شكلت التطورات التي شهدها العالم المعاصر وخاصة مع انتهاء الحرب الباردة، وسقوط المعسكر الشيوعي، الذي عرف بطبيعته الإلحادية وتغييبه للجانب الديني والقيمي، دافعًا لتصاعد التيارات الفكرية المنادية بإعادة الاعتبار للأبعاد الدينية والقيمية في دراسة العلاقات الدولية، وأصبح هناك ما يمكن أن نطلق عليه ـ ولو بتحفظ ـ المنظور الديني – دراسة وتحليل العلاقات الدولية، ويدعم ذلك أنه من الصعب تجاهل تأثير المعتقدات الدينية التي يؤمن بها العديد من الباحثين على ما ينادون به من مقولات، وما يضعونه من مداخل واقترابات تحليلية في مختلف جوانب المعرفة الإنسانية، ومنها علم العلاقات الدولية، فهناك تأثير كبير لـ”الديانات السماوية”على قطاع عريض من الباحثين والمحللين في حقل العلاقات الدولية، وجانب كبير من مقولاتهم الفكرية والتحليلية، تجد جذورها في المعتقدات الدينية التي يؤمنون بها، وهذا ما أرادت أن تؤصل له الأستاذة الدكتورة نادية محمود مصطفى، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، من خلال مؤلفها المعنون بـ (العلاقات الدولية في الفكر السياسي الإسلامي ..الإشكاليات المنهاجية وخريطة النماذج الفكرية ومنظومة المفاهيم) والصادر عن مركز الحضارات للدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

وقد سعت الباحثة من خلال مؤلفها لإلقاء الضوء على الفكر السياسي الإسلامي وموقفه من نظريات العلاقات الدولية، من خلال دراسة الإشكاليات المنهجية لهذا الفكر، وأدبيات تقويم حالة دراسة الفكر السياسي الإسلامي، مع إلقاء الضوء على آليات النهوض والإصلاح في الفكر الإسلامي من خلال الاستعانة ببعض النماذج التي جسدت العلاقات الدولية في الفكر الإسلامي للوقوف على أهم مراحلها وإشكالياتها.

العلاقات الدولية من منظور إسلامي
استهلت الباحثة كتابها بالتطرق إلى بديات اهتمام الإسلام بالعلاقات الدولية كأحد المرتكزات الذي اعتمد عليها الرعيل الأول من المسلمين، حيث اتضحت الطبيعة العالمية لدين الإسلام منذ آيات التنزيل الأولى، التي أشارت إلى أن رسالته مخاطب بها العالم أجمع. وفي إطار تعميم تلك الدعوة، كانت مخاطبات رسول الله صلى الله عليه وسلم لقادة الدول والإمارات والممالك المختلفة، ثم جاء انتشار الدعوة الإسلامية خارج جزيرة العرب، وامتداد الفتح الإسلامي من الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، تجسيدًا آخر لتلك الدلالة.

وقد نما فقه العلاقات الدولية مترافقًا مع تلك التفاعلات، وبلور عدد من الفقهاء مجموعات كبيرة من الاجتهادات التي تحدد أهداف تلك التفاعلات وضوابطها، في حالتي السلم أو الحرب على حد سواء، ويمكن اعتبار كتاب “السير” لمحمد بن الحسن الشيباني أول كتاب في مادة القانون الدولي، حيث سبق في الظهور كتاب “قوانين الحرب والسلام” للهولندي “هيوجو جرسيوس” بأكثر من ثمانية قرون.

ولم تنفرد كتب السير والخراج أو كتب الفقه وحدها بتسجيل الرؤى الإسلامية في قضايا العلاقات الدولية، وإنما توزعت تلك الرؤى في كتب التاريخ والتفسير ومقارنة الأديان وغيرها من الأعمال الموسوعية التراثية. ومع دخول العالم الإسلامي في أطوار التراجع طرأت علامات الضعف على فقه العلاقات الدولية المنطلق من النظرة الإسلامية، ثم تراجع ذلك الفقه عندما فقد العالم الإسلامي إرادة المبادرة والتحرك، وسقط في قبضة “الاستعمار”.

