العلاقات الروسية-الصينية للفترة(2000-2012)
رسالة تقدم بها الطالب: سداد نوري جاسم العيساوي
الى مجلس كلية العلوم السياسية-جامعة النهرين
وهي جزء من متطلبات الحصول على شهادة الماجستير في العلوم السياسية-قسم السياسة الدولية
بإشراف الأستاذ المساعد الدكتور خضر عباس عطوان
المحتويات
| الموضوع | الصفحة |
| المقدمة | أ-د |
| الفصل الأول: المتغيرات المؤثرة في العلاقات الروسية-الصينية | 1-94 |
| المبحث الأول: المتغيرات التاريخية | 2-24 |
| المطلب الأول: من 1917م-1949م | 3-7 |
| المطلب الثاني: من 1949م-1991م | 8-19 |
| المطلب الثالث: من 1991م-1999م | 20-24 |
| المبحث الثاني: المتغيرات العسكرية والأمنية | 25-41 |
| المطلب الأول: المتغيرات العسكرية والأمنية على الصعيد الروسي | 26-33 |
| المطلب الثاني: المتغيرات العسكرية والأمنية على الصعيد الصيني | 34-41 |
| المبحث الثالث: المتغيرات الاقتصادية | 42-55 |
| المطلب الأول: المتغيرات الاقتصادية على الصعيد الروسي | 43-48 |
| المطلب الثاني: المتغيرات الاقتصادية على الصعيد الصيني | 49-55 |
| المبحث الرابع: المتغيرات الثقافية والحضارية | 56-69 |
| المطلب الأول: المتغيرات الثقافية والحضارية على الصعيد الروسي | 57-62 |
| المطلب الثاني: المتغيرات الثقافية والحضارية على الصعيد الصيني | 63-69 |
| المبحث الخامس: المتغيرات الإقليمية والدولية | 70-94 |
| المطلب الأول: المتغيرات السياسية الاقليمية والدولية | 71-76 |
| المطلب الثاني: المتغيرات العسكرية والأمنية الاقليمية والدولية | 77-83 |
| المطلب الثالث: المتغيرات الاقتصادية الاقليمية والدولية | 84-94 |
| الفصل الثاني: مظاهر العلاقات الروسية-الصينية: | 95-158 |
| المبحث الأول: الجانب السياسي | 96-113 |
| المطلب الأول: التحالف الاقليمي واتفاقية التعاون وحسن الجوار2001م | 97-107 |
| المطلب الثاني: الخلل الديموغرافي وتأثيره على العلاقة الروسية-الصينية | 108-113 |
| المبحث الثاني: الجانب العسكري والأمني | 114-126 |
| المطلب الأول: التعاون في المجال الأمني-الاستراتيجي | 115-120 |
| المطلب الثاني: التعاون في المجال العسكري والتسلح الصيني من روسيا | 121-126 |
| المبحث الثالث: الجانب الاقتصادي والثقافي-الحضاري | 127-146 |
| المطلب الأول: العلاقات التجارية بين روسيا والصين | 128-132 |
| المطلب الثاني: أهمية النفط الروسي والتعاون في مجال أمن الطاقة | 133-140 |
| المطلب الثالث: التعاون الثقافي-الحضاري بين روسيا والصين | 141-146 |
| المبحث الرابع: التعاون والخلاف حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية | 147-158 |
| المطلب الأول: التعاون حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية | 148-152 |
| المطلب الثاني: الخلاف حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية | 153-158 |
| الفصل الثالث: الانعكاسات الإقليمية والدولية للعلاقات الروسية-الصينية | 159-248 |
| المبحث الأول: الجانب السياسي | 160-190 |
| المطلب الأول: أمريكا في العلاقات الروسية-الصينية | 161-175 |
| المطلب الثاني: الشرق الأوسط في العلاقات الروسية-الصينية | 176-190 |
| المبحث الثاني: الجانب العسكري والأمني | 191-221 |
| المطلب الأول: توسع حلف الناتو شرقاً | 192-201 |
| المطلب الثاني: منظمة شنغهاي للتعاون | 202-209 |
| المطلب الثالث:تأثير العلاقات الروسية-الصينية على بعض الأزمات الاقليمية والدولية | 210-221 |
| المبحث الثالث: الجانب الاقتصادي والثقافي-الحضاري | 222-248 |
| المطلب الأول: الازمة المالية والاقتصادية العالمية2008م وتأثيرها على العلاقة | 223-234 |
| المطلب الثاني: رابطة جنوب شرق آسيا (منظمة الآسيان) وتأثيرها على العلاقة | 235-240 |
| المطلب الثالث: أطروحة صدام الحضارات وتأثيرها على العلاقة | 241-248 |
| الخاتمة والاستنتاجات | 249-254 |
| المصادر والمراجع | 255-288 |
المقدمة
تُعَد العلاقات الدولية ظاهرة من التفاعلات المتداخلة والمتواصلة بين الدول، والتي تتسم بالتعاون تارة، والنزاع تارة أخرى, كما تتفاوت العلاقات بين الدول من حيث القوة والأهمية تبعاً لمقدار الأهداف والمصالح المنشودة لكلا طرفي هذه العلاقة.
وتستهدف دراسة العلاقات السياسية الدولية، التوصل الى تحليل دقيق على قدر الامكان لحقائق الاوضاع والعلاقات بين الدول، من خلال التعرف على طبيعة القوى التي تتحكم في تشكيل الاتجاهات السياسية للدول ازاء بعضها، وتحديد الكيفية التي تتفاعل بها هذه القوى، وردود الافعال التي تتركها على الاوضاع الدولية.
وما من شك: أنَ الحديث عن العلاقات التي تجمع روسيا والصين ترتكز على أساس: تعزيز الشراكة في مختلف المجالات، لاسيما في المجالين: الاقتصادي والاستراتيجي، ولكنها وبشكل دقيق ترتكز على أساس: مصلحي وفق ما فرضته طبيعة الاوضاع الدولية التي حتمت على الطرفين ضرورة إقامة علاقات أساسها: التعاون لمواجهة التحولات التي عصفت بالواقع الدولي، كما أن نجاح العلاقات التعاون الروسية–الصينية، لا يقوم فقط على عنصر الاستقرار السياسي الذي ساد ولا يزال المجال الجغرافي المشترك بينهما، دور واضح في تنسيق المواقف والتوجهات في بعض القضايا سواء أكانت على المستوى الثنائي المشترك فيما بينهما، أم على المستويين: الإقليمي والدولي، أي بمعنى أن المعطيات الجيوبوليتيكية كان لها دور فاعل في رسم انسياق التفاعلات ومستقبل الحركة السياسية الخارجية لكلا البلدين في إطار التقارب في الرؤى والتوجهات الروسية-الصينية على المستويين الإقليمي والدولي، بل حتى للتوجهات الإيديولوجية، لاسيما منذ العام 1969م، وحتى العام 1985م، دور مهم في نسج هذه العلاقة سواء أكانت في مدة الاستقطاب الإيديولوجي، أم في ظل المواقف الموحدة الرافضة للتغير الحاصل في موازين القوى بعد الحرب الباردة.
إذ يحظى موضوع(العلاقات الروسية-الصينية) بإهتمام متصاعد على المستويين: السياسي والأكاديمي، للثقل والأهمية المتميزة التي شكلتها الدولتين خلال عقود مضت على صعيد العلاقات الدولية، وتشكيل هيكلة النظام الدولي، وما يتوقع أن يكون عليه حال الدولتين مستقبلاً.
فكما هو معلوم ان تشكيل النظام الدولي الجديد والاحداث الدولية الأخرى لها أثرها في تغيير طبيعة وأدوار مراكز القوى فيه، ولاسيما الفواعل الرئيسية منها، ولابد وان يلقي بظلاله وأثاره الايجابية والسلبية على طبيعة مراكز الاستقطاب الجديدة فيه وعلى توزيع الأدوار بينهما، ناهيك عن تأثيراته المباشرة وغير المباشرة على الافاق المستقبلية للعلاقات الدولية بضمنها العلاقات الروسية-الصينية، إذ تميزت العلاقة بينهما بتأثيرها في المحيط الدولي، وتجاذبها مع المصالح الاقتصادية، وخيارات تبادل المنفعة والشراكة والتعاون بين البلدين.
وتُعّد(العلاقات الروسية–الصينية) من العلاقات الدولية المهمة في النظام الدولي؛ لأنها تطرح لنا نمطاً للعلاقات ما بين الدول الكبرى في العالم، في ظل هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام الدولي، فضلاً عن أن الدولتان تُعدّان من أهم الدول التي تنافس الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على مكانة مهمة في النظام الدولي.
1.أهمية الدراسة.
أن دراسة أي موضوع في العلاقات الدولية ما هو إلاّ جهد علمي، يحاول الباحث عن طريقه: تسليط الضوء على: علاقة جوهرية ومؤثرة في النظام الدولي، فضلاً عن أنهّ يكشف أساليب وخطط ومظاهر السياسة الدولية، وما يصنعهُ الكبار من تلك السياسات، إذ تعد(العلاقات الروسية-الصينية) واحدة من العلاقات المهمة على مستوى النظام الدولي؛ وذلك نظراً لما تحتله كلتا الدولتين من أهمية كبرى، فكلتاهما عضو في النادي النووي، وهما ايضاً من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن، والتي لها حق الفيتو، فضلاً عن أنهما الاقدر على منافسة الولايات المتحدة الأمريكية على قمة النظام الدولي، وكلاهما يقعان ضمن مديات رقعة الشطرنج الكبرى التي حددها برجنسكي(الرقعة الأور-آسيوية).
وتنفرد كل منهما بمميزات خاصة:
فروسيا وريثه الاتحاد السوفيتي ورثت عنه أغلب عناصر قوته وإخفاقاته وانهياراته ولكنها لم ترث عنه مكانته كقوة عظمى، وهي تسعى لاستعادة مكانته المفقودة تلك بعيداً عن الأطر الأيديولوجية، ولديها من الامكانيات والقدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية ما يؤهلها لتكون لاعباً فاعلاً ومؤثراً في النظام الدولي.
أما الصين فهي قوة متنامية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، والعملاق الصاعد من شرق آسيا، هدفها: النهوض والتقدم والوصول الى مكانة لائقة لها على الساحة الدولية، وربما الوصول إلى قمه هرم النظام الدولي.
2.هدف الدراسة.
يهدف موضوع الرسالة الى:
أ. عرض المتغيرات المتنوعة المؤثرة في مضمون العلاقة الروسية-الصينية، سواء أكانت متغيرات تأريخية أم متغيرات عسكرية وأمنية أم متغيرات ثقافية وحضارية أم متغيرات اقتصادية، وكذلك المتغيرات الإقليمية والدولية مع توضيح تأثير كل من تلك المتغيرات على العلاقة الروسية-الصينية.
ب. تحديد مظاهر العلاقات الروسية-الصينية على المستوى الثنائي في جوانبه المختلفة سواء كانت علاقات تعاون أم تنافس، على المستويات السياسية أو العسكرية والأمنية أو الثقافية والحضارية، ومعرفة مدى تأثير كل من تلك المظاهر على طبيعة العلاقة الكلية بين الدولتين خلال المدة التي تغطيها الدراسة.
ج. فضلاً عن دراسة ومعرفة الانعكاسات الإقليمية والدولية للعلاقة بين روسيا والصين، سواء أكان ذلك في جوانبها السياسية أم في جوانبها العسكرية والأمنية أم الاقتصادية والثقافية والحضارية، ومدى تأثيرها على مجريات السياسة الدولية.
3.حدود الدراسة.
تعالج الدراسة العلاقات الروسية-الصينية للفترة الواقعة ما بين الأعوام(2000-2012م)، في ضوء المتغيرات الداخلية التي تشهدها الساحتين: الروسية، فضلاً عن المتغيرات الإقليمية والدولية التي تحيط بعلاقتهما، ففي هذه الدراسة يتقيد الباحث بالحدود الآتية:
أ. من حيث المجال الجغرافي: فسنتناول في هذه الدراسة مظاهر العلاقات الروسية-الصينية، وانعكاساتها الدولية، كون كلتا الدولتين من القوى الكبرى التي تؤثر في تفاعلات النظام الدولي.
ب. من حيث الزمن: تتحدد الدراسة بمدة زمنية مقدارها إثنا عشر عاماً، وهي الممتدة ما بين الأعوام(2000-2012م)، دون أن نتطرق إلى ما قبلها إلاّ بوصفه حدث دال على وجود استمرارية تؤثر على عقلية كل: من الروس والصينيين في توجههم تجاه بعض، دون التطرق إلى المستقبل.
ج. من حيث الموضوع: فإنّ هذه الدراسة تتطرق إلى: جانب العلاقات بين الدولتين، والتطورات التي حصلت فيها، وانعكاساتها على البيئات التي تتعامل معها بحكم ما تمتلكه كل من روسيا والصين من مصالح وقدرات واهداف تساعدهما على تأثير على الدول الأخرى والنظام الدولي.
- المشكلة البحثية للدراسة.
إنّ أي موضوع يتم اختياره للدراسة، لابد من وجود مشكلة فيه، تعطي بُعداً لِما ينفق عليه من جهد وكلفة ووقت، سواء أكان ذلك البُعد علمياً أم عملياً هذا جانباً، ومن جانب اخر يفترض: أن تتحدد المشكلة بواحدة من حقول المعرفة، وهو هنا يتحدد بحقل العلاقات الدولية، والذي يمكن للباحث خلالها: استخدام لغة القياس بين الإطار النظري والجانب التطبيقي في الدراسة، لتكون النتائج التي يتم التوصل إليها أحد روافد تطور دراسة الجانب النظري في حقل دراسة العلاقات الدولية، والمشكلة التي نتناولها عِبر هذه الدراسة هنا، هي: معرفة طبيعة العلاقات الروسية-الصينية خلال المدة ما بين الأعوام(2000-2012م) وما شهدته من تطورات واحداث في ظل المتغيرات المؤثرة على البلدين سواء أكانت على الصعيد الثنائي أم على الصعيد الإقليمي والدولي، وبمعنى: البحث في أسباب ظهور تلك العلاقات بالشكل الذي ظهرت عليه خلال المدة التي تغطيها الدراسة.
- الأسئلة:
في ضوء ما تقدم يطرح موضوع الدراسة الاسئلة الآتية:
- هل التفاعلات التاريخية بين الدولتين أثرت على ما استقرت عليه العلاقة الروسية-الصينية بعد عام (2000م)؟
2.مالذي أثر على العلاقات الروسية-الصينية، بالشكل الذي ظهرت به خلال المدة ما بين الأعوام(2000م-2012م)؟
3.مالذي يجعل من المتغيرات العسكرية والأمنية والمتغيرات الاقتصادية، والمتغيرات الثقافية والحضارية، والمتغيرات الإقليمية والدولية، متغيرات مؤثرة في مضمون العلاقات الروسية-الصينية؟
4.ماهي المظاهر والتفاعلات التي ظهرت في العلاقات الروسية-الصينية على المستوى الثنائي خلال المدة التي تغطيها الدراسة؟
5.هل كانت البيئتين: الإقليمية والدولية في بعدها السياسي، والعسكري والأمني، والبُعد الاقتصادي متأثره بمضمون العلاقات الروسية-الصينية خلال المدة التي تُغطيها الدراسة؟
6.إلى أي مدى أثرت البيئتين: الإقليمية والدولية في بُعدها السياسي، والعسكري والأمني، والاقتصادي والثقافي-الحضاري، في مضمون العلاقات الروسية-الصينية خلال المدة التي تُغطيها الدراسة؟
6.فرضية الدراسة.
أن المشكلة السابقة دفعت الباحث إلى وضع فرضية تساعده في السير باتجاه معين، بقصد: فهم الموضوع وتفسيره، واستناداً للمعطيات والنتائج التي يتم التوصل إليها يتم تأكيد صواب الفرضية من عدمها.
والفرضية التي تم البحث فيها بخصوص طبيعة العلاقات الروسية-الصينية خلال المدة ما بين الأعوام(2000م-2012م) هي: أنه على الرغم من المنعطفات التاريخية التي شهدتها العلاقة بين الدولتين من تأزم وتدهور، فقد رأينا وبشكل كبير: وجود تنسيق وتعاون متنامي بين الدولتين في جوانب عديدة سواء أكانت سياسية أم عسكرية وأمنية أم اقتصادية وثقافية-حضارية، حيث أدركت كل من: روسيا والصين لأهمية تعاونهما في تحقيق كل من الدولتين لأهدافهما الداخلية والإقليمية والدولية، ومن المقتربات التي ساعدت على ترسيخ التعاون ما بين الدولتين هي: الدخول في إطار تفاهمات وتعاون مشترك في الجوانب المختلفة سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً أو ثقافياً-حضارياً سواء أكان على الصعيد الثنائي أم على الصعيدين: الإقليمي والدولي، وكذلك الوقوف بالضد من الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، والعمل على قيام نظام دولي متعدد الاقطاب، وعن طريق ما تقدم توصلت الدراسة إلى اثبات مضمون الفرضية اعلاه، وإلى تحقيق الاهداف التي انطلقت منها
- منهجية الدراسة.
تعتمد كل دراسة علمية على منهج يكون بمثابة الطريق الذي يستطيع عن طريقه الوصول إلى الفهم الواقعي للموضوع قيد الدراسة، وقد استخدم الباحث المنهج الوصفي الذي يقوم على أساس: وصف الظاهرة قيد الدراسة وربط هذا الوصف بالمتغيرات المؤثرة في البيئة الداخلية والإقليمية والدولية، وعن طريق هذا المنهج نستطيع أن نقدم رؤية كلية لما تتضمنه العلاقات بين الدولتين، والمسببات التي دفعت بتلك العلاقة إلى أن تنتهي أو تظهر بالشكل الذي ظهرت عليه.
8.هيكلية الدراسة.
اشتملت هيكلية الدراسة على: ثلاثة فصول سبقتها مقدمة، وانتهت بخاتمة، سجلنا فيها أهم ما توصلت الية الدراسة، حيث بحثنا في الفصل الأول: المتغيرات المؤثرة في العلاقات الروسية–الصينية، والذي قسمناه إلى خمسة مباحث، وكالآتي:
حيث تناولنا في المبحث الأول: المتغيرات التاريخية المؤثرة في العلاقة، فيما تناولنا في المبحث الثاني: المتغيرات العسكرية والأمنية، في حين خصصنا المبحث الثالث: للمتغيرات الاقتصادية، أما المبحث الرابع فقد تناولنا فيه: المتغيرات الثقافية والحضارية، وجاء المبحث الخامس لنسلط الضوء عن طريقه على المتغيرات الإقليمية والدولية.
في حين بحثنا في الفصل الثاني: مظاهر العلاقات الروسية–الصينية، والذي قسمناه ايضاً إلى اربعة مباحث، وكالآتي:
حيث بحثنا في المبحث الأول: الجانب السياسي ما بين روسيا والصين، فيما خصصنا المبحث الثاني: للجانبين العسكري والأمني، أما المبحث الثالث فقد بحثنا فيه: الجانبين: الاقتصادي والثقافي-الحضاري ما بين روسيا والصين، وجاء المبحث الرابع لنسلط الضوء عن طريقه على التعاون والخلاف حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية.
أما الفصل الثالث فقد تناولنا عن طريقه: دراسة الانعكاسات الإقليمية والدولية للعلاقات الروسية-الصينية، والذي قسمناه إلى ثلاثة مباحث، وكالآتي:
حيث بحثنا في المبحث الأول: دراسة الانعكاسات الإقليمية والدولية(البُعد السياسي)، في حين خصصنا المبحث الثاني منه لدراسة الانعكاسات الإقليمية والدولية(البُعدين: العسكري والأمني)، فيما درسنا في المبحث الثالث: الانعكاسات الإقليمية والدولية(البُعدين: الاقتصادي والثقافي-الحضاري).
تابع…الصفحة التالية
المتغيرات التاريخية في العلاقات الروسية – الصينية 1917 -1999
تمتد العلاقات الروسية–الصينية إلى مرحلة تاريخية توطدت وتنافرت فيها علاقات الدولتين في حقب مختلفة، حيث يشكل القرب الجغرافي، وتشابك المصالح الاقتصادية بين الدولتين ابعاداً لعلاقات سياسية أتسمت بالتعاون تارة، والتنافس والصراع تارة أخرى.
ولا شك: إن أهم الحقائق العلمية والمسلّمات الأدبية التي لا يمكن تجاهلها أو التقاضي عنها عند دراسة أصول العلاقات الدولية عامة والسياسة الدولية منها بشكل خاص، الأهمية الكبرى التي يعلقها الباحثون على بحث ومعالجة التطور التاريخي للظاهرة موضوع الدراسة، ليتسنى لهم الوصول الى إدراك شامل وواضح لاتجاهاتها وأبعادها ومتغيراتها الاساسية، ولن نتعمق كثيراً في دراسة تاريخ العلاقات بين البلدين، أنما سنُشير إلى التاريخ بقدر ما يشكل متغير يدعم استمرارية ما جرى خلال المدة ما بين الأعوام(2000م-2012م)، أو ما ينفيه، وهنا سندرس المرحلة اللاحقة من العام 1917م، باعتبارها مؤشراً بارزاً على حصول إهتمام روسي بالعالم، وعموماً يمكن القول: بأنّ الحقبة التاريخية الممتدة من( العام 1917م إلى العام 2000م)، من تاريخ العلاقات السوفيتية-الصينية لا تتسم بطولها فقط، بل بتنوع وكثرة أحداثها.
وعن طريق ما تقدم، فقد تم تقسيم المبحث الى ثلاثة مطالب: تناولنا عن طريقها تلك الحقبة التاريخية من العلاقات الروسية-الصينية في ظل التطورات والاحداث الحاصلة فيها، فقد تناولنا في المطلب الاول: المدة الزمنية الممتدة من(العام 1917م إلى العام 1949م)، وما شهدتها من أحداث وتطورات في العلاقات السوفيتية-الصينية، أما في المطلب الثاني تناولنا المدة الزمنية الممتدة من(العام 1949م إلى العام 1991م)، وما شهدتها من احداث وتطورات في العلاقات السوفيتية-الصينية، وأخيراً تناولنا في المطلب الثالث العلاقات الروسية-الصينية للمدة الممتدة من(العام 1991م إلى العام 1999م).
المدة الممتدة من العام 1917م إلى العام 1949م:
أن جذور العلاقات الروسية-الصينية الحديثة تعود الى القرن التاسع عشر، أي منذ عهد القياصرة في روسيا، والاباطرة في الصين بحكم تمدد روسيا باتجاه الشرق، ووصول حدود دولتها إلى الصين، أن اندلاع الحرب العالمية الأولى كان لها تأثيراً واضح على مجريات الساحة الدولية، حيث استطاعت بعض الدول أن تستغل ظروف الحرب العالمية الأولى لتحقيق مكاسب لها، هذا ما فعلته اليابان من خلال اعلانها الحرب على ألمانيا، واحتلالها لشبه جزيرة(شانتونغ) التي كانت مستعمرة ألمانية قبل استسلام القوات الألمانية أمام اليابان، كما استطاعت اليابان من انتزاع اعتراف الصين باحتلالها لمنطقة(منشوريا الجنوبية)، أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فإنهّا استطاعت بموجب مقررات(مؤتمر واشنطن)* الذي دعت اليه عقب انتهاء الحرب العالمية الاولى، والذي أعطاها إمتيازات جديدة في الصين لكي يفسح المجال قبالة البضائع الأمريكية للدخول الى الصين.
كما مثلت ثورة تشرين الأول من العام 1917م، في روسيا حدثاً، أسهم في إعادة صياغة جانب مهم من العلاقات الدولية بصورة عامة والعلاقة بين البلدين بصورة خاصة، في القرن العشرين.
وكان لانهيار القوات الروسية في الحرب العالمية الأولى؛ بسبب إنحلال الحكومة القيصرية، وإستخدامها الأساليب الاوتوقراطية المستبدة في الحكم، الاثر الكبير في اندلاع الثورة ضد النظام القيصري، وإعلان الجمهورية، ونجاح البولشفيك في تسلم زمام الحكم، وإنهائها لحقبة تاريخية، ووضع الأسس السياسية والاجتماعية لحقبة حضارية جديدة، برز عن طريقها الاتحاد السوفيتي كأول دولة عمالية في التاريخ تطمح إلى بناء حضارة اشتراكية بديلة عن الحضارة الرأسمالية المهيمنة على العالم.
حيث شهد العالم منذ قيام ثورة تشرين الاول العام 1917م في الاتحاد السوفيتي، سيلاً متواصلاً من الثورات والانجازات الثورية، وعلى الرغم من ان هذه الثورة كانت الأبرز والاهم في هذا العصر، إلاّ أنّها لم تكن الوحيدة في العالم، إذ شهد العالم ثورات اخرى عمت دول عالم الجنوب أو العالم الثالث، ولاسيما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكانت الثورة الصينية بقيادة(ماوتسي تونغ) واحدة من أبرز هذه الثورات.(2)
ثم ظهرت في الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الاولى، وعلى أثر نجاح الثورة الروسية في العام 1917م، مجموعة من المثقفين الصينيين تحمل أفكاراً شيوعية أولية، مثل:(لي تشاو) و(تشن تو هسيو)، إذ عملوا على نشر الماركسية في الصين، وبتأثير الثورة الروسية حدثت في الصين حركة ثورية معادية للإمبريالية والاقطاعية، وهي حركة 4آيار في العام 1919م.
وكانت الثورة الروسية الاشتراكية التي حدثت في العام 1917م، تُعّد رسالة الخلاص بالنسبة للمثقفين الصينيين، الذين كانوا يتجاهلون أفكار ماركس* وأنجلز* بِعّدها لا تتناسب مع أوضاع الصين؛ لكونه بلداً زراعياً، في حين بِأصل النظرية الشيوعية التي نظر إليها كل من: ماركس وأنجلز فأن الشيوعية تحتاج إلى مجتمع صناعي.
وخلال المدة ما بين الأعوام(1920-1928م)، كانت الصين مقسمة الى قسمين: الصين الشمالية، والتي تحكم من خلال حكومة(بكين)، والصين الجنوبية التي تحكم من قبل(كانتون)، وكان تعامل روسيا في تلك المدة مع حكومة الجنوب الصيني، لكنها لم تسيئ علاقتها مع حكومة الشمال.
وتم تأسس الحزب الشيوعي الصيني في العام 1921م، بمدينة(شنغهاي)، وفي مؤتمره الثاني الذي عقد في العام 1922م، أنضم الى الدولية الثالثة المعروفة بـــــــ(الكومنترن)*، وتنفيذاً لتعليمات الكومنترن تحالف الحزب الشيوعي الصيني مع الحزب الوطني الصيني(الكومنتانغ)، إلاّ أنه ما لبث أن وقع الخلاف بينهما، وخلال المدة الواقعة بين الأعوام(1927-1934م)، وعلى أثرها أصيب الحزب الشيوعي الصيني بضربات قاسية على يد الوطنيين الصينيين، لكنه إستطاع اجراء اتصال مع الحزب الشيوعي السوفيتي في موسكو، حيث لقي المساندة والدعم منه، وتمكن من تدريب انصاره على قيادة الجماهير وحرب العصابات، وأسس(ماوتسي تونغ) مع رفيقه(شوان لأي) جيش في منطقة صغيرة معزولة ونائية في وسط الصين هي منطقة(كيانشتي)، واقاموا فيها جمهورية سوفيتية بزعامة(ماوتسي تونغ).
أرسل في العام 1934م، جيشاً قوامه مليون جندي للقضاء على(ماوتسي تونغ) وانصاره، والقضاء على الجمهورية التي اقامها، ووسط هذا التحدي الخطير، قرر(ماوتسي تونغ) وانصاره القيام بما عرف بـــ(المسيرة الكبرى)، حيث قطعوا نحو(10)آلاف كيلو متر من الاراضي سيراً على الاقدام ووصلوا الى المنطقة الشمالية، بعد ان سقط نحو ثلثي رجاله موتى من التعب والانهاك.
وتمكن الشيوعيون الصينيون بمساعدة الاتحاد السوفيتي من الاستيلاء على كميات كبيرة من السلاح الياباني، اسهمت في تسهيل كفاحهم ضد قوات الحكومة الوطنية بزعامة(تشانغ كأي شيك)، حيث استطاع الشيوعيون تشكيل حكومات شعبية محلية في جميع المدن في شمال منشوريا، وباندلاع الحرب الاهلية الصينية خلال الأعوام:(1928-1937-1945-1949م)، تمكن الشيوعيون الصينيون من احراز انتصارات ضد القوات الوطنية بقيادة(تشانغ كأي شيك)، وكان أخرها في العام 1949م، التي أجبرت قوات كأي شيك على الانسحاب الى جزيرة فرموزا(تايوان).
ومن ثُم أعلن الانتصار الشيوعي، وقيام جمهورية الصين الشعبية برئاسة(ماوتسي تونغ)، في الأول من تشرين الأول من العام 1949م، وبذلك فقد دخلت العلاقات السوفيتية–الصينية مرحلة جديدة، بعد اعتراف الاتحاد السوفيتي فوراً بالحكومة الجديدة وسحب اعترافه بحكومة تشانغ كأي شيك(الحكومة الوطنية)، التي انسحبت إلى فورموزا لكنها بقيت تمثل الصين في الأمم المتحدة، وكونها أيضاً عضواً دائم في مجلس الأمن، ولم يعَد الاتحاد السوفيتي يعترف بوفد الصين الوطني: كناطق بإسم دولة الصين في منظمة الامم المتحدة.(3)
المدة الممتدة من العام 1949م إلى العام 1991م:
اذا كانت المرحلة الاولى في تطور العلاقات الروسية الصينية قرينة بظهور الاتحاد السوفيتي، فإنّ المرحلة الثانية كانت قرينة بظهور الصين الشعبية، وتطبعها بالصبغة الشيوعية، وإنتهاءا بتفكك الاتحاد السوفيتي، وإنتهاء الحرب الباردة، وشهدت العلاقات السوفيتية-الصينية في المدة الممتدة ما بين الأعوام(1949م الى 1991م)، ثلاثة مراحل مختلفة: الأولى/الممتدة من العام 1949م، إلى العام 1960م، ويطلق عليها البعض تسمية(مرحلة التحالف)، والمرحلة الثانية/الممتدة من العام 1960م، إلى العام 1970م، والتي سميت بــ(مرحلة الخلاف)، والمرحلة الثالثة/ الممتدةمن العام 1970م، إلى العام 1991م، ويطلق عليها(مرحلة الصراع).
