيا ، وان کانت قد ترکزت في البداية في الصناعات التقليدية مثل البناء والزراعة. ثم انتقل الاستثمار إلى صناعات أخرى مثل صناعة الملابس والمنسوجات والأدوية وتصنيع الأغذية ، کما زاد الاستثمار في الخدمات مثل قطاع التمويل والاتصالات بسرعة. کما رکزت الدراسة على المساعدات التنموية الصينية الموجهة الى افريقيا والتى تتسم بأنها غير مشروطة ، والتى وجهت بشکل أساسي لمشروعات البنية التحتية ، والتعاون الزراعي ، وتدريب الموارد البشرية ، والرعاية الطبية للسکان.

   وقد توصلت الدراسة الى عدة نتائج أهما تحسن وتطور العلاقات الصينية الافريقية فى مجالى التجارة والاستثمار ، وبشکل عام، يعتبر التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين وأفريقيا له مستقبل مشرق للغاية وان کان لا يخلو من بعض التحديات منها على الجانب التجارى مثل مستويات الانتاج غير المتکافئة وانخفاض القدرة التنافسية للسلع الافريقية . وعلى جانب الاستثمارات ، تواجه الاستثمارات الصينية منافسة شرسة من شرکات من أوروبا والولايات المتحدة والهند واليابان داخل أفريقيا.

3) Miria Pigato and Wenxia Tang, China and Africa Expanding Economic Ties in an Evolving Global Context , Investing in Africa Forum , Addis Ababa , March.2015 .

   أشارت هذه الدراسة الى تحسن بيئة الأعمال فى أفريقيا ، فى ظل ارتفاع متوسط معدلات النمو الاقتصادى ليبلغ متوسطها نحو 5% سنويًا على مدار العقد الماضي ، مما أدى إلى تحسين مستويات المعيشة وتعزيز مؤشرات التنمية البشرية في جميع أنحاء القارة. قد ساعد ذلک إلى حد کبير فرص الدول للمشارکة في الأسواق العالمية. في السنوات الأخيرة ، واستفاد العديد من بلدان المنطقة من البيئة الخارجية المواتية بشکل متزايد والطلب القوي بشکل خاص على الموارد الطبيعية من جانب الاقتصادات الناشئة ، ولا سيما الصين. على المدى الطويل ، وتدفقت الاستثمارات الصينية فى أفريقيا وتوصلت الدراسة الى أنه لم يتمکن سوى عدد قليل من البلدان الأفريقية من الاستفادة من الاستثمار الصيني الواسع النطاق خارج قطاع الموارد. حيث أصبح على أفريقيا خلق فرص الاستفادة الامکانات التي تتيحها العلاقات التجارية والاستثمارية الصينية المکثفة تدريجياً مع أفريقيا جنوب الصحراء.

4) Raphael Kaplinsky, Dorothy McCormick, and Mike Morris ,China and Sub Saharan Africa: Impacts and Challenges of a Growing Relationship , the African Studies Program at School of Advanced International Studies ( SAIS) Working Papers in African Studies, ( Washington , D.C: (SAIS) , 2008 )

   أشادت هذه الدراسة بطبيعة العلاقات الصينية الافريقية التى لم تشهد لم يعرف أي خلافات جوهرية وليس للصين تاريخ استعماري في أفريقيا، ومن ثم فإن علاقات الطرفين تخلو من الحساسية والمخاوف والشکوک. رابعا، أن هناک تکاملا مثاليا لاقتصادات الطرفين، حيث تتوفر تقريبا لدى کل منهما احتياجات الآخر، فالصين لديها رأس المال والتقنيات وتمر بمرحلة نمو اقتصادي في حاجة إلى موارد عديدة، وأفريقيا أرض بکر للاستثمارات ومتعطشة لتقنيات تناسب ظروفها وتحتاج إلى شريک دولي يستثمر وينمي ويطور مواردها دون أن تکون له مطامع أبعد من الاستفادة الاقتصادية المشترکة. ثم تعرضت الدراسة الى أشکال التفاعل الاقتصادى بين الصين وأفريقيا کز على ثلاث قنوات رئيسية : تدفقات التجارة ، تدفقات الاستثمار الأجنبى ، وتدفقات المساعدات المالية والقروض . وفي کل قناة ، قد تکون العلاقات بين الصين وأفريقيا جنوب الصحراء إما متکاملة أو تنافسية . ففي التجارة ، على سبيل المثال ، قد تزود الصين دول جنوب الصحراء الکبرى بالسلع الاستهلاکية الرخيصة ، بينما تزود أفريقيا الصين بالسلع والمواد الخام التى تحتاج اليها فى الصناعة فالعلاقة هنا تکاملية ، وعلى العکس تکون العلاقة تنافسية فى مجال الاستثمار . ويبقى على اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء ، القدرة على التغيير واغتنام الفرص وتقليل التهديدات ، وفتح مجالات أوسع للتعاون الاقتصادى مثل السياحة الصينية فى افريقيا ، فضلاً عن تشجيع الاستثمارات الصينية کيفة العمالة الأفريقية لتحسين معدلات التشغيل فى أفريقيا .

– تقسيم الدراسة:

 تتناول هذه الدراسة تحليل النقاط الرئيسية التالية :

1- تطور العلاقات الصينية الافريقية.

2- الأهداف الاقتصادية من التواجد الصينى فى أفريقيا

3- تحليل العلاقات التجارية بين الصين وافريقيا

4- الاستثمارات الصينية فى افريقيا

5- المساعدات والمنح والقروض بين الصين وأفريقيا

6- فرص وتحديات التواجد الصينى فى أفريقيا …. وفيما يلى التفصيل :-

أولاً – تطور العلاقات الصينية الافريقية :-

      تعد القارة الإفريقية مستودعاً للموارد الأولية التي يحتاجها الغرب في التصنيع، ونسبةً لما تمتلکه القارة من مقومات طبيعية نادرة أهّلها ذلک بأن تکون مجال للتنافس الدولي بين القوى الکبرى المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريکية ودول الاتحاد الأوربي ، بالإضافة إلى اللاعبين الدوليين الجُدد مثل الصين. وبدأ التنافس منذ الاستعمار الأوروبي الذي اجتاح القارة مع انطلاق مؤتمر برلين في العام 1884م حيث استعمرت مساحة تقدر بـ 93 % من جملة الأراضي الإفريقية ، وخلال ذلک مارست هذه القوى جملةً من السياسات الاستعمارية التي امتدت آثارها ، ومن ضمنها: سياسة السلب والنهب والاستعباد والتجويع والاستنزاف، وسياسات أخرى مرتبطة بالدين والقوانين والثقافة کالتبشير الکنسي وسياسة المناطق المقفولة وفرض الثقافة الغربية وغيرها. وبعد ظهور النظام العالمي الجديد وانهيار الاتحاد السوفيتي؛ فرضت الولايات المتحدة الأمريکية بعض السياسات المتمثلة في برامج الاصلاح والتحرير الاقتصادى ، والتي ألقت ظلالاً أثرت في شتى مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفکرية.