وحتى بعد استقلال دول العالم الإسلامي، فإنها قد ظلت أسيرة حالة “القابلية للاستعمار”، وعلاقات التبعية التي رسختها سنوات الاستعمار الطويلة، ولم تعمد تلك الدول إلى استلهام الإسلام إطارًا توجيهيًّا لعلاقاتها الدولية، ولذلك لم يسجل فقه العلاقات الدولية الإسلامي أي تطور يذكر، خلال هذه المرحلة.

وتركز الجهد المبذول عن العلاقات الدولية في إطار المنظور الإسلامي، حول بعض الجوانب النظرية العامة، لاسيما الجوانب القانونية والأخلاقية المثالية. وحتى في هذه الجوانب ليست هذه الكتابات إلا مجرد إعادة صياغة لفقه السير القديم، أو محاولات لنقد القانون الدولي الحديث وتقويمه من وجهة نظر إسلامية. ويندر في تلك الكتابات وجود أبحاث ناضجة حول القضايا الراهنة التي تشغل حيزًا كبيرًا من اهتمام باحثي ومنظري علم العلاقات الدولية، مثل القوة النسبية والتحالفات والنظام العالمي، والعلاقات الاقتصادية العالمية، وحل النزاعات، وغير ذلك من القضايا التي تحتاج إلى بذل المزيد من الاجتهاد سعيًا نحو تكوين رؤية حضارية تجديدية تأخذ في اعتبارها التراث المتراكم الذي وضعه علماء وفقهاء المسلمين عبر مختلف العصور، والإسهامات الرائدة التي قدمها العلماء والباحثون في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية في المرحلة الراهنة.

مبادئ العلاقات الدولية في الإسلام
ثم تنتقل الباحثة لإلقاء الضوء على أبرز المبادئ التي تقوم عليها العلاقات الدولية من وجهة نظر الفكر الإسلامي والمتمثلة في، أولا: الإعلاء من شأن الإنسان بصفته إنسان قال تعالى: }وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً{ (الإسراء 70 )، ثانيا: المساواة بين الناس بدون النظر لأعراقهم وألوانهم قال تعالى: }هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا{ (الأعراف 189)، وقال تعالى ايضا:} يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء..{ (النساء: 1 )، إن اختلاف الناس شعوب وقبائل ليس ليقاتلوا ويعلوا بعضهم فوق بعض بل ليتعارفوا قال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ{ (الحجرات 13 ) وقارن هذا مع تتبناه بعض النظريات الحديثة والتي تقضى بتفوق بعض أجناس البشر على سواها وبالتالي بررت لظاهرة الاستعمار وأن الرجل الأبيض يستعمر العالم ليطور ويسرع عملية الترقي لباقي الأجناس البشرية.

ثالثا: التسامح دعا الإسلام إلى التسامح فقال تعالى: }ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ{ (فصلت: 34)، والتسامح يعنى القبول بالعيش المشترك والتسليم بالتواجد السلمي المشترك ولكنه لا ينفي حق المسلمين في نشر الدعوة وتبيان الحق من الباطل فالاعتراف بحق الأديان الأخرى بالوجود لا يعني عدم توضيح الحق وفى النهاية فالإيمان مسئولية فردية، رابعا : الحرية حيث قال تعالى: }لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ…{ (البقرة: 256 )، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أحد الصحابة عن إكراه ابناه على الإسلام وحين قدمت امرأة عجوز إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعاها إلى الإسلام فامتنعت فخشي الفاروق أن يكون قد أعنتها بما طلب ودعا الله اللهم أنى لم أكرهها، ولكن لحرية العقيدة شروط أهمها ألا يكون هناك ضغوط تمنع الشخص من الإسلام أو ضغوط لترك الإسلام واختيار دين آخر مثل ما يفعله بعض المتعصبون من المبشرين النصارى في أفريقيا وأسيا من استغلال الحاجة والفقر والمرض، أما المسلمين فلا يجوز خروجهم من الدين الإسلامي وترك الحق بعد أن عرفوه وإذا كانت الردة عن الإسلام لأهداف سياسية أراد من ورائها المرتد الثورة على النظام الإسلامي والذي هو النظام الدستوري للدولة فحكمه في الإسلام القتل مثلما هو حكم من يرد الثورة على النظام الاجتماعي والسياسي في معظم القوانين والشرائع غير الإسلامية.