المرحلة الأولى: من العام 1949م، إلى العام 1960م/ مرحلة(التحالف)، أن أنتصار الثورة الشيوعية في الصين في الاول من تشرين الأول العام 1949م، عُدّ حافزاً واضحاً للحركات الشيوعية لدى معظم الدول، وعدّه الاتحاد السوفيتي نصراً، لكونه قد حصل على حليف مهم بفضل توجهاته لدعم حركات التحرير، ونشر مبادى الشيوعية العالمية.وقد اشاد قائد الثورة الصينية(ماوتسي تونغ)، في اكثر من مناسبة بالاتحاد السوفيتي، وبثورة تشرين الأول في روسيا، ومنها قوله: (بأنهَا الثورة التي وفرت لقضية تحرير شعوب العالم امكانات واسعة، وفتحت لها طرقاً واقعية، وأنشأت جبهة جديدة للثورات ضد الإمبريالية العالمية).
وعلى اثر ذلك، قام(ماوتسي تونغ)، بزياره الى الاتحاد السوفيتي في العام 1949م، من أجل توطيد العلاقات الثنائية بين البلدين، وقد التقى بالمسؤولين السوفييتيين، وفي مقدمتهم:(ستالين)، وكانت لهذه الزيارة اهميه كبرى على مستوى العلاقات الدولية بصوره عامه والعلاقات السوفيتية-الصينية بصوره خاصة.
فقد ستمرت هذه الزيارة قرابة الشهرين توصل الجانبين خلالها إلى التوقيع على ثلاثة اتفاقيات في 14 شباط من العام 1950م، وهذه الاتفاقيات هي:
الاتفاقية الاولى: هي اتفاقية صداقة وتحالف ومعونه بين البلدين على المستويين: الثقافي والاقتصادي، أبرمت لمده ثلاثين عاماً، وكذلك منع الاشتراك أي من البلدين في تحالف يكون على حساب علاقات الطرفين أو احداهما، وهذه الاتفاقية موجهة ضد أي عدوان من قبل اليابان او أي دولة اخرى تنضم إلى اليابان بصوره مباشرة أو غير مباشرة.
الاتفاقية الثانية: وهي إتفاق على حل المشكلات المتعلقة بخط سكك حديد تشانغ تشون، وبورت آرثر ودالين، وتضمن الحل: قيام الحكومة السوفياتية بإعادة حقوقها على الخط مجاناً الى جمهورية الصين الشعبية عند توقيع اتفاقية الصلح مع اليابان، وعلى أبعد حد في آواخر العام 1952م، وهو التاريخ المحدد لانسحاب القوات السوفياتية من قاعدة(بورت آرثر) البحرية بشكل مشترك، وتأجيل حل قضية(دالين) الى ما بعد توقيع معاهدة السلام مع اليابان.
الاتفاقية الثالثة: منح إعتماد مالي للصين مقداره ثلاثمئة مليون دولار، لمدة خمس اعوام، وتكوين شركات صينية–سوفياتية لاستثمار النفط والمعادن في مقاطعة سين كيانغ .
وبعد مضُي مدة صغيرة على توقيع هذه الاتفاقيات شعرت الحكومة الصينية بأنّ هناك رغبة السوفييت في الهيمنة على الصين، ولهذا عملت الحكومة الصينية على تنويع خياراتها السياسية اقليمياً ودولياً، وأبدت الصين بعد لقاء للدول الآسيوية الخمسة:(الهند، وسيلان، وبورما، وإندونيسيا، وباكستان) الذي عقد في كولومبو في 4 نيسان من العام 1954م، نوعاً من المواقف الاستقلالية إزاء الاتحاد السوفيتي، ونوعاً من التفاهم مع الدول الآسيوية الأخرى.
من بين أسباب توجه الصين في سياستها نحو دول العالم الثالث يعود الى ماشهدته بداية الخمسينات من تصعيد في مظاهر الحرب الباردة بين مركزي الاستقطاب الدولي(واشنطن وموسكو) الى مستوى تسارع سباق التسلح النووي بينهما الى جانب الخسارة المادية والبشرية التي منيت بها الصين في الحرب الكورية(1950–1953) والتي عرقلت دخولها منظمة الامم المتحدة حتى وصفت بالدولة المعتدية بالحرب.
وطرحت الصين على أثر ذلك فكرة(البانشا شيلا)، وهي المبادئ الخمسة للتعايش السلمي، اولاً/لاحترام المتبادل للسيادة، ثانياً/وحدة الاراضي، ثالثاً/عدم الاعتداء وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، رابعاً/المساواة والمنفعة المتبادلة، خامساً/التعايش السلمي، التي تبنتها الحكومة الصينية في سياستها الخارجية والتي كانت المحور الذي قامت عليه فيما بعد ما عرف بــــــــــــ(حركة عدم الانحياز)*، والتي وقعها (شوان لأي) رئيس الوزراء الصين مع(جواهر لال نهر) رئيس وزراء الهند وآونو رئيس وزراء بورما عام1954م.
* (حركة عدم الانحياز): تأسست حركة عدم الانحياز من 29 دولة حضرت في مؤتمر(باندونغ) في اندونيسيا عام 1955م، حيث اتخذ المؤتمر قرارات مؤيدة للشعوب التي كانت تعيش تحت سيطرة الاستعمار الغربي, كما كانت هذه الحركة من إفرازات الحالة السياسية التي عايشها العالم في ظل واقع كان منقسم بين صراع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في المعسكر الغربي من جهة والمعسكر الشرقي الاشتراكي الذي يقوده الاتحاد السوفيتي من جهة أخرى، بالإضافة إلى نتائج الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، وكذلك بداية ثورات عارمة ضد الحالة الاستعمارية التي كانت تعيشها منطقة الشرق الأوسط في تلك الفترة الزمنية، وأول من نادى بتأسيس هذه الحركة هم رئيس الوزراء الهندي جواهر لإل نهرو والرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس اليوغوسلافي تيتو.
لقد أدى نزوع الاتحاد السوفيتي إلى الهيمنة على الصين وقناعة القيادة الصينية بأن الاتحاد السوفيتي لا يريد مشاركته في قيادة المعسكر الاشتراكي، الى محاولة القيادة الصينية تقديم نظامها السياسي لشعوب دول العالم الثالث بكونها ليست معنية بما يجري من صراع تنافسي في اطار الحرب الباردة بين الأتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت تجد نفسها الاقرب الى شعوب العالم الثالث منها الى اي من القوتين العظيمتين لهذا حاولت التقرب من دول العالم الثالث من اجل ايجاد علاقات دولية داعمة لها خاصة وان الصين بدأت تشعر بعزلة دولية بعد الحرب الكورية ونظرت الدول اليها بأنها الدولة المعتدية بالحرب لهذا بدأت الصين منذ العام 1954م، تقوم بدعم حركات التحرر الوطني في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية وطرحها للمبادئ الخمسة للتعايش السلمي كأساس للتعامل مع تلك الدول والتي تضمنتها المعاهدة الصينية–الهندية الموقعة في 29/4/1954 والتي أشارت الى بوادر التعاون بين البلدين باعتبارهما قوتين أسيويتين لهما ثقلهما السياسي والمعنوي في آسيا وافريقيا.
وفي ضوء هذا التقارب الصيني–الهندي جاء عقد مؤتمر(باندونغ) في العام 1955م، إدراكاً لخطورة التوسع الأمريكي في المنطقة من خلال سلسلة الاحلاف في المنطقة، ولهذا جاءت دعوة رئيس الوزراء الهندي الراحل( جواهر لال نهرو) لدعوة الصين لحضور هذا المؤتمر لفك عزلة الصين وتقوية علاقتها مع دول العالم الثالث على حساب ارتباطها مع الاتحاد السوفيتي والشيوعية العالمية.
ومع تصعيد مظاهر الحرب الباردة في بداية عقد الخمسينات من القرن الماضي وتسارع سباق التسلح بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، واستخدامهما لأساليب الترهيب والترغيب مع الدول الاخرى، فضلاً عما شهدته هذه المرحلة من العلاقات الدولية من انتهاج الولايات المتحدة الأمريكية من سياسة الاحتواء لمنع انتشار النفوذ الشيوعي والشيوعية في وسط وشرق أوروبا، وهو مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية قبلها للتدخل في الحرب الكورية والتي وقعت في 25 حزيران من العام 1950م.
وجاء تدخل الصين في الحرب الكورية في ضوء الرؤية الصينية بالتهديد لحدودها من جميع الاتجاهات تقريبا من قَبِل القوات العسكرية الأمريكية عند إندلاع الحرب، وذلك عندما عبر رئيس الوزراء الصيني آنذاك(شوان لأي): بأنّ الحرب الكورية مجرد ذريعة لغزو تايوان وكوريا وفيتنام والفلبين، فضلاً عن ذلك، فإنّ هناك أسباب أخرى دفعت الصين التدخل في الحرب الكورية، وهي: الرغبة في منع قوات الامم المتحدة من توحيد الكوريتين، مع فرض هيبة الصين العسكرية في مختلف ارجاء آسيا، وكذلك خشية الصين من استغلال الولايات المتحدة الأمريكية فرصة تواجدها على حدود الصين، والمغامرة بغزوها، وإرغام الأمم المتحدة على نقل إعترافها الرسمي من حكومة الصين الوطنية(تايوان) إلى حكومة الصين الشعبية.
أما الموقف السوفيتي من التدخل الصيني في الحرب الكورية فقد تمثل بمناصرته لهذا التدخل لصد التدخل الأمريكي شمال خط(38) درجة شمالاً، وحذر الولايات المتحدة الأمريكية من لجوئها لاستخدام القنبلة النووية ضد الصين.
اما نتائج الحرب الكورية، فإنّها من جهة: عززت علاقات التحالف بين الصين والاتحاد السوفيتي، أذ أخذت موسكو بدعم مصادر القوة الصينية وتحديثها، وبالمقابل إندفعت الصين نحو الاتحاد السوفيتي، والاعتماد عليه لاحتواء التهديد الأمريكي لأمنها القومي وسلامتها الإقليمية بعد ان تأكدت الحماية الأمريكية لتايوان، وضمان امنها، فضلاً عن اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية نحو تشكيل سلسلة من التحالفات الإقليمية لاحتواء وعزل الصين.
وخلال هذه المرحلة كانت قضية فرموزا(تايوان) واحدة من أهم القضايا التي إهتمت بها الصين الشعبية في علاقاتها الدولية، كون تايوان في العام 1949م، أصبحت مقر لحكومة الصين الوطنية، وكذلك تمثل مقعد الصين الدائم في مجلس الأمن، فمنذ تشكيل حكومة الصين الوطنية في فورموزا كانت هذه الجزيرة الكبيرة(وأرخبيل الباسكادور)، جزءاً من سلسلة القواعد الأمريكية المنتشرة بين اليابان واوكيناوا في الشمال، والفلبين في الجنوب، واحتلت قوات(تشانغ كأي شيك)، وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية جزر شاطئية صغيرة اخرى، منها: جزيرتي ماتسو وكيموي اللتين تسيطران على مرفأ(فوتسو) ومرسى(آموني)، وفي مضايق تايوان(فرموزا) كانت هنالك قطعاً من الاسطول السابع الأمريكي، فعمدت الولايات المتحدة إلى تشكيل سلسلة من التحالفات الإقليمية لاحتواء وعزل الصين، خاصة بعد اسهام الصين في الحرب الكورية، وتحالفها مع الاتحاد السوفيتي، وفي ايلول من العام 1954م، بدأت المدفعية الصينية بقصف الجزر الشاطئية لإجبار حكومة الصين الوطنية على الانسحاب منها، إلاّ أنّ بعض اطراف الادارة الأمريكية حاولت اصدار امر بقصف الصين بواسطة الطيران الأمريكي، إلاّ أنّ الرئيس الأمريكي(ايزنهاور) وقف الى جانب المعارضين لهذا المقترح، وطلب من وزير خارجيته(جون فوستر دالاس)عرض موضوع توقيع معاهدة دفاع متبادل على(تشانغ كأي شيك)، واستبعاد فكرتي: القصف والحصار الشاملين للشواطئ الصينية، وهنا تشكلت رؤية صينية بخصوص مشهد مُفاده: إنّ حدود الصين من جميع الاتجاهات تقريباً مهددة بالقوات العسكرية الأمريكية.
أما المرحلة الثانية: فهي المرحلة الواقعة ما بين الأعوام(العام 1960م، إلى العام 1970م)، أو ما يطلق عليها بــــ(مرحلة الخلاف)، وتدهور العلاقات السوفيتية-الصينية، لقد كانت طاعة الاتحاد السوفيتي والولاء له مصدر شقاء لـ(ماوتسي تونغ) منذ العام 1927م، وتنافسه واختلافه معه بعد ذلك بثلاثين عاماً، أي في العام 1957م، كان ايضاً مصدر لشقائه، ففي العام 1957م، أرادت الصين من خلال خطة التنمية الصينية الثانية: القيام بأحداث تنمية كبرى، والتي حاولت من خلالها نقل الفلاحين الصينيين المتخلفين الى عمال زراعيين بحسب النموذج الروسي، واطلقت عليها القيادة الصينية بــ(القفزة الكبرى إلى الأمام)، إلاّ أنّ هذه القفزة منُيت بفشل كبير كان منشأها الاتحاد السوفيتي، والذي أقدم على سحب تام لجميع الفنيين الروس الذين كانوا يعملون بالصين.
لقد وصف(ماوتسي تونغ) المساعدات التي يقدمها الاتحاد السوفيتي للصين بأنَها:(أشبه بانتزاع قطعة لحم صغيرة من بين انياب نمر)، واسهمت الخطوة السوفيتية المتمثلة باتخاذ قرار يقضي بوقف كل اشكال الدعم الاقتصادي للصين، وايقاف كل المشاريع المشتركة بينهما، مما أدى إلى تعثر في برنامج خطة التنمية الصينية.
أن من ابرز بوادر الخلاف التي ادت الى تفاقم الازمه، وتدهور العلاقات السوفيتية-الصينية هي: ظهور خلاف حول المعاهدة النووية السرية بين(خروتشوف) و(ماوتسي تونغ) في العام 1957م، ورفض(ماوتسي تونغ) طلب(خروتشوف)القاضي: بوضع الصين تحت قيادة الاتحاد السوفيتي في ادارة الرؤوس الحربية النووية التي سيتم إنجازها بموجب هذه المعاهدة، إذ رفض الاتحاد السوفيتي الالتزام بهذه المعاهدة التي نصت على: مساعدة الصين في برامجها النووية على صعيد الابحاث والانتاج.
وصاحبها أقدام الاتحاد السوفيتي على توقيع معاهدة سلام بشكل منفرد مع اليابان في العام 1956م، والذي إعاد من خلالها العلاقات الدبلوماسية بينهما، وتعزيز العلاقات الاقتصادية، مما آثار الصين بشكل كبير، وتخوفها من تطور العلاقات اليابانية-السوفيتية بعيداً عنها أو على حسابها.
كما رافق تلك الأزمة: الاهتمام السوفيتي الضئيل بأزمة مضايق تايوان في العام 1958م، والتي إفتعلتها الولايات المتحدة الأمريكية مع الصين لتعزيز وجودها في المضايق، حيث كان الموقف الأمريكي داعماً لتايوان، على عكس الموقف السوفيتي الذي إتسم بالتردد/اولاً، وعدم الحسم بنجدة الصين في حالة تعرضها إلى هجوم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية/ثانياً، اذ لم يشير الخطاب السوفيتي إلى دعم الاتحاد السوفيتي لمصالح الصين القومية في وحدة اراضيها معتبراً ذلك قضية داخلية، مما كون المسوغات للصين إلى أنّ تتصرف بمعزل عن المؤثر السوفيتي، والذي بدأت القيادة الصينية ترى فيه منافساً، ولا يتلائم مع علاقات المبادئ التي تسمو على علاقات المصالح، وهذا لم يكن بمعزل عن تأثر الحركة الصينية برؤية(ماوتسي تونغ) لتطور العالم، وتناقض الغايات النهائية للمشروع القومي الصيني مع المشروعين الأمريكي والسوفيتي في السيطرة على العالم.
واسهمت الزيارة التي قام بها(خروتشوف) لواشنطن، والتي كانت تهدف الى: تعزيز ودعم التعايش السلمي بين الغرب والشرق، الى زيادة حدة الخلاف بين موسكو وبكين، رغم قيام خروتشوف بزيارة الصين للمشاركة في احتفالات ذكرى تأسيس جمهورية الصين الشعبية في الاول من تشرين الاول من العام 1959م، إذ لم تكن ذات فائدة كبيرة ولم تُسهم في الحد من الخلافات بين البلدين. ومن الامور التي أسهمت في زيادة حدة الخلاف السوفيتي–الصيني: اعتبار الصين تراجع الاتحاد السوفيتي عن موقفه ازاء ازمة الصواريخ الكوبية في تشرين الاول من العام 1962م، هزيمة للمعسكر الاشتراكي، فقد هاجمت الصين الاتحاد السوفيتي وادانته على موقفه هذا بأقصى درجات العنف الدعائي، خلال الازمة التي أجبرت الولايات المتحدة الأمريكية فيها الاتحاد السوفيتي على سحب الصواريخ التي وضعت في كوبا لحمايتها من عدوان وغزو أمريكي محتمل وقد عدت الصين هذا التصرف السوفيتي بما أسمته بــــــــــ(سياسات اللين والمهادنة)، بل عدّتهَ إستسلام من قَبِل الروس للأمريكيين في هذه الازمة المتفجرة.
كل ما تقدم، دفع بالعلاقات الصينية-السوفيتية نحو علاقات يسودها الخلاف وعدم الثقة، واحياناً صاحبها توترات حدودية، واشتباكات، وخلال هذه المرحلة استطاعت الصين بعد نجاح تفجيرها النووي الاول في العام 1964م، والتفجيرات اللاحقة من دخولها النادي النووي، وحيازتها للسلاح النووي، والذي اضفى عليها قوة استراتيجية مؤثرة في العلاقات الدولية، وبات لها وزنها الإقليمي والدولي، الذي يمثل تهديداً ولو آجلاً للقوتين العظيمتين، وتحررت الصين نسبياً من التهديد والابتزاز الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهتها، ومن الاعتماد في مشاكل الأمن على السوفيت غير الموثوق بهم وقد وصف احد القادة الصينيين إمتلاك الصين الأسلحة النووية بأنّه: نقطة تحول بالغة الخطورة في مجرى الحركة الشيوعية العالمية.
أما المرحلة الثالثة: فهي المرحلة الممتدة ما بين الأعوام(1970م-1990م) والتي غلب عليها: الصراع، فعد ان كانت العلاقات السوفيتية-الصينية في مراحلها الاولى تتسم بنوع من التفاهم والتعاون، ومن ثم حدوث خلاف في تلك العلاقة وصل الى مرحلة الصراع وإنعدام الثقة المتبادلة بين الطرفين، وعدّ احدهما للآخر العدو الاول في تغيير استراتيجي، فضلاً عن اعادة رسم سياسات وتوجهات كل طرف تجاه الطرف الآخر.
حيث كشفت حرب الحدود السوفيتية-الصينية في آذار من العام 1969م، عمق الخلافات ومدى التباين الحاصل بين الطرفين، الى جانب تأثير هذه الحرب في مسألة(التوازن)، حيث عملت على تسريع المساعي الأمريكية لتطبيع العلاقات مع الصين لصالح دعم الموقف الأمريكي حيال الاتحاد السوفيتي.
لقد ادرك الاتحاد السوفيتي: بأنّ الصين أصبحت عنصراً مهدداً للهيمنة السوفيتية في شرق وجنوب شرق آسيا والعالم بشكل عام، وبذلك فقد إنصب إهتمام الاتحاد السوفيتي على احتواء ومحاصرة الصين عبر ثلاثة اساليب، هي:
1.خلق حلفاء إقليميين بشكل حيوي لدى موسكو ليقوموا بوظيفة الحصار بالنيابة.
2.نشر جزء مهم من القوات العسكرية السوفيتية على طول الحدود مع الصين قدرت بـ(30%) من القوات المسلحة السوفيتية.
3.قطع العلاقات الاقتصادية والعلمية مع الصين.
حيث، بالمقابل تعززت القناعات والرؤى الاستراتيجية لدى صانع القرار الصيني حول فكره مفادها توظيف العامل الأمريكي للمناورة مع الاتحاد السوفيتي، وحقق التقارب الصيني مع الولايات المتحدة الأمريكية مكاسب كبيرة للصين، كان في مقدمتها: سعي الاتحاد السوفيتي إلى إزالة التوتر في علاقاته بالصين، حيث بدأت في نيسان من العام 1982م، مفاوضات مع الصين في “طشقند” أعقبتها خمس جولات تفاوضية اسفرت في العام 1984م، على توقيع أربع اتفاقيات في التعاون التجاري والعلمي والتكنلوجي والاقتصادي، وكان للتقارب الأمريكي الصيني الأثر الكبير في توفير المرونة والحرص من قبِل الاتحاد السوفيتي على الالتقاء، وفض الخلافات مع الصين، وبما يتوافق مع رغبات الزعامات الصينية، إذ مثلت هذه الاتفاقيات مؤشراً لبداية إختفاء الصراع السوفيتي-الصيني، وإحلاله بعلاقة عمل ثنائية طبيعية إلى حد كبير بين العملاقين الشيوعيين.
وشهدت هذه المرحلة تغيراً واضحاً في سياسة الصين الخارجية، إذ غيرت فيها لهجتها تجاه الاتحاد السوفيتي الذي كانت تعّده ممثلاً للإمبريالية الاشتراكية، واندفعت معه إلى حل المشكلات العالقة بين البلدين، ولاسيما بعد تسلم(ميخائيل غورباتشوف)، زعامة الحزب الشيوعي في آذار من العام 1985م، وطرحه سياسة إعادة البناء والتفكير السياسي الجديد، وتبنيه مبادئ التعاون الدولي، وتوازن المصالح والمفاوضة والواقعية بديلاً عن الصراع، وتوازن القوى والحرب، وأدلجة العلاقات الدولية.
ويذكر إنّ الرئيس السوفيتي(غورباتشوف)، دعا في العام 1986م، إلى إقامة أمن جماعي في آسيا، ووافق على مطاليب بكين في إزالة العقبات التي تقف قُبالة تطبيع العلاقات السوفياتية-الصينية، والتي كان على رأسها: خفض التوتر العسكري على إمتداد الحدود المشتركة بين البلدين، والانسحاب من افغانستان، فضلاً عن إنسحاب القوات الفيتنامية(حليف الاتحاد السوفيتي)، من كمبوديا، كما دعا غورباتشوف إلى رسم مشروع لتعاون إقتصادي لدول المنطقة، كما أسهمت الزيارة الناجحة التي قام بها الرئيس السوفيتي(غورباتشوف) إلى بكين للمدة من(15-18)آيار من العام 1989م في دفع مسيرة العلاقات السوفيتية–الصينية الى الأمام.
لقد نجحت القمة السوفيتية–الصينية التي عقدت ببكين في العام 1989م، بإجتياز سور ضخم من الخلافات العقائدية والسياسية التي تراكمت بين العملاقين الشيوعيين طوال الأعوام الثلاثين الماضية عليها، وتمكنت: من تخفيف حدة التوتر مع الصين وإزالة مخاطر النزاعات الإقليمية في آسيا وقد كان للنظرة الواقعية والعملية للزعيم الصيني(دينغ هيسياو بينغ) دوراً فاعلاً في تجاوز الخلافات العقائدية التي توشحت بها مرحلة الصراع بين الدولتين الجارتين، إذ عادت العلاقات التجارية بينهما إلى أفضل مما كانت عليه، وولجت العلاقات السياسية والعسكرية طرقاً جديداً تعتمد التعاون والتنسيق والشراكة الاستراتيجية بينهما.
المدة الممتدة من العام 1991م، إلى العام 1999م.
مثل تفكك الاتحاد السوفيتي وإنهيار المعسكر الاشتراكي نقطة تحول رئيسة في تاريخ العلاقات الدولية، إذ أسقط هذا التفكك نظام القطبية الثنائية الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، وتمثل بارتباط مصير العالم بطبيعة العلاقات بين القطبين الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، إذ بات العالم بأسرِه أسيراً لقرارات وسياسات وصراعات هاتين الدولتين، اللتين برزتا بعد الحرب، كقوتين: عسكرياً واقتصادياً، نفوذاً وتأثيراً على الساحة الدولية.
وشهدت الأعوام القليلة التي سبقت تفكك الاتحاد السوفيتي: تحسن تدريجي في العلاقات السوفيتية–الصينية، وأصبحت منذ مطلع الثمانينات تسير نحو الانفراج، وطي صفحات النزاع والصراع التي دامت أكثر من عقدين، إذ تجلت بوادر هذا الانفراج في الاتفاق على إجراء مشاورات سياسية بصفة دورية بين حكومتي البلدين.
وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، شرعت روسيا الاتحادية بوصفها الوريث الرئيسي له بتبني سياسة اصلاحية متكاملة في الداخل، والعمل على تحقيق قدر اكبر من التعاون مع دول العالم الاخرى، وسعى الرئيس الروسي(بوريس يلتسين)، ووزير خارجيته(أندريه كوزيريف)، إلى الاندماج في العالم الغربي وحضارته بغية الحصول على التكنولوجيا الغربية المتقدمة، والمساعدات الاقتصادية اللازمة لنجاح الاصلاح الاقتصادي في روسيا.
وفي عام 1993م, أعلن ما يُعرف باسم بمبادئ السياسة الخارجية الروسية الجديدة، والتي تبنت الاسس والاعتبارات الآتية:
1.ان روسيا تسعى لتحقيق تسوية سلمية للنزاعات، واحترام سيادة الدول والحدود المعترف بها.
2.لا تنظر روسيا لأي دولة على انهّا خصم أو عدو.
3.تؤيد روسيا: عدم إستخدام القوات المسلحة لأي دولة ضد اخرى إلاّ في حالات الدفاع الفردي أو الجماعي عن الدولة اذا تعرضت لهجوم مسلح على اراضيها أو ضد قواتها أو حلفاؤها.
4.دعم الجهود الدولية لتحقيق الأمن الجماعي، والعمل على منع قيام الحروب أو الصراعات العسكرية، والسعي للحفاظ على استقرار الأمن والسلم الدوليين.
أن الرؤية الروسية للعلاقات السياسية مع الصين تنطلق من عدة اعتبارات فرضتها نتائج انتهاء الحرب الباردة، والأوضاع الموضوعية المتحققة في روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وتحمل روسيا القسم الاكبر لأعباء هذا التفكك، كونها الوريثة الرئيسية(الشرعية، والقانونية)للاتحاد السوفيتي السابق، اذ خرجت روسيا بالحصة الأكبر من التركة السوفيتية من حيث القوة العسكرية والاقتصادية والثروات الضخمة، فضلاً عن حيازتها لمكانة الاتحاد السوفيتي السابق الدولية وموقعه في المجتمع الدولي، حيث احتفظت في عضوية المنظمات الدولية والإقليمية بما فيها العضوية الدائمة في مجلس الأمن.
وسعت روسيا في النصف الثاني من التسعينات إلى تبني استراتيجية جديدة لتفعيل دورها الدولي، والذي تزامن مع توجهاتها لإصلاح الاوضاع الداخلية سياسياً واقتصادياً، واحتل الانفتاح الروسي تجاه الصين اولوية في اجندة السلوك الخارجي الروسي، فضلا عن الأدراك القيادي الروسي والمتمثل بالزيارات المتكررة للرؤساء الروس وكبار المسئولين إلى الصين، والتي تمخضت عن: توقيع إتفاقيات عديدة بين الدولتين، كان من اهمها: توقيع وثيقة(الشراكة الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين) في نيسان من العام 1996م، والقائمة على أساس: الثقة المتبادلة، والتنسيق المشترك، والتي اكسبت العلاقات الروسية–الصينية ابعاداً جديدة تمثلت في تعزيز التفاهم والتقارب الاستراتيجيين بينهما، ومعارضة البلدين لهيمنة قوة واحدة على النظام العالمي. وقد تعمق التفاهم الاستراتيجي بين الدولتين خلال زيارة الرئيس الصيني(جيانغ زيمين) إلى موسكو في نيسان من العام 1997م، حيث تم التوقيع على إتفاق يقضي بخفض القوات العسكرية على طول الحدود بين روسيا والصين وطاجكستان وكازاخستان وقيرغيزستان، والتي وصفها الرئيس الصيني بأنّها: خطوة مهمة على طريق وضع نظام أمني آسيوي.
ويمكننا متابعة المنطلقات الادراكية التي إنطلقت منها روسيا لتطوير علاقاتها مع الصين ولعل ابرزها كانت المدركات الآتية.
أولاً: سعي روسيا لمحو السجل الحافل بالمشكلات والقضايا العالقة مع الصين جراء إدراك مُفاده: أنّ هناك أهمية استراتيجية للعلاقات المبنية على التعاون والاتفاق والشراكة الاستراتيجية والتعاون الأمني والسياسي في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
ثانياً: التفاهم حول المجال الإقليمي لكل دولة، إذ اعترفت روسيا: بأنّ تايوان والتبت هما جزءان لا يتجزآن من الصين، وتأكيد الصين على أن الشيشان هي جزء من روسيا.
ثالثاً: بروز إدراك مشترك: بأنّ العلاقة بين الدولتين تحقق لهما مصالحهما المنشودة بغض النظر عن المنظور الأيديولوجي للصين، والنهج الليبرالي الروسي الحديث.
رابعاً: حاجة روسيا الى السوق الصينية لاستيعاب جزء من صناعتها، وخاصة الصناعات العسكرية، والتي باتت تعاني من شبه كساد بعد انتهاء الحرب الباردة.
خامساً: بنيت السياسة الخارجية الروسية لمرحلة ما بعد الحرب الباردة على مفهوم(المصلحة القومية العليا)، والتي ترى: بأنّ روسيا قوة عظمى، وأيضاً: لامتلاكها ترسانة نووية تؤهلها إلى لعب دور عالمي، فضلاً عن حصولها على معظم الممتلكات المادية والعلمية والبشرية للاتحاد السوفيتي السابق، وبقاء الايمان المتجذر في نفوس الشعب الروسي بدولته كقوة عظمى في كل من: أوروبا وآسيا، وثاني دولة في العالم بعد الولايات المتحدة من حيث القدرات العسكرية.
وقد أدرك الروس عقم سياسة الانسياق خلف أرادة الولايات المتحدة الأمريكية، والذي تبلور تدريجياً بعد العام 1993م، في اتجاه سياسي روسي داخلي تعمق لاحقاً، فأفصح عنه الرئيس الروسي السابق الأسبق(يلتسن)، بقوله :(إن روسيا ليست الدولة التي تقول نعم فقط)، وقوله أيضاً:(أن السياسة الروسية ترمي إلى: بناء منظومة في العلاقات الدولية، أساسها التصور: ان عالمنا متعدد الاقطاب)، وقد ساهم هذا الادراك في دفع روسيا والصين نحو تقارب اكثر إزاء بعضهما البعض، ومع قوى اخرى رافضة للهيمنة الأمريكية.