     وقد شهدت العلاقات الصينية- الإفريقية تاريخ طويل من التواصل يعود إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية . وزاد من قوة العلاقات الصينية الإفريقية ما تقدمت به الصين من دعم لحرکات تقويض الاستعمار والاستقلال السياسي في الدول النامية، بما فيها إفريقيا. أضف إلى ذلک الأهداف المشترکة التي جمعت الصين مع العديد من الدول الإفريقية تحت مظلة حرکة عدم الانحياز أثناء الحرب الباردة . وما زالت العلاقات الصينية الإفريقية المعاصرة مميزة ؛ بسبب اتساعها وعمقها وتعدد قطاعات التعاون ومستويات العلاقة التي تتسم بهيکلية متينة، ولذلک فمن الطبيعي الإشارة إلى تلک العلاقات بأنها « شراکة استراتيجية». وتستمر أنساق العلاقات الصينية الإفريقية في التقدم بدافع من التيارات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، وخاصة طموحات الصين وصعودها في السياسة الدولية.

     ومع بداية القرن الـ21 ومن أجل ترسيخ وتطوير علاقات التعاون “الصيني – الإفريقي” القائمة، ودفع إقامة نظام دولي وسياسي واقتصادي جديد، أنشأت الصين وإفريقيا منتدى “التعاون الصيني – الإفريقي” عام 2000، وکانت مصر من أولى الدول الإفريقية التي تشاورت مع الصين لإنشاء المنتدى، ويعقد المنتدى کل 3 سنوات في الصين وإحدى الدول الإفريقية بالتناوب. ويعد المنتدى آلية تشاور وحوار جماعي بين الصين والدول الإفريقية، وهو الأول من نوعه في تاريخ العلاقات “الصينية – الإفريقية”، وکخطوة کبرى موجهة للمستقبل يقوم بها الجانبان في سياق التعاون “الجنوبي – الجنوبي”؛ للسعي إلى التنمية المشترکة في الوضع الجديد.

     غير أن أهم دوافع الصين للتفاعل مع إفريقيا هو العامل الاقتصادي؛ ولذلک فإن الصين تنظر إلى إفريقيا على أنها عنصر مرکزي في مشروع استدامة نمو اقتصاد الصين وتطويره على المدى البعيد. حيث تعد إفريقيا مصدر مهم لتزويد الصين بحاجتها المتزايدة للمادة الخام، فلديها واحد من أضخم احتياطيات المواد الخام، کما أنها المصدر الرئيسي للموارد الطبيعية ، أضف إلى ذلک الفرص المختلفة للتجارة والاستثمارات الصينية، وذلک لوجود الکثافة السکانية المتزايدة في إفريقيا وقوتها الشرائية، والحاجة الماسة لوجود بنية تحتية اجتماعية واقتصادية. وقد تمسکت الدول الإفريقية بعلاقاتها بالصين منذ عام 2000، وسرّعت من عجلة تلک العلاقات کما حاولت توطيدها، ويکمن أوضح المؤشرات على تلک العلاقة في توسع التجارة الصينية عبر القارة، وأهم من ذلک ما يتم من نشاطات شديدة الحضور تجمع بين الصين وإفريقيا. فعلى سبيل المثال، تعد جلسات المنتدى أکبر تجمع للقادة الأفارقة والصينيين بعد الاتحاد الإفريقي، وتعود حماسة الحکومات الإفريقية للاستجابة للنشاط الصيني إلى ثلاث أسباب:

1) منهج الصين القائم على منهج «عدم إملاء الشروط السياسية»، واعتماد منهج تفاعل اقتصادي قريب من المنهج التقليدي الغربي في النشاط الاقتصادي مع إفريقيا لقي قبولاً لدى القادة الأفارقة لعدة أسباب؛ منها : هو تاريخ الاستعمار ورغبة إفريقيا في حماية فعالة لاستقلالها السياسي، کذلک تفضيل القادة الأفارقة لأنظمة وسلطات سياسية مرکزية، وليس مثل الأنظمة الغربية القائمة على النظام الديمقراطي التفويضي الذي تفضله الحکومات الغربية، واخيراً هو ما تعرضه الصين على القادة الأفارقة من مسارات بديلة للتنمية، ليس فيها مجال للهيمنة الخارجية.

2) وعد الصين بشراکة تحقق «الکسب للجميع»، خاصة عزم الصين على الاستثمار والدعم في مجال التنمية في البنى التحتية الاجتماعية والاقتصادية في إفريقيا التى تعانى من عجز کبير في البنية التحتية، وخاصة في الطرق ، والجسور، والموانئ، والمستشفيات، والمدارس.. إلخ. ويدل تعهد الصين بالاستثمار في هذا المجال على أنها تستجيب لاحتياجات الدول الإفريقية التنموية .

3) اعتماد الصين لمنهج فريد في تقديم المعونات التنموية والتمويل، حيث تمزج بين المنح الخاصة، والقروض الخالية من الفوائد ( القروض التفضيلية ) ، والقروض الامتيازية لتمويل المنح الدراسية، وبناء منشآت البنية التحتية وتجهيزات الاتصالات، وبناء القدرات في مجال الزراعة والتعدين.

 ثانياً- الأهداف الاقتصادية للتواجد الصينى فى أفريقيا :

      أطلقت الصين کثيراً من المبادرات لتعزيز علاقاتها التجارية والاقتصادية مع القارة الأفريقية، من بينها : استراتيجية جديدة للتنمية في أفريقيا عام 2001، وخطة عمل لتسريع التنمية الصناعية في أفريقيا عام 2007 ، وخطة تنمية البنية التحتية في أفريقيا عام 2013 ، ودعم رؤية أفريقيا 2063 لتعزيز وجودها الاقتصادي والتجاري بالقارة الأفريقية .ومن الجدير بالذکر التعرض الى أهم الدوافع وراء دفع الصين نحو تعميق تلک العلاقات مع الدول الأفريقية ، والتى تتمثل أهمها فيما يلى : –

– البحث عن الموارد الطبيعية فى أفريقيا : حيث تشير التقديرات إلى أن إفريقيا تحتوي على 90٪ من إجمالي إمدادات العالم من البلاتين والکوبالت ، ونصف إمدادات الذهب في العالم ، وثلثي المنجنيز في العالم ، و 35٪ من اليورانيوم في العالم . کما أنه يمثل حوالي 75 ٪ من الکولتان في العالم ، وهو معدن مهم يستخدم في الأجهزة الإلکترونية ، بما في ذلک الهواتف المحمولة. کما أنها تمتلک امکانيات هائلة فى المجال الزراعى تؤهلها لأن تصبح سلة للغذاء العالمى . فضلاً عن الموارد المائية اللازمة للزراعة ، حيث يجرى بها 13 نهرا ، کذلک مخزون مياة الأمطار والمياه الجوفية . يضاف الى ذلک تنوع اقاليمها المناخية مما يجعلها بيئة ملائمة لزراعة العديد من المحاصيل خاصة فى ظل وجود أراضى زراعية صالحة تمثل نحو 35% من مساحة القارة لا يستغل منها سوى 7% منها فقط ؛ وبالتالى يعتبر الاستثمار فى المجال الزراعى من أفضل الخيارات التى تقدمها افريقيا لدول العالم ومنها الصين .