أما إذا كانت الردة شخصية لم يجاهر فيها المرتد أو يحاول دعوة المواطنين الآخرين للخروج على النظام الإسلامي فاختلف الفقهاء في حكمه بين القتل والتعزير، خامسا: التعاون الدولي، فبعد وصوله إلى المدينة مباشرة أبرم الرسول صلى الله علية وسلم وثيقة المدينة بين المهاجرين والأنصار مع بعضهم البعض وبينهم وبين اليهود من جهة أخرى. كما قام الرسول صلى الله عليه سلم عن حلف الفضول الذي أبرم قبل الإسلام وكانت قبائل العرب قد أبرمت حلف الفضول لنصرة المظلوم وإغاثة الملهوف ، سادسا: التبادل الثقافي ولتلخيص هذا المبدأ نلجأ لتصنيف ابن خلدون العلوم إلى نوعين الأول طبيعي يتعرف إليه الإنسان بفكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاته ومسائله وأنحاء براهينه ووجوه تعليمه حتى يقف نظره على الصواب من الخطأ فيه حيث هو إنسان ذو فكر.

والنوع الثاني العلوم النقلية التي تسند الخبر إلى الشارع ولا مجال فيه للعقل إلا لإلحاق الفروع بالأصول، وليس هناك شك في أنه يجوز للمسلمين التبادل الثقافي مع كل الثقافات والحضارات في إطار النوع الأول من العلوم، سابعا: المعاملة بالمثل قال تعالى: }وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ{ (البقرة: 190 ) كما قال تعالى: }وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ{ (النحل: 126 )،ويقاس على هذا المبدأ إلغاء الرق فقد كانت الأمة المنتصرة تأخذ المقاتلين من أبناء الأمة المنهزمة كعبيد ونسائها كسبايا وطالما أمم العالم أجمعت على إلغاء ذلك والمسلمين لم يتخلفوا عن مسيرة التطور الإنساني خصوصاً أن إلغاء الرق يتمشى مع الغايات الكبرى للشريعة، لقد قام الصرب أثناء حرب البوسنة الأخيرة باغتصاب عدد من البوسنيات المسلمات لذا رأى بعض المجاهدين معاملة الصربيات كسبايا حرب، وقد رفض الرئيس البوسني عزت بيغوفيتش ذلك حيث أن هذا سيجعل المسلمين مثل حال الصرب مدانين من قبل الرأي العام الدولي ومخالفين لتعاليم الإسلام والعهود والمواثيق، ولكن لو أن كل أمم الأرض تراجعت عن إلغاء الرق وأعادت الرق والسبي فيحق للمسلمين عندئذ المعاملة بالمثل، ثامنا: الالتزام بالعهود والمواثيق قال جل من قائل: } وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً…{ (النحل : 91 )، وقد وفى صلى الله عليه وسلم ببنود كل المعاهدات التي دخل فيها كما رفض عليه الصلاة والسلام قبول من أسلم من أهل مكة بعد صلح الحديبية في دولة المدينة النبوية وفاء لبنود الصلح فما كان من هؤلاء بعد رفض الرسول صلى الله عليه وسلم قبولهم إلا السكن في الجبال والعمل على قطع الطريق على قوافل قريش.