وكانت زيارة الرئيس الروسي(بوتين)، للصين نهاية تموز من العام 2000م، والتي أكدت نتائجها: رفض البلدين لهيمنة القطب الواحد على النظام الدولي، علامة بارزة بالرغبة المشتركة في لعب دور فاعل، وبالاتجاه الذي يؤدي إلى: عودة سياسة التوازن، ورفض الانموذج الأمريكي المراد فرضه على العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
ومما تقدم، يتبين: أن التاريخ السابق على العام 2000م، كان حافلاً في دفع العلاقات الروسية-الصينية باتجاهات محددة، فالتعاون سرعان ما قاد إلى خلاف وصدَام مرحلي، إلاّ أن عمق التجربة السياسية لكا من الدولتين، جعلهما يدركان أهمية الاتجاه نحو تطوير علاقاتهما الثنائية، وهو ما تبين بعد العام 1996م، حينما دخلت الدولتان في إطار تفاهمات مشتركة تمخض عنها: اتفاقيات كان من أهمها: إتفاقية التعاون وحسن الجوار، وغيرها من صور التعاون سواء أكان على المستوى الداخلي أم على المستويين: الإقليمي والدولي.
ومما سبق ذكره، نرى: أن المتغيرات التاريخية التي رافقت العلاقة بين الدولتين كانت في حالة شد وجذب بحيث تراوحت العلاقة ما بين التنسيق التعاون تارة، والخلاف والصراع تارة أخرى، وفي المحصلة النهائية، وعن طريق دراسة المتغيرات التاريخية للعلاقة الروسية-الصينية خلال المدة ما بين الأعوام(1917-1999م)، نرى: أن العلاقة بين روسيا والصين تسير نحو التعاون والتقدم بالشكل الايجابي الذي يضمن للدولتين دوراً فاعلاً سواء أكان على الصعيد الداخلي أم على الصعيدين: الإقليمي والدولي.
تابع…الصفحة التالية
المتغيرات العسكرية والأمنية في العلاقات الروسية – الصينية
يُقصد بـــــــ(المتغيرات العسكرية والأمنية) في العلاقات الروسية-الصينية هي: تلك العوامل والمسببات العسكرية والأمنية التي أثرت في طبيعة العلاقات الثنائية الروسية-الصينية، حيث أفرز الوضع الدولي بعد الحرب الباردة تحولات هامة واقعياً ونظرياً، اسهمت في بلورة مفاهيم ورؤى جديدة لظواهر العلاقات الدولية، فلم تعّد هذه الأخيرة تقتصر على دراسة وتحليل سلوكيات الوحدات السياسية وحسب، وإنّما امتدت لتشمل: دراسة فواعل من غير الدول، كنتيجة لحجم التأثير في ظواهر وقضايا العلاقات الدولية.
ومن بين المفاهيم التي طرأت عليها تحولات هامة بعد الحرب الباردة، نجد مفهوم(الأمن)، إذ بلور المنظرين أطر نظرية ومفاهيم أمنية جديدة، خاصة بعد بروز ما يعرف بــــــــ(التهديدات الأمنية الجديدة)، التي تتميز: بامتدادها عَبِر القارات، وسرعة انتشارها، وصعوبة التحكم في أطرافها أو فواعله, إذ أنه بعد الحرب الباردة توسعت دائرة التهديدات الأمنية، فلم تعّد تقتصر على بعُدها العسكري فقط، وإنّما امتدت لتشمل: باقي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية والحضارية، لذلك برزت تهديدات أمنية عابرة للحدود يصعب على الدولة بمفردها مقاومتها، وهو ما أدى لضرورة تكثيف جهود التعاون الدولي لمواجهتها.
وفي هذا المبحث، سنحاول التعرف على المنظورين: العسكري والأمني لكل من: روسيا والصين تجاه بعضهما، ولماذا أثرت هذه المتغيرات على العلاقة خلال المدة التي تُغطيها الدراسة. وعليه فقد تم تقسيم المبحث إلى مطلبين: تناولنا فيها أهم المتغيرات العسكرية والامنية في العلاقات الروسية-الصينية، حيث تناولنا في المطلب الاول: المتغيرات العسكرية والأمنية على الصعيد الروسي، فيما خصصنا المطلب الثاني: المتغيرات العسكرية والأمنية على الصعيد الصيني.
المتغيرات العسكرية والأمنية على الصعيد الروسي:
لقد شهدت روسيا تحولات جذرية منذ بداية التسعينيات، على صعيد مقومات القوة الشاملة، بما يشمله ذلك من التماسك السياسي الداخلي والقدرة العسكرية والأداء الاقتصادي والمكانة الدولية، وكانت هذه التحولات من الكثافة والتسارع بصورة يندر حدوثها في العلاقات الدولية الحديثة، ففي أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي، ورثت روسيا أغلب التركة السوفيتية، ولكنها عانت من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية حادة، ومما زاد من حدة هذه الأزمات تلك الاختلالات التي شابت أداء نظام الرئيس الأسبق الروسي الأسبق(يلتسين)، والتي إتسمت بارتباك سياسي كبير، وهيمنة أقلية محدودة واسعة الثراء على شئون السياسة والاقتصاد في آن واحد، فضلاً عن إنفلات المشكلات الأثنية، وتفشى الفساد والجريمة المنظمة.(1)
ومن ضمن تركة الاتحاد السوفيتي، ورثت روسيا تلقائياً أغلب القوة العسكرية السوفياتية، بما في ذلك أغلب الترسانة النووية للاتحاد السوفيتي، وفي أعقاب إعلان رابطة(الكومنولث)* بثلاثة أسابيع وقعت دول الكومنولث معاهدة بنقل كل الأسلحة النووية والتكتيكية إلى روسيا بحلول تموز من العام 1992م.
وبالفعل تم الانتهاء من نقل كافة الأسلحة النووية والتكتيكية الموجودة في دول الكومنولث إلى روسيا في 7أيار من العام 1992م، فقد كان هناك شبه إتفاق فيما بين دول الكومنولث على أن تظل روسيا الدولة النووية الوحيدة، خاصة ان الغرب كان يؤيد ذلك.(1)
وفي ظل هذه الأوضاع شكلت السياسات التي تبناها الرئيس(فلاديمير بوتين)*، منذ توليه رئاسة الحكومة في العام 1999م، ثم توليه رئاسة الدولة في العام 2000م، محاولة إصلاحية شاملة، ليس فقط لمعالجة الاختلالات الضخمة التي نشأت في فترة حكم بوريس يلتسين، ولكن أيضا محاولة إستعادة جزء ولو ضئيل من المكانة الدولية للاتحاد السوفيتي السابق، عن طريق العمل على إعادة هيبة الدولة، وإصلاح الاقتصاد، وقمع الحركات الاستقلالية الداخلية، وتطوير القدرة العسكرية، وتبنى سياسة خارجية نشطة.
لقد أعاد(بوتين) مظاهر الصلابة إلى روسيا، بعد ان شهدت حالة من التدهور والانحلال على كافة المستويات في مرحلة ما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، بحيث أعاد فرض إحترامها كقوى كبرى في العالم، فتحسن وضعها الاقتصادي، وأستقر وضعها السياسي، وعادت الهيبة إلى قوتها العسكرية التي كانت قد وصلت الى أدنى مستويات منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، وظهر خلالها عجر الدولة عن دفع رواتب الجنود، كما إن استعادة قوة المؤسسة العسكرية، وتطوير الجيش وتسليحه بأحدث الأسلحة تمثل أيضا أحد المكونات الجوهرية لما يسمى بــــــ(مشروع بوتين) لمواجهة التحديات والأخطار، التي يمكن أن تهدد الأمن القومي الروسي.
وبعد توليه منصب رئيس الدولة في روسيا، أصدر الرئيس(بوتين) في آيار من العام 2000م، وثيقة الأمن القومي التي ذكر فيها:(على الرغم من النزاعات الاساسية بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، إلاّ أننّا لا نستغني عن مساعدتها المالية لنا لتحسين الوضع الاقتصادي).
هنالك متغيرات عسكرية وأمنية دفعت روسيا لتطوير علاقتها مع الصين، وهي كالآتي:
1.وراثة روسيا للترسانة النووية للاتحاد السوفيتي.
2.اصدار روسيا وثيقة للأمن القومي بالإضافة إلى وثيقة العقيدة العسكرية.
3.صناعة الأسلحة الروسية.
4.القدرات الاستراتيجية النووية الروسية.
ومن المتغيرات العسكرية الروسية الاخرى هي صدور وثيقة الأمن القومي لروسيا في 24كانون الثاني من العام 2000م، موقعة من الرئيس الروسي(بوتن)، والتي تضمنت: مفهوم الأمن القومي في روسيا، من خلال منظومة متكاملة لضمان الأمن للمجتمع وللدولة ضد المخاطر الداخلية والخارجية، في ظل التأكيد على ان روسيا واحدة من اهم الدول الكبرى التي لها تاريخ عريق وتقاليد ثقافية غنية، وانها تمتلك موقع أوروبي/آسيوي مهم، أما فيما يتعلق بالتغيرات التي تبلورت ضمن إطار وثيقة الأمن القومي الروسي للعام 2000م، فقد تضمنت جملة من الاخطار الحقيقية التي تواجه الأمن القومي الروسي في الألفية الثالثة وهي منها: اولاً/محاولة بعض الدول والمنظمات الدولية كحلف الناتو، التقليل من دور المؤسسات الدولية المسؤولة عن تحقيق الأمن الدولي، ثانياً/تقوية وتعزيز الاحلاف العسكرية وتوسيع مديات نفوذها خارج أوروبا كحلف الناتو، ثالثاً/اقامة قواعد عسكرية قريبة من الحدود الروسية، رابعاً/اضعاف التعاون بين روسيا ورابطة الكومنولث، خامساً/ الضغوط الأمريكية لأضعاف المجتمع الصناعي والعسكري الروسي، سادساً/التغلغل الايديولوجي الديني والثقافي للغرب بين أطياف المجتمع الروسي، اضعاف روسيا دولياً ومنعها من إقامة عالم متعدد الاقطاب.
ثم بدأت روسيا تسعى لاستعادة مجد الاتحاد السوفياتي، في محاولة تحقيق توازن بين المعارضة التدريجيّة اللينة إزاء التوسع الظاهر لحلف الناتو في مناطق نفوذها السابقة، وبين المحافظة على علاقتها الحسنة بالولايات المتّحدة الأمريكية وكل من: ألمانيا وفرنسا، حيث توافقت في تلك المدة سياسة بوتين الهادفة إلى: تحديث الجيش، وخفض نفقاته عَبِر التخلص من الأسلحة النووية المكلفة، مع توجهات الإدارة الأميركية لتجريد روسيا من قوّتها النووية التي تُعدّ خطراً من المنظور الأميركي، سواء ظلت في خدمة الروس أم إنتقلت إلى أيدي منظمات إرهابية ودول أخرى؛ نتيجة لتدهور الوضع الاقتصادي وحاجة روسيا الماسة إلى المال.
وفي العام 2010م، أصدر الرئيس الروسي(ميدفيدف)المرسوم الرئاسي بإقرار وثيق الأمن الروسي الجديدة(2010-2020)، وهي: الوثيقة الثالثة منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، حيث سبق أن صدرت العقيدة العسكرية الأولى في العام 1993م، خلال حقبة الرئيس الأسبق(يلتسن)، ثم وثيقة الأمن الثانية لعام 2000م، التي أصدرها الرئيس(بوتين)، وُتعدّ وثيقة العام 2010م، امتداداً لهذه الأخيرة مع تعديلها في ضوء التطورات والمستجدات الإقليمية والدولية.
جدول(1) الأنفاق العسكري الروسي للمدة ما بين الأعوام(2000-2011) بالدولار الأمريكي.
الأعوام الأنفاق العسكري 2000 14,2 2001 15,7 2002 16,9 2003 18,5 2004 19,4 2005 43,1 2006 47,2 2007 51,2 2008 56,8 2009 59,5 2010 58,6 2011 64,1
الجدول من أعداد الطالب بالاعتماد على:
1.بيتر ستالنهايم وآخرون، جداول الإنفاق العسكري، في التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، الكتاب السنوي2005، ط(1)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005، ص521-523.
إذ فإنّ روسيا في الوقت الذي تحاول به جاهدة مغالبة المشاكل الداخلية، فإنّها تتلمس الاحتفاظ بالمجالات التي تمكنها من استعادة بعضاً من صورتها القديمة كقطب عالمي، حيث إتجهت إلى رفع النفقات العسكرية بشكل ثابت، هذا ما قد تبين لنا عن طريق الجدول السابق، حيث: ان سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، وتوجهاتها من خلال نشر الدرع الصاروخي في أوروبا وتقدمه على أنه: وسيلة من وسائل الوقوف بوجه الإرهاب، فهي قللت من تأثير نشر المنظومة على روسيا والصين، فهي ترى: أن هذه الشبكة قد تتطور مستقبلاً لتضم دول حلف الناتو نفسها، ومن ثم الانسجام مع أوروبا، وليس الابتعاد عنها.
إلاّ أن روسيا أبدت تخوفها من نشر الدرع الصاروخي الأمريكي، لأن ذلك يهدد مصالحها الحيوية في المناطق التي تُعدّها مناطق نفوذ لها، وكذلك يهدد أمنها القومي، فقد دفعت بالرئيس الروسي آنذاك(بوتين) الى إطلاق تحذيرات صريحة، بداية من مؤتمر ميونخ في شباط من العام 2007م، ثم في بداية شهر آيار من نفس العام عندما قامت روسيا بإجراء التجربة الصاروخية الأبرز: إطلاق صاروخ(RS-24) العابر للقارات في 29/آيار من العام 2007م، مما يعكس رسالة موجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بأنّ روسيا ستعيد التوازن الاستراتيجي العالمي، واستغل الزعيم الروسي عوائد النفط والغاز ليجدد عملية التسليح، وإعلان تخصيص(200) مليار دولار لتحديث المعدات العسكرية الروسية للمدة ما بين الأعوام(2007- 2017م).
إن هذه المقومات العسكرية تجعل من القوة الروسي قوة لا يستهان بها، ومما يؤشر له: ان مقومات القوة الروسية العسكرية في حالة صعود كبير وسريع، حتى صارت القوة العسكرية أهم مقومات الدور الروسي العالمي. ويمكن بيان تفاصيل هذه القوة كما موضح في الجدول فيما يلي:
جدول(2) القدرات النووية الروسية:
- القوات الهجومية الاستراتيجية الروسية-الرؤوس الحربية:
| النوع | العدد المنتشر | السنة الأولى للنصب | المدى(كم2) | حمولة الرأس الحربي | عدد الرؤوس الحربية |
| القاذفات | 72 | 72/820 | |||
| RS-12M2 Topol-M(SS-27) | 56 | 1997 | 10500 | 1×800 kt | 56 |
| RS-12M1 Topol-M(SS-27) | 18 | 2006 | 10500 | 1×800 kt | 18 |
| RS-24 Yars(SS-27 Mod 2) | 15 | 2010 | 10500 | 6X(100?kt) | 90 |
| القذائف البالستية التي تطلق من غواصات | 144 | 352/528 | |||
| RSM-54 Sineva (SS-N-23 Skiff) | 96 | 1986/2007 | 11,547 | 4×100 kt | 256/384 |
| RSM-65 Bulava(SS-NX-32) | 32 | 2011 | أكثر من 8050 | 6×100? Kt | 192 |
2.القوات الغير الاستراتيجية الروسية-الرؤوس الحربية:
قذائف مضادة للقذائف البالستية, دفاع جوي/ساحلي 1100 452 Su-34(Fullback) 16 2006 00 قنبلتان أسلحة تطلق من البر 164 164 SS-21 Tochka(Scarab) 150 19811989 1990 120 1×10 kt 150 SS-26 Iskander(Stone) 24 2005 500 1×10 kt 24 أجمالي الرؤوس الحربية المنتشرة/المخصصة نحو 1800/4430
الجدول من أعداد الطالب بالاعتماد على: شانون ن. كايل، القوات النووية في العالم، في التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، الكتاب السنوي2012، ط(1) مركز دراسات الوحدة العربية،، بيروت، 2012، ص 425-426-427.
وتأكيداً لما تقدم، فإنّ الدافع الروسي لإقامه وتدعيم العلاقات العسكرية والأمنية مع الصين تنطلق من دوافع واعتبارات عديدة من أهمها: حاجة روسيا الملحة في ظل محاولات الهيمنة الأمريكية على العالم إلى التحالف الاستراتيجي مع الصين، ان روسيا تُدرك: أهمية التحالف العسكري والأمني مع الصين، إذ يشكل نداً للتكتلات القائمة في العالم أو التي في طور التكوين، مثل: حلف الناتو وتوسعاته باتجاه مناطق شرق أوروبا التي كانت في السابق مناطق للنفوذ الروسي، والعمل على إيقاف نشرع الدرع الصاروخي الأمريكي.
وكذلك أدركت روسيا: ان الهيمنة الأمريكية أصبحت تمس مصالحها القومية، فقد قدمت الكثير من التنازلات على أمل ان تحظى بدور أكبر في السياسة الدولية، ولكن المصلحة كانت عكس ذلك، الامر الذي دفعها الى اعادة إحياء علاقتها مع حليفها القديم الصين، في ضوء إدراك روسي مفاده: ان نظاماً متعدد الاقطاب مؤلفاً من أكثر من ثلاثة دول يمتلك قوة كافية ليتأرجح ميزان القوى بواسطة حلفائها، وفي ظل هذا النظام ستكون بعض الدول اقوى من غيرها، ولكن أي منها سيكون غير قادر على الهيمنة على النظام الدولي، وفي الوقت ذاته فإنّها جميعاً لديها الوسائل لمنع الهيمنة.
ومن الدوافع الأخرى لروسيا في تطوير التعاون العسكري والأمني مع الصين هي: ضمان أمن الحدود الجنوبية لروسيا عن طريق التعاون المشترك مع الصين لوقف نشاط القوى الانفصالية، والتطرف الديني الذي تصاعدت عملياته في مناطق الحدود المشتركة، وان روسيا ترى: إنّ الشراكة الاستراتيجية مع الصين ستكون بالنسبة لها: وسيلة لإحلال الاستقرار في آسيا الوسطى، ولضمان أمن حدودها الجنوبية، لاسيما اذا توسعت هذه الشراكة، وشملت إلى جانب الصين كلاً من: الهند وإيران في مرحلة لاحقة.
المتغيرات العسكرية والأمنية على الصعيد الصيني:
لا يتوقف أمر المتغيرات العسكرية والأمنية الدافعة باتجاه تطوير العلاقات الثنائية على صعيد روسيا فحسب، وإنّما للصين أيضاً متغيراتها العسكرية والأمنية التي تدفع بها باتجاه تطوير هذه العلاقات، والمتغيرات العسكرية والأمنية الصينية الدافعة لتطوير علاقاتها مع روسيا، يمكن تحديدها بالآتي: أولاً: إمتلاك السلاح النووي. ثانياً: إمتلاك جيش كبير. ثالثاً: تنامي القدرات العسكرية الصينية.
أن المتغيرات الإقليمية والدولية، بما فيها انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي، كان لها ان تترك آثارها وانعكاساتها على الاستراتيجية العسكرية والأمنية الصينية، وخاصة في ضوء متغيرين دوليين هما: المتغير السوفيتي/الذي فتح لها آفاق جديدة لتحقيق أهداف الدولة أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، والمتغير الآخر/هو: المتغير الأمريكي/ الذي تركزت آثاره على الاطار السوقي لها من حيث اعادة الاعتبار لجيش التحرير الوطني، فضلاً عن إنسياق الصين نووياً نحو انتاج الأسلحة التكتيكية. ان انتهاء الحرب الباردة اصبح يمثل نقطة تحول مهمة في الفكر الاستراتيجي الصيني، ولاسيما الجانب النووي منها، وان تفكك الاتحاد السوفيتي كدولة عظمى وقطب مؤثر ومواز للولايات المتحدة الأمريكية ادى إلى بروز قوة واحدة مهيمنة على العالم متمثلة بـــــــ(الولايات المتحدة الأمريكية)، وكذلك بروز حلف الناتو كأكبر وأقوى تنظيم عسكري، ان إدراك الصين هذه المتغيرات والتطورات وغيرها حدا بها إلى السعي الى تحديث وتطوير قدراتها العسكرية والأمنية، وخاصة منها النووية.
وكان الهدف الرئيسي للصين من وراء تطوير قدراتها العسكرية والنووية هي: العوامل النفسية والتاريخية التي قد تدفع الدولة الى دخول النادي النووي، ومواجهة تهديدات الدول النووية الكبرى؛ وذلك لكسر إحتكار الدولتين العظميين للسلاح النووي.
ان ما تمتلكه الصين من قوة عسكرية وأمنية تؤمن لها سلامة أرضيها من أي هجوم خارجي، وكذلك تعزيز مكانتها الدولية، فالصين تمتلك ثالث قوة عسكرية بعد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا من حيث الكم والأنفاق العسكري، ولنا في معدل الانفاق العسكري خير دليل على اهتمام القيادة الصينية في المؤسستين: العسكرية والأمنية لكي تلعب دوراً مؤثراً آسيوياً ومن ثم عالمياً، اذ يتوقع أن يكون للإمكانات العسكرية أثر كبير في أسناد السياسة الخارجية للصين، وتقوية موقعها إقليمياُ، وأيضاً يكون الأثر نفسه في بروز الصين كقوة عظمى على المستوى العالمي(يُنظر: الجدول3). ومن الملاحظ: أن الصين شهدت وبشكل واسع: زيادة في حجم الأنفاق العسكري، خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، إذ نرى: ان الرغبة الصينية الواسعة في عملية التحديث هي التي دفعت الصين إلى الخروج عن التزاماتها بالاكتفاء الذاتي، والبدء في شراء كميات كبيرة من التجهيزات والتقنيات العسكرية الروسية، وعلى وجه الخصوص: في مجال القوة البحرية والجوية، وليس هناك رقم ثابت يشير إلى الأموال التي تنفقها الحكومة الصينية على الدفاع، أذ هناك العديد من المصادر التي تعطي أرقاما مختلفة حول الموضوع، وتطبق الحكومة الصينية وفقاً لقانون الدفاع الوطني الأنفاق العسكري المتوازي مع الناتج القومي، بحيث تزيد باستمرار نفقات الدفاع الوطني إلى حد مناسب على أساس التنمية الاقتصادية وزيادة الإيرادات المالية للدولة.
جدول(3) الأنفاق العسكري الصيني للمدة ما بين الأعوام(2000-2011) بمليار دولار أمريكي.
الأعوام الأنفاق العسكري 2000 22,2 2001 26,1 2002 30,7 2003 33,1 2004 35,4 2005 64,7 2006 76,1 2007 87,7 2008 96,7 2009 116,7 2010 121,1 2011 129,3
الجدول من أعداد الطالب بالاعتماد على المصادر التالية:
1.بيتر ستالنهايم وآخرون، جداول الإنفاق العسكري، في التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، الكتاب السنوي2005، ط(1)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005، ص 521-523.
2.سام بيرلو-فريمان، أو لاويل إسماعيل، ومجموعة باحثين، بيانات الإنفاق العسكرية(2002-2011)، في التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، الكتاب السنوي2012، ط(1)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2012، ص27.
إن الصين تمثل هدفاً عسكرياً شديد الصعوبة، فهي تتمتع بحماية دفاعية طبيعية، حيث أنّ مساحتها تصل إلى(9,6)مليون كم2، كما أن عدد سكانها يصل إلى(1,3)مليار نسمة حسب احصائيات 2010م، ومع مثل تلك المؤشرات، يصعب أن يتم بناء استراتيجية مضادة تقوم على: الهجوم على تلك الدولة أو التأثير في كتلتها الحيوية، فعلى الرغم من أنه تم التمكن تاريخيا من المساس الحاد بأرض وشعب الصين، على غرار ما تشير إليه فترة (حرب الأفيون)* أو الاحتلال الياباني خلال الحربين العالميتين: الأولى والثانية، فإنّ تطور القوة العسكرية، وظهور الأسلحة النووية، وتماسك الدولة الصينية، كل ذلك يغير مثل تلك المعادلات التاريخية.
إن القوة العسكرية الصينية تبدو كبيرة بصفة عامة، ويعود ذلك إلى عوامل مختلفة، أهمها بالطبع: القوة البشرية، فعدد أفراد القوات المسلحة الصينية يبلغ مليونين و(250)ألف جندي بحسب إحصائية عام 2009م، وهو ما يشكل الجيش الأكبر عالميا من حيث القوة العددية، وفي ضوء القدرات العسكرية الصينية، فان الصين تمثل قوة قادرة على ممارسة الردعين: التقليدي والنووي ضمن محيطها الإقليمي، وإذ ما استمرت في تحديث قدراتها العسكرية بهذا الشكل السريع، فإنّها ستصبح الدولة الوحيدة القادرة على تحدي القوة الأمريكية في شرق آسيا، وسيكون للولايات المتحدة فقط الدور الرئيس في مواجهة القدرات الصينية على المستوى الإقليمي.
لقد تنامت قوة الجيش الصيني على أثر خطط التحديث العسكرية الصينية، وتزايد الانفاق العسكري، وواردات السلاح والتكنولوجيا الروسية والغربية، بما زاد من التطور النوعي للمؤسسة العسكرية، وكان مسعى الصين يكمن في: تطوير قدرتها العسكرية إنطلاقاً من الدور العالمي الذي رسمته لنفسها، والقائم على: تحقيق اهدافها وطموحاتها، كونها ستصل إلى مرتبة القوة العظمى خلال العقود القادمة على رأي أغلب التحليلات، كما تسعى الصين إلى زيادة قوتها العسكرية ليس طمعاً بالسيطرة، وبسط نفوذها في آسيا بالدرجة الأولى، بل لحماية إمداداتها الحيوية والاستراتيجية وأهمها في هذه المرحلة: (النفط)، ففي هذا المجال، تفوقت الصين على اليابان في العام 2003م، لتصبح ثاني أكبر مستهلك للمنتجات البترولية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
ان اتجاه الصين لتحديث ترسانتها العسكرية إنّما بالقدر الذي يسمح لها أن تكون ذات قوة مؤثرة على الصعيد الإقليمي/أولاً، والدولي/ثانياً، وأن عملية تطوير وتحديث القوة العسكرية الصينية لا تقتصر على تطوير التقنيات الأسلحة التقليدية والنووية، وأسلحة الدمار الشامل، بل الأمر تعداه ليشمل: حدوث تحول في العقيدة العسكرية الصينية، حيث تبنت استراتيجية عسكرية توسع حقل المعركة الحديثة بأبعادها البرية والجوية والبحرية إلى الفضاء، واذا كان ذلك التوسع يركز في البُعد الإقليمي، فإنّ توسع المصالح الصينية في العالم ينذر بحدوث تحول لاحق لتكون تلك العقيدة تنظر إلى العالم ككل وليس إلى المحيط الصيني الإقليمي فحسب، حيث أدركت الصين مبكراً: أهمية تطوير قدرتها العسكرية وبموازاة انفتاحها الاقتصادي، حيث عملت الصين على بناء قواتها العسكرية بقصد: تعزيز مكانتها الإقليمية، واعتمدت الصين في بناء قواتها العسكرية على تعزيز عنصرين أساسيين هما: القوة الصاروخية الضاربة، والقوة البحرية القادرة على الاشتباك في المضايق وأعالي البحار.
جدول(4) القدرات العسكرية والنووية الصينية:
النوع العدد المنتشر السنة الأولى للنشر المدى(كلم2) حمولة الرأس الحربي عدد الرؤوس الحربية قذائف ذات قواعد برية 130 نحو 130 DF-21(CSS-5) 60 1991 2100 1×200-300 kt 60 DF-31(CSS-10Mod 1) 10-20 2006 7200 1×200-300 kt 10-20 DF-31A(CSS-10Mod 2) 10-20 2007 11200 1×200-300 kt 10-20 JL-2(CSS-NX-14) 36 00 7400 1×200-300 kt 36 طائرات 20 40 DH-10 150-350 2007 1500 001x 00 النوع التسمية لدى الناتو العدد المنشور سنة الانتشار الأولى المدىكلم أ الرؤوس الحربية ×الحصيلة الرؤوس الحربية المخزونة
الطائرات
HO6 B-6 120 1965 3100 1-3قنابل 120 Q5 A-5 30 1970 400 1×قنبلة 30
الصواريخ ذات القواعد البرية
DF-A3 CSS-2 40 1971 2800 1×3.3ميغاطن 40 DF-4 CSS-3 12 1981 5500 1×3.3ميغاطن 12 DF-5A CSS-4 20 1985-86 13000 1×4-5ميغاطن 20 DF-21A CSS-5 48 2005-2009 1800 1×200-300 ميغاطن 48 DF-31 CSS-X-10 غير متوفر 8000
الجدول من أعداد الطالب بالاعتماد على: شانون ن. كايل، القوات النووية في العالم، في التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، الكتاب السنوي2012، ط(1)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2012، ص442-443.
ان القدرة العسكرية الصينية كانت موجهة بالدفاع عن مصالح اقتصادية وجيوسياسية إقليمية، لكنها تتجه بشكل متزايد لتكتسب طابعاً عالمياً أكثر من أي وقت مضى، ومن ثم يتوقع أن تزداد ادوار القوة العسكرية الصينية لتخرج من نطاقها الإقليمي إلى العالمي خلال العقود القادمة، وان القوة العسكرية حققت للصين حضور في المحيط الهادي، وهو حضور كانت قد افتقدته منذ أكثر من قرن من الزمن، أما في عملية بناء قوتها الدفاعية فقد اعتمدت الصين على كم متزايد من شركات التصنيع الحربي المحلي، توازيها عملية استيراد واسعة للتقانة العسكرية، إذ برزت روسيا كأكبر مورد للصين في هذا المجال.
دوافع الصين العسكرية والأمنية في تطوير علاقتها مع روسيا:
1.إدراك الصين الأهمية الاستراتيجية لروسيا، فالصين قلقة من توسع حلف الناتو في منطقة حوض المحيط الهادي مما يقلق أمنها الإقليمي.
2.تسعى الصين لأحكام أوضاعها الداخلية مما يتطلب بيئة إقليمية هادئة، فضلاً عن الحصول على دعم خارجي، وقد ساند أحدهما الآخر بما صدر في العام 1997م، من بيان مشترك أقرت فيه روسيا: بأنّ تايوان والتبت جزء من الصين، وأقرت الصين: بأنّ الشيشان جزء من روسيا.
3.أرادت الصين موازنة الاتفاق الأمني بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان الذي أتاح لليابان هامش من الفاعلية في إقليم آسيا.