   کما تدرک الصين الحاجة المتزايدة للموارد الطبيعية وأسواق المواد الغذائية والمنتجات الضرورية للنمو الاقتصادي المستمر، ومن هنا بدأ الترکيز على إفريقيا الغنية بالموارد ، حيث تمثل استثمارات التعدين حوالي ثلث إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة للصين ، لرغبتها فى تأمين قاعدة صلبة من المواد الخام الحيوية تعزز اقتصاد الصين لعقود قادمة . ومن هنا جاء التزود بالثروات الطبيعية من أهم أهداف التوجه الصيني نحو القارة الأفريقية، وخصوصاً الطاقة ؛ ففي سنة 2013 أصبحت الصين ثاني أکبر دولة مستوردة للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريکية، فهي تستورد قرابة سبعة ملايين برميل نفط يومياً، وبتزايد حاجاتها للنفط بمعدل 30 % سنوياً. وتأخذ الصين ما يقارب ثلث حاجاتها من النفط من أفريقيا، ويتوقع أن يزداد اعتمادها على استيراد النفط من القارة في السنوات القادمة‏ ؛ لذلک حلت أنجولا محل السعودية کأکبر مزوِّد للصين بالنفط على المستوى الدولي، حيث تمدها بنحوـ 15% من کل وارداتها النفطية. کما أن للصين أنشطة نفطية في الجزائر، وتشاد، والسودان، وغينيا الاستوائية، والکونغو، ونيجيريا .

    کما عملت الصين على شراء حصص کبيرة في منطقة دلتا النيجر، ففي أوائل عام 2007 أعلنت شرکة النفط البحرية الوطنية الصينية شراءها حصة نسبتها 45 % من حقل نفط وغاز نيجيريا، واشترت أيضاً ما نسبته 35 % من ترخيص للاستکشاف في دلتا النيجر بالإضافة إلى الاستثمارات الصينية في هذا المجال بأنجولا‏ . وقد أشارت بعض الدراسات فى مجال الطاقة إلى أن الاستهلاک الصيني للنفط من المتوقع أن يرتفع في الأمد القريب إلى الضعفين، حيث يرتفع الاستهلال الفعلي من نحو 4.2 مليون برميل يومياً من النفط عام 1997 إلى نحو 9.5 مليون برميل يومياً في عام 2020، مقابل ظهور فجوة کبيرة في الطلب الصيني على النفط والغاز الطبيعي بسبب النقص الوارد في الاحتياطيات المحلية من الطاقة ، وهو ما يضطرها إلى رفع معدلات البحث والتنقيب عن مخزونات جديدة في أعماق أخرى من المياه الإقليمية لبحر الصين الجنوبي .

    وعلى مدى العقد الأخير، تزايدت واردات الصين من أفريقيا من کل المواد الخام، باستثناء الحديد، بقدر أکبر من زيادة وارداتها من بقية أنحاء العالم . فقد سعت الصين إلى توقيع عقود احتکار استخراج واستغلال خامات: الکوبالت، والتنتاليم (التي تستخدم في عمليات تصنيع الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب)، والفحم، واليورانيوم، والذهب، والمنجنيز، والألماس، والزنک مع حکومات کل من: الکونغو، ونيجيريا، وزامبيا، وکينيا، والسنغال، ومصر، والجزائر، وتشاد، وإثيوبيا. وقدرت قيمة هذه العقود بنحو 29 مليار دولار، بتمويل من بنک التنمية الصيني.

– فتح أسواق أفريقية جديدة : عرفت العلاقات التجارية الصينية – الأفريقية تطوراً کبيراً، إذ تضاعفت أکثر من عشر مرات منذ بداية القرن الحادي والعشرين ؛ حيث أصبحت الصين الشريک التجاري الثاني للقارة منذ عام 2010 بعد الولايات المتحدة الأمريکية ، أما في سنة 2013 فأصبحت الصين تمثل الشريک التجاري الأول لأفريقيا؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن حجم التبادل التجاري بين الطرفين وصل إلى مستوى 200 مليار دولار في سنة 2013 – 2014 ليتجاوز بذلک حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والقارة الأفريقية بنحو الضعفين‏ . ولتشجيع الصادرات الأفريقية نحو الصين، ألغت هذه الأخيرة ابتداءً من سنة 2012 الرسوم الجمرکية لما يقرب من 60 %من صادرات 30 دولة أفريقية لها علاقات دبلوماسية مستقرة معها‏. وتبقى العلاقات التجارية بين الصين وأفريقيا مرکزة مع عدد قليل من الدول الأفريقية؛ فنحو 60 %من الصادرات الصينية موجهة إلى ست دول أفريقية فقط، وهي جنوب أفريقيا، ومصر، ونيجيريا، والجزائر، والمغرب وبنين؛ في حين أن 70 %من الواردات الصينية تأتي من أربع دول، وهي أنجولا، وجنوب أفريقيا، والسودان، وجمهورية الکونغو .

– الدوافع السياسية والأمنية : تعد القارة الأفريقية أرض خصبة لتوسيع النفوذ الصينى السياسي ، حيث تعتبر الصين هي بالفعل القوة البارزة في اسيا ، وقد تمکنت من الوصول إلى العناصر الاقتصادية الأساسية فى أفريقيا مثل قطاع المرافق والاتصالات في الدول الأفريقية ، مع تطوير نفوذها العسکري ، فإنها تمتلک أيضًا تحالفًا سياسيًا کبيرًا في تلک الدول . ولأن التزود بالموارد الطبيعية الأفريقية، وخصوصاً الطاقية منها، باتت من مرتکزات الأمن القومي الصيني؛ فمن الطبيعي أن نشهد حماية صينية لمناطق نفودها بهذه القارة، سواء عبر المشارکة في عمليات حفظ السلام المنتشرة ببعض الدول الأفريقية ( ليبيريا، الکوت ديفوار، جنوب السودان، السودان، الکونغو الديمقراطية) ، أو عن طريق توريد السلاح؛ فقد استوردت أفريقيا 13% من الصادرات الصينية من الأسلحة التقليدية خلال الفترة 2007 – 2012 التي بلغت قيمتها المالية 6462 مليون دولار .

