أحدث موقف الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، من نزاع الصحراء، إرباكا في المشهد الإقليمي وألحق ضررا بالغا بالتوازنات بين القوى العالمية في منطقة محورية من العالم. خطوة دونالد ترامب التي كان هدفها خدمة المخططات الإسرائيلية للتمدد في منطقة غرب إفريقيا، سمع صداها في عواصم عدة، أبرزها بروكسل وموسكو وطهران وبكين قبل أن يسمع في الجزائر.

تقوم السياسة الخارجية الجزائرية منذ عقود من الزمن على أساس الامتناع عن الالتحاق بأي أحلاف عسكرية وعدم التحالف العسكري المباشر مع قوى إقليمية أو عالمية، لكن هذه العقيدة السياسية والدفاعية قد يعاد النظر فيها بناء على التطورات الأخيرة في الإقليم، التواجد الدبلوماسي الإسرائيلي في الجارة الغربية للجزائر، يعني أن المغرب سيحصل لاحقا على تكنولوجيا دفاع إسرائيلية، هذا إن لم يكن قد حصل عليها بالفعل، ويعني أيضا أن الدولة العبرية ستدعم المملكة المغربية في حالة وقوع أي نزاع عسكري واسع، وهذا سيدفع الجزائر إلى إعادة ترتيب أوراقها الخارجية ورسم سياساتها الدفاعية على أساس أنه بما أن الأمريكيين قرروا التموقع إلى جانب المغرب وباركوا التغير الجديد في قواعد اللعبة الإقليمية بين الجزائر والمغرب، فإن الجزائر مجبرة على التموقع في الجانب المقابل: روسيا والصين، وهذا ما يفسر سرعة الرد الروسي على قرار ترامب الخاص بالنزاع في الصحراء. المتضرر الأول من قرار دونالد ترامب، لم يكن الجزائر بقدر ما كان الاتحاد الأوروبي الساعي لتقليص حجم النفوذ الاقتصادي الصيني في الجزائر، فأي توجّه جزائري مباشر نحو الصين وروسيا يلحق الضرر بالأوروبيين بشكل مباشر، وهذه ورقة يمكن للدبلوماسية الجزائرية استغلالها لاحقا.

القيادة السياسية الجزائرية، من جانبها، قرأت الرسالة الأمريكية جيدا، ليس فقط من خلال الإعلان الرسمي الأمريكي، بل أيضا من خلال الرسائل التي تلقتها الجزائر من مبعوثين أمريكيين، وهي تنتظر الآن توضيحا دقيقا من الرئيس رقم 46 للولايات المتحدة جو بايدن من الملف، قبل التحرك في الاتجاه الصحيح. هذه الصورة الواضحة نسبيا الآن تفسّر سبب زيارات قيادات عسكرية أمريكية للجزائر في نفس فترة اعتراف ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وتؤكد ما تم تداوله من تسريبات أشارت إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، تحفظت على قرار ترامب. التسريبات ذاتها أشارت إلى “ضمانات” قدّمتها القيادة العسكرية الأمريكية للجانب الجزائري حول طبيعة التوجه الأمريكي وطبيعة استراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة.

وحتى في حالة تأخر إطلاق حوار استراتيجي مباشر بين الجزائر وأمريكا، عقب تنصيب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة، فإن فقدان الجزائر بالنسبة لـ “المعسكر” الغربي، يعني خسارة دولة محورية في منطقة شمال إفريقيا لصالح الخصوم. الخبراء يقولون إن ملف العلاقة الجزائرية الأمريكية سيكون ضمن الملفات الأكثر أهمية في وزارة الخارجية الأمريكية في السنوات القادمة، لأن خيارات واشنطن إزاء هذا الملف محدودة، وهي إما تحسين العلاقة مع الجزائر أو انتظار وصول قيادة سياسية جديدة للسلطة في الجزائر يكون موقفها مختلف. وعن سبب أولوية الملف الجزائري في دوائر صنع القرار في أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي، فهو مرتبط بموقع الجزائر ليس في خريطة الجغرافيا، بل فوق خريطة حرب النفوذ السياسي والاقتصادي بين القوى العالمية، الصين زائد روسيا والاتحاد الأوروبي زائد الولايات المتحدة الأمريكية، وحرب نفوذ ثانية أكثر شراسة بين معسكر الدول العربية المطبعة + إسرائيل ومعسكر الممانعة أو المقاومة العربي + إيران والمعسكر الثالث الذي يقف في المنتصف، والذي يضم تركيا وقطر والجزائر بعد دخول إسرائيل إلى المغرب أو الإعلان رسميا عن تواجدها في الجارة الغربية للجزائر برعاية أمريكية باتت مجبرة على تحصين نفسها أمنيا، وهذا يعني بالضرورة اختيار الجانب المضاد، وهذا كله ليس في مصلحة أمريكا وحلفائها بما فيهم الحلفاء العرب وإسرائيل.

الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، فتح الباب أمام الجزائر بقراره الخاص بالنزاع في الصحراء الغربية، لتوثيق العلاقة مع قوى دولية أخرى منافسة ليس للولايات المتحدة فقط، بل وللإتحاد الأوروبي، هذه المعطيات ستدفع الإدارة الأمريكية الجديدة لإعادة فتح “حوار استراتيجي” جديد مع الجزائر وتعديل المسار ولو بشكل جزئي، لأن قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الاعتراف بـ”سيادة المغرب على الصحراء الغربية” سيعرّض المصالح الغربية في الجزائر، على الأقل، لمخاطر فقدان ما تبقى من نفوذ. وبينما يتم تقديم قرار البيت الأبيض الأمريكي في أواخر ولاية دونالد ترامب الرئاسية، بأنه جزء من مشروع صفقة القرن واعتراف أغلب الدول العربية بإسرائيل وقبولها في المنطقة، يقدّر خبراء أن القرار الأمريكي حول النزاع في الصحراء كان “خطأ استراتيجيا” كبيرا وخدمة مجانية لخصوم أمريكا وأوروبا.

وتشير تقارير إلى أن الدول الأوروبية ستضغط أكثر على واشنطن لإعادة ترتيب الوضع في الإقليم الأقرب لأوروبا الغربية، لأن القراءة المتأنية لقرار ترامب تعني أيضا أنه لم يستشر شركائه وحلفائه الأوروبيين قبل اتخاذ القرار، الأسابيع أو الأشهر القادمة ستشهد تحركا للآلة الدبلوماسية الأمريكية والصينية والروسية والخليجية والأوروبية باتجاه الجزائر.

مقال منشور بجريدة الخبر الجزائرية 31/01/2021