4.الحاجة الصينية للتكنولوجيا العسكرية المتطورة من روسيا.
وفي نهاية هذا المبحث وتأكيداً لما تقدم، فإنّ المتغيرات العسكرية والأمنية المؤثرة في العلاقات الروسية-الصينية، هي أثرت بشكل كبير على مسار العلاقة بين الدولتين، حيث شهدت العلاقة في مجالها العسكري والأمني تطوراً ملحوظاً، لاسيما بعد دخولهما في إطار تفاهمات وتحالفات ثنائية مشتركة، إذ نرى: ان هناك تعاون وتنسيق كبير في المجالين: العسكري والأمني بين الدولتين، وأن الدافع الصيني لإقامه وتدعيم العلاقات العسكرية والأمنية مع روسيا تنطلق من دوافع واعتبارات عدة من أهمها: حاجة الصين الى دعم واسناد روسيا، حيال الضغوط التي أثارها اتساع دائرة الفعل والهيمنة الأمريكية بعد نهاية الحرب الباردة ولمواجهة التحالف الأمني الأمريكي–الياباني، وإنطلاقاً من إدراك صيني–روسي مشترك مُفاده: ان التقارب الصيني–الروسي يُعّد محاولة لممارسة ضغوط مضادة تعادل ما تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية من ضغوط على الدولتين، ولدفع الأخيرة للحد منها. وكذلك حاجة الصين إلى المعدات والتجهيزات العسكرية الروسية، فضلاً عن الخبرة والتكنولوجيا الروسية المتقدمة اللازمة لتحديث الصناعة العسكرية الصينية، اذ استطاعت الصين تحقيق معدلات نمو اقتصادي عالية، مما ساعدها على زيادة الانفاق العسكري، والذي وصل في العام 2011م، إلى(129,3)مليار دولار، الامر الذي وضع الصين في مصاف أكثر دول العالم إنفاقاً على التسليح، مما سهل عليها الحصول على تقنيات عسكرية متطورة من روسيا. وايضاً العمل على تطويق الحركات الاصولية المتطرفة والانفصالية في إقليم سينكيانغ– يوغور، المعروف بـ(تركستان الشرقية) المتمتع بالاستقلال الذاتي، الامر الذي يلتقي مع الدوافع الروسية في مواجهة الحركات ذات النزعة الاستقلالية في روسيا ودول آسيا الوسطى:(كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجاكستان).
تابع…الصفحة التالية
المتغيرات الاقتصادية في العلاقات الروسية – الصينية
تتأثر أي دولة من الدول بالمتغير الاقتصادي، فالموارد الاولية والتركيب الاقتصادي الداخلي وقابلية الاستيراد والتصدير ومستوى الانتاج الاقتصادي والتطور التاريخي لاقتصاد الدولة كلها مؤشرات اقتصادية تؤثر بالسياسة الخارجية لأي دولة من الدول.
ويتمتع المتغير الاقتصادي بأهمية خاصة، وتكفي الاشارة إلى ان غياب أساس اقتصادي متين يؤدي بالضرورة إلى صعوبة بناء مؤسسة عسكرية فاعلة، وصعوبة اشباع الحاجات الغذائية للسكان، الامر الذي يؤدي إلى: ضعف قدرة الدولة على ضمان أمنها في زمن السلم والحرب، كما ان هناك علاقة طردية بين تعاظم القدرة الاقتصادية والانتاجية للدولة والمركز الذي تحتله الدولة في النظام الدولي.
ويدخل المتغير الاقتصادي بوصفه متغير مؤثر، ووسيلة في تنفيذ السياسة الخارجية، فالمتغير الاقتصادي لا يؤثر في توجيه السياسة الخارجية فحسب، بل يؤثر في تشكيلها أيضاً، حيث يقاس مدى تأثير الدولة في العلاقات الدولية، بمدى صحة اقتصادها القومي، إلاّ أن الأهم من ذلك كله هو: إنّ المتغير الاقتصادي أو القوة الاقتصادية هي إحدى العناصر الرئيسة في قوة الدولة المادية، وان الدولة لا تتمتع باستقلال كامل من دون توافر هذا العنصر، مما يؤثر بالنتيجة في سيادتها واستقلالية سياستها الخارجية.
وفي هذا المجال، سنتطرق إلى المتغيرات الاقتصادية في العلاقات الروسية-الصينية عن طريق مطلبين: المطلب الاول خصصناه للمتغيرات الاقتصادية على الصعيد الروسي، في حين سلطنا الضوء في المطلب الثاني على المتغيرات الاقتصادية على الصعيد الصيني.
المتغيرات الاقتصادية على الصعيد الروسي:
ورث(بوتين)تركة اقتصادية ثقيلة للغاية عند توليه السلطة كرئيس للحكومة في العام 1999م، ثم عند إنتخابه رئيساً للبلاد في العام 2000م، حيث كان الاقتصاد الروسي يعانى من حالة تدهور متعددة الأبعاد والمستويات من تفاقم الديون، وعجز الحكومة عن سداد رواتب الموظفين والجنود في مواعيدها، وانتشار الفقر، وهبوط الإنتاج الزراعي والصناعي، وتفشى الفساد والرشوة وسيطرة عصابات المافيا على معظم مجالات النشاط الاقتصادي والمالي في الدولة، بحيث كانت صورة روسيا قبالة العالم الخارجي صورة دولة مافيا، تسيطر فيها عصابات الجريمة المنظمة على مختلف مجالات النشاط السياسي والاقتصادي.
أولاً: بوتن وسياسة الاصلاح الاقتصادي:
ان من أهم المتغيرات الاقتصادية التي حدثت في روسيا، وخاصة بعد إخفاق الرئيس الأسبق (بوريس يلتسين) في إدارة البلاد في خضم الازمات التي تعرضت لها روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وخاصة الازمة الاقتصادية خلال عامي(1997-1998م)، ثم جاء الرئيس الروسي(بوتين)فتحسن أداء الاقتصاد الروسي بشكل ملحوظ.(1) فمنذ الشروع في سياسة الاصلاح الاقتصادي في العام 1992م، وإعتماد تحرير الاسعار، وتعديل النظام الضريبي والتعاون مع المؤسسات المالية للحصول على المساعدات اللازمة للإصلاح، حدثت الكثير من الامور التي أثرت على الواقع الاقتصادي الروسي، ومنها: تدهور الناتج المحلي الاجمالي، ويُعدّ غياب الدولة، وعدم الاستقرار الاقتصادي الذي واكب عملية التحول الاقتصادي، من أهم أسباب تفاقم الازمة الاقتصادية الروسية، إذ شهدت برامج الخصخصة درجة عالية من الفساد.
وجرى التعبير عن رؤية بوتن للإصلاح الاقتصادي في البرنامج الذي طرحه رئيس الوزراء (ميخائيل كازيانوف)، قبالة مجاس الدوما(البرلمان) في 26آيار من العام 2000م، عقب تشكيل الحكومة الاولى في عهد الرئيس بوتن، وفي الوقت نفسه إستفاد الاقتصاد الروسي من التعاون الايجابي من جانب مؤسسات التمويل الدولية في فترة ما بعد تولي بوتن رئيساً للبلاد، ومن ناحية أخرى كانت الأسبقية الرئيسية في برنامج الاصلاح الاقتصادي للرئيس بوتن تتمثل في: إعادة النظر بعملية الخصخصة التي تمت بصورة فوضوية في عهد يلتسن. ومن مؤشرات الأداء في الاقتصاد الروسي ودلالاتها هي: نجاح سياسة بوتن في تحقيق نتائج إيجابية من حيث معدل نمو مرتفعاً سنوياً لفترة تصل إلى حوالي أربع أعوام يدور حول نسبة(6%)سنوياً، أدى إلى التحسن المطرد في أداء الاقتصاد الروسي، حيث بدأت روسيا بسداد ديونها قبل أن يحين موعدها، وأعلن الرئيس بوتين: أن روسيا لم تعدّ بحاجة إلى المساعدات المالية التي كانت الولايات المتحدة تقدمها للحكومة الروسية للمساعدة في تنفيذ برامج الاصلاح الاقتصادي.
ثانياً: الموارد الطبيعية في روسيا:
تُعدّ روسيا واحدة من أغنى دول العالم في مجال الموارد الطبيعية، فهي تمتلك سابع أكبر احتياطي نفطي تقليدي في العالم بعد دول الخليج وفنزويلا، إذ يقدر احتياطيها من النفط الخام بنحو(60)مليار برميل في العام 2006م، وهو ما يشكل ما نسبته(4,6%)من الاحتياطي العالمي، حيث يُعدّ قطاع الطاقة الدعامة الاساسية للأمن الاقتصادي القومي الروسي، وأداة تأثير مهمة في السياسة الخارجية، والذي ويضم: النفط والغاز الطبيعي والفحم، وهي أكبر دولة في العالم في مجال احتياطات الغاز الطبيعي.
إذ يقدر احتياطي روسيا من الغاز الطبيعي نحو(1.7) كوادريليون* قدم مكعب، أي ما يعادل (27,5%)من الاحتياطي العالمي.
وترجع أهمية الطاقة لكونها الدعامة الاساسية للأمن الاقتصادي القومي الروسي، لسببين أساسيين: أولهما/ما يحققه هذا القطاع من عوائد لخزانة الدولة؛ ولأنه دعامة أساسية للصناعات غير النفطية الأخرى، وثانيهما/أهمية هذا القطاع للمواطن الروسي الذي يعتمد بشكل كلي على مقدار ما تمتلكه الدولة من موارد الطاقة، وذلك بسبب الطبيعة المناخية الذي يستحيل الحياة فيها من دون توفر كميات كبيرة من الطاقة.
لقد فصل الغاز الطبيعي عن مصادر الطاقة الاخرى(النفط-الفحم)، إذ أنشأت الحكومة الروسية شركة(غاز بروم)** والتي أصبحت المحتكر الاساس لإنتاج وتسويق الغاز في روسيا وخارجها، فقد حرصت الحكومة، وعن طريق الشركة على الحفاظ على سعر الغاز المنخفض، وأن يكون في متناول المستهلك، إنطلاقاً من أنها تؤدي الى خدمة المواطنين، وليس الأمر اسلوباً اقتصادياً، وبسبب هذه السياسة التي تبنتها الشركة فقد حظت بدعم الحكومة الروسية، وإعفاءات ضريبية لصادرات الغاز.
وواصل الاقتصاد الروسي نموه في العام 2004م، فقد زاد الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى (591)مليار دولار بعد أن كان في العام 2000م،(259)مليار دولار، وارتفع حجم الاستثمارات في مشاريع البنية الأساسية بما يزيد(10%)مقارنة بالفترة المماثلة من العام 2003م، كما حققت صناعة الماكينات والصناعة الكيماوية والبتروكيماوية وصناعة مواد البناء وصناعة الوقود والصناعة الغذائية أكبر معدلات نمو، وأضحى حجم الأموال التي تدخل إلى روسيا من الخارج يفوق حجم الأموال التي تخرج من روسيا.
وبسبب قدراتها الاقتصادية، تجاوزت روسيا تداعيات الأزمة المالية العالمية التي تفجرت خريف العام 2008م، وهو ما أكده رئيس الحكومة الروسية(بوتين)خلال الاجتماع الختامي لأعضاء حكومته يوم 27 كانون الأول من العام 2011م، بحضور الرئيس الروسي(مدفيديف) وأضاف بوتين: ان اقتصاد روسيا نما خلال العام 2011م بنسبة(4.4%)، مقارنة بــــ(1%) في الاتحاد الأوروبي، و(1.8%)، في الولايات المتحدة الأمريكية، واستقر الاقتصاد الروسي في الموقع السادس عالمياً خلف الولايات المتحدة والصين واليابان والهند وألمانيا، (يُنظر: إلى جدول5).
وقد أدت السياسة الاقتصادية للرئيس بوتين إلى تحقيق نتائج إيجابية من حيث إرتفاع معدل الناتج المحلي الإجمالي وانعكاسه على ارتفاع الدخل الفردي، وانتعاش حركة البيع والشراء في أثناء العام 2004م،إذ أدى ذلك إلى بروز روسيا كقوة أقتصادية كبرى، واكتسابها تأثيراً واسع النطاق في سوق النفط وأسعاره العالمية، ولا سيما مع تأكيد الرئيس بوتين عن استعداد بلاده لأن تحل محل الشرق الأوسط كمصدراً رئيساً للنفط لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
جدول(5) بعض المؤشرات الاقتصادية في روسيا للمدة ما بين الأعوام( 2000-2012) مليار دولار:
الأعوام الناتج المحلي الإجمالي الصادرات الواردات اجمالي الاستثمارات 2000 259 114 62 49 2001 306 113 74 67 2002 345 122 84 69 2003 430 152 103 90 2004 591 203 131 124 2005 764 269 164 153 2006 990 334 208 210 2007 1300 392 280 314 2008 1661 520 367 424 2009 1223 342 251 231 2010 1525 446 322 345 2011 1899 577 414 484 2012 2030 598 449 527
المصدر من أعداد الطالب بالاعتماد على:
1.Ivan Kushner’s Research Center))، على الموقع الآتي:
http://zh.kushnirs.org/macroeconomics/gdp/gdp_russia.html
2.دراسة استقصائية للأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية، أفاق الاقتصاد العالمي، الواقع والمخاطر، ترجمة: (شعبة اللغة العربية أدارة التكنولوجيا والخدمات العامة)، صندوق النقد الدولي، ابريل2013، الصفحات: 153-158-167.
ولم يكن اتجاه روسيا نحو الصين بلا سبب اقتصادية، فالدوافع الروسية للعلاقات الاقتصادية مع الصين تتمثل: بحاجة روسيا إلى السوق الصينية الواسعة، والتي يمكنها إستيعاب المبيعات الصناعية الروسية، فضلاً عن وجود الرغبة الروسية في زيادة التبادلات التجارية الواسعة بين الدولتين.
كما أن ازدياد حاجة كل من: روسيا والصين إلى النفط مع إزدياد تطورهما الصناعي ورغبتهما في التعاون المشترك من أجل مواجهة التكالب الأمريكي–الغربي على النفط في منطقة قلب أور-آسيا التي تمتلك رصيداً من الاحتياطي العالمي للنفط يزيد عن(30) مليار برميل، وكذلك تحكم الولايات المتحدة الأمريكية بنفط الخليج العربي، فأنها تخطط للسيطرة على(4/3) الاحتياطي النفطي العالمي، والتحكم بمسارات اقتصاديات كل من: روسيا والصين، فضلاً عن أوروبا واليابان، ومنع التكالب الأمريكي على منطقة آسيا الوسطى.
بحيث أن روسيا تسعى عن طريق إيجاد شريك استراتيجي مهم وهو:(الصين) لدعم دورها على الصعيد الدولي، وكذلك حاجة الاقتصاد الروسي إلى التعاون مع قوى اقتصادية إقليمية مؤثرة كالصين في استغلال الموارد الاقتصادية في جمهوريات آسيا الوسطى، التي تتشابك مع روسيا اقتصادياً، وتتكامل وترتبط معها في بنيتها التحتية، فضلاً عن عامل القرب الجيوبوليتيكي.
ولا بد من القول: بأن المتغيرات الاقتصادية لروسيا كانت وما تزال أحد العوامل التي تؤدي دوراً مهماً وبارزاً في رسم الاستراتيجية الروسية، فكلما ترى روسيا: ان إقامة علاقات مع أي دولة ستعود عليها بالفائدة، فأنها تتحفز وتندفع اكثر نحو هذه الدول، ونحو إقامة علاقات اقتصادية وسياسية معها، وخير مثال على ذلك: هي دولة الصين الشعبية.
المتغيرات الاقتصادية على الصعيد الصيني:
ان الواقع الاقتصادي شكل ومنذ العام 1949م هاجساً مقلقاً في تفكير القيادات الصينية، فقد تضافرت جملة عوامل داخلية منها: محدودية القدرات والموارد الاقتصادية، وتراجع الخطط التنموية، وأخرى خارجية متمثلة بالموقفين: الأمريكي والسوفيتي، وهي: ان تبقى الصين ضعيفة داخلياً وغير مؤثره خارجياً، فقد شكلت هذه العوامل كوابح دون ان يكون للصين دور عالمي مؤثر، وهو ما عدّته الصين دافعاً باتجاه العمل على إيجاد سياسة اقتصادية ناجحة من أجل الدفع بالاقتصاد الصيني إلى الامام في ظل التحديات التي تواجهها.
أولاً: تزايد الاهتمام بالعامل الاقتصادي وتبني سياسة الانفتاح والاصلاح:
ان الصين لم ترضى أن تبقى مكتوفة الايدي قبالة العوامل التي تشكل عائقاً حقيقياً في وجه نموها، فقد عمدت إلى محاولات عديدة لكي تصبح قوة اقتصادية كبيرة وبارزة على الساحة الدولية، ففي العام 1978م، وبعد ان تم التخلي عن أيديولوجية الثورة الثقافية التي أعلنها الرئيس الصيني(ماوتسي تونغ)، تم تبني سياسة الانفتاح والاصلاح التي أعلنها الزعيم(دنغ هسياوبينغ) الذي أعطى الأولوية للنمو الاقتصادي. واستندت عملية الاصلاح الاقتصادي إلى آلية تنمية القطاع غير الحكومي، واستخدمت في هذا المجال سياسات اقتصادية إتجهت إلى إصلاح النظام الاقتصادي، وبضمنه: رفع الرقابة الحكومية عن إنتاج العديد من السلع، وكذلك عملت على إتباع سياسة الاصلاح الريفي التي استهدفت: تنمية المؤسسات الجماعية الريفية والمؤسسات الخاصة لتطوير النمو في الانتاج الريفي.
أن استراتيجية الانفتاح الصينية كانت تهدف إلى: الارتقاء بمستوى التطور الاقتصادي، وتجميع الثروة، وتوليدها بأقل تكلفة ممكنة، وإنماء القطاع الخاص وكذلك تهدف إلى رفع المستوى التقني للاقتصاد الصيني مع تحويل المدن الصينية إلى أكبر مراكز مالية في المنطقة الآسيوية، وتضم هذه المدن أهم أسواق الصين مثل: سوق الأسهم والسندات والسلع والعملات، وكانت تلك الاستراتيجية تمثل أكبر تجربة صينية في مجال ما يسمى بـــ(اقتصاد السوق الاشتراكي).
ومن السمات الاخرى المهمة لاستراتيجية الانفتاح الصينية هي:(اللامركزية)، فبدأت الحكومة الصينية العمل على: تحرير التجارة الخارجية من السيطرة المركزية، عن طريق خبراء ومسئولون من يرون فيهم القدرة على إتخاذ القرارات المحفزة للنمو الاقتصادي، فقد عملت الحكومة على توزيع هؤلاء على الوزارات الاقتصادية والأقاليم والمشروعات الفردية، وبما أن هذه السياسة الاقتصادية كانت ترتكز على تنمية الأقاليم بعينها إعتماداً على الصناعات المحلية الموجودة في كل إقليم، وعلى الرغم من نجاح هذا السياسة التي تبنتها عملية الانفتاح الصينية، فقد كان لها مساوئ أهمها هو: الإخلال بالتوازن بين الأقاليم.
كما أن سياسة الانفتاح قد تضمنت: وضع القوانين واللوائح الخاصة بالضرائب والمسئولية القانونية والاستثمار الأجنبي وحماية براءات الاختراع، مع خفض قيمة العملة الصينية، وإعطاء حرية متزايدة لقوى السوق: وذلك بجعل الاقتصاد الصيني أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات الهيكلية التي عرفها العالم، ونتيجة لهذه السياسة وصل الاقتصاد الصيني إلى مستوى نمو غير مسبوق، كنتيجة الانفتاح على الاقتصاد العالمي. يُنظر: إلى الجدول فيما يلي:
جدول(6) بعض المؤشرات الاقتصادية في الصين للمدة ما بين الأعوام(2000-2012م) مليار دولار:
الأعوام الناتج المحلي الإجمالي الصادرات الواردات اجمالي الاستثمارات 2000 1193 280 251 421 2001 1317 299 271 480 2002 1456 365 328 551 2003 1651 485 449 676 2004 1945 658 607 836 2005 2287 837 712 950 2006 2793 1061 853 1166 2007 4504 1342 1034 1458 2008 4547 1581 1232 1991 2009 5105 1333 1113 2407 2010 5950 1743 1520 2860 2011 7314 2086 1898 3534 2012 8358 2313 2070 4016
المصدر من أعداد الطالب بالاعتماد على:
1.Ivan Kushner’s Research Center))، على الموقع الآتي:
http://zh.kushnirs.org/macroeconomics/gdp/gdp_china.html
2.مؤسسة النقد العربي السعودي، التقرير السنوي(48)، الرياض، 2012، ص117-118.
ثانياً: مصادر الطاقة والموارد الطبيعية في الصين:
أن من أهم مصادر الطاقة الموجودة في الصين هي: الفحم والبترول والغاز الطبيعي، ففي العام 2005م، مَثَل الفحم نسبة(70%) تقريبا من إمدادات الطاقة الأولية في الصين، وهي نسبة مرتفعة قياساً لباقي دول العالم الأخرى، يعززها: رخص سعر الفحم وإنخفاض تكلفة استخراجه، أما البترول والغاز الطبيعي، فيشاركان بنحو(23,8%)، من الاستهلاك الكلي لمصادر الطاقة بالنسبة للصين.
لقد خلقت عملية الاصلاح والنمو الاقتصادي السريع في الصين مصالح جديدة، ومراكز قوة إقتصادية سعت لاستغلال الأوضاع الجديدة لصالحها، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى: ما يتميز به الاقتصاد الصيني من اختلاط بين قواعد اقتصاد السوق وسيطرة الدولة على الاقتصاد، فالقطاع العام الصيني لا يزال يسهم بأكثر من(35%)، من الناتج المحلي الاجمالي، حيث يسيطر على الشركات الكبرى، ويحتكر الصناعات الرئيسية، مثل: الأعمال المصرفية وتوليد الطاقة.
ان من أهم التطورات التي حدثت على الاقتصاد الصيني هي: التحول المتسارع من اقتصاد يخضع للتخطيط المركزي الكلي إلى نوع جديد يطلق علية(اقتصاد السوق الاشتراكي)الذي يترك فسحة للسوق ليفرض قيمه وآلياته في إدارة الأنشطة الاقتصادية في بعض المدن الصينية، وحقق: هذا التحول نجاحات اقتصادية كبيرة إنعكست على إرتفاع معدل نمو الاقتصاد الصيني.
وقد عُدّت هذه التجربة تجربة ناجحة حصلت على أعجاب العالم، وسعت القيادات الصينية إلى ضمان أستمرار نجاحها عن طريق العمل على إقامة وتعزيز العلاقات التجارية مع جميع الدول، رغبة منها بجعل قدراتها الاقتصادية أداتها الرئيسية للوصول إلى مرتبة القوة العظمى في القرن الحادي والعشرين.
وتواصل الصين الصعود في ظل تطورات إقليمية ودولية متسارعة، مع مراقبة هذا الصعود من قَبِل أطراف أُخرى، وتأثير هذا الصعود في اقتصاديات الدول الأُخرى، ومن المؤشرات التي يمكن أن تعتريها كدولة لهذا الصعود هي: قبولها بدخول الاستثمارات الاجنبية إليها كوسيلة لدفع النمو في اقتصادها، حيث أصبحت الصين ابرز مركز لجذب الاستثمارات الدولية وبضمنها: الأمريكية، حيث يلاحظ ارتفاع حجم الاستثمارات الأمريكية في الصين من(40,1)مليار دولار في العام 2002م إلى نحو(143,2)مليار دولار في العام 2010م، حيث يتوغل الاستثمار الأمريكي في كل القطاعات الاقتصادية الصينية، الصناعية والتجارية والمالية، بل أصبح الاستثمار وسيلة الصين لجذب بعض اشكال التكنولوجية الأمريكية.
كما وحقق الاقتصاد الصيني خلال العقدين الأخيرين نتائج باهرة، لاسيما في معدلات النمو الحقيقي والصادرات وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وبدأ هذا الاقتصاد يخطو خطوات ثابتة نحو صدارة الاقتصاد العالمي محتلاً أماكن بلدان كبرى منافسة له في العديد من القطاعات الاقتصادية، وهذه المؤشرات جعلت بعض التحليلات والآراء تذهب إلى: أن القرن الحالي سيصبح قرناً صينياً تتصدر فيه الصين الاقتصاد العالمي، على الرغم من وجود بعض المعوقات التي مازالت تحد من فرص نموه.
كما تمكنت الصين بوصفها قوة اقتصادية صاعدة من تحقيق إنجازات اقتصادية، وبمعدل نمو بلغ(5105)مليار دولار في العام 2009م، في ظل معاناة دول أُخرى كبيرة: كالولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا من الانكماش، ولا شك: ان هذه الأرقام فرضت المزيد من التحديات على الصين، وهذا النمو المتسارع خلق ضغوطاً تضخمية أدت بدورها إلى انتهاج البنك المركزي الصيني سياسة ائتمانية جديدة، ورفع الاحتياطي النقـدي للبنوك لسادس مرة خلال العام 2010م، مع رفع أسعار الفائدة للودائع والإقراض.
وبقصد رفع عمليات النمو، رأت الصين في تقاربها وتعاونها الاقتصادي مع روسيا رافداً جديداً يخدم عمليات التحديث الاقتصادي الاربعة: الزراعة، الصناعة، البحث والتطوير والدفاع، ومن هنـا كان التوجه نحـو روسيا وتطوير العلاقات الاقتصادية معها توجهاً واقعي المضمون، قوامه: تحقيق التنمية الاقتصادية سبيلاً للارتقاء والتقدم.
وكذلك حاجة الصين إلى التكنولوجيا المتطورة والخبرات العلمية والمتوفرة لدى روسيا، والتي تُسهم في بناء وتعزيز الهياكل الاقتصادية والصناعية الصينية، والمساعدة في تحقيق التنمية الاقتصادية، والتحديث الداخلي للقاعدة الصناعية والتكنولوجية في الصين، والتي تنعكس في بناء القدرة العسكرية الصينية، وتأكيداً على ذلك أكد الرئيس الروسي(بوتين)، قبيل إجتماع قمة منظمة(شنغهاي)للتعاون التي عقدت في 14حزيران من العام 2001م: بأن للدولتين احتياطي كبير للتعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والفضاء، مشيداً بنمو الاقتصاد الصيني بقوله: ان مهمة القيادة الروسية هي: بذل الجهود الكبيرة لرفع نسبة التنمية الاقتصادية.
وفي نهاية هذا المبحث المختص بدراسة المتغيرات الاقتصادية المؤثرة في العلاقات الروسية-الصينية، فقد نرى: ان هناك دافع للتعاون في الجانب الاقتصادي بين روسيا والصين، وهذا يشير: إلى التوجه البراغماتي الذي يسود في كل من: روسيا والصين، فـــــ(الصين) أصبحت أحد المتعاملين المهمين في أسواق العالم، وباتت تصدر الرأسمال، وتتحرك من موقعها الاقتصادي نحو موقع سياسي جديد متوجهة نحو مصاف دول العالم المتقدمة الرئيسية، كما أنها تريد أن يكون لها دوراً في تسوية النزاعات الإقليمية، وخصوصاً في شبه الجزيرة الكورية وفي آسيا الوسطى.
في المقابل، فإنّ روسيا تسعى إلى ردم الفجوة على صعيد التطور الاقتصادي والاجتماعي عن طريق نوع من التكامل مع الصين، حيث تقوم روسيا بمساعدة الصين في المجالات العسكرية والأمنية، فيما تعمل الأخيرة على الاستثمار بروسيا في المجالات الاقتصادية، ومثل هذا التكامل يسد فجوة مهمة لدى الدولتين، ويجعلهما قادرتين على إحداث تطور كبير تحاول الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الحيلولة دون حصوله، ولذلك، فإنّ تكامل القوة العسكرية والنووية الروسية مع القوة الاقتصادية الصينية، يشير إلى: بروز واقع دولي يتنامى قوةً وحضوراً بسرعة تفوق التوقعات الأميركية الغربية، راسماً واقعاً دولياً جديداً يسّرع من إنهاء مرحلة التفرد الأميركي لمصلحة ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب.
تابع…الصفحة التالية
المتغيرات الثقافية والحضارية في العلاقات الروسية – الصينية
المتغيرات الثقافية والحضارية: ان الحضارات تتباين وتختلف بتباين الأنظمة الاجتماعية والعقلية والخلقية التي تتألف منها تلك الأنظمة، والتي تمثلها وتعبر عنها مظاهر الحضارة وصورها، على أن هذا التباين لا يعود إلى اختلاف الأنظمة والمظاهر المفردة فحسب، بل يرجع أيضاً إلى العلاقات التي تقوم بينها، وإلى النظام الكلي الذي يجمعهما، لأن لكل مظهر حضاري ارتباطه الداخلي ونظامه الكياني، وهكذا الأمر مع الحضارات ككل، وأن مظاهر الحضارة ليست مجموعة من الصور المتفرقة والمتنافرة والمستقلة بعضها عن البعض، بل هي: وحدة متماسكة ومتشابكة ومتفاعلة فيما بينها.
وإن المتغيرات الثقافية والحضارية ليست أقل تأثير ولا أهمية عن المتغيرات الاخرى السابقة الذكر، فهي تؤثر في نمط سير العلاقات الدولية بالاتجاه الذي قد يؤدي إلى: تعاون أو صراع، وأن الدولة وما تمتلكه من ثقافة وحضارة، لابد ان ينعكس ذلك على واقع علاقتها مع الدولة التي تكون ذات مصالح مشتركة معها.
كما ان المتغيرات الثقافية والحضارية نراها متلازمه مع بقية المتغيرات الأخرى، سواء أكانت تلك المتغيرات تاريخية أم اقتصادية أم عسكرية-أمنية، على صعيد المستوى الداخلي بين الدول، وعلى صعيد المستوى الخارجي في بعديها الإقليمي والدولي، وبما ان موضوع المبحث هو: المتغيرات الثقافية والحضارية في العلاقات الروسية-الصينية، وتأثيرها في سير تلك العلاقة بين البلدين.
لذلك فقد تم تقسيم المبحث إلى مطلبين: تناولنا في المطلب الاول: المتغيرات الثقافية والحضارية على الصعيد الروسي، فيما تناولنا في المطلب الثاني: المتغيرات الثقافية والحضارية على الصعيد الصيني، وكيف يدفعان باتجاه إقامة علاقات محددة بين الدولتين.