ثالثاً- تحليل العلاقات التجارية بين الصين وافريقيا :

     شهد التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين الصين وأفريقيا نمواً متسارعاً ، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري الإجمالي بينهما من نحو مليار دولار أمريکي في عام 1980، إلى ما يزيد عن 10 مليار دولار أمريکي في عام 2000، ثم أصبحت الصين أکبر شريک تجارى لإفريقيا في عام 2010، وتزايد حجم التبادل التجارى ليبلغ ما يقارب 115 مليار دولار أمريکي ، بزيادة قدرها 43.5% بالمقارنة مع عام 2009 . وواصل ارتفاعه إلى 166.3 مليار في عام 2011. أما بالنسبة لعام 2012 فقد وصل حجم التبادل التجاري 198.49 مليار دولار ( بزيادة بمعدل 19.3 % على 2011). واستمر فى الارتفاع ليصل الى نحو 148 مليار دولار عام 2017 بدلاً من 215 مليار دولار عام 2014 . بينما بلغ إجمالي حجم التجارة الصينية مع أفريقيا 204.19 مليار دولار أمريکي عام 2018 ، وان کان قد انخفض نسبيا فى عام 2020 بسبب انتشار جائحة کورونا ، ليبلغ حجم التجارة الثنائية بينهما نحو 176 مليار دولار ، ومازالت الصين تحافظ على وضعها کأفضل شريک تجاري لأفريقيا في عام 2020 على الرغم من الصعوبات التي فرضتها الجائحة. وقد أشارت مجلة الايکونوميست العالمية أن نحو 33 من أفقر الدول في إفريقيا وجهت نحو 97٪ من صادراتها إلى الصين بدون تعريفات جمرکية أو رسوم جمرکية. کما أن التجارة الإقليمية الناجحة الموقعة في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية التى أعلنتها افريقيا فى يناير 2021 ، ستربط بين الدول الأکثر ثراءً وفقرًا في المنطقة ، وتعزز نمو سلاسل القيمة وتضع الأسس لزيادة التجارة الدولية ، لذا فمن المتوقع أن يتم تعزيز العلاقات التجارية القوية الحالية التي تتمتع بها الدول الأفريقية بالفعل مع الصين والشرکاء التجاريين الرئيسيين الآخرين للقارة .

شکل رقم (1) تطور حجم التجارة ( صادرات وواردات ) بين الصين وافريقيا خلال الفترة ( 2002-2020)

مليار دولار أمريکى

– Source : China Africa Research Initiative , CHINA-AFRICA TRADE, 2022 , AVAILABLE AT :

http://www.sais-cari.org/data-china-africa-trade

 واکتسبت منطقة أفريقيا جنوب الصحراءأهمية کبيرة في السياسات التجارية الصينية ، حيث تفوقت الصين على الولايات المتحدة کشريک تجاري لأفريقيا جنوب الصحراء بعد الأزمة المالية العالمية فى عام 2008 ، مما أدى إلى زيادة حصة الصين في إجمالي تجارة أفريقيا جنوب الصحراء الکبرى ، حيث زاد إجمالي تجارة الصين مع دول جنوب الصحراء من 4 % في عام 2001 إلى 25.6 % في عام 2020 ، بينما انخفضت خلال نفس الفترة حصة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من إجمالي تجارة أفريقيا جنوب الصحراء من 30.3 % إلى 22.3% ومن 15.5% الى 5.6 % على التوالي.

شکل رقم (2) تطور حصة الصين والاتحاد الاوروبى والولايات المتحدة الامريکية من اجمالى حجم تجارة دول أفريقيا جنوب الصحراء خلال الفترة (2000 الى 2020)

Source : Amin Mohseni-Cheraghlou , ” China and Sub-Saharan Africa trade: A case of growing interdependence ” , Atlantic Council , July 22, 2021, Available at :

   ولم تصبح الصين فقط شريکًا تجاريًا استراتيجيًا متزايدًا لأفريقيا جنوب الصحراء في العقدين الماضيين ، بل زادت أيضًا حصة أفريقيا جنوب الصحراء من إجمالي تجارة الصين خلال نفس الفترة: من 1.48 % من إجمالي تجارة الصين في عام 2001 إلى 3.18 % في عام 2020. في نفس الوقت الوقت ، ظل وزن دول جنوب الصحراء الکبرى في إجمالي تجارة الاتحاد الأوروبي کما هو نسبيًا – 1.3 % في عام 2001 و 1.2 % في عام 2020 – بينما شهدت انخفاضًا في الولايات المتحدة – 1.5 % في عام 2001 إلى 0.85 % في عام 2020. بعبارة أخرى ، زاد وزن دول جنوب الصحراء الکبرى في إجمالي التجارة الصينية بأکثر من الضعف في العقدين الماضيين ، بينما ظل ثابتًا نسبيًا بالنسبة للاتحاد الأوروبي وانخفض بالنسبة للولايات المتحدة .

شکل رقم (3) حصة أفريقيا جنوب الصحراء من إجمالي حجم التجارة لکل من الصين والاتحاد الاوروبى والولايات المتحدة الأمريکية

 Source :Amin Mohseni-Cheraghlou , ” China and Sub-Saharan Africa trade: A case of growing interdependence ” , Atlantic Council , July 22, 2021, Available at :

 وقد أصبحت الصين مقصد لنحو 15 إلى 16 % من صادرات أفريقيا جنوب الصحراء ، ومصدر ما بين 14 إلى 21 % من واردات المنطقة ، وکان اکبر حجم لواردات الصين من افريقيا من : انجولا ، وجنوب افريقيا ، ثم جمهورية الکونغو الديمقراطية ، بينما کانت اکثر الدول الافريقية استيرادا من الصين کل من جنوب افريقيا ونيجيريا ومصر کما هو موضح بالشکل رقم (4) .

شکل رقم (4) صادرات ووارادت الصين من افريقيا موزعة حسب الدول الأفريقية

Source : United Nations Conference On Trade and Development (UNCTAD ) , COMTRADE, , at:

https://comtrade.un.org/Data/

     وتتکون معظم صادرات أفريقيا إلى الصين من : النفط ومشتقاته ، ففي عام 2019 ، استحوذت منطقة جنوب الصحراء الکبرى على أکثر من 16 % لمائة من إجمالي النفط الخام الذي استوردته الصين ، ونما حجم صادرات خام أفريقيا جنوب الصحراء إلى الصين بأکثر من 100 % بين عامي 2008 و 2019 من 0.7 مليون برميل يوميًا في 2008 إلى 1.5 مليون برميل يوميا في عام 2019. ، کذلک مواد التشحيم ، والمعادن مثل ( اليورانيوم والألومنيوم والزنک والفوسفات والنحاس والنيکل والذهب ) ، وکذلک بعض السلع الزراعية مثل (الأخشاب والمطاط والقهوة والقطن والکاکاو والأسماک والکاجو) . فى الوقت الذى تتنوع فيه وارادات أفريقيا من الصين کما هو موضح فى الشکل رقم (5) ، حيث تمثل الاجهزة الاليکترونية والالات ومعدات النقل الحصة الأکبر ، يليها السلع الاستهلاکية خاصة المنسوجات والملابس . وأهم ما يميز تلک السلع الصينية انها أقل تکلفة من السلع المماثلة فى دول الاتحاد الاوروبى مما يجعلها اکثر جذباً وطلباً فى افريقيا .