المتغيرات الثقافية والحضارية على الصعيد الروسي:
تتميز روسيا بأنهّا: دولة لها إرث وتاريخ حضاري وثقافي ممتد الى مئات السنين، غير أن السمة البارزة في تلك المقومات الثقافية والحضارية أخذت طابع التغيير من مرحلة إلى أخرى، أن روسيا وبما تمتلكه من مقومات ثقافية وحضارية وموارد طبيعية هائلة ومكانه دولية، كلها مقومات تساعدها ان تكون دولة كبرى مؤثرة، يساعدها على ذلك من الناحية الجغرافية: تنوعها ومساحتها التي تبلغ(17,07)مليون كم2، وهذه المساحة تمثل ضعف مساحة الولايات المتحدة الامريكية، وستة أضعاف مساحة الاتحاد الأوربي.
ولا تُعدّ روسيا اكبر الدول الوريثة للاتحاد السوفيتي من حيث المساحة فقط، وإنمّا اكثر الدول الوريثة من ناحية السكان ايضاً، فقد بلغ عدد سكان روسيا حسب احصاءات العام 2004م، (143,04)مليون نسمة، يرجعون لقوميات مختلفة، والمجتمع الروسي مجتمع متعدد القوميات والطوائف والاديان، وتعد الطائفة المسيحية الارثوذكسية والاسلامية واليهودية والبوذية والمسيحية الكاثوليكية من الطوائف الرئيسية في المجتمع الروسي.
أن الاتساع الهائل لروسيا ولدَ لدى شعبها الكثير من السمات الايجابية والسلبية، وكذلك سعت الأراضي الروسية، حيث مكنتها الطاقة الإنسانية، من الدخول في حركة إنشطارية توسيعية، إذ مرت روسيا التي تعرف الآن بـــــــــ(روسيا الاتحادية) أو(الاتحاد الروسي)، بمراحل تأريخية عدة عُرِفتَ بمسميات مختلفة نذكر منها:
أولاً: روسيا القديمة:
مع تراجع الجليد الذي كان يسود آراضي شمال أوربا وآسيا، بدأ تحرك السكان نحو الشمال حتى وصلوا إلى بحر البلطيق، وسكن السلاف الشرقيون المنحدرين من عنصر قوقازي، المنطقة الواقعة بين بحر البلطيق والبحر الاسود، والسلاف الشرقيون هم أسلاف: الروس، الروس البيض (بيلاروس) والأوكرانيين، وكانوا متفرقين يعيشون في أنماط قبلية قديمة, ولم تتحدد معالم الاطار القومي للروس إلاّ في القرنين: التاسع والعاشر، إذ بدأت اللغة الروسية الجديدة بالتشكل، وبدأت تتكون بين القبائل اتحادات، ومن ذلك: إتحاد القبائل الجنوبية مع قبائل الوسط في(كييف)، وإتحاد القبائل الشمالية مع مركزها في(نوفجورود)، وخضعت اتحادات السلاف الشرقيين في القرن العاشر لسلطة أمراء(كييف)، وأصبحت مدينة(كييف)، مركزاً لدولة تمتد من بحر البلطيق في الشمال إلى البحر الأسود في الجنوب، إذ أضحت إمارة(كييف)التي تبنت المذهب الأرثوذكسي(الفرع الشرقي للكنيسة المسيحية)، نواة للدولة الروسية، وبات لها في القرن الحادي عشر علاقات واسعة مع أوروبا وبيزنطة.
إلاّ أنّ أهمية(كييف)، إضمحلت في القرن الثاني عشر، عندما تحولت مراكز التجارة من بيزنطة إلى البحر المتوسط والمانيا، وأضحت أوضاعها غير مستقرة، استغلها أحفاد(جنكيز خان) من المغول التتار، الذين أغاروا على الاراضي المجاورة، واستطاعوا في العام 1240م، من الاستيلاء عليها، وتشكيل ما يُعرف بدولة (الأورطة الذهبية) التي تشمل: آسيا الوسطى، ومنطقة بحر قزوين، وشمال سواحل البحر الأسود، وأصبحت الأراضي الروسية تحت سيطرة المغول التتار ما يزيد على(250) عام، عزلت روسيا من خلالها عن التطورات التي شهدتها أوروبا في عصر النهضة والاصلاح.
ثانياً: إمارة موسكو:
خلال حقبة الحكم المغولي شهدت روسيا القديمة، تنافس بين الأمراء الروس لإرضاء الحكام المغول(خانات التتار)، الذين كانوا يسيطرون على السلطة، ونتيجة لهذا التنافس إنقسمت الدولة الروسية القديمة إلى عدة إمارات، كان أهمها: إماره( فلاديمير–سوزوار) التي تجزأت في القرن الرابع عشر إلى إمارتي(تفير، موسكو)، وبقيت في شمال روسيا ثلاث مدن تحكم نفسها هي:(نوفجور، فياتكا، بسكوف)، وإمارات الشرق:(موسكو، ريازان، سوزدال، تجني، تغير)، التي كانت تخضع بصورة غير مباشرة لدولة(الأورطة الذهبية)، أما المقاطعات الجنوبية والغربية فقد إستولت عليها(ليتوانيا)المجاورة. وبرز في موسكو أمراء أقوياء، استطاعوا استغلال الانقسامات والتنافسات القائمة، اذ تمكنوا ضم الامارات المحيطة بموسكو إليهم، وتولوا مهمة الوقوف بوجه التتار، واستطاع الأمير(ديمتري) هزيمة المغول في معركة وقعت على نهر(الدون) في العام 1380م، وعلى الرغم من أنّ هذا الانتصار لم ينهِ السيطرة المغولية، إلاّ أنهّ عمل على توحيد الروس حول أمراء موسكو الذين تحالفوا مع الكنيسة.
ثالثاً: الإمبراطورية الروسية:
ظهرت الامبراطورية الروسية بعد قيام إيفان الرابع(1533-1584م)، بالاستيلاء على(قازان واسترخانا)، والسيطرة التامة على حوض نهر(الفولكا)، والقضاء على طبقة النبلاء، وكبار ملاكي الاراضي المسماة(بويارس)، ووزع أملاكهم على أعوانه، وأجبر الفلاحين على الاستقرار في الاراضي لخدمة هذه الطبقة، وربطهم بقوانين صارمة، حيث سمي بــــــ(إيفان الرهيب) لمعاملته القاسية، وإتخذ لنفسه في العام 1547م، لقب(القيصر) بِعدّهِ حفيد صوفيا الأميرة البيزنطية.
وتواصلت عملية التوسع الإقليمي الروسي، ففي العام 1654م، تم ضم أوكرانيا إلى الإمبراطورية الروسية، وامتدت الإمبراطورية في آسيا الوسطى إلى ما وراء القوقاز والشرق الادنى، ومع مطلع القرن الثامن عشر كانت حدود الإمبراطورية الروسية القيصرية قد بلغت المحيط الهادي، ومهد هذا التوسع لاستيطان روسي واسع لاحق في الشرق الأقصى.
إذ أمست الإمبراطورية الروسية خلال القرن التاسع عشر أكبر دولة في أوروبا، واكبر دولة في العالم بعد الإمبراطورية البريطانية، وتضم مساحة(1/6) من مساحة العالم، وتختلف عن الإمبراطورية البريطانية في كونها: كتلة واحدة من الاراضي متماسكة نصفها آسيوي ونصفها الآخر أوروبي، في حين أن الإمبراطورية البريطانية كانت تمثل جزيرة غرب أوروبا، وتضم: مستعمرات في كل قارات العالم.
حيث شهدت الإمبراطورية الروسية مُدد عدم استقرار سميت بمدة(إنقلابات القصر)، وكانت تمثل: النزاع على السلطة بين الطبقة الحاكمة وطبقة النبلاء، كما شهدت حركات معادية للإقطاع وانتفاضات متفرقة قادها الفلاحين، والتي إنتشرت بين صفوفهم الحركات الثورية، وكان أهمها: ظهور حركتين ثوريتين: إحداهما/تمثلت في الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي تشكل في العام 1898م، معتنقاً تعاليم الاشتراكية الماركسية، والحركة الاخرى/هي الحزب الثوري الاشتراكي الذي تشكل في العام 1900م، وحاول تكييف الماركسية مع الحياة التقليدية لجماهير الفلاحين الروس، ولم يكن الديمقراطيون الاشتراكيون كثيري العدد والنفوذ، وجاءت الثورة الروسية في العام 1917م، التي كان سببها: مزيج من الانهيار الاقتصادي، والسأم من الحرب، وعدم الرضا عن النظام الاستبدادي للحكومة، وأنه جلب أول ائتلاف من الليبراليين والاشتراكيين المعتدلين إلى السلطة، ولكن سياساتها الفاشلة أدت إلى الاستيلاء على السلطة من قَبِلِ البلاشفة الشيوعيين.
رابعاً: الاتحاد السوفيتي:
في3كانون الأول من العام 1922م، أقرّ المؤتمر الأول لعموم الاتحاد تأسيس(إتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية)، حيث أنتخب(لينين) رئيساً له، وفي تموز من العام 1923م، تم توقيع معاهدة إنشاء الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية بين أربع دول هي:(جمهورية روسيا السوفيتية الاشتراكية، وروسيا البيضاء، واوكرانيا، واتحاد جمهوريات القوقاز)، وفي العام 1924م، إنضمت إلى الاتحاد جمهورية أوزبكستان، وفي العام 1929م، نظمت جمهورية طاجيكستان، وفي العام 1936م، إنضمت كل من: جمهورية كازاخستان وجمهورية قرغيزيا اللتان كانتا تتمتعان بحكم ذاتي ضمن روسيا الاتحادية، وفي العام 1940م ألحق(ستالين) جمهوريات البلطيق الثلاث(ليتوانيا، لاتفيا، أستونيا)بالاتحاد السوفيتي، ليصبح بذلك عدد الجمهوريات المنضوية في إطار الاتحاد السوفيتي إلى(15) جمهورية، وهنالك عدد من الجمهوريات مرتبطة بالسلطة العليا المركزية للجمهورية الاتحادية، حيث تُعدّ هذه الجمهوريات اجزاء من جمهورية روسيا السوفيتية الاشتراكية(ياشكريا، بوريات منغوليا، داغستان، كباردا بلكاريا، كاريليا، كومي، ماري، مودينا، أوستيا الشمالية، تناريا، أدموريتا، الشيشان، أنغوشيا وياقوتيا)، وتلحقها ايضاً عدد من المناطق ذات الحكم الذاتي، ومقاطعات ذات سلطة محلية وهي:(الأدبغية، السكاي الجبلية، كالميكا، كارتشاي، الجركية، السنوفية، الهاكاسية).
وبقي حال الاتحاد السوفيتي بهذا الوضع حتى تفككه في31 كانون الاول من العام 1991م، حيث سبقه في 9من الشهر نفسه إعلان رؤساء جمهوريات البلطيق الثلاث الانسحاب من الاتحاد.
وتم في إعلان مينسك آواخر العام 1991م، عن تفكك الاتحاد السوفيتي، ولذا فإنّ الاتحاد السوفيتي وريث الإمبراطورية الروسية لم يعد موجوداً وباتت روسيا الاتحادية الوريث القانوني والواقعي للاتحاد السوفيتي بعد تفككه، وورثت عنه امكانات الدولة الكبرى، واخفاقاته، وعلى الرغم من تراجع مكانتها الاستراتيجية وانشغالها بوضعها الاقتصادي المعتل، فهي تحظى بقدر كبير من التصورات والاهتمامات الاستراتيجية للدول الكبرى ومنها:(الصين).
وفي نهاية هذا المطلب، ولكي نفهم طبيعة الحضارة والثقافة الروسية، لابد من التعرف على توجهات روسيا الفكرية، فروسيا هي: دولة ارثوذكسية، سلافية، فيها قوميات عدة، لها توجهات تقليدية نحو غرب أوروبا والقوقاز ووسط آسيا وشرق آسيا، إذ بواسطة المسيحية الأرثوذكسية تكونت أشكال جديدة للثقافة الروسية، ووهبت روسيا طاقات اجتماعية وثقافية متنوعة تجسدت بمثل: الرحمة وعمل الخير والسلوى، فالكنيسة الروسية مازالت حتى الآن تشكل قوة أخلاقية كبرى، ومن الصعب فعلاً فهم روح الحضارة الروسية مالم يتم فهم وإدراك الأرثوذكسية.
من هذا المنطلق نرى: أن روسيا ترى في الصين، والتي تمثل دول كونفوشيوسية مجال فكرياً وحضارياً قد يتوافقان فيما بينهما في بعض المواقف والقضايا التي تعبر عنها الدولتين على أنهّا تمثل شخصية الدول فكرياً وحضارياً.
المتغيرات الثقافية والحضارية على الصعيد الصيني:
تُعدّ الصين من الدول التي تمتلك حضارة عريقة تضرب جذورها في أعماق التاريخ، وما تزال آثار تلك الحضارة قائمة عَبِرَ السور الكبير، وفي الرؤى الفلسفية: كالطاوية والكونفوشيوسية وغيرها، والتي أصبحت فيما بعد غيابه عقائد دينية للمجتمع الصيني منذ اقدم العصور.
لقد حكمت الصين عدة أسر ازدهرت في ظلها الحضارة القديمة: كأسرة (تايخ) التي برزت خلال مدة حكمها الكتابة، وطورت صناعة الحديد، ثم أعقبها أسرة(متشو) في الحكم، والتي ظهرت في ظلها العقائد الفلسفة التي طبعت الحياة الصينية حتى الوقت الحاضر، وفي ظل حكم أسرة(هان) من المدة (206–220 ق.م) بلغت الإمبراطورية الصينية اوج عظمتها وقد تبلورت الوحدة الثقافية والسياسية في المجتمع الصيني خلال حكم هذه الأسرة، وبسقوطها سادت فوضى سياسة استمرت حتى القرن السابع الميلادي.
ولابد من القول: ان التاريخ الصيني يقسم إلى مراحل عدة هي:
المرحلة الاولى: مرحلة التشكيل الاجتماعي والفلسفي، حيث بدأ التشكيل التاريخي للمجتمع الصيني استناداً إلى نظام أسري حازم، وأسست هذه المرحلة القاعدة العسكرية والفلسفية للمجتمع بتعاليم(كونفوشيوسي، ولاوتسي، ومونفوشوش، وشتشونفوشوش)، ولاسيما خلال المدة التي سيطرت فيها أسرة(منج)، حيث برزت التقنيات الصينية في مجالات الطباعة والبحرية.
حيث دعمت كونفوشيوس البحث العلمي والنشاط التكنولوجي، وربط بينهما وبين العمل البيروقراطي(الخدمة في دوائر الدولة)، حيث كانت هذه النظرة سبباً من أسباب إصلاح المجتمع حسب رأيه، لم يكن نشاط الفيلسوف الصيني(كونفوشيوس)مقتصراً على: المستوى النظري، بل أمتد إلى المستويات التطبيقية العملية، إذ رغب في عكس آراءه الفلسفية–الفكرية إلى الواقع الملموس، ولذا شرع(كونفوشيوس)، في تأسيس أول مدرسة خاصة في تاريخ الصين، خصصت إهتمامها للدراسات العليا، وإنظم إليها الكثير من الطلاب، على اختلاف مشاربهم وطبقاتهم، وكان هدف هذه المدرسة هو: تعليم المبادئ الكونفوشيوسية، واستفاد الأباطرة من الطبقة المثقفة التي أنتجتها مدرسة كونفوشيوس، خصوصاً بعد تأسيس مدارس أخرى في مختلف أنحاء الصين، لنشر فلسفة كونفوشيوس، إذ استفاد الأباطرة منها في توفير ما يدعم سياساتهم من كفاءات علمية وإدارية.
إن الكونفوشيوسية عززت بشكل غير مباشر القدرة التكنولوجية في الصين، بالشكل الذي كان يتناسب مع المرحلة التاريخية، التي تزامنت معها، وبما يخدم الأداء السياسي لحكم الأباطرة، وخصوصاً: إن كونفوشيوس نفسه كان جزء من هذا الأداء، وهو ما أهله للوقوف تجاه أبرز مكامن الخلل في الجهاز الحكومي، وإيجاد الحلول المناسبة لتصحيح هذا الخلل، وكان تشجيعه للبحث العلمي والابتكار جزء من هذه الحلول.
المرحلة الثانية: مرحلة أسرة(ماستشو)، وتُعدّ هذه المرحلة مرحلة الصراع الدولي على الصين، وخصوصاُ القرن التاسع عشر، ويمكن عـــــــــــــــــدّ مرحلة الاربعينيات من القرن التاسع عشر نقطة تحول المركزية الاولى بالتاريخ الصيني المعاصر، إذ أجُبرت الصين في هذه المدة على منح خمسة من موانئها للتجارة، على أثر ما عُـــــــِـــــرَف بـــــــــــــ(حرب الأفيون).
كما توجد في الصين: المدرسة الفكرية والفلسفية المعروفة بــــــــ(التاوية)، والتي يرتبط اسم (التاوية) بالفيلسوف الصيني(لاوتزو)، الذي رأى: إنّ طريق الفضيلة أو ما يسمى بــــــــــــــ(التاو) في الصينية، هو السبيل لتحقيق الرضا والسعادة والسلام، وذلك بالترفع عن الجوانب الجسمية، والسمو بالروح بما يشبه حالة(التصوف)، ولكن ذلك لا يعني: تجاهل هذه الفلسفة للجانب العملي في حياة الإنسان والمجتمع، إذ تنظر الفلسفتان: التاوية والكونفوشيوسية، على السواء إلى الإنسان بنظرتين: الأولى/(داخلية)، وتتعلق بالسمو الروحي للفرد وصولاً إلى الكمال، والثانية/(خارجية) وتتعلق بقدرة الإنسان على العيش بصورة جيدة على المستوى العلمي.
إن النظرة الخارجية للإنسان التي وردت في فلسفة(لاوتزو)، وتطرقها إلى النواحي العملية لحياته وقدرته على التعامل مع ما يحيط به من أمور، تقتضي الإفادة من كل ما توفره له هذه البيئة من وسائل اقتصادية وطبيعية وتكنولوجية وغيرها، من أجل تحقيق السعادة العملية، فضلا عن تحقيق السعادة النفسية في إطار النظرة الداخلية للإنسان.
المرحلة الثالثة: تمثل فلسفة(موتزو)؛ وهي: تجسد أفكار الفيلسوف الصيني(موتزو)،(468– 376 ق.م)، والذي يُعدّ من أبرز فلاسفة الصين في تبنية لأهمية الجوانب العملية في حياة الإنسان مثل الثروة: السكان، وغيرها، ونظر للفلسفتان السابقتان بأنّهما: مثاليتان وأنه يجب التركيز أكثر على تحسين الجوانب العملية في حياة الإنسان، وتقع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية وغيرها في صلب الوسائل التي تحقق التقدم العملي في حياة الإنسان، في أي زمان ومكان حسب رؤية موتزو.
إن هذه الفلسفات لم تكن الوحيدة التي شهدتها الصين، وإنما هنالك فلسفات أخرى(أصيلة أو دخيلة)، تفاعلت في إطار الفكر الصيني، إذ دخلت الفلسفة البوذية على سبيل المثال إلى الصين قبل القرن الميلادي الأول، فإحتوتها الفلسفات الصينية، وتكونت فلسفة جديدة سميت بـــــــــ(الكونفوشيوسية الجديدة)، والتي عبرت عن تمازج فلسفي كونفوشيوسي–تاوي– بوذي، إستطاع احتواء أغلب الآراء الفلسفية والمدارس الفكرية التي وجدت في الصين.
حيث يلاحظ: ان الفلسفات القديمة في الصين مارست بشكل عام: دوراً كبيراً في تشكيل الهيكل الأيديولوجي والقيمي للمجتمع الصيني بمختلف ترابطاته السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية وغيرها، حيث شكلت تلك الفلسفات بذلك، حافزاً قوياً للمجتمع الصيني، في تبني إيديولوجيا معينة، أو شكل سياسي محدد وإعطاء القيمة الحقيقية للمتغير التكنولوجي في شئون المجتمع المختلفة.
ويمكن تقسيم هذه الإنجازات كما يأتي:
1.حقق الصينيون تقدما في مجال الفلك، إذ ابتكروا طريقة حساب الأشهر للمواسم الزراعية، وذلك في زمن حكم أسرة(تشو)، فضلا عن التنبوأ بالخسوف والكسوف، ووضع التقويم الذي يقسم السنة إلى 12شهراً، ويقسم اليوم إلى 12ساعة، واخترع آلة لتسجيل الزلازل في العام 132م، واختراع البوصلة قبل عشرة قرون من الميلاد.
2.حقق الصينيون في المجال الهندسي إنجازات عـــــــدة، كان أبرزها: سور الصين الذي بلغ طوله ما يقارب(64000)كم، وذلك في زمن حكم أسرة(تشو).
3.كان للصينيين، عبر تاريخهم، إنجازات مهمة في مجال الطب والعقاقير الطبية وأنظمة الحمية الغذائية وعلاجات الأمراض والتعليم الطبي والتخدير وغيرها.
4.تعد ابرز الإنجازات التكنولوجية المتحققة في تاريخ الصين هي: التي كانت في المجال الفيزيائي–الصناعي، مثل: اختراع الحرير في زمن أسرة(الهان)، واختراع الخزف بالمدة نفسها من حكم هذه الأسرة، واستخدام البارود في صناعة الألعاب النارية قبل أكثر من عشرة قرون من الميلاد(وهو ما يسجل في حقل الكيمياء الصناعية)، فضلاً عن معرفة الخواص الفيزيائية لحجر المغنطيس، واختراع ساعة ميكانيكية في المدة ما بين الأعوام(1020–1101 ق.م).
وحاول الزعيم الصيني(ماوتسي تونغ) في منتصف الخمسينيات وصولاً إلى السبعينيات من القرن الماضي إحداث تجديد في الثقافة الصينية عبر استراتيجيات منها: القفزة إلى الأمام والثورة الثقافية لكنه تسب بحدوث مشاكل كبرى النظام اقتصادياً دفعته إلى التراجع عنها، لتتجه الصين مع نهاية العقد السابق إلى وسيلة الإصلاح والتحديث الشامل والانفتاح على العالم، ومن الواضح: ان البنية الثقافية الصينية تمر بمرحلة إنتقالية، ويبدو: إنّ الشكل الذي استقرت عليه هذه المرحلة الانتقالية من الناحية الثقافية هو:(الاحياء القومي)، الأمر الذي سيؤدي الى التفكيك المتدرج للتراث المادي، والتركيز في الهوية التاريخية والحضارية للصين.
ولابد من القول: انه بعد ما دخلت الصين مرحلة الاصلاح والانفتاح على العالم، وترك آثار الثورة الثقافية، طرأت تغيرات عميقة على ملامح الصين، وأصبح يتطور اقتصادها تطويراً سريعاً ويرتفع مستوى معيشة الشعب إرتفاعاً واضحاً عِبَرَ دعم الموارد البشرية فيها، وهذا أدى إلى عصر من الازدهار في الصين يشمل: سياستها المستقرة، وتنميتها الاقتصادية السريعة، واعمالها الدبلوماسية النشطة.
أن الصين اخذت تستخدم استراتيجيتين بهدف تحسين الموارد البشرية فيها، اذ أخذت بالتزامها بإصلاح النظام التعليمي بشكل جذري، وكذلك عملت بالسعي الحثيث نحو استرجاع العلماء والمهندسين الذين تركوا البلاد بهدف: تعزيز فرص التعليم في البلاد، فقد أدرك الاصلاحيون: إنّ التقدم التقني الثابت يتطلب توسيع قاعدة التعليم.
ومع ذلك يمكن القول: ان المجتمع الصيني على الرغم من نقاط الضعف الموجودة فيه، فإنّ هناك قدراً كبيراً من التماسك الذي يمتاز به المجتمع الصيني، والذي يشكل القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها الصين للانطلاق نحو دور عالمي أوسع.
وخلاصة ما تقدم، ولكي نفهم كيف كان إندفاع روسيا وعن طريق المتغيرات الثقافية والحضارية إلى منطقة آسيا بصورة عامة، والصين بصورة خاصة، فإذا نظرنا صوب منطقة آسيا ومدى أهميتها لدى روسيا في ظل المتغيرات الثقافية والحضارية التي حصلت وواكبت الدولتين، لرأينا: ان الشعور الروسي بطموحه أقل تأثيراً بالقيود الجغرافية، فعلى مدى القرن الثامن عشر ومعظم القرن التاسع عشر، كانت روسيا نفسها طليقة وحيدة في الشرق الأقصى، فكانت أول قوة أوروبية تعاملت مع اليابان، وأول من عقد إتفاقية مع الصين، أما الصدامات المتفرقة مع الصين فليس لها أهمية تذكر، في حين عمدت الصين حيال الدعم الروسي للقبائل المحاربة إلى التخلي عن مناطق واسعة لمصلحة الإدارة الروسية في القرنين: الثامن عشر والتاسع عشر، وحاولت الصين استغلال العلاقات التاريخية والإستراتيجية بين روسيا والجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى لضمان تعاون هذه الجمهوريات بمنع تحويل أراضي تلك الدول إلى قواعد خلفية لها، خاصة مع الروابط الدينية والقومية والتاريخية بين الويغوريين وسكان آسيا الوسطى.
وفي نهاية هذا المبحث الذي خصصناه لدراسة المتغيرات الثقافية والحضارية المؤثرة في طبيعة العلاقات الروسية-الصينية، نرى: أن روسيا هي دولة سلافية أرثوذكسية، والصين هي دولة كونفوشيوسية لكل منهما لها تطلعاتها وتصوراتها الفكرية، حيث نرى نوع من التقارب يجمع بين أفكار الدولتين ثقافياً وحضارياً قياسياً بالحضارة الغربية، إذ ترى الدولتين: بأنّ الحضارة تقربهما أكثر من أي جانب أخر، وأن تجمع القوة السلافية الرئيسية في العالم مع القوة الإسلامية الأكثر راديكالية، والقوة الآسيوية الأكثر قدرة، والأكثر سكاناً مكونة بذلك تحالفاً فعالاً، وإن الانطلاق الضروري لأي تحالف مضاد من هذا النوع يجب أن يشمل: تجديد العلاقات الروسية-الصينية باستثمار امتعاض الزعامات السياسية في كلتا البلدين من ظهور الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة ومهيمنة على النظام العالمي.
تابع…الصفحة التالية
المتغيرات الإقليمية والدولية و تأثيرها على العلاقات الروسية – الصينية
المتغيرات الإقليمية والدولية:
أن التغيرات التي تحصل في البيئة الدولية سواء أكانت في محيطها الإقليمي أم محيطها العالمي ليست بمنعزل عن علاقات الدول فيما بينها، فهي تؤثر في مسار تلك العلاقات على النحو الذي يمكن أن يحدث تعاون أو صراع من جراء تلك التغيرات، وان الوضع الدولي، وما يشهده من تطورات وأحداث على المستويين: الإقليمي والدولي فقد غيرت الكثير من الترتيبات التي كان سائدة في السابق، وجعلت بعض الدول تتقارب أتجاه قضية معينة وتتنافر وتتعارض مع قضايا أخرى.
كما أفرزت البيئة الدولية جملة من التغيرات المهمة على الساحة الدولية التي إنعكست بصورة طبيعية على نمط العلاقات الدولية السائدة، مما جعلها تترك تأثيراً واضحاً في فعالية النظام الدولي السائد وطبيعته، غير أن عوامل التغيير في إتجاهات النظام الدولي لمرحلة ما بعد الحرب الباردة قادت الأوربيين نحو إعادة التفكير، وضرورة أن يكون هناك دور أوروبي فاعل في الساحة الدولية، مترافقاً مع توجهات الولايات المتحدة الأمريكية للهيمنة على العالم، والتصدي لأي دور فاعل لأي قوى دولية.
ونرى: أن العلاقات الروسية-الصينية من زاوية المتغيرات الإقليمية والدولية تتأثر مثل غيرها بمحيطها الإقليمي أو الدولي، كما أنها تؤثر في ذلك المحيط نظراً لما تملكه الدولتان من إمكانيات، وفي هذا الفصل سنركز على تأثر علاقتهما بتلك المتغيرات، في حين سنركز في الفصل الثالث على تأثير علاقتهما في المحيطين: الإقليمي والدولي.
وعليه فقد تم تقسيم المبحث إلى ثلاثة مطالب: إختص المطلب الأول: بالمتغيرات السياسية الإقليمية والدولية. أما المطلب الثاني فقد تناولنا فيه: المتغيرات العسكرية والأمنية الإقليمية والدولية، وفي المطلب الثالث تناولنا: المتغيرات الاقتصادية الإقليمية والدولية.
المتغيرات السياسية الإقليمية والدولية:
تعد المتغيرات السياسية في البيئتين: الإقليمية والدولية عوامل أثرت في مسار العلاقات الروسية-الصينية، وبحكم طبيعة القضايا المثارة في البيئتين، وهنا سنتناول ثلاثة متغيرات مهمة كنماذج وهي: القطبية الأحادية والاستراتيجية الأمريكية، وتأثيراتها في العلاقات الروسية-الصينية وقضية تايوان، والعلاقات الصينية-الهندية.
أولاً: القطبية الأحادية والاستراتيجية الأمريكية:
يُشير مصطلح(القطبية الأحادية) إلى: وجود قطب يملك من الموارد ما يكون قادر معها على الهيمنة على إدارة التفاعلات السياسية الدولية، دون أن ينفي هذا حقيقة وجود قوى سياسية واقتصادية أخرى على مستوى النظام الدولي، بيد أنه يبقى لهذا القطب القوة والإمكانية لصناعة القرار الدولي، فضلاً عن تأثيره في صناعة السياسات الاقتصادية العالمية، ويتفق المعنيون بحقل العلاقات الدولية على أن القطب المهيمن له القيادة العالمية، وبقية القوى تشاركه في هذه التوجهات السياسية.
لقد شهدت البيئة الإقليمية الآسيوية لمرحلة ما بعد الحرب الباردة دوراً أمريكياً متزايداً، على الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية عمدت إلى مراجعة وجودها العسكري في الإقليم، خاصة إذا ما علمنا: ان ذلك الدور يعمد إلى بناء نظام إقليمي جديد يكون فيه الدور الأمريكي هو المهيمن. مما دفع الصين بالأخص إلى التخوف من مركزية الدور الأمريكي في الإقليم، على الرغم من أن إختفاء السوفيت من معادلة القوة الإقليمية والدولية قد حرر الصين مؤقتاً من سياسة التوازنات التي بدأت منذ السبعينيات عندما أراد الأمريكيون احتواء السوفيت عن طريق القوة الصينية، وهو أمر ارتضى به الصينيون لتخفيف واقع العزلة الدولية.
وفي الوقت ذاته كان هذا بمثابة اعتراف أميركي بأهمية الدور الصيني في شرق آسيا بأنها قوة لا يمكن الاستغناء عنها، إلاّ أنّ هذا الاختفاء للخصم قد أخرج الصين من اللعبة ما بين القوى العظمى باعتبارها ذراع وجعلها هدف لقوة عالمية واحدة تسعى لاحتوائها إلاّ وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، وبقدر تعلق الأمر بالدور الروسي، ومكانته في السياسة العالمية، نجد أن القلق الأميركي من احتمالات عودة الروح القومية إلى روسيا ومعها سياسة(قيصرية)بشكل جديد، كان حاضراً في التخطيط الاستراتيجي، بدلالة: أن توسع حلف الناتو باتجاه أوروبا الشرقية ومحاولة الولايات المتحدة الأمريكية النفاذ إلى آسيا الوسطى، حيث مناطق النفوذ التقليدي الروسي يقرأ استراتيجياً على إنه إستدراك إستباقي للحيلولة دون عودة روسيا إلى مكانتها الدولية المؤثرة، وحضور صورة التهديد الروسي في العقل الاستراتيجي الأميركي.(1)
إن هذا التحول في مراكز القوة الدولية أسهم في إعادة سياسة التوازنات مرة أخرى بحيث أصبحت الصين هي الهدف من وراء الإحتواء بعد الحرب الباردة، فأبقت الولايات المتحدة الأمريكية على تحالفها الأمني مع اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، وبدأت أيضاً بتمتين علاقاتها مع الهند لاحتواء الصين، أما الصين من ناحيتها فبادرت إلى تقوية علاقاتها مع باكستان بالضد من الهند، وفي ذات الوقت أصبح هناك حاجة صينية للتعاون مع روسيا من أجل التقليل من آثار الاحتواء الأميركي.(2) لا سيما وأن الولايات المتحدة الأمريكية باتت تُعدّ إحتواء روسيا والصين، والحيلولة دون إبدائهما مشاركة فاعلة في وضع أنماط التفاعلات الدولية، يمثل حجر الزاوية في سياستها الخارجية، في سبيل الحفاظ على النظام الدولي تحت الهيمنة الأمريكية
ثانياً: قضية تايوان والعلاقة الصينية-الهندية:
في العام 1948م، وحينما تم اختيار(شنغ كأي شيك)رئيساً للجمهورية، اندلعت بينه وبين القوات الشيوعية بقيادة(ماوتسي تونغ)، حرب أنتهت بانتصار الشيوعية، وأعلن(ماو)عن قيام جمهورية الصين الشعبية في العام 1949م، وانسحبت في أثر ذلك قوات(كاي شيك) إلى جزيرة تايوان، واعلن فيها قيام حكومة الصين الوطنية، ومنذ ذلك الوقت، وسمة التوتر هي الغالبة على العلاقات الصينية-التايوانية، فالصين من جهتها تعد تايوان جزءاً من الوطن الام، وتطالب بضمها إليها. أما تايوان فتؤكد رفضها سياسة الصين الواحدة، وتعلن رغبتها في استمرار الاستقلال، وقد ادى ذلك إلى قيام حالات من التوتر الشديد بين الطرفين كان ابرزها: ما حصل في العام1999م، عندما أعلن الرئيس التايواني(لي شنغ هوي): رفضه سياسة الصين الواحدة وطالب بالتفاوض على أساس دولة مقابل دولة.
أن الصين لم تكون راضية على أن تتعامل مع تايوان كدولة مستقلة، فقد انتقدت تصريحات الرئيس التايواني(لي شنغ هوي)، بحيث وصل الامر بها إلى التلويح على استخدام القوة، وبدأت الصين بمناورات عسكرية واسعه النطاق في منطقة شرق الصين، فضلاً عن أن من الامور التي ساعدت على توتر العلاقات بين البلدين هي تلك التي قامت بها الولايات المتحدة من دعم عسكري لتايوان، والعمل على تطوير القدرات العسكرية، وتزويدها بالأسلحة للدفاع عن نفسها في إطار إتفاق تعاون مشترك وقع بين الطرفين في العام 1979م، وهذا ما يثير حفيظة الصين وان المخاوف الصينية منذ مستهل الألفية الجديدة من الدعم الأمريكي لتايوان هو الخشية من أمكانية أمتداد الدرع الصاروخي ليشمل تايوان، الامر الذي سيؤدي إلى: تعزيز القدرات الصاروخية الدفاعية لتايوان والذي يعني: مقاومة الضغط الصيني لإعادة توحيد الاراضي الصينية.
أما بالنسبة للعلاقات الصينية–الهندية، فإنّ الهند تحتل مكانة مهمة في المجتمع الدولي، وهي ذات حضارة عريقة، ولها لغات ولهجات متعددة، فضلاً عن العقائد الدينية المتباينة التي لم تكن يوماً سبباً في حدوث هزات عنيفة داخل النظام السياسي الهندي، فالهند ضخمة في كل شيء في مساحتها التي تبلغ (3,288)مليون كم2 ولغاتها التي لا تقل عن(225) لغة، وامتدادها الجغرافي حيث وسط آسيا وجنوب شرق آسيا وإطلالتها الكبرى على المحيط الهندي.(1)
وتُعدّ الصين من الدول المجاورة للهند التي تشترك معها بحدود طويلة من الشمال والشمال الشرقي، وتعد الصين من العوامل الخارجية المؤثرة في السياسة الهندية، إذ تشكل تهديداً للنفوذ الهندي، فكان الوضع تنافسياً بين الدولتين لمدة طويلة الأمد، وميزة العلاقة بين الدولتين هو: تأرجحها، وسبب هذا التأرجح في العلاقة بين الدولتين هو: إعتقاد القادة الهنود بأنّ الصين تستخدم باكستان ضد الهند والحيلولة دون صعودها كمنافس محتمل لها، وفرض نفسها بصفتها القوة المهيمنة في منطقة جنوب آسيا.
وبعد إنتهاء الحرب الباردة حدث تغير في السياسة الصينية، إتجاه الهند قائمُ على أساس: الرغبة بحل خلافاتها مع هذه الدولة، عن طريق طرحها القائم على أساس الحصول على تنازلات هندية في الجبهة الشرقية المتمثلة بالحدود المحصورة بين شمال شرق إقليم أسام الهندي، وجنوب إقليم التبت الصيني، مقابل تنازلات تقدمها الصين إلى الهند في الجبهة الغربية في إقليم كشمير، هذا الطرح الذي تجده الهند لا يصب في خدمة مصالحه، ويحقق مكاسب إستراتيجية للصين، فضلاً عن قضية التبت التي تبرز الخلافات من آن لآخر بين الدولتين، فالصين تعدّ الانفصاليين التبتيين المقيمين في الهند، وزعيمهم الروحي(الدالاي لاما)منذ العام 1959م، يشكلون خطراً مباشراً على الاستقرار في التبت، وعلى الأمن في جنوب الصين.
بمعنى: ان الهند تشارك في ادامة عوامل عدم الاستقرار في إقليم التبت، حيث اتجهت الصين في توجهاتها الخارجية تجاه الهند من موقع التصادم إلى التعاون، وتمخض ذلك في توقيع العديد من الاتفاقيات منها: إتفاقية حفظ السلام والهدوء في العام 1993م، وإتفاقية مقاييس بناء الثقة في العام 1996م، وتدشين حوار أمني بين الطرفين في العامي(1999م-2000م)، كل ذلك أدى إلى: إعتراف الهند الرسمي بسيادة الصين على التبت، وإعتراف الصين بسيادة الهند على مملكة “سيمكيم” السابقة، والشروع في حل مشكلة الحدود بين البلدين على أساس مبدأ التعايش السلمي، واتفاق الدولتين في آذار من العام 2004م، على توطيد العلاقات العسكرية عَبَرَ تبادل الخبرات والتدريبات، كما أن السياسة الخارجية الصينية تهدف إلى: تدعيم المكانة القومية بتحسين وتنويع العلاقات الخارجية لاسيما بعد إنتهاء الحرب الباردة مع دول الجوار، كالذي حصل مع الهند رغبة منها في تأكيد مبدأ(الصعود السلمي للصين).
كما أن إختفاء المنافسة الأمريكية-السوفيتية، قد استغلت من قَبِلِ الهند وباكستان، بحيث لا تستطيع أي دولة منهما الآن الاعتماد على المساعدة التلقائية لإحدى القوتين العظيمتين كما كانتا تفعلان في حقبة الحرب الباردة، فقد تقلصت دوافع الولايات المتحدة الأمريكية لمساندة باكستان عسكرياً في تنافسها الأمني مع الهند، وبالمثل فقدت الهند راع لها، فقد زال التأييد السوفيتي الدبلوماسي والسياسي والمادي الذي كان حيوياً للحفاظ على القدرات العسكرية الهندية في وجه الصين وباكستان، وأدركت الهند: ان زوال الاتحاد السوفيتي، وبروز الصين يعنيان ضمنياً: أن أي مزاعم مستقبلية بالهيمنة ستواجه معارضة صينية محتملة، فالصين هي الطرف الفاعل الوحيد القريب من الهند والذي يملك القدرة على تحطيم المزاعم الهندية بالهيمنة
أما بالنسبة لتأثير قضية تايوان والعلاقات الصينية-الهندية على مسار العلاقة الروسية-الصينية، فإنّ روسيا قد تعاملت بحذر وذكاء اتجاه تلك المتغيرات المهمة، وخاصة أنهّا ترى في اعترافها للصين بأحقية استعادة تايوان وتوحيد الصين وتحقيق مشروع الصين الموحدة قد يدفع بالعلاقات بين البلدين إلى الأمام، خاصة في ظل الاوضاع الدولية وهي تتطلع للقيام بدور عالمي مؤثر يوازي قدراتها، حيث تعتبر قضية تايوان بمثابة(بيضة القبان)التي تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية في ممارسة التأثير على الصين من خلال الدعم العسكري والأمني لها، وهذا ما سيجعل من التقارب الروسي-الصيني أمراً لا محال منه، للوقوف بوجه التدخلات الأمريكية في مناطق النفوذ الصيني وكذلك الروسي في مناطق جنوب وشرق آسيا، وكذلك آسيا الوسطى.
كما أن روسيا والصين هما متخوفان من التغلغل الأمريكي من بوابة تايوان، خصوصاً في قضية الدرع الصاروخي التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية نشرة في مناطق النفوذ الروسي والصيني في آسيا، أما الهند وعلاقتها مع الصين وتأثيرها على العلاقات الروسية-الصينية، ليست أقل تأثير وأهمية عن المتغير الأول، أي تايوان، فهي تؤثر في طبيعة العلاقة بين روسيا والصين بالشكل الذي قد يزعج روسيا خاصة عندما يحدث تقارب وتعاون بين كل من: الهند والصين، لأن ذلك يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة على حساب روسيا، هذا من جانب، وكذلك إن تأثير الصراع الصيني-الهندي لن تكون حدوده بين هاتين الدولتين فقط، بل أبعد من ذلك، وأقوى تأثير هو الذي سيطال مجموعة “البريكس” وهو تحالف يضم الدول الأكثر نمواً في العالم وهي:(البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا)، الأمر الذي ينذر بضعف سيلحق بهذه المنظمة، والتي تهدف إلى: إلغاء القطب الواحد(الأميركي) في القيادة العالمية، من جانب آخر، كما نرى أن أحد أهداف الولايات المتحدة الإستراتيجية من إقحام الهند في هذه المنطقة هو: إضعاف المنظمة والقضاء عليها بعد خلق نزاع بين العملاقين، وبذلك تخلصت واشنطن من قوتين تهددان الهيمنة الأميركية على العالم بضربة واحدة.
المتغيرات العسكرية والأمنية الإقليمية والدولية:
أن تأثير البيئة الإقليمية والدولية في العلاقات الروسية-الصينية، كان واضحا،ً خاصة بعد دراسة أهم المتغيرات المؤثرة في العلاقة بين البلدين في جانبها السياسي سواء أكان على الصعيد الإقليمي أو على الصعيد الدولي، وأن المتغيرات العسكرية ليست بمنعزل عن المتغيرات التي سبقتها، إذ نرى: أنّ للمتغير العسكري أثر واضح على العلاقات الدولية بصورة عامة والعلاقات الروسية-الصينية بصورة خاصة، وفي هذا الصدد سوف نتطرق إلى قضية الدرع الصاروخي الأمريكي والاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان كنموذجين لكي نفهم مدى تأثير المتغيرات العسكرية والأمنية في تلك العلاقة.
أولاً: قضية الدرع الصاروخي الأمريكي:
أن فكرة مشروع الدرع الصاروخي بدأت في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق(ريغان) في آذار من العام 1983م، وهو: نظام يتم فيه بناء شبكات حماية مكونة من أنظمة صواريخ ارضية مستندة إلى نقاط ارتكاز جغرافية عدة، قادرة على أسقاط أي صاروخ بالستي عابر للقارات يستهدف اراضي الولايات المتحدة الأمريكية أو حلفائها.
أن قضية الدرع الصاروخي الأمريكي التي أعلنت عنها الولايات المتحدة الأمريكية في كانون الثاني من العام2007م، لإقامة درع مضاد للصواريخ تتضمن نظاماً لرادار مضاد للصواريخ في جمهورية التشيك ونشر عشر بطاريات من الصواريخ المضادة في بولندا، إذ تقوم خطة الدرع على نظام الإنذار المبكر وهي مصممة لاعتراض الصواريخ العابرة للقارات، حيث يقوم الصاروخ الاعتراضي باعتراض الصاروخ العابر للقارات وتفجيره في الفضاء قبل وصوله إلى هدفه في الارض، وهذا ما أثار حفيظة وانتقادات واسعة من قبل الجهات الروسية.
حيث عارضت روسيا إنشاء الولايات المتحدة الأمريكية للدرع الصاروخية ومحطة الرادار في بولندا وجمهورية التشيك، كونها ترى فيه خطراً على أمنها القومي، كما أنها موجهة ضد روسيا، وليس ضد إيران كما تزعم واشنطن: بأنّ إقامة نظام دفاعي مضاد للصواريخ سيحميها من صواريخ بالستية إيرانية مزودة برؤوس نووية، حيث تعارض روسيا هذا المشروع وهي تؤكد أنها على جاهزية لأن تقف وجهاً لوجه ضد المشروع الأميركي، وأنها مستعدة لاحتمالات المواجهة العسكرية رداً على منظومة الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا.
إذ إتجهت الولايات المتحدة الأمريكية في بعض الأحيان إلى إتباع سياسة تفضيلية من خلال التقارب مع بعض الدول الاشتراكية التي كانت تقع ضمن الاتحاد السوفيتي، وتحسين علاقاتها معها وتشجيعها على القيام بإصلاحات جديدة في نظام الحكم وفق المنظور الغربي الأمريكي، على اساس: أنه النموذج الوحيد في العالم الذي خرج منتصراً في الحرب الباردة، حيث يشكل التركيز على التفوق العسكري الهدف الأساس من وراء الدرع الصاروخي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.
ان الخلاف الناشب بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بخصوص الدرع الصاروخي يُعدّ الخلاف الاكثر حدة وخطورة بين الجانبين منذ إنتهاء الحرب الباردة، متجاوزا بذلك العديد من الخلافات السابقة بينهما، سواء أكانت تلك التي نشبت بشأن توسيع حلف الناتو شرقاً أو بسبب حملة الحلف على صربيا أو بخصوص الحرب الأمريكية على العراق.
أذ تبدو كافة الخلافات السابقة محدودة بالمقارنة مع الخلاف القائم بشان الدرع الصاروخي، والذي أكدت أدارة الرئيس(بوش الأبن)على كونه امراً حيوياً لحماية الأمن القومي الأمريكي، ولعل أبرز مبررات(بوش الأبن) في إعادة بناء شبكة الدرع الصاروخي هي: اولاً/بروز دول مارقة أو دول محور الشر كما اسماه(بوش الأبن)، حيث أصبحت تمتلك صواريخ قادرة على تهديد الأمن القومي الأمريكي مثل: كوريا الشمالية وإيران، ثانياً/حماية أمن الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق اعتبار(بوش الأبن) أن معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ الموقعة في العام 1972م بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أصبحت من الماضي، على الرغم من إن بنودها عمداً قصدت إبقاء الأجواء مفتوحة وغير محمية بهدف إيجاد ردع متبادل، ثالثاً/أحداث 11أيلول من العام 2001م.
في حين تراه روسيا: تهديدا خطيراً للتوازن الاستراتيجي العالمي لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، وهي مخاوف لا تطرحها روسيا فقط، وإنمّا تشاركها فيها العديد من القوى الدولية الاخرى بما في ذلك الصين، حيث أسهمت قضية الدرع الصاروخي الأمريكي في تعزيز التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا من خلال تعزيز الإدارة الأمريكية لموقفها في المنطقة.
كما ترى روسيا: بأن دفاعاً صاروخياً مشتركاً يتلائم مع العلاقة الجديدة من الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بشكل أفضل من البرنامج الأحادي الجانب، إذ ترى روسيا أن قيام منظمة جماعية للدفاع الصاروخي تحمي بشكل مضمون ليس الولايات المتحدة الأمريكية فقط، بل كافة الدول من أي هجوم نووي محتمل.
أما بالنسبة للصين فقد عارضت مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي، مُعده إياه خطوة غير جيدة تفتح الطريق قبالة سباق تسلح جديد بما يهدد السلم والاستقرار العالميين، كما تُعدّه خطوة تؤدي إلى حدوث خلل في التوازنات الدولية، ويقلل من إمكانية تقليص ترسانات الأسلحة النووية في العالم، وترى الصين في هذا النظام انّه لن يقتصر على حماية الأراضي الأميركية تحديداً، وأنه لن يكون سوى المرحلة الأولى من إستراتيجية أمنية أميركية أخطر مما قد يبدو للوهلة الأولى وسيكون هناك مراحل لاحقة في سياق هذه الإستراتيجية تهدف إلى: توفير غطاء مماثل من الدفاع الصاروخي لحلفاء واشنطن البعيدين عنها جغرافيا: مثل اليابان وتايوان، أي على حدود الصين وفي فضائها الحيوي، وبما يحبط تفوقها الإقليمي.(ورداً على المعارضة الواضحة للمشروع صرح الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية، إذ قال: أن قيام الدرع الصاروخي الأمريكي يكون له إثار سلبية في الاستقرار الإقليمي، حيث أن الصين تخشى من دخول تايوان في منظومة الدرع الصاروخي؛ لأن ذلك سوف يعقد أو بالأحرى استحاله استرداد تايوان للصين).
أن الدرع الصاروخي الأمريكي يعمل على الإخلال بالتوازن الإستراتيجي تحديداً مع روسيا والصين بشكل لا يمكن احتماله من قَبِل هاتين الدولتين، فمن ناحية عملية وفي حال استكمال تطبيقه يوفر للولايات المتحدة الأمريكية تفوقاً إستراتيجياً غير مسبوق على هاتين الدولتين تاركا إياهما مكشوفتي الظهر استراتيجياً إلى درجة انكشاف قصوى لم تصلاها في أقصى درجات التوتر في حقبة الحرب الباردة، إذ عبر استخدام هذا النظام تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية إسقاط أي صاروخ بالستي ينطلق إليها، نظرياً من روسيا والصين، في حين لا تستطيع أي من هاتين الدولتين إسقاط أي صاروخ أميركي من المستوى البالستي نفسه مالم ينطلقا في برامج تسلح متشابهة أي أنه في الوقت الذي تكون فيه الولايات المتحدة بمنأى عن أي هجوم صاروخي خارجي؛ لأنها تستطيع صده فإن بلدان العالم كافة تكون معرضة لأي هجوم صاروخي أميركي لأن أيا من دول العالم لا تمتلك قدرة الصد نفسها التي تمتلكها الولايات المتحدة وهذا وضع إستراتيجي مختل لم يحصل في أي وقت في العقود الماضية التي تلت الحرب العالمية الثانية.(
ويمكن القول: إن البعد الاستراتيجي لمشروع الدفاع الصاروخي الأمريكي يعكس رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في ترسيخ الأنفراد الدولي باستخدام القوة، وأنه يشكل خللاً في التوازن الاستراتيجي لصالح الولايات المتحدة على حساب كل من: روسيا والصين، كما ان المشروع سوف يؤمن للولايات المتحدة تفوقاً واضحاً على خصومها، ويضعهم تحت المظلة الدفاعية والابتزاز الأمريكي هذا من جانب، ومن جانب أخر سيطلق هذا المشروع من جديد سباق التسلح مع كل من: روسيا والصين، إذ نرى: إنّ الموقف الروسي-الصيني الدرع الصاروخي هو: موقفاً يكاد يكون واحداً رافض المشروع، وأن قضية الدرع الصاروخي الأمريكي جعلت من العلاقات الروسية-الصينية في الجانب العسكري والأمني تقوى بشكل كبير، وكذلك ساعد الدولتين في الدخول في إطار تفاهمات استراتيجية وأمنية في ظل التطورات التي تشهدها الساحة الدولية.(
ثانياً: الإحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان:
فرضت أحداث 11أيلول من العام 2001م، والتي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية أولويات مختلفة على التوجهات العامة لسياستها الخارجية، فقد أعطت الأولوية لمكافحة الإرهاب وبناء تحالف دولي لحصاره؛ لأن ذلك يساعدها على فرض هيمنتها وقيادتها على العالم، ويكون ذلك على حساب الصراع أو التنافس الاستراتيجي مع كل من: روسيا والصين، ففي بداية الامر كان هناك ترحيب واسع من قَبِل روسيا والصين في قضية مكافحة الارهاب مع الولايات المتحدة الأمريكية، والعمل المشترك من أجل حفظ السلم والاستقرار الدوليين.
ويُعدّ الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان من بين المتغيرات العسكرية والأمنية الدولية التي كان لها أثر على النظام الدولي، لقد مثل التورط العسكري الأمريكي المباشر في العراق وأفغانستان عبئاً على فاعلية دورها، وبدت الإدارة الأمريكية كما لو أنها غارقة في تفاصيل مشهد سياسي لا يمكن ضبطه، هذا ما فرض تغييراً في التخطيط الاستراتيجي، بدأت معالمه تتضح في نهاية عهد الرئيس السابق(بوش) في العام 2007م، باعتماد(استراتيجية الحرب الوقائية)، ومن خلال ذلك أدركت الدول العظمى حقيقة التورط الأمريكي ونتائجه السلبية خصوصاً في العراق.
أن تطورات الأحداث وإصرار الرئيس الروسي(بوتين)على تمايز دور بلاده، ووقوفه بوجه التفرد والهيمنة الأمريكية على العالم، أدت إلى إعلان معارضته الشديدة للغزو الأمريكي على العراق في العام 2003م، بدون ترخيص من مجلس الأمن، إذ صوتت كل من: روسيا والصين بمجلس الأمن ضد القرار، وفي هذا الميدان نسقت روسيا سياساتها مع ما بدأ لها: أنه معارضة ألمانية-فرنسية للسياسة الأمريكية ضد تشريع العدوان إلى جانب الصين.
إذ عُــــــــدّت كل من: روسيا والصين أن الاصرار الأمريكي على غزو العراق من طرف واحد سوف يعمل على إنهيار التحالف الدولي الموجه ضد قضية الارهاب، بحيث إستغلت روسيا ذلك لاستعادة مكانتها كفاعل دولي يستطيع ان يوازن الدور الأمريكي في محاور جغرافية عـــــــــــــدة.
كما أن الحرب الأمريكية على أفغانستان أدت إلى إحداث تغيرات واسعة في التفاعلات الإقليمية في آسيا الوسطى، فقد عملت الولايات المتحدة الأمريكية على خلق تحالفات استراتيجية في المنطقة: الأول/هو تحالف لا يمكن وصفه بالاستراتيجي، مثل تحالفها مع باكستان والصين، والثاني/تحالف استراتيجي مع اليابان والهند وإندونيسيا، حيث أصبح للوجود الأمريكي في أفغانستان تأثير ومردوداً مباشر على منطقة آسيا الوسطى وبحر قزوين، بمعنى: أن الوجود الأمريكي قد أحدث الكثير من التغيرات في الموازنات، والحسابات الخاصة بهذه المنطقة وثرواتها، حيث أدى ذلك الوجود الأمريكي بالدفع نحو إيجاد توازنات جديدة تهدف غالبيتها في معادلة المصالح الاقتصادية الجوهرية للولايات المتحدة الأمريكية وبالتأثير النفسي المتعلق بالهيمنة الأمريكية.
ان الموقف الروسي الصيني من الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، وعلى الرغم من الدعم والموافقة على مكافحة الارهاب والتطرف، والعمل على تحقيق الأمن والاستقرار الدوليين، إلاّ انهّما دعوا إلى تسوية سياسية للمشكلة الأفغانية تحت رعاية الأمم المتحدة، ووضع جدول زمني للانسحاب من العراق، وأن السبب في ذلك يكمن في: المخاوف الروسية-الصينية من التمركز الأمريكي في منطقة آسيا الوسطى، والسيطرة على نفط بحر قزوين، والتغلغل داخل منطقة الشرق الأوسط.
المتغيرات الاقتصادية الإقليمية والدولية:
لا يتوقف تأثير البيئتين: الإقليمية والدولية في العلاقات الروسية-الصينية على تأثير المتغير السياسي أو العسكري والأمني، وإنما أثرت المتغيرات الاقتصادية فيها أيضاً، ويظهر لنا متغيرين بارزين في هذا المجال هما: الاتحاد الأوروبي والتنافس على منطقة بحر قزوين.
أولاً: الاتحاد الأوروبي:
يُعدّ الاتحاد الاوروبي من أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم، وأكثرها إكتمالاً من حيث البنى والهياكل، ومن حيث الاستمرار في استكمال المسيرة التكاملية، فلا يكاد يمر حدث على المستوى الاوروبي إلاّ يؤكد: ان المسيرة الاوروبية تترك ورائها نزاعات تاريخية مريرة، وتتجمع حسب ما تمليه مصالحها المادية المتفاوتة، ويتحول الاتحاد الاوروبي بهذا المنظور إلى مجموعة دولية مهيمنة تتباين بصددها التنبؤات.
ونظراً لأن الاتحاد الأوروبي يمتد على مساحة تصل إلى(4,767,203)مليون كم2 أي ما نسبته(20%)من مساحة العالم، ويمتد من جزر(غرين لاند) شمالاً إلى جزيرة(مالطا)جنوباً ومن جبال(الأورال) شرقاً الى المحيط الأطلسي غرباً، وبذلك وفر له امتداده المكاني تنوع في الموارد الاقتصادية، لاسيما أن الاتحاد الأوروبي أصبح قوة اقتصادية مهمة بعد أن ضم(27) دولة، وبلغ تعداد سكانه بنحو نصف مليار نسمة، وبهذا تميز الاتحاد الأوروبي بخاصية جيواستراتيجية مهمة تفتقر اليها الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والصين وهي: وقوعه وسط العالم كجسر ما بين القارات، وان هذه العوامل بمجملها قد أثرت بصورة وبأخرى على مكانة الاتحاد الأوروبي بالسياسة الدولية.
ان الاتحاد الأوروبي يوصف على أنه: عملاق اقتصادي، وأكبر قوة تجارية في العالم، وهذا يجعله ينافس مع الولايات المتحدة الأمريكية والصين، حيث يسيطر الاتحاد الأوروبي على نحو(40%)من التجارة العالمية، إذ وصل قيمته نحو(9.145) ترليون دولار، بما شكل نسبة (27%)من الناتج العالمي في العام 2005م، مقارنة بالناتج القومي الأمريكي الذي وصلت قيمته نحو(10.601) ترليون دولار، بما شكل نسبة(30%)من الناتج العالمي للعام نفسه، وبذلك يأتي الاتحاد الأوروبي بالمرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية.(1) يُنظر إلى الشكل ادناه.
جدول(7) الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي للمدة ما بين الأعوام(2000-2012) مقاس بالنسب المئوية:
الأعوام متوسط(1995-2004) 2005 2006 2007 2008 2009 2010 2011 2012 الناتج المحلي الإجمالي 2,6 2,3 2,3 3,2 0,5 -4,2 2,0 1,6 -0,2
الجدول من أعداد الطالب وبالاعتماد على:
1.دراسة استقصائية للأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية، أفاق الاقتصاد العالمي، الواقع والمخاطر، ترجمة: (شعبة اللغة العربية أدارة التكنولوجيا والخدمات العامة)، صندوق النقد الدولي، أبريل2013، ص165-156.
2.أداء الاقتصاد الدولي، تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية2005، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2006، ص55.
وضمن التعاون المشترك بين روسيا والاتحاد الأوروبي يظهر ملف الطاقة كأساس في العلاقات، فروسيا عملاق نفطي يطرح بديلاً مهماً لنفط الشرق الأوسط بالنسبة لأوروبا، هذا ما اكده الرئيس الروسي: بأنّ روسيا هي دولة أورو-آسيوية، تنتمي إلى المجتمع الأوروبي ولها مصالح حيوية واستراتيجية مع الدول الأوروبية، ففي هذا المجال نرى: ان هناك العديد من المشروعات الروسية-الأوروبية المشتركة في مجال النفط والغاز الطبيعي، ومن أبرزها: مشروع أنبوب الشمال الأوروبي الروسي الألماني لنقل الغاز، وكذلك مشروع نقل الغاز الروسي عَبِرَ تركيا إلى أوروبا الجنوبية، حيث يُعدّ هذا المشروع المزود الرئيسي لأوروبا الجنوبية من الغاز والنفط الروسي، ففي هذا المجال نجحت روسيا في توظيف امدادات الطاقة لإعادة تفعيل مسارات استراتيجيتها الجديدة مع دول أوروبا والقارة الآسيوية، ولاسيما بعد وصول(بوتين).
وقد آثار النفوذ النفطي المتزايد لروسيا في الأسواق الأوروبية حفيظة الاتحاد الأوروبي، حيث أعلن عن تقليص دور شركة(غازبروم)الروسية في إمداد أوروبا بالغاز، وذلك عن طريق اللجوء إلى مصادر أخرى من آسيا الوسطى والقوقاز وإيران، فقد أستخدم الاتحاد الأوروبي الأسواق البديلة في آسيا الوسطى والقوقاز وإيران كورقة ضغط على روسيا، وعلى الرغم من كل تلك المحاولات لتأثير على روسيا تبقى روسيا مارداً نفطياً يتزايد نفوذه على نحو ملحوظ في مناطق أوروبا وآسيا.كما تحاول روسيا تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي ومحاولتها لانعاش الاقتصاد والتقارب معها، بذلك ارتبطت روسيا بالاتحاد الأوروبي بعلاقات تعاونية ومصالح حقيقية، ومنها التوسع في مجال التبادل التجاري، والتوسع في الاستثمارات المتبادلة، اذ شكل رأس المال الأوروبي(75%)من مجموعة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في روسيا، كما يعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريكاً تجارياً لروسيا حتى استأثر بنحو(51%)من الصادرات الروسية و(46%)من مجموع وارداتها في العام 2004م.