شکل رقم (5) هيکل وارادات أفريقيا من الصين

– Source : Miria Pigato and Wenxia Tang, China and Africa Expanding Economic Ties in an Evolving Global Context , Investing in Africa Forum , Addis Ababa , March.2015 , P.5, at:

https://www.worldbank.org/content/dam/Worldbank/Event/Africa/Investing%20in%20Africa%20Forum/2015/investing-in-africa-forum-china-and-africa-expanding-economic-ties-in-an-evolving-global-context.pdf

ثالثاً- الاستثمارات الصينية فى افريقيا :

     سعت الصين نحو الاستثمار فى افريقيا ، من خلال التوقيع على عقود اقتصادية واستثمارية تشمل شتى المجالات، وهو ما عزّز مرکزية الصين في تنمية القارة التي تحتاج بحسب التقديرات الأخيرة لــ “بنک التنمية الإفريقي African Development Bank ( AFDB)، إلى نحو 170 مليار دولار سنوياً، لتطوير بنيتها التحتية والحفاظ على نموها الاقتصادي. وتعتبر أفريقيا هي ثالث أکبر وجهة للاستثمار الصيني بعد دول آسيا وأوروبا ، حيث تطور الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في أفريقيا من 20 مليون دولار في أوائل التسعينيات إلى ما يقرب من 100 مليون دولار في عام 2000 ووصل إلى أکثر من مليار دولار في عام 2006 . وظل حجم الاستثمار الصينى فى أفريقيا فى اتجاه متزايد منذ عام 2006 وحتى عام 2017 التى بلغ فيها نحو 110 مليون دولار ( بعد قمة المنتدى الصينى الافريقى لعام 2015 ) ، حيث التزمت الصين فيها بمبلغ 60 مليار دولار للقارة. کما شهد الاستثمار الصيني في أفريقيا توسعاً مهماً ، على الرغم من المنحى التنازلي في التجارة والاقتصاد العالميتين الناتج عن آثار وباء کورونا ، إذ بلغ حجم تدفق الاستثمار الصيني في القارة السمراء نحو 2.5 مليار دولار لسنة 2020 بزيادة قدرها 9.5% عن عام 2019. وبلغ الاستثمار الصيني المباشر حتى نهاية يوليو 2021 ، ما قيمته 2 مليار دولار، أي أفضل من المستوى المسجّل في عام 2019 قبل الجائحة. ومعظم هذه الاستثمارات تتوزع على 52 دولة أفريقية ، وتترکز بشکل کبير فى کينيا ، الکونغو الديمقراطية ، جنوب افريقيا ، اثيوبيا ، النيجر ، زامبيا ، السنغال ، ومدغشقر .

. شکل رقم (6) تطور حجم تدفقات الاستثمارات الصينية فى أفريقيا خلال الفترة (2003-2020)

مليار دولار أمريکى

   Source : Yike Fu , The Quiet China-Africa Revolution: Chinese Investment , The Diplomate , November 22, 2021, Available at :

https://thediplomat.com/2021/11/the-quiet-china-africa-revolution-chinese-investment/

    وکشف تقرير أعده مجلس الأعمال الصيني الإفريقي عن رصيد الاستثمار المباشر للشرکات الصينية في إفريقيا ، فقد بلغ 56 مليار دولار أمريکي في نهاية عام 2020 ، وتمثل الشرکات الخاصة حوالي 70٪ من حجم هذا الاستثمار . ويمکن القول بأن اجمالى قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر التراکمى الصيني في إفريقيا بلغ ما يقرب من 100 ضعف خلال فترة 17 عامًا ما بين الفترة ( 2003 وحتى 2020) ، وبلغت ذروتها في عام 2018 عند 46.1 مليار دولار.

    ولا شک ان تلک المشروعات تسهم وبشکل کبير فى خلق فرص العمل بافريقيا ، اذ بلغت نحو أکثر من 130 ألف فرصة عمل في الفترة ما بين 2005 وحتى 2016، وفى دراسة أجريت على عينة صغيرة فقط من المشروعات الصينية بأفريقيا مکونة من 156 شرکة ، وجد أنها ساهمت فى خلق نحو 39 ألف فرصة عمل خلال عام 2017 . ويذکر أن عدد الشرکات الصينية العاملة في القارة الأفريقية حتى نهاية عام 2016 بلغ نحو 3100 شرکة صينية ، وارتفعت الى 3670 شرکة حتى عام 2018 ، وتعمل في مشروعات مختلفة بمجالات النقل والطاقة والاتصالات والمناطق الصناعية ومراکز التکنولوجيا الزراعية وإمدادات المياه والمدارس والمستشفيات . هذا بالاضافة الى وجود المناطق الصناعية الصينية في أفريقيا ، حيث توجد 25 منطقة صينية للتعاون الاقتصادي والتجاري في 16 دولة أفريقية، مما يعزز تنمية القارة السمراء وتساهم في نقل التکنولوجيا الصينية للدول الأفريقية وتفتح الباب أمام توطين وتعميق الصناعة بهذه الدول وزيادة القيمة المضافة لمواردها . وجذبت هذه المناطق حتى نهاية عام 2020 حوالي 623 شرکة باستثمارات تقدر بـ 7.35 مليار دولار، ووفرت أکثر من 46 ألف فرصة عمل للدول المضيفة . وتشير دراسة أجرتها وکالة “ماکنزي” الأميرکية إلى أن تصل قيمة الأرباح المالية التي تجنيها الصين من أفريقيا بحلول عام 2025 إلى 440 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 144% .

     وبالنسبة للتوزيع الجغرافى لتلک الاستثمارات الصينية فى أفريقيا ، استحوذ أکبر 10 متلقين للاستثمار الأجنبي المباشر ( جنوب أفريقيا ، جمهورية الکونغو الديمقراطية ، زامبيا ، اثيوبيا ، انجولا ، نيجيريا ، کينيا ، زيمبابوى ، الجزائر ، غانا ) على 63 % من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في إفريقيا کما هو موضح بالشکل رقم (7) ، بينما النسبة المتبقية وهى 37% تتوزع على باقى الدول الافريقية الأخرى .

شکل رقم (7) الدول الأفريقية العشر الأولى المستقبلة للاستثمارات الصينية لعام 2020

 Source : Yike Fu , The Quiet China-Africa Revolution: Chinese Investment , The Diplomate , November 22, 2021, Available at :

https://thediplomat.com/2021/11/the-quiet-china-africa-revolution-chinese-investment/

    وتجدر الاشارة هنا الى تلقى نيجيريا أموالاً کبيرة نسبياً من الصين لتطوير السکک الحديدية ، حيث تدعم الصين مشروعين رئيسيين للسکک الحديدية: أحدهما خط من لاجوس إلى کانو ، والآخر عبارة عن سکة حديد ساحلية من لاجوس إلى کالابار. کما تأمل الحکومة النيجيرية أن تدعم الأخيرة حفظ السلام في منطقة دلتا النيجر ، وبالتالي تحسين الاستثمارات النفطية هناک . وتشارک الصين أيضًا في بناء السکک الحديدية في کينيا وإثيوبيا وزامبيا وغيرها. فعلى سبيل المثال ، قدم بنک التصدير والاستيراد الصيني 85 % من التمويل لسکة حديد أديس أبابا التي تبلغ قيمتها 475 مليون دولار ، والتي تخدم 4 ملايين من سکان المدينة . کما تشير الإحصاءات إلى أن الشرکات الصينية غالبًا تقدِّم العروض التنافسية الأقوى فى الصفقات المتعلقة بمشاريع بناء الطرق وشبکات السکک الحديدية والموانئ والسدود والمطارات والاتصالات السلکية واللاسلکية. وتستثمر الصين فى جميع المجالات، من الطاقة والزراعة والتعدين والبناء، وقطاعى التجارة والخدمات ومعالجة منتجات الموارد والتصنيع إلى الدعم اللوجستى التجارى، ويشرف على هذه العملية “بنک الاستيراد والتصدير” الصينى وهو تابع للدولة ويقوم بدور أساسى فى إعطاء القروض للحکومات الإفريقية، وهو الذى يقترح منح هذه القروض من خلال شروط تفضيلية.

   أما بالنسبة للتوزيع القطاعى للاستثمارات الصينية فى أفريقيا ، فان الاستثمارات في قطاع الطاقة تمثل الجزء الأکبر من الاستثمارات خاصة استثمارات النفط والغاز مثل نيجيريا وانجولا ، والاستثمار في الطاقة النظيفة مثل الطاقة الکهرومائية. کما تعد الصين من أکبر المستثمرين في مجال الطاقة المتجددة على مستوى العالم ، حيث استثمرت الصين 3 دولارات في الطاقة المتجددة مقابل کل دولار استثمرته الولايات المتحدة فى هذا المجال ، کذلک الاستثمار فى قطاع النقل والتعدين والتشييد والبناء والقطاع الصحى . وتجدر الاشارة هنا الى ان استثمارات الصين في أفريقيا لا تزال في المراحل الأولى مقارنة باستثمارات الدول الأوروبية الرئيسية التي لها ماضٍ استعماري في إفريقيا ، وخاصة فرنسا والمملکة المتحدة. حيث تحتل الصين المرتبة الخامسة کأحد أکبر الدول المستثمرة فى أفريقيا ، بعد فرنسا ونيوزيلندا والولايات المتحدة الامريکية ، وانجلترا .

   خامساً – المساعدات والمنح والقروض بين الصين وأفريقيا :

       تتميز المساعدات الصينية لأفريقيا بأنها لا ترتبط بأي شروط سياسية، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول المتلقية للمساعدات ، وتحترم حقوق الدول المتلقية للمساعدات في اختيار طرق وأساليب التنمية التي تناسبها ، وهو ما يتفق مع سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية الذي تنتهجها الصين ،. حيث صنفت معظم المساعدات الخارجية الصينية التى تمنح بدون مقابل على أنها مساعدات تهتم بالبنية التحتية والجوانب الاجتماعية والصحية ، حيث تدعم الصين الدول المتلقية لتحسين الظروف الطبية والرعاية الصحية ، وتحسين السيطرة على الأمراض والوقاية منها ، وتعزيز بناء القدرات في مجال الصحة العامة من خلال بناء المستشفيات وتوفير الأدوية والمعدات الطبية وإرسال الفرق الطبية وتدريب الکوادر الطبية. وفى نهاية عام 2018 ، کان لدى الصين أکثر من 200 مشروع يتعلق بالبنية التحتية في إفريقيا ، مما يجعل الصين أکبر مانح للمساعدات فى ها المجال ، ومن أمثلة ذلک : مساعدات لانشاء سکة حديد تنزانيا – زامبيا ، ومرکز القاهرة الدولى للمؤتمرات بالقاهرة – مصر ، وميناء الصداقة بموريتانيا ، وغانا ، ومطار موريشيوس ، غانا ومحطة الطاقة الکهرومائية Buvi فى غانا .

      أما بالنسبة للقروض الصينية الى افريقيا ، في الواقع ، کانت إفريقيا أکبر متلق للأموال الصينية منذ عام 2009 ، حيث قدمت الصين 10 مليار دولار أمريکي لتمويل إفريقيا في شکل ” قروض ميسرة ” ، کما تضاعف هذا الالتزام ليصل الى 20 مليار دولار أمريکي منذ عام 2013 وحتى عام 2015. وتصدرت القروض المقدمة من الصين إلى إفريقيا – المقدرة بنحو 153 مليار دولار خلال الفترة (2000-2019 ) أکبر 10 متلقين للقروض – يمثلون 68 % من الإجمالي – يشملون بلدانًا متنوعة مثل أنغولا وإثيوبيا وزامبيا والکاميرون . وفى عام 2019 ، کان نحو 24٪ من اجمالى الديون الأفريقية مستحقة للصين ، بينما 32 % مستحقة للمؤسسات الدولية ، و4% من الديون الخارجية الحکومية مستحقة لمقرضين من القطاع الخاص کما هو موضح فى الشکل رقم (8) . ويفترض أنه بحلول عام 2025 ، ستوفر الصين لإفريقيا نحو واحد تريليون دولار أمريکي من التمويل ، بما في ذلک الاستثمار المباشر والقروض الميسرة والقروض التجارية خاصة فى ظل انتشار التداعيات الاقتصادية السلبية لجائحة کورونا .

شکل رقم (8) الديون الافريقية موزعة وفقا لطبيعة الجهة الدائنة لعام 2019

Source : Ben Chandler,COVID-19 & AFRICAN DEBT: FURTHER DISTRESS OR THE BEGINNING OF A NEW PARADIGM?, Mo Ebrahim Foundation , 2020 , Available at:

https://mo.ibrahim.foundation/sites/default/files/2020-06/debt-distress-covid19.pd

     يضاف الى ذلک ، منح الصين قروض بدون فائدة أو ما يسمى ب ” القروض التفضيلية” التى توجه لقطاعات اقتصادية مختلفة مثل مشروعات البنية التحتية، وتحسين کفاءة بعض القطاعات الاقتصادية الهامة مثل الزراعة . حيث أشار البنک الدولي إلى أن أکثر من ثلث القروض الصينية تستخدم في قطاع الکهرباء ومرافق المواصلات ، وذلک في إطار التعاون الصيني- الأفريقي بشأن المساعدات الخارجية للمنشآت الأساسية الاقتصادية. وقدمت الصين عددا کبيرا من القروض الميسرة لتحسين قدرة الإنتاج الزراعي في أفريقيا ، وجودة المنتجات وتدريب الفنيين الزراعيين ، وانشاء عدد کبير من محطات اختبار التکنولوجيا الزراعية والمحطات الإرشادية والمحافظة على المياه ، مما أدى إلى تحسين قدرة الإنتاج الزراعي ورفع مستوى الأمن الغذائي لبعض الدول الأفريقية . وقد ساعدت قروض ومنح الصين بعض الدول الأفريقية على بناء مشروعات البنية التحتية المتعلقة بالمواصلات والاتصالات والکهرباء.

    وکثيراً ما تقدم الصين قروضًا منخفضة الفائدة للدول التي تعتمد على السلع الأساسية مثل النفط أو الموارد المعدنية . وأقرب مثال على ذلک ما يسمى ب ” نمط أنجولا ” ، الذي اتخذته الصين في تقديم المساعدات لأفريقيا، حيث ساعدت الصين على إعادة بناء أنجولا بعد اتفاق البلدين على أن تقوم أنجولا بسداد الديون الصينية باستخدام نفطها في المستقبل، هذا النوع من المساعدات، وصفه تقرير صادر عن البنک الدولي بـ”نمط أنجولا”. وان کانت قد ظهرت هنا الشکوک في هذا النمط الذى يرکز على مقايضة البنية التحتية بالموارد وعدم وضوح التمييز بين المساعدات والتجارة والاستثمار. وفي الحقيقة، “نمط أنجولا” هو اتفاقيات وعقود وقعت بين المؤسسات الصينية والأنجولية بدعم من حکومتي البلدين وعلى أساس الاحترام المتبادل للسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. کما منحت الحکومة الصينية قروضا تفضيلية لتشجيع المؤسسات الصينية على الاستثمار في مجالات البنية التحتية والطاقة والموارد، وهذا النمط لم يساهم في دفع التنمية الاقتصادية في أنجولا فحسب، وإنما أيضا ساعد على انطلاق المؤسسات الصينية إلى الخارج، وحققت الصين وأنجولا الفوز المشترک بفضل هذا النمط .

  سادساً- فرص وتحديات التواجد الصينى فى أفريقيا :

   لقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين الصين وأفريقيا تحسنًا کبيرًا على کافة المستويات وخاصة التجارية والاستثمارية . ومن المتوقع أن تعزز الصين من مصالحها في القارة، وفي هذا السياق يُعد المنتدى الصيني الأفريقي للتعاون فرصة جيدة للشراکة الرابحة بين الجانبين، والذي سيعود بالنفع على أفريقيا باعتبار أن الاقتصاد الصيني من أکبر اقتصادات العالم نموًا في العالم . وقد نتج عن المنتدى الصيني الأفريقي في دوراته السابقة عن جملة من النتائج التي أکدت سعي الطرفين لتبادل النفع ، والتي يمکن أن نرصد أبرزها فى :

– اعلان الصين فى عام 2015 عن عشر خطط للتعاون بين الصين وأفريقيا لمساعدة القارة على تسريع التصنيع والتحديث الزراعي. کما تم أيضا إنشاء صندوق للتعاون في قدرة الإنتاج بين الصين وأفريقيا بقيمة 10 مليارات دولار بهدف دعم مشروعات التعاون مثل المناطق الاقتصادية والصناعية في أفريقيا.

– تدشين منطقة التجارة الحرة في جيبوتي کمنصة لتنفيذ استراتيجية «الخروج» للشرکات الصينية وستسهم في حل بعض المشکلات التجارية مثل کفاءة التخليص الجمرکي المنخفضة والخدمات اللوجستية البطيئة والإجراءات الإدارية المعقدة ونقص الخدمات المساندة، مما يعزز تيسير التجارة بين الصين والدول الأفريقية.

– جاء الاعلان عن مبادرة الحزام والطريق فى عام 2013 للربط بين الصين واسيا واوربا وافريقيا ، وتقوم المبادرة على تطوير البنى التحتية للبلاد المشمولة بالمبادرة ، وتتضمن مد لشبکات للطاقة والغاز والکهربا ، وتضمن المبادرة حرية انت ال السلع والخدمات والبشر تمهيداً لازالة التعريفة الجمرکية بين الدول مع مطلع عام 2050 . وتحقق تلک المبادرة فوائد للأطراف جميعها ، حيث تعزز النفوذ السياسى والاقتصادى للصين عبر ثلاثة قارات ، کما تستفيد القارة الافريقية من المشروعات التنموية خاصة المرتبطة بالبنية التحتية ضمن المبادرة .

– في مجال التنمية المجتمعية وخاصة في المجال الصحي، يبرز الدور الصيني المستند إلى وثيقة عام 2006 بعنوان «سياسة الصين الأفريقية»، التي تتضمن إرسال الصين المساعدات الطبية والأدوية للدول الأفريقية والمساعدة في تحسين جودة البنية التحتية وتدريب العاملين في المجال الطبي، والتعاون للوقاية والعلاج من الأمراض المعدية مثل نقص المناعة والإيدز، والملاريا، وغيرها من الأمراض، کما ساعد الصين إفريقيا على التعافي من جائحة کوفيد -19 وتحسين قدرتها التنافسية في السوق العالمية حيث تبرعت الصين بأکثر من 600 مليون جرعة ، الهدف منها رفع معدلات التطعيم في إفريقيا.

     إلا أن هذا التعاون لا يعني خلو العلاقات الأفريقية الصينية من معوقات وتحديات والتي يمکن أن نجملها فيما يأتي :-

1. التباعد الجغرافي بين الجانبين، صحيح أن ثمة تعزيزات صينية لتسهيل الربط مع دول القارة الأفريقية ضمن مشروعها «الحزام والطريق»، إلا أنه من الصحيح أيضا أن الترکيز منصب على شرق وجنوب شرقي أفريقيا بصورة رئيسية، أخذا في الاعتبار أن هذا لا يعني إغفال وسط وغرب القارة، وإن کان الاهتمام بها أقل مقارنة بمناطق الشرق والجنوب الشرقي. وقد يمثل هذا التباعد الجغرافي عاملا يحد من التقارب المتوقع بين الجانبين.

2. التنافس الدولي والإقليمي في القارة ، حيث تواجه الصين تنافسا دوليا وإقليميا قويا في القارة الأفريقية، ذلک التنافس الذي قد يصل إلى حد التزاحم بين کثير من الأطراف التي يسعى بعضها للاحتفاظ برصيد وجودها في تلک القارة، وبعضها الآخر يسعى إلى کسب مناطق وجود ونفوذ من خلال توثيق علاقاته بقادة دول القارة بشتى الطرق.

3. ضعف الروابط الثقافية واللغوية بين الجانبين، وهو ما يتجسد في عائق اللغة، إذ إن معظم مناطق القارة بحکم الاستعمار القديم تتحدث إلى جانب اللغات المحلية إما اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وهو ما يجعل من الصعوبة بمکان التواصل المجتمعي بين الجانبين. صحيح أن الصين تحاول من خلال الموجودين في المشروعات التنموية أن تکون ملمة باللغات المنتشرة في تلک المناطق لتسهيل التواصل مع مواطنيها. کما تسعى إلى فتح مراکز ثقافية لتعليم اللغة الصينية في بعض المناطق.

– نتائج الدراسة : خلصت الدراسة الى عدد من النتائج يتمثل أهمها فيما يلى :-

– ان الهيکل التجاري بين الصين وأفريقيا يعکس استمرار القارة فى انتاج وتصدير مواردها الطبيعية على رأسها الطاقة والمعادن ، بينما تستورد السلع المصنعة ومرتفعة التکنولوجيا من الصين ، هذا فى ظل أن الشرکاء التجاريون للصين يترکزون بشکل رئيسي في عدد صغير من الدول الافريقية بما يتوافق مع الميزة النسبية لکل دولة ، وهو ما يمثل استمرار للنمط الأصلي لتقسيم العمل الدولي لتصبح أفريقيا مصدر الثروات لکل دول العالم بما فى ذلک الصين .

– شهد الاستثمار الصيني في أفريقيا توسعاً مطرداً رغم الاتجاه الهبوطي الناتج عن انتشار جائحة کورونا، حيث جلبت الصين کمية کبيرة من الاستثمار في البنية التحتية الأفريقية ، کما شهد الاستثمار الصيني في قطاع الخدمات بأفريقيا زيادة کبيرة، حيث ارتفع الاستثمار في القطاعات الفرعية مثل البحث العلمي وخدمات التکنولوجيا والنقل والتخزين وخدمات البريد بواقع أکثر من الضعفين .

– ان الصين لم تقرن مساعداتها لأفريقيا بأية أغراض سياسية ، حيث شملت المساعدات الصينية العديد من النواحى التنموية للقارة ، وان کان التخوف الرئيسى هو فرط اعتماد الحکومات الأفريقية على القروض الصينية . حيث يصنف صندوق النقد الدولي أکثر من 20 دولة أفريقية على أنها معرضة لخطر کبير من ضائقة الديون أو في ضائقة ديون بالفعل بسبب جائحة “کوفيد-19”. في عام 2020، حيث أصبحت زامبيا وأنجولا واثيوبيا أکثر المقترضين الأفارقة من الصين ، ومع تزايد وکثافة تلک الديون يضعف احتمالات تقديم الصين مزيداً من التنازلات لتخفيف الديون خاصة مع تعرضها لانعکاسات جائحة کورونا .

– إن الصين وأفريقيا مکملان لبعضهما البعض في التنمية الاقتصادية ، فما زال يجمعهما مشروعات تنموية عملاقة مثل طريق الحرير ضمن مبادرة الحزام والطريق ، ومنطقة التجارة الحرة في جيبوتي کمنصة لتنفيذ استراتيجية نفاذ السلع الصينية الى دول القارة ، والعديد من جوانب التعاون الاقتصادى.

    وفى الختام ، يمکن قبول الفرضية الأولى للدراسة التى مفاداها أن انشاء منتدى التعاون الاقتصادى الأفريقى فى عام 2000 قد ساهم فى تحسن العلاقات الاقتصادية الصينية الأفريقية بشکل کبير ، حيث تحسنت بشکل ملحوظ مؤشرات التبادل التجارى والاستثمار بين الصين الأفريقيا بعد انشاء المنتدى . کذلک قبول الفرضية الثانية التى مفاداها أن العلاقات الاقتصادية بين الصين وأفريقيا تسير فى الاتجاه التکاملى وليس التنافسى ، حيث أن العلاقات التجارية بين الطرفين جاءت تکاملية بشکل کبير ، کما أن مبادرات الصين لبناء وتحسين البنية التحتية مثل الطرق والسکک الحديدية وأنظمة الاتصالات تعتبر بمثابة اضافة مهمة لقطاع التصنيع في أفريقيا ؛ وساعدت الصين أفريقيا فى تخطى العديد من المشکلات التنموية فى مجالات مختلفة؛ وبالتالى فان العلاقات الاقتصادية بين الصين وأفريقيا قائمة على منهج الفائدة المشترکة Win- Win Approach . ومازال المستقبل يحمل فى طياته سبل أخرى للتعاون ، وفي ضوء ذلک أصدر المنتدى الصينى الافريقى ما يسمى ب «إعلان بکين – نحو مجتمع صيني أفريقي أقوى ذي مستقبل مشترک» کما اعتمد «خطة عمل بکين 2019 – 2021»، والتي تستهدف تکثيف ودفع العلاقات الصينية مع الدول الأفريقية وتعزيز تعاونهما المشترک.

– توصيات الدراسة :

توصلت الدراسة الى عدد من التوصيات من شأنها تعزيز استفادة اقتصادات أفريقيا من الصين ، تتمثل أهمها فيما يلى :-

– في الحالة الصينية- الأفريقية، تتمتع الصين بمزايا نسبية في مجال التقنيات ورأس المال والخبرات الفنية، وتتمتع أفريقيا بتفوق في الموارد الطبيعية وإمکانات التنمية والتطوير والأسواق، ويجب على أفريقيا الترکيز على کيفية الاستفادة من القدرات الصينية بما يعظم من اقتصاداتها ويرفع درجة تنافسيتها .

– على أفريقيا أن تضع شروط أمام المستثمرين الصينين متعلقة بتوظيف العمالة الأفريقية، فعادة تقوم الاستثمارات الصينية بتشغيل عمالة صينية بالمشروعات القائمة فى افريقيا ، ومن هنا لابد من وجود خطة أفريقية يمکن من خلاالها تعزيز الدور التنموى للاستثمارات الصينية لتأهيل العنصر البشري الأفريقي ونقل الخبرات اليه . مع ضرورة الإبقاء على جزء من الأرباح التي تتحقق لإعادة استثمارها في مشروعات حيوية تخدم المواطن الأفريقي بالدرجة الأولى

– رفع القدرات التفاوضية للحکومات الأفريقية ، حتى يمکن الاستفادة القصوى من التواجد الاقتصادى الصينى فى أفريقيا ، فهناک ضرورة لقيام الدول الافريقية للتأسيس لبناء شراکة متکافئة تمکنها من توطين التکنولوجيا وبناء اقتصاديات مُنتجة.

– وضع خطط تنموية أفريقية يمکن من خلالها الاستفادة من القدرات الصينية في قطاعات بعينها مثل مجال البنية التحتية وأيضا تجربتها في الزراعة وتنمية الريف .

– الاقتصاد الصينى أصبح يُنافس بجدية الولايات المتحدة الأمريکية وبقية الدول الغربية ليس فقط في إفريقيا وإنما في مختلف أنحاء العالم، حيث تُرشحه الدراسات الاستراتيجية بأن يتمکن من تجاوز أمريکا في أفق العام 2025 ، وهذا يتطلب الاتعاظ الأفريقى من تجارب الماضي وخاصة منها الشراکات غير المتکافئة مع الغرب التي خلفت الويلات، وهذا يتطلب إرساء شراکة أفريقية قائمة على قاعدة رابح-رابح.

– أن مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقتها الصين بهدف تعزيز الترابط والتعاون تبقى واحدة من أهم المبادرات العالمية التي من شأنها إحداث تغيرات هائلة على مستوى الاقتصاد الأفريقى والتوازنات الجيوسياسية، التي يتعين على إفريقيا الاستفادة منهاK والمضى قدما فيها.

تحميل المراجع