أما بخصوص العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والصين، وتأثيرها على العلاقات الروسية-الصينية، فهي علاقة ذات طابع متميز، إذ يرى الاتحاد الأوروبي: ان التطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الصين أمر هام للغاية بالنسبة لأوروبا، وأن الاتحاد الأوروبي يرغب في تسوية المشاكل في التعاون التجاري بين الجانبين من خلال الحوار والتشاور، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي مستعد لتعزيز التعاون مع الصين في مجال حماية حقوق الملكية الفكرية, هذا وقد شهدت العلاقات التجارية الصينية الأوروبية تطورا سريعا في السنوات الأخيرة حيث أصبح الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للصين في العامي(2004-2005)، أما الصين فقد أصبحت ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، وتجاوز إجمالي قيمة التبادلات التجارية بين الجانبين في العام 2006م، إلى نحو(210)مليار دولار أمريكي.
ان الصين تعول دائماً على أهمية وتطوير علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، فهي تأمل أن يؤدي الاتحاد الأوروبي دوراً إيجابياً في حفظ السلام العالمي، وتعزيز التعاون بين الشمال والجنوب والتنمية المشتركة، حيث ترغب الصين في تطوير شراكة ثابته وبناؤه وطويلة الأمد مع الأتحاد الأوروبي على أساس الاحترام المتبادل، والمساواة والمنفعة المتبادلة، حيث يُعدّ الأتحاد الأوروبي ثالث أكبر شريك تجاري وشريك مهمة في مجال الاستثمار للصين.
أما الموقف الصيني من توسع الاتحاد الأوروبي فهي أعربت عن أن يكون التوسع مقيد للسلم والاستقرار والرفاهية في أوروبا، بحيث يخدم التعاون المشترك المثمر بين الدول الأعضاء وغير الأعضاء بما فيهم الصين.
ويلاحظ: ان التكتل الاقتصادي الاوروبي يتخذ استراتيجية هجومية تجاه الاقتصاد العالمي، ويسعى بكل قوة الى أن يكون على رأس الشكل الهرمي للنظام الاقتصادي العالمي الجديد، ويمكن أن نتلمس ذلك بوضوح من خلال أهداف هذا التكتل، والتي وأن كانت تركز على تقوية الهياكل والبنى الاقتصادية للاتحاد إلاّ أنهّا تنص وبشكل صريح على: سعي الاتحاد الاوروبي على أن يلعب دوراً أكثر فاعلية في كافة المجالات العالمية الاقتصادية، بل وحتى السياسية، هذا ما يدعم فرضية الترابط بين ظاهرة تنامي التكتلات الاقتصادية، وما يشهده العالم من عولمة اقتصادية على جميع الاصعدة.
لقد أدركت كل من: روسيا والصين أنه ليس هناك خيار قبالهم سوى التمسك بالاتحاد الأوروبي من أجل تحقيق الأمن والاستقرار وانعاش اقتصادهما وإعادة مكانتهم وهيبتهم الدولية، خاصة بعد الأزمة التي ضربت الاقتصاد العالمي في العام 2008م، وما نتج عنها تخبط وضعف وانحلال في أغلب بلدان العالم، على الرغم من أن تأثير الأزمة على روسيا والصين كان بدرجة أقل مما كان عليه كل من: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الاوروبي وبقه الدول العالم، لاسيما ان القيادة الروسية والصينية باتت مدركة: أن أوروبا لديها الحلول القادرة على دعم روسيا والصين في القضايا المحلية والدولية وخاصة الاقتصادية منها، وبغية تحقيق ذلك فإنّ روسيا انتهجت سياسة خارجية متعددة الاتجاهات وتطوير علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي على أساس ثنائي، إذ عملت على توقيع اتفاقيات اقتصادية في سبيل تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية والتي سوف تنعكس على الروابط السياسية والعلاقات الروسية–الأوروبية بمجملها.
ثانياً: التنافس على منطقة بحر قزوين:
بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، وانفراط عقد الجمهوريات التي كانت تشكله، وبروز جمهوريات جديدة على المسرح الدولي، وبخاصة تلك الواقعة في آسيا الوسطى والقوقاز، ظهرت أهمية بحر قزوين كمركز جذب ونزاع إقليمي بالنسبة الى الدول المحيطة، وواحدة من مراكز النزاع الدولية بالنسبة إلى دول أبعد، وذلك بسبب ما يحتويه هذا البحر من موارد وثـروات متنـوعة للطاقة، تسعى دول العالم الفاعلة للحصول عليها، لما لها من أهمية بالنسبة إلى اقتصـادات هـذه الدول وأمنها الاستراتيجي والاقتصادي، حيث يرتكز الصراع أساساً حول ثروات بحر قزوين التي يأتي في مقدمتها: النفط والغاز، ويعد بحر قزوين أكبر مسطح مائي مغلق على سطح الأرض، وتحيط به روسيا وإيران وكازاخستان وتركمانستان وأذربيجان ويبلغ طولة نحو(10224)كم2، وبمساحة كلية تصل إلى نحو(436)كم2، ويبلغ متوسط عمقه نحو(180) متراً.
وبدأ يكتسب هذا الإقليم الجغرافي اهتماماً واسعاً من المجتمع الدولي في ضوء الأوضاع التي شهدها العالم منذ العام 1991م، فقد كشف تفكك الاتحاد السوفيتي عن واحدة من المناطق المهمة في مجال الطاقة، وتشير التقديرات إلى أن منطقة بحر قزوين تحتوي على ما يقارب من (250)مليار برميل من النفط القابل للاستخراج، كما تقدر كمية الاحتياطي المحتملة بأكثر من (200)مليار برميل، وتعد الدول المتشاطئة لبحر قزوين، والتي كانت جزاءً من الاتحاد السوفيتي السابق محور اهتمام الشركات العاملة في البحث والتنقيب واستخراج النفط والغاز.
وتُعدّ منطقة بحر قزوين منطقة تنافس وصراع بين عدة دول من أجل النفوذ، ولا يتوقف الأمر على ثروات المنطقة فحسب، بل هناك تنافس وصراع من أجل السيطرة على مسارات خطوط الأنابيب من حوض قزوين إلى الأسواق العالمية، وكذلك لا تمثل خطوط الأنابيب لروسيا مصدراً للدخل فحسب، بل تؤمن لروسيا قبضة محكمة تجاه الجمهوريات السوفيتية السابقة، والواقعة إلى الجنوب منها، وهذا هو بالضبط سبب تصميم الولايات المتحدة الأمريكية على إزالة سيطرة روسيا على تدفق الطاقة.
حيث اكتسبت منطقة بحر قزوين مكانة مهمة في الادراك الاستراتيجي الأمريكي، خاصة بعد أحداث 11أيلول من العام 2001م، وذلك عن طريق: تعزيز التحالفات الأمنية في المنطقة، ومنع بروز قوة منافسة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة(روسيا-الصين)، وكذلك إمكانية التحكم بمسارات أنابيب الطاقة من حوض بحر قزوين إلى الأسواق العالمية في إطار إستراتيجية التنافس الدولي والإقليمي للسيطرة على المنطقة، أيجاد التوازن بين منطقة بحر قزوين ومنطقة الخليج العربي بحيث لا تعود منطقة الخليج العربي تتمتع بالمزايا الإستراتيجية الراهنة مع ضمان تدفق نفط بحر قزوين إلى العالم عن طريق أيدي أمريكية، وتزداد أهمية هذه المنطقة إذا ما علمنا التقديرات الأمريكية الخاصة باحتياطي النفط الخاص بها، والتي تفوق تقديرات منظمة الطاقة الدولية لتصل إلى(200)مليار برميل، ولعل ذلك يفسر الاهتمام الأمريكي المتزايد بالمنطقة قبل وبعد أحداث 11أيلول 2001م، فإلى جانب الدول الخمس المطلة على ذلك البحر الضيق تدخل دول أخرى من خارج المنطقة تحاول السيطرة على موارد تلك المنطقة من خلال التعامل مع تلك الدول من جهة، وتغذي خلافاتها من جهة أخرى بصورة تضمن بقاء مصالحها في بحر قزوين وآسيا الوسطى والقوقاز كلها، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا أهم هذه الأطراف، فضلاً عن عدد من الدول الأوروبية التي تعاني نقصاً حاداً في مصادر الطاقة.
أن الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من بُعدها عن المنطقة ومجازفتها بصون التعددية الجيوسياسية في أورآسيا ما بعد العهد السوفيتي، فهي تلوح في الخلف بوصفها لاعباً مهماً بشكل متزايد إن لم يكن لاعباً مباشراً، مهمته بوضوح ليس تطوير موارد المنطقة وحسب، بل أيضاً منع روسيا من الهيمنة وحدها على الساحة الجيوسياسية للمنطقة.
كما ان دخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى أفغانستان في أعقاب أحداث 11/أيلول من العام 2001م، ثم دخول حلف الناتو لم يكن فقط للقضاء على الإرهاب كما هو معلن فقط، بل ثمة هدف خفي آخر، هو: نصب المزيد من الصواريخ، في جمهوريات آسيا الوسطى، المتاخمة لحدود روسيا الجنوبية، وفي كازاخستان، المُتاخمة للحدود الصين الغربية، ومن ثم محاصرة كل من: روسيا والصين، والاقتراب من الهند، وإيران، والسيطرة على طُرق نفط بحر قزوين.
ولا يتوقف الأمر على ذلك، أنما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة والنفوذ على المنطقة، وأن تلك السيطرة تتم في إطار استراتيجيتين: الأولى/تعمل على منع اشتراك إيران في أي مشروع نفطي، والثانية/تقويض الدور الروسي المتزايد اقتصادياً وسياسياً في المنطقة، وهو ما يعكس ازدياد معدلات إهتمام السياسة الخارجية الأمريكية بمنطقة بحر قزوين والقوقاز في العقدين الأخيرين.
أما بالنسبة لروسيا فأنها تُعدّ منطقة بحر قزوين ذات أهمية كبيرة، لأن لروسيا مصالح جيو-استراتيجة تتمثل بـــــــــــــ: رغبة البقاء قوية في المنطقة عن طريق التقارب مع دول الكومنولث المستقلة التي كانت في السابق جزءاً من الاتحاد السوفيتي، فضلاً عن تأمين جناحها الجنوبي، أن روسيا قلقة بشأن تحالف الولايات المتحدة الأمريكية وأذربيجان وتركيا، حيث تنظر إلى هذا التكتل على أنه موجه بالدرجة الأولى ضد نفوذها في منطقة بحر قزوين، وإعاده توجيه المصالح الاقتصادية لدول الكومنولث المستقلة باتجاه الاستثمارات الأمريكية والغرب بوجه خاص.
وتأتي في مقدمة الأهداف الاستراتيجية لروسيا في بحر قزوين هي: ضمان الاحتياطي النفطي اللازم لمسيرة التنمية الاقتصادية، خاصة أن حصتها من الميزان النفطي الاحتياطي العالمي ما يمثل(1.5%)إلى(4%)من الاحتياطات العالمية النفطية، فضلاً عن احتياطات الغاز الطبيعي ما يمثل(6%)إلى(7%)من الاحتياطات العالمية للغاز، مما يفرض عليها إيجاد خطوات أكثر فعالية لتأمين حقول النفط والغاز، وكذلك مواجهة التدخل الغربي الذي يعمل على ضمان ما يسمى بـــــــــــــــ(أمن الطاقة الأوروبي المستقبلي)، وأيضاً تعمل على مواجهة المشروع التركي الذي يتمدد على الحدود الشمالية الإيرانية، مما يمثل تهديداً فعلياً لحليف روسيا في منطقة القوقاز-إيران، ومواجهة الولوج الأمريكي للمنطقة عن طريق الحليفة الاستراتيجية لها(أذربيجان)التي استولت على أكثر أجزاء بحر قزوين غنى بالنفط دون أن يتم التنسيق بينها وبين الدول الأخرى.
أما بالنسبة للصين ودورها في منطقة بحر قزوين، فإنّ من أولى اهتماماتها في تلك المنطقة هي: الاستثمار، حيث انها تشترك معها بحدود طويلة خاصة مع كازخستان التي تعدّ البوابة الرئيسة للصين في منطقة بحر قزوين، إذ نرى أن هناك اتفاقيات مشتركة بين الصين ودول المنطقة في مجال الاستثمار وغيرها من المجالات الأخرى.
ويبدو أن الصين لديها ثلاثة أهداف واسعة النطاق في منطقة بحر قزوين التي ترتبط بمصالحها في آسيا الوسطى وهي
أولاً: توفير الأمن للمنطقة، وإرساء الاستقرار في اقليم سينكيانغ.
ثانياً: الوصول إلى الموارد الطبيعية.
ثالثاً: توطيد النفوذ السياسي لكي تصبح ذات هيمنة إقليمية من خلال إطار العمل السياسي لــــــــــــ(منظمة شنغهاي للتعاون).
ومما سبق يلاحظ: أن منطقة بحر قزوين قد أثرت على العلاقة ما بين كل من: روسيا والصين، حيث تُعدّ روسيا هذه المنطقة على وفق الفكر الاستراتيجي الروسي أمناً قومياً، لكونها تمثل خاصرة روسيا، كما أنها تمثل مورداً اقتصادياً كبيراً للدولة الروسية.
ولذلك فإنّ البُعد القانوني لبحر قزوين يتمثل في أن روسيا تحاول أن تكون المنطقة إقليمية بحتة، يتم التوافق على حلها عن طريق إتفاقيات ثنائية تؤمن السيطرة على هذه المنطقة ودون السماح لأية قوة خارج الإقليم أن تتدخل وتفرض واقعاً قانونياً على هذه المنطقة، وهو ما تحاول الولايات المتحدة الأمريكية استثماره عن طريق شركاتها وعبر توقيع اتفاقيات ثنائية مع الدول المتشاطئة لتتمكن من النفاذ إلى المنطقة، ولذلك: فقد اندفعت شركات النفط الأمريكية لاستثمار مليارات الدولارات في كل من: أذربيجان وكازاخستان بصورة كبيرة، وتمكنت الولايات المتحدة الأمريكية بإستخدام نفوذها السياسي من النفوذ بنصيب الأسد في حقول أذربيجان، وبذلك خرقت البعد القانوني سياسياً.
أما بخصوص تأثير منطقة بحر قزوين في العلاقات الروسية-الصينية، نرى: أن تلك المنطقة تمثل متغيراً اقتصادياً مؤثراً في العلاقات الدولية بصورة عامة، والروسية-الصينية بصورة خاصة، حيث تركز اهتمام العديد من القوى الإقليمية والدولية منذ عدة سنوات على منطقة بحر قزوين التي تكون جوهر منطقة قلب أورآسيا، وظهرت تحركات دولية وإقليمية واسعة النطاق تجاه هذه المنطقة، إدراكاً من القوى المنافسة لأهمية المكاسب التي ستجنيها من سياساتها فيها، فإلى جانب الأهمية الاقتصادية التي تتمتع بها المنطقة، فهي تتمتع أيضاً بأهمية جيوستراتيجية مؤثرة في التوازنات الإقليمية والدولية، حيث لكل قوة من القوى الدولية المتنافسة رؤيتها الخاصة بها تجاه المنطقة.
في نهاية هذا الفصل، تبقى المتغيرات تؤثر في نمط أي علاقة تحدث في الساحة الدولية، ولكن توجد فوارق بين تأثير كل متغير من المتغيرات السابق المذكورة على العلاقة بين الدولتين سواء أكانت علاقة تعاون أم تنافس، وبعد دراسة المتغيرات المؤثرة في العلاقات الروسية-الصينية، ينبغي للباحث فهم: كيفية تأثير تلك المتغيرات على العلاقة بين الدولتين، خاصة واننا ندرس علاقة بين دولتين لهما تاريخ مهم في العلاقات الدولية، وتربطهما حدود ومصالح مشتركة سواء أكانت تلك المصالح على الصعيد الداخلي أم على الصعيدين: الإقليمي والدولي.
ومما تقدم تبين لنا: أن المتغيرات التي تحدث في الساحة الدولية سواء أكانت في بيئتها الداخلية المتمثلة بالمتغيرات التاريخية أم الاقتصادية أم العسكرية والأمنية أم الثقافية والحضارية، هي لها تأثير مباشر على العلاقة بين روسيا والصين، فضلاً عن تأثير المتغيرات الإقليمية والدولية، بالشكل الذي قد يدفع بالعلاقة نحو التعاون أو التنافس وفق مقتضيات تأثير تلك المتغيرات.
تابع…الصفحة التالية
مظاهر العلاقات الروسية – الصينية: السياسية، العسكرية، الأمنية والثقافية
لطالما كانت التحالفات عنصراً هاماً في الحصول على القوة والأمن والمكانة في المجتمع الدولي، والاحتفاظ بها، فكلها تصب بطريق واحد تحقق فيه الدول مصالحها عن طريقه وبحسب الظاهر يبدو من الواضح أكثر فأكثر: ان لا دولة يمكنها الثبات في النظام الدولي بمفردها، لقد أصبحت الصين قوة كبرى مع إمكانية منافسة الولايات المتحدة الأمريكية وقوى غربية أخرى تعتمد وبدون تردد، على التحالفات، وبالتالي، لن يكون الأمر إستثنائياً بالنسبة للقيادة الصينية استكشاف احتمال القيام بتحالفات مع دول أخرى نظيرة لها متمثلة بروسيا،
فروسيا والصين تتشاركان بعض القواسم المشتركة، لديهما نوع متشابه من النظام، تصنف كلاهما كقوتين عظمتين لديهما جيوش ضخمة، وهما دولتان نوويتان، وأيضاً من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ولهما حق النقض(الفيتو)، وغالباً ما تريا نفسيهما على طرفي نقيض مع الولايات المتحدة الأمريكية ومعارضتها في الهيمنة على العالم والدعوة إلى نظام متعدد الاقطاب، وتفعيل دور المنظمات الدولية وبضمنها منظمة الامم المتحدة.
وقد بينا في هذا الفصل: مظاهر العلاقة بين روسيا والصين في جوانبها الثنائية المختلفة، عن طريق أربعة مباحث: المبحث الأول: إختص بالجانب السياسي، أما المبحث الثاني فقد إختص بالجانب العسكري والأمني، في حين خصصنا المبحث الثالث: للجانبين الاقتصادي والثقافي-الحضاري، فيما وضحنا في المبحث الرابع: التعاون والخلاف حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية.
المبحث الاول: الجانب السياسي:
ترجع بداية العلاقات السياسية الدبلوماسية بين الصين والاتحاد السوفيتي إلى الثاني من تشرين الأول من العام 1949م، واستمرت العلاقات بينهما تشهد تطوراً على أكثر من صعيد لفترة قصيرة، ولكن سرعان ما دب الخلاف بين الدولتين بسبب اختلاف رؤيتيهما الأيديولوجية في قيادة العالم الشيوعي، فضلا عن تعدد المنازعات على الحدود، فقد استمرت العلاقة بين الدولتين متأرجحة ما بين التحالف والخلاف والصراع، حتى تفكك الاتحاد السوفيتي في العام 1991م، ولكن كانت هناك رؤى سوفيتية قبل ذلك التاريخ في العام 1989م، بضرورة تحسين العلاقات مع الصين.
ومع تولى(بوريس يلتسين) الحكم في روسيا، كانت هناك توجهات روسية عامة لتدعيم العلاقات مع العالم الغربي، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع القيادة الروسية إلى التفكير بالصين كواحدة من الخيارات المتاحة لروسيا، ثم جاءت زيارة الرئيس(يلتسين) للعاصمة الصينية بكين في كانون الأول من العام 1992م، وتأكيده خلال هذه الزيارة أهمية التوازن في السياسات الخارجية الروسية بين التوجه الغربي والتوجه الآسيوي، على أساس: أن روسيا دولة أورو-آسيوية.
وعند مجيء الرئيس(بوتين)إلى الحكم، كانت هناك تخوفات صينية من أن يكون الرئيس الجديد ذا توجهات غربية. لكن سرعان ما أثبت الرئيس( بوتين) تمسكه بالتوجه الروسي تجاه آسيا وبخاصة الصين، حيث أصبحت هناك قناعة راسخة: بأنّ الدولتين، غير الحليفتين للولايات المتحدة الأمريكية، قد أصبحتا في خندق واحد في ظل إصرار الأخيرة على التفرد والهيمنة على النظام العالمي.
وعن طريق ذلك، تم تقسيم المبحث إلى مطلبين: المطلب: الاول: خصص للتحالف الإقليمي، وإتفاقية التعاون وحسن الجوار في العام 2001م، فيما تناول المطلب الثاني: الخلل الديموغرافي، وتأثيره في العلاقة الروسية-الصينية.
المطلب الأول: التحالف الإقليمي واتفاقية التعاون وحسن الجوار في العام2001م:
سعت كل من: روسيا والصين إلى تشكيل تحالفاً إقليمياً يكون صداً بوجه الاختراق الأمريكي، خاصة في المناطق التي تُعدّها الدولتين مناطق حيوية لمصالحهما، فروسيا تخشى توسعة حلف الناتو ليس لأنه يسلخ منها حزامها الأمني السابق في وسط وشرق أوروبا ويقلل من مكانتها الأوربية والدولية فحسب، بل لأن هذا التوسع يهدد مصالحها الحيوية في رابطة(الكومنولث)، حيث أن الناتو خطط لضم دول الرابطة إليه، وقد رأت روسيا: أن التفاهم الاستراتيجي مع الصين يمكن ان يمنع الحلف من التفكير بالاستمرار تنفيذ هذا المخطط، خاصة: ان المرحلة الثالثة تمس أمن الصين ومصالحها الإقليمية، لأنها تشمل أيضاً دول آسيا الوسطى.
وقد قادت العديد من العوامل فيما بعد الطرفين إلى إنشاء رابط استراتيجي مشترك بينهما وإلى تقوية العلاقات الثنائية في الفترة التي عقبت تولي الرئيس الروسي(بوتين)للحكم في العام 2000م، فعلى الجانب الصيني اسهمت النقلة العالمية في السياسة الدولية عن طريق جهد الاستراتيجيين الصينيين في إعادة تقييم سياسة الصين الأمنية، ومناقشة الاحتمالات والخيارات كافة المتاحة قبالتهم، ومنها: إنشاء تحالف قوي مع روسيا لصد هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على مناطق آسيا الوسطى ومناطق النفوذ الروسي، ومحاربة نزعتها الأحادية، حيث أصبحت الشراكة الروسية-الصينية واحدة من أهم التحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية. أما بالنسبة إلى روسيا، كان عليها استعادة مكانتها وقوتها وأن ذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال العمل على تفعيل التحالف مع الصين التي تعتبر الحليف الاستراتيجي لروسيا.(
وانطلقت روسيا والصين في توثيق العلاقات التحالفية بينهما، من مجموعة محددات جيو-سياسية إقليمية ودولية، وهي كالآتي:
أولاً: ضرورة تقييد محاولات الولايات المتحدة الأميركية للانفراد بالعالم عن طريق تأسيس نظام عالمي جديد يعتمد على التعددية، وليس على الأحادية القطبية.
ثانياً: شعور كل من: روسيا والصين بالخطر من النفوذ الأميركي في آسيا.
ثالثاً: تمسك روسيا والصين بمبدأ(عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول)، ورفض النزعات الانفصالية الداخلية، وهذا المحدد الأخير تحتاج إليه كل من: روسيا والصين، حيث عانت الأولى من النزعة الانفصالية في شمال القوقاز:(الشيشان على سبيل المثال)، ونفس الأمر تعانيه: الصين (تايوان وإقليم التيبت على سبيل المثال).
رابعاً: التحديات على مسرح روسيا الغربي الحيوي، والامتداد التوسعي لحلف الناتو شرقاً، مع الجهود الواضحة للولايات المتحدة الأمريكية لتقويض التأثير والنفوذ الروسي في آسيا الوسطى، ومناطق أخرى قريبة منها، وهو الأمر الذي زاد من عزيمة روسيا على توثيق علاقاتها مع الصين في هذه المنطقة، مع دعوة الطرفين إلى عالم متعدد الأقطاب، وضرورة إنشاء نظام سياسي واقتصادي دولي جديد.
خامساً: معارضة كلا الطرفين: الدرع الصاروخي الأميركي، والانسحاب الأحادي الأميركي من معاهدة “A.B.M” للحد من انتشار الأسلحة البالستية.
سادساً: لدى البلدين تخوف من القوى والنفوذ الاسلامي في البلدان المجاورة، فضلاً عن تخوف من تنامي الحركات القومية الوطنية في تلك المناطق، مثل: القوقاز، آسيا الوسطى، ومناطق غرب الصين.
سابعاً: إنخفاض انتشار الجيش الروسي في الأماكن المجاورة والبلدان الحديثة الاستقلال، وتبديل روسيا تحالفاتها السابقة في مدة الاتحاد السوفياتي السابق، وتخليها عن معاهدات الدفاع المشترك مع استبدال ذلك كله بعلاقات تعاون وصداقة مع: الهند، فيتنام، كوريا الشمالية، وهذا ما يتوافق مع رؤية الصين مقارنة بوضع الاتحاد السوفيتي الذي كان سابقاً.
لقد عمدت كل من: روسيا والصين الى تأسيس بعض المنظمات وتفعيل البعض الأخر منها لغرض التنسيق والتعاون بين البلدين، وهذا ما أثمر عن تشكل منظمة(شنغهاي)التي تضم الى جانب روسيا والصين دول من آسيا الوسطى وهي: طاجيكستان، أوزبكستان، كازخستان وقيرغيزستان.
وتهدف هذه المنظمة كما سنبين ذلك لاحقاً إلى: تعزيز التعاون بين الدول الاعضاء ومناقشة عدد من المواضيع المهمة بشكل دوري، وذلك بهدف: إنهاء مشكلة ترسيم الحدود بين جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفياتي من جهة، والصين من جهة أخر من أجل مواجهة الأخطار المشتركة، وتنسيق الحرب على الإرهاب والنزعة الانفصالية والتطرّف، فضلاً عن للتعاون الاقتصادي، وكذلك مواجهة الاضطرابات الداخلية، وأن معظم هذا الدول إما تشهد صحوة إسلامية كما هو الحال في: طاجيكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان، أو تشهد مواجهات بين المسلمين والأنظمة السياسية كما هو الحال في: روسيا والصين.
وفيما تحتاج روسيا إلى مساندة الصين في موقفها ضد توسع حلف الناتو، فإنّ الصين تحتاج إلى تأييد روسيا لموقفها تجاه تايوان التي تخشى الصين من تطور علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار اتساع دائرة النفوذ الأمريكية وان هذه المخاوف نجمت عن إرسال قوات أمريكية إلى المنطقة في أثناء إجراء الصين مناورات عسكرية بالقرب من تايوان إبان الانتخابات التايوانية، وفي إطار تلك الأهداف أعلنت الصين تأييدها الكامل للموقف الروسي المعارض لتوسع حلف الناتو، كما حددت روسيا علاقتها بتايوان، واعتبرتها جزءاً لا يتجزأ من الوطن الصيني.
ثم ما لبثت أن تكثفت الاتصالات والزيارات على المستويات الرفيعة بين روسيا والصين في العام 2001م، فقد إلتقى الرئيس الصيني(يانغ زيمين) والرئيس الروسي(بوتين)مرات عدة، ثم وقعا رسمياً إتفاقية التعاون وحسن الجوار بين روسيا والصين في تموز من العام 2001م، الأمر الذي أدى إلى إرساء أساس قانوني لتنمية علاقات ودية طويلة الأمد بين البلدين، والمضمون الرئيس لهذه الاتفاقية هو: العمل على تقوية التنسيق والتعاون بين البلدين في جميع القضايا سواء أكانت سياسية أم عسكرية وأمنية أم اقتصادية بما يخدم مصالح الدولتين، وعدم تحويل الآخر إلى خصم إلى الأبد، وبُعدّها إتفاقية منهجية لإرشاد تنمية العلاقات بين البلدين، إذ حددت طبيعة العلاقات الروسية-الصينية الداعية إلى: عدم الانحياز وعدم المواجهة وأنها غير موجّهة ضد أي دولة ثالثة، وقدمت إلى المجتمع الدولي مثالاً في البحث عن الأمن بالاعتماد على الثقة المتبادلة والبحث عن التعاون بالاعتماد على المنفعة المتبادلة.
أما بالنسبة لإتفاقية التعاون وحسن الجوار بين روسيا والصين لعام 2001م؛ حيث أقيمت العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الصين والاتحاد السوفييتي في الثاني من تشرين الأول من العام 1949م، أي بعد يوم واحد من تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وكان الاتحاد السوفييتي أول دولة تعترف بالجمهورية الوليدة، وسادت هذه العلاقة الكثير من المنعطفات والتقلبات والقوة والفتور، وفي 27كانون الأول من العام 1991م، وقعت الدولتان ميثاقاً بعد تفكك الاتحاد السوفييتي إتفقت فيه روسيا على مواصلة العلاقات الدبلوماسية السابقة مع الصين، وفي العام 1996م، صاغت كل من: روسيا والصين شراكة للتعاون الاستراتيجي، وفي العام 2001م، وقعت الدولتان إتفاقية تعاون وحسن الجوار، إذ تعمقت الثقة السياسية المتبادلة بين الجانبين وتكثفت الاتصالات بين قادتهما.
وقد جاءت هذه الاتفاقية بكل ما تضمنته من نقاط عسكرية وأمنية، كرد حقيقي على التوجهات الجديدة لحلف الناتو الذي بدأ بالتوسع شرقاً، والذي تجاهل مصالح كلا البلدين، خاصة المصالح الروسية، التي طالبت الولايات المتحدة الأمريكية بإعطائها ضمانات خاصة بتوسيع الحلف شرقاً، والذي سينال من أمنها القومي والاستراتيجي، فضلاً عن البحث الجاد عن شراكة متوازنة مع الاتحاد الأوروبي، ومحاولة جلب الاستثمارات الخارجية، كل هذه القضايا مجتمعة، والتي تحمل الكثير من المخاطر، والتي دفعت الدولتين كما أشرنا مبكراً للتفكير الحقيقي في خلق آليات، عَبِرَ الحوار الثنائي للعودة مجدداً إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.
ويضاعف من نفوذهما على الساحة الدولية بشكل عام، ويقرب سياسات كلا الجانبين على كل المستويات الأمنية والاقتصادية وحتى الاجتماعية من جهة، وبما يقلل من المشكلات الداخلية لدى الطرفين من جهة أخرى.
أن اتفاقية التعاون وحسن الجوار أنجزت إجراءات بناء الثقة الهادفة إلى تنظيم الشراكة الروسية-الصينية، كما أن الصين أصرت على أن تبدأ الاتفاقية بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي وتحريم اللجوء إلى القوة والتهديد باستخدامها في العلاقة الروسية-الصينية، ويتعهد فيها الطرفان: أن أياً منهما لن يكون البادئ في استخدام الأسلحة النووية، وأن لا مطالب بالسيادة على أرض بينهما، كما يتعهد الطرفان عدم مشاركة أي منهما في أي حلف أو كتلة، وعدم السماح بإقامة أي منظمة على أرضيه يمكن أن تهدد سيادة الطرف الآخر، ووحده أراضيه وأمنه.
لقد جاءت إتفاقية العام2001م، الموقعة بين كل من: روسيا والصين لتدعم الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ولاسيما والدولتان قلقتان من التحولات في النظام العالمي الجديد الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الاوروبيين، فقد إتفق الجانبان وعن طريق تلك الاتفاقية على: ان بناء النظام الدولي متعدد الاقطاب يُعدّ مرحلة مهمة في طريق الحفاظ على النظام الدولي، إذ أكدت الصين على أنهّا لن تقوم بأية سياسة تسبب الأذى بالمصالح الروسية وفي مقابل ذلك، فإن الصين ستتلقى من روسيا الدعم لعملية الاصلاح والتحديث، وكذلك المساندة في تحقيق الوحدة الوطنية بعودة تايوان، حيث عــــــــــــــــــدّت الصين: ان هذه الاتفاقية وضعت الإطار القانوني لعلاقات الصداقة بين البلدين.
وعلى العموم ركزت هذه الاتفاقية المؤلّفة من(25) بنداً.(1) على ما يلي:
1.المعارضة المشتركة للدرع الصاروخي الأميركي.
2.رفض المفهوم الغربي(التدخل الإنساني)* والذي تبناه حلف الناتو عام 1999م في كوسوفو.
3.معارضة الخطط الأمريكية بالتوسع العسكري، والتي لا يمكنها إلاّ أنّ تضر بمصالح الأمن العالمي.
4.الدعم الروسي لمفهوم (صين واحدة) والاعتراف بحق الصين في تايوان كجزء منها.
5.تدعيم التعاون العسكري بين الطرفين.
*يعدّ مفهوم(التدخل الإنساني) من المفاهيم التي فيها إشكالية، وهو يخلق جدلاً كبيراً بين المنظرين تبعا لما يطرحه من إشكالات قانونية وعملية على أرض الواقع، وذلك بالرغم من أن الغايات المعلنة للتدخل تكون في أغلب الأحيان غايات نبيلة وأهدافاً عليا تشرع للدول المتدخلة بها قانونية هذا التدخل، والمقصود بالتدخل الإنساني: ذلك التدخل الذي يتخذ جانباً عسكرياً، وبموجبه تقوم إحدى الدول أو مجموعة من الدول بأخذ الأذن من مجلس الأمن أو بدونه في بعض الأحيان، وذلك لأغراض إنسانية لمنع الفوضى والاضطرابات داخل الدولة الواجب التدخل بشئونها، على الرغم من أن هذا المفهوم الخاص بالتدخل الدولي لأغراض إنسانية أو ما اصطلح علي تسميته بــــ(مبدأ التدخل الإنساني) لا يعد من المفاهيم المستحدثة على العلاقات الدولية المعاصرة حيث شاع استخدامه خلال القرن التاسع عشر مع قيام البلدان الأوروبية بالتدخل في بعض الأقاليم التابعة للإمبراطورية العثمانية بكل من: اليونان، ولبنان، والبلقان تحت زعم حماية الأقليات الدينية المسيحية بها من الاضطهاد، ومع أن هذا المفهوم قد تواري إلى الظل بدرجة كبيرة خلال فترة الحرب الباردة بسبب ما تضمنه ميثاق الأمم المتحدة من علو لمبادئ السيادة وعدم التدخل على غيرها من مبادئ ومفاهيم أخرى ومنها حقوق الإنسان، إلاّ أنّه عاد يطرح نفسه بقوة على الأجندة الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة مع التطبيقات العديدة التي شهدها المجتمع الدولي له بدء من العراق في العام 1991م، مروراً بالصومال في العام 1992م، ثم رواندا وهايتي في العام 1994م، وصولاً إلى كوسوفو وتيمور الشرقية في العام 1999م، حيث يدخل مفهوم التدخل الانساني ضمن التوظيف الاستراتيجي لمرحلة ما بعد الحرب الباردة.
أما بخصوص الزيارات واللقاءات المتبادلة بين روسيا والصين: ففي 27 كانون الأول من العام1991م، وقعت روسيا والصين على مذكرة لضمان أن ترث روسيا العلاقات الدبلوماسية التي شكلها الاتحاد السوفييتي السابق مع الصين في 2تشرين الأول من العام 1949م، وفي العام 2003م، أصدرت الدولتان بياناً مشتركاً، إذ وافق كلاً من الجانبين على تطوير علاقات حسن الجوار الودية والشراكة الاستراتيجية، أما في العام 2004م، فقد وقعت روسيا والصين كذلك على بيان مشترك، وقرتا على خطوط عريضة لتطبيق إتفاقية التعاون وحسن الجوار، والتي تضمنت: على أن يطلق البلدان “عام روسيا” بالصين في العام 2006م، و”عام الصين” بروسيا في العام 2007م.
وفي العام 2005م، غدا(هو جينتاو)الرئيس الصيني الأول الذي يزور روسيا مرتين، وقد نقلت وكالة(شينخوا) الصينية الرسمية للأنباء عن الرئيس(هو جينتاو) قوله: إنّ الجانبين اتفقا على ان الشراكة الاستراتيجية الروسية-الصينية تستمر في تحقيق المزيد من التقدم، بل أنهّا وصلت إلى مستوى غير مسبوق، وتوصلا إلى اتفاقية إضافية في ما يتصل بالجزء الشرقي من الحدود الروسية-الصينية، وبدأ الجانبان دوراً بشأن أمن الدولة، وفتحا قناة جديدة لحوار استراتيجي عالمي المستوى، وأكد الرئيس الصيني(هو جينتاو)على أن البلدين يدعمان بعضهما بعضاً في القضيتين الأساسيتين في تايوان والشيشان المرتبطتين بالمصالح الأساسية لكل منهما، وفي حزيران من العام 2005م، تبادلت روسيا والصين التصديق على الاتفاق التكميلي على القسم الشرقي من خط الحدود بين روسيا والصين، وإنهاء المشاكل الحدودية بين البلدين، وفي العام 2008م، أنتهت عملية التسوية الحدودية بين روسيا والصين، وتم توقيع الوثائق الخاصة بترسيم الحدود، الأمر الذي يعني التسوية القانونية التامة لمشكلة الحدود الروسية-الصينية.
وعليه، فقد وصف(بوتين)الرئيس الروسي(2000-2004)، ورئيس الوزراء للمدة ما بين الأعوام(2008-2012)، العلاقة الروسية–الصينية بأنهّا: تحمل طابعاً استراتيجياً، وتتميز بالثقة وارتقت إلى أعلى مستوى، وأكد على أن الشراكة الاستراتيجية الحقيقية القائمة بين البلدين تستجيب لمصالح الشعبين على المدى الطويل، وتساعد على ضمان الأمن واستقرار الدولتين، وأن العلاقات بين الدولتين قد بلغت أعلى مستوى لها على مر تاريخ علاقاتهما، وهي تتصف بتنمية التعاون الديناميكي، وتبادل المنفعة في جميع الميادين، وأن العلاقات الممتازة بين روسيا والصين تساعد على توطيد الأمن والاستقرار في العالم.
وكذلك واصل الرئيس الروسي(ميدفيدف)، ما بدأه كل من: يلتسين وبوتين، فزار(ميدفيدف) بكين في 23 أذار من العام 2008م، وكانت أول زيارة له خارج كومنولث الدول المستقلة منذ توليه الرئاسة، تم التوقيع بين الدولتين على بيان مشترك حول القضايا الدولية الرئيسية، حيث أكد الطرفين من خلاله على: الالتزام بأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، حيث يتعين على كافة الدول الالتزام بمبادئ احترام السيادة، ووحدة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، والمساواة، والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي، والقوانين الدولية، والاعتراف العام بالمعايير التي توجه العلاقات الدولية.
وقد أكد الرئيس الروسي الأسبق(ميدفيدف) على أن الصين التي باتت واحدة من القوى الدولية البارزة، تلعب دوراً مهم في تعزيز علاقات حسن الجوار والاستقرار والأمن في منطقة آسيا والمحيط الهادي، وعلى الصعيد العالمي برمته، وأن العلاقات الروسية والصينية تتميز بطابع الشراكة الاستراتيجية بعد ان ارتفعت إلى مستوى لم يسبق له مثيل من قبل، وقد تجسد هذا التعاون الاستراتيجي على المستويين: الإقليمي والدولي.
وفي 9آيار من العام 2010م، أجتمع الرئيس الصيني(هو جينتاو) مع نظيره الروسي(ميدفيدف) في العاصمة الروسية موسكو من أجل تدعيم علاقات التعاون والشراكة الاستراتيجية الثنائية، وجاءت الزيارة لحضور الاحتفالات بالذكرى(65)، للانتصار السوفيتي في الحرب الوطنية العظمى على ألمانيا النازية، وقال(ميدفيدف): ان روسيا والصين تشتركان في وجهات نظر متماثلة بخصوص تاريخ الحرب العالمية الثانية، وأن حضور الزعيمين هذه الاحتفالات له مغزى عظيم، وآشار الرئيس الصيني(هو جينتاو) إلى: أنه يتعين على الجانبين تعزيز التعاون في مجالي: التجارة والطاقة، وكذا في التبادلات الشعبية والثقافية.(1)
وفي العام 2011م وصل الرئيس الصيني(هو جينتاو) موسكو في زيارة دولة للاتحاد الروسي ولحضور منتدى (سان بطرسبورغ) الاقتصادي الدولي الذي يعقد في مدينة سان بطرسبورغ الروسية، وأجرى الرئيس الصيني(هو جينتاو) محادثات مع نظيره الروسي(ميدفيدف)، ووضع الطرفين خطة لتنمية الروابط خلال العشر سنوات القادمة، وآشار(هو جينتاو) إلى أن الشراكة الاستراتيجية الروسية-الصينية شهدت تنمية غير مسبوقة منذ أن وقعت الدولتان معاهدة التعاون وحسن الجوار في العام 2001م.
وعلى الرغم من أن الجميع يدرك أن الصين قوة صاعدة اذا ما قورنت بقوة روسيا، إلاّ أن محور بكين-موسكو آخذ في الصعود والتمكن، ومع هذا فإنّ الصين تبقى متشككة دائماً من سياسات بوتين تجاه الغرب خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا وحلف الناتو. لكن الزيارات العديدة التي قام بها بوتين للصين والتي يسعى من خلالها إلى طمأنة الشركاء الصينيين إلى توجهاته قد أرضتهم، خاصة إثر تأكيد روسيا على تعاونها الوثيق والتزامها بالاتفاقية وبنودها الموقعة مع الصين في العام 2001م.
ومما تقدم: أن الاتفاقية إنطوت على المبادئ الثلاثة وهي: لا أحلاف، ولا مواجهات، ولا استهداف طرف ثالث، وهي مبادئ يشترك فيها البلدان في نظرتهما إلى بيئة العلاقات الدولية، حيث جاءت هذه الاتفاقية لتعطي للعلاقات بين البلدين آلية جديدة تقوم على: لقاءات منتظمة للتحاور وتبادل الآراء في قضايا ذات صلة بالبلدين، وكذلك الشئون الدولية.
كما تحدد الاتفاقية مجالات للتعاون المشترك بينهما، وتضع لائحة طويلة لجهود التعاون في موقع بارز منها: التعاون العسكري والأمني والتعاون في مجال التكنلوجيا العسكرية، وكذلك التعاون في مجال نزع السلاح، ودعم الأمم المتحدة، والتعاون في مجال العلوم والطاقة والنقل والمال والطيران، مع دعم سلسلة من التبادلات ذات صلة بالثقافة والتربية والرياضة والأعلام وغيرها من الجوانب الآخرى.
أن اتفاقية التعاون لعام 2001م، لم تقتصر على جانب محدد، بل أنها خلقت اوضاعاً جديدة للتعاون المثمر في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والاثقافية، وضمن التنسيق والتعاون المشترك من خلال الاتفاقية نرى: ان روسيا دعمت وبشكل واضح محاولات الصين في إعادة تايوان إلى الوطن الام بصورة سلمية، وتأييد مبدأ الصين الواحد، وهو أمر لا يتفق مع الدعم المستمر الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية لتايوان في المجال التسليحي، الأمر الذي يعيق كل محاولات الصين لأعاده الجزيرة إلى السيادة الصينية.
إذ أن اتفاقية العام2001م، عكست واقع العلاقات الثنائية بين روسيا الصين، مع رغبة البلدين المشتركة في العمل من أجل قيام عالم متعدد الأقطاب، والحيلولة دون انتشار السلاح النووي، وذلك يتم عن طريق دعم الأنظمة الدولية لعدم الانتشار، بما فيها معاهدة حظر الانتشار، والتصدي بفعالية للإرهاب الدولي، والأزمات الاقتصادية-المالية العالمية المدمرة.
المطلب الثاني: الخلل الديموغرافي وتأثيره في العلاقة بين روسيا والصين:
أن إنتهاء القطبية الثنائية كان عاملاً في أثارة مشاكل الجغرافيا السياسية في إقليم القوقاز وأسيا الوسطى، وهو ما اعدّته كل من: روسيا والصين متغيراً يؤثر في مصالحهم القومية، أن من الواضح: أن تفكك الاتحاد السوفيتي قد ترتب عليه نشوء دول جديدة مستقلة، سرعان ما إنخرطت في إطار رابطة عرفت باسم(الكومنولث)، وظهور هذه الدول آثار النزاعات الحدودية فيما بينها، سواء أكان تحت تأثير العامل السياسي أم القومي.
أن المحور الرئيسي في مشكلة الخلل الديموغرافي والنزاعات الحدودية بين روسيا والصين هي منطقة آسيا الوسطى، وأن كل من: روسيا والصين يشتركان بحدود تزيد على(4300)كم، وهذا ما أدى إلى ظهور خلافات حول هذه المسألة على الرغم من ان روسيا والصين لهم أيضاً مشكلات حدودية مع دول أخرى مثل: النزاع الصيني مع دول جنوب آسيا في منطقة بحر الصين الجنوبي، وكذلك النزاع الصيني-الهندي، فالصين سارعت الخطى لتسوية المشاكل الحدودية في إقليم آسيا الوسطى كون استمرار الخلافات والنزاعات الحدودية في تلك المنطقة سوف يؤثر وبصورة كبيرة على المصالح القومية للصين، وعن طريق ذلك تم تأسيس روابط قوية لتوحيد مواقفهم بخصوص هذه النزاعات الحدودية.
أن تفكك الاتحاد السوفيتي مثل فراغ جيو-استراتيجي ترتب عليه تداعيات سياسية وأمنية كانت تغري بدخول دول وقوى كبرى لوسط آسيا بحيث مثل هذا أيضاً، أغراء لروسيا للنفاذ في الاقليم بقوة، وان عدم الاستقرار في دول آسيا الوسطى، والذي بدأ مع تفكك الاتحاد السوفيتي كان سببه عوامل داخلية، فضلاً عن وجود مسببات خارجية متصلة بطبيعة الصراع والتنافس ما بين عدة دول إقليمية لغرض تعزيز نفوذها في تلك المنطقة.
لقد شعرت كل من: روسيا والصين بالتوسع والنفوذ الدولي في تلك المنطقة، بحث اعتمد الطرفين على أسلوب الحوار والتفاهم مع تعزيز وتطوير التعاون بينهما على أساس الشراكة الاستراتيجية من جهة، والعمل على تقوية العلاقات الثنائية مع دول آسيا الوسطى من جهة أخرى، وكانت تسوية النزاعات والخلافات الحدودية المشتركة أحدى الوسائل لتطوير العلاقات مع دول الإقليم.
كما تعد مشكلة: انخفاض أعداد السكان ظاهرة عامة ومشتركة في العديد من بلدان العالم المتقدمة، أن المشكلة الديموغرافية التي تتعرض لها كل من: روسيا والصين ماهي إلاّ تأكيد على العبارة الرائجة، والتي تجسد هذه المشكلة بدقة من خلال التوصيف القائل: أن روسيا أرض تحتاج الى شعب، والصين شعب يحتاج الى أرض، أن مثل هذه المعادلة قد تمثل حدث خطير قد يقلب موازين الأمن والاستقرار في المنطقة.
بالنسبة لروسيا فأن المشكلة الديموغرافية تعود الى بدايات القرن العشرين، وقبل الثورة البلشفية، حيث كان عدد سكان روسيا حينذاك(72) مليون نسمة في مساحة تبلغ سدس مساحة العالم، وقد تضاعف العدد بسبب سياسة الاتحاد السوفيتي في فتح الهجرة بين جمهوريات السوفيتية، ثم جاء سقوط الاتحاد السوفيتي في العام1991م، ثم بدأ العدد يتراجع، وأصبحت مشكلة الخلل الديموغرافي تمثل تهديدا اللأمن القومي الروسي خاصة: أن نسبة الانخفاض الكبيرة ولم تشهدها اية دولة في التاريخ، ففي أول خطاب له بعد أسبوعين من توليه منصب الرئاسة في روسيا في أذار من العام 2000م، صرح(بوتين): أن عدد سكان روسيا يتناقص بمعدل(750)الف سنوياً، وهناك احتمال أنه في العام 2015م سيكون عدد سكان روسيا أقل بمقدار(22)مليون نسمة، وكذلك في خطابه أمام مجلس الدوما في أيار من العام 2006م، أبدى الرئيس الروسي(بوتين) أهتماماً بالغاً بمشكلة بلاده الديموغرافية، موضحاً أن في حاله استمرار عملية الانخفاض في عدد السكان سيكون هنالك تهديد على بقاء الدولة الروسية نفسها.
أما المشكلة الديموغرافية التي تواجه الصين فإنهّا تتمثل بالزيادة الهائلة، حيث زاد سكان الصين من(583)مليون في العام 1953م إلى(1243)مليون في العام 1998م، ثم إلى(1259) مليون في العام 2007م، ثم زاد تعداد السكان فوصل إلى(1310)مليون في العام 2010م.
حيث يُعدّ الخلل الديموغرافي أحد المشاكل التي على الصين مواجهتها، وهي وأن نجحت في كبح جماحها عبر سياسة الولد الواحد، إلاّ أنّ هذه السياسة نفسها تنتج من المشاكل ما ينذر بأخفافها وتوقفها عن العمل، ما يعني أن عدد سكان الصين سوف يتزايد بشكل كبير جداً بحيث سيقترب في العام 2050م الى مليارين نسمة.
أما بخصوص تأثير الخلل الديموغرافي وتأثير على العلاقة ما بين روسيا والصين، حيث ان من تداعيات ومخاطر المشكلة الديموغرافية في كل من روسيا والصين تتمثل: بأن الانخفاض الكبير في معدل السكان بالنسبة لروسيا يقابله الارتفاع الكبير والمتنامي في عدد سكان الصين، ان كل ذلك هو مصدر قلق وخوف بالنسبة لروسيا في المديين المتوسط والطويل، فهذه المخاطر والتداعيات ستتعدى مستقبل روسيا ذاتها, لتتفاعل مع التوازنات الإقليمية والدولية، فقد عمدت روسيا الى إحتواء تلك المشكلة، فقد عملت على تعويض نقص السكان من خلال تشجيع عودة نحو(20)مليون روسي يعيشون في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، إلاّ أنّ هذا الطرح لحل المشكلة من خلال عودة الروس من الخارج كان لها تبعات وتكلفة أقتصادية تزيد من المشكلة تعقيد.
كما أن تشجيع روسيا لعودة الروس من الجمهوريات السوفيتية السابقة قد يسبب حدوث خلل في التعامل مع تلك الجمهوريات التي تُعدّها روسيا مناطق نفوذها، ولها أهمية كبيرة بالنسبة لمصالحها القومية، وكذلك كان لتشجيع الهجرة إثار وتداعيات سلبية على أمن روسيا الاجتماعي، واستقرارها السياسي بسبب بزوغ نزعات فاشية وعنصرية، مع تأثيرها في هوية روسيا الثقافية والدينية.
أن كل هذه المخاطر تأتي من داخل روسيا؛ بسبب تفاقم مشكلة الخلل الديموغرافي. أما المسالة الاكثر خطورة هي: تأتي من جانب الصين، فروسيا يبلغ تعداد سكانها حوالي(143)مليون نسمة مع مساحة تبلغ اكثر من(17)مليون كم2، في حين يبلغ عدد سكان الصين(1300)مليار وثلاثمائة مليون نسمة مع مساحة تقدر بحوالي(9,5)مليون كم2، ان هذا المعادلة هي الخطر الحقيقي التي قد تدفع بإتجاه التمدد الجغرافي من قبل الصين، هذا ما تخشاه روسيا.
ومن المخاطر الأخرى لمشكلة الخلل الديموغرافي وتأثيرها على العلاقة بين روسيا والصين هي: أن الصين قد دخلت إلى عمق الأراضي الروسية عن طريق بعض التجار الصينيين الذين عملوا على بناء مستوطنات حدودية نصف سكانها من حرس الحدود، حيث ان التجمعات التي نزحت من الصين إلى روسيا كانت تعمل تحت غطاء التجارة في تكوين تجمعات مستقرة كما حدث في مدينة(أوسوريسك)، هذا ما جعل من تزايد عدد المهاجرين الصينيين الى روسيا، وفي العام 2002م، آشار “ديمتري روجوزين” زعيم حزب رودينا القومي، والرئيس السابق للشئون الخارجية في مجلس الدوما، الى ان الخطر الاساسي على روسيا مصدره الجنوب، وليس الغرب، متهماً الصين بالتخطيط للاستيلاء على سيبيريا الجنوبية في المجال الديموغرافي، وإن لم يكن بالقوة، وفي العام 2006م، طلب “روجوزين” بوضع قوانين جديدة تساعد روسيا على الحماية والسيطرة على حدودها، خصوصاً للحد من تدفق الصينيين الذي اصبح وجودهم داخل الاراضي الروسية يمثل مصدر قلق بالنسبة لروسيا، مع ضرورة حث الروس على الانتقال الى المناطق الحدودية لصد التهديد الصيني لروسيا، وفي مواجهة هذه الاخطار التي تتعرض لها روسيا من خلال الانخفاض الكبير في عدد السكان، وما يرافقه من تدخل من الجانب الصيني على الحدود الذي أصبح يمثل قلق حقيقي من قبل الروس، حيث نرى: أن هدف التوسع الصيني باتجاه روسيا خاصة على حدود سيبيريا الجنوبية والشرق الأقصى: هو ذات بعد اقتصادي الواضح.
أن الحل الوحيد الذي يخفف من عملية الخلل الديموغرافي ويقلل من التوسع الصيني تجاه روسيا هو: أحباط روسيا لمحاولة أستيلاء الصين على سيبيريا الجنوبية بسبب عامل القرب الجغرافي منها، والشرق الاقصى عن طريق التأجير الجزئي للسيادة لأكثر جيرانها اكتظاظا بالسكان. ولكن يتم ذلك تدريجياً ويتم تحويل التأجير إلى الملكية.
وفي نهاية هذا المبحث، وبعد دراسة الجانب السياسي المؤثر على العلاقة بين روسيا والصين، وعن طريق دراستنا لأهم الجوانب السياسية التي حدثت بين الدولتين منذ العام 2000م أي بعد تولي الرئيس الروسي(بوتين) للسلطة، حيث كانت إتفاقية التعاون وحسن الجوار التي وقعت في العام 2001م، من أهم الانجازات بين الدولتين بحيث كانت الاتفاقية بمثابة خارطة طريق جديدة، تبين مسار العلاقة بين الدولتين، وكذلك نجحت الاتفاقية في تحقيق تعاون كبير بين الدولتين في ظل الأوضاع التي تشهدها الساحة السياسية الدولية.
أما بخصوص المشكلة الديموغرافية وتأثيرها في العلاقة بين الدولتين، حيث ترتبط المشكلة الديموغرافية للتعاون الإقليمي الروسي-الصيني بمجموعة قضايا: منها التأثير الصيني على المناطق المتاخمة، وهناك مفارقة واضحة إذا ما نظرنا الى الحدود الفاصلة بين روسيا والصين، فالصين تشهد كثافة سكانية عالية، في حين أنّ الكثافة السكانية الروسية مقارنة بنظيرتها الصينية صغيرة، ومن ثم هناك من يرى من القوميين الروس: أنّ هذه المسألة تشكّل خطراً وتهديداً لروسيا من باب: أن الانفجار السكاني الصيني لا بد وأن يدفع الصين في مرحلة من المراحل إلى التمدّد الجغرافي، فتكون روسيا هي الضحية، وتحدد المشكلة الديموغرافية بوجود تحولات جارية ومستقبلية في البنية الاجتماعية الروسية؛ بسبب توسيع طيف العلاقات الروسية-الصينية.
المبحث الثاني: الجانب العسكري والأمني في العلاقة الروسية-الصينية:
ما من شك أن الحديث عن العلاقات التي تجمع روسيا والصين ترتكز على أساس تعزيز الشراكة في مختلف المجالات خصوصاً في المجالين: العسكري-الاستراتيجي، ولكنها وبشكل دقيق ترتكز على أساس مصلحي وفق ما فرضته طبيعة الأوضاع الدولية، التي حتمت على الطرفين ضرورة إقامة علاقات أساسها التشاور والتعاون لمواجهة التحولات التي عصفت بالواقع الدولي.
وقد تتباين الدول في مستوياتها العسكرية والأمنية، عند مقارنة عناصر قوتها العسكرية بقوة غيرها، إلاّ أنّ الامر الذي لا يختلف بشأنه هو أن القوة العسكرية والأمنية التي تمتلكها أي دولة بالإضافة إلى أنها تحمي أمن ومصالح الدولة من أي أعتداء سواء أكان على المستوى الداخلي أم الخارجي، كما تمثل القوة العسكرية متغير ضاغط يمارس تأثيره في سياسات الدولة، ولا تستطيع الدول أن تتجاوز واقعها العسكري في رسم وتنفيذ سياستها الخارجية، وتصميم علاقاتها الدولية، نظراً لكون مصالح الدولة واهداف قياداتها السياسية تبقى غير محمية من دون وجود واقع عسكري وأمني يحميها.
وعن طريق ذلك، تم تقسيم المبحث إلى مطلبين: المطلب الأول: خصص للتعاون في المجال الأمني-الاستراتيجي. فيما تناولنا في المطلب الثاني: التعاون في المجال العسكري والتسلح.
المطلب الأول: التعاون في المجال الأمني-الاستراتيجي:
ان تطوير الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين، خاصة في المجال الأمني-الاستراتيجي يسهم في إنشاء نظام دولي جديد على اساس مبادئ التعايش السلمي وإحترام مصالح الدول كافة والحيلولة دون استمرار نظام دولي تهيمن عليه الولايات المتحد الأمريكية، ويضمن التنوع والعمل المتبادل للحضارات المختلفة، فضلاً عن العمل بفاعلية للبحث عن الحلول اللازمة للمشاكل الدولية ولمجابهة التحديات والتهديدات العامة التي تستهدف ارادة ووحدة وكرامة كل دولة.(1)
وضمن التعاون والتنسيق الأمني-والاستراتيجي بين روسيا والصين، فقد كانت هنالك رغبة في خلق توازن استراتيجي بينهما يوازي السياسة الأطلسية الهادفة إلى توسع حلف الناتو شرق أوروبا من ناحية روسيا، ومخاوف الصين من توسع نطاق نشاط الحلف إلى خارج القارة الأوروبية، خاصة في منطقة حوض المحيط الهادي.(2) وهناك تفاهم روسي صيني ايضاً في بعض القضايا الاستراتيجية ذات الاهتمام المشترك منها: إحترام كل منهما مصالح الطرف الآخر وما يُعدّه مناطق نفوذ تمس أمنه القومي، حيث دعمت روسيا الصين في ضم تايوان إلى الوطن الأم وتكوين الصين الواحدة، بالمقابل فقد أيدت أيضاً الصين روسيا في إنضمامها إلى(منظمة التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا-الباسفيك)*
*منظمة التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا-الباسفيك: تأسست في العام 1989م، تتألف من(21)دولة، اهدافها: تسهيل التعاون الاقتصادي، تحرير التجارة، الاستثمارات، التعاون الاقتصادي والفني بهدف تحقيق النمو والرخاء للمنطقة.
أن العلاقات الروسية-الصينية قد شهدت تحسنناً واضحاً، خاصة في المجال الأمني-الاستراتيجي ذلك في إطار رؤية متقاربة أثمرت عن العديد من المواقف المتطابقة حيال الأوضاع الدولية، خاصة بعد العام 2001م، وما تمخض عنها من أحداث.
فقد سعت الدولتين إلى تعزيز وتطوير الشراكة الاستراتيجية بينهما وذلك من خلال إجراء محادثات الأمن الاستراتيجي الروسية-الصينية منذ العام 2001م، إذ تأتي تلك المحادثات في ضوء مسعى الدولتين لتدعيم التنسيق في قضايا الأمن الاستراتيجية الرئيسية، حيث يلاحظ: أن العالم شهد هبوطاً متدرجاً لدور الولايات المتحدة الأمريكية مقابل تصاعد ملحوظ لدور روسيا والصين في النظام الدولي، وتدرك الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي مخاطر التأزم في العلاقات مع روسيا والصين، خاصة في المرحلة التي وقف فيها الاقتصاد الأوروبي والأميركي على حافة الهاوية على أثر الأزمة المالية العالمية في العام 2009م.
أن روسيا تنظر إلى السياسة الأميركية على أنها مصدر خطر على المصالح الروسية، كما تحذر روسيا من سياسة الولايات المتحدة العاملة على نشر منظومة “الدرع الصاروخي” في عدد من الدول وتعتبر ذلك تهديداً للأمن القومي الروسي، كذلك ترى روسيا: أن الوجود العسكري في أفغانستان والقواعد العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، هو بمثابة تطويق شامل للأمن الروسي يتكامل مع امتداد حلف الناتو في أوروبا الشرقية، أن مخاوف روسيا من التواجد الأمريكي في مناطق نفوذها, دفعتها نحو الصين من أجل أقامه علاقه استراتيجية معها لضمان مصالحها.
حيث وجدت روسيا ان الهيمنة الأمريكية أصبحت تمس مصالحها الأمنية، فقد قدمت الكثير من التنازلات على أمل ان تحضي بدور أكبر في السياسة الدولية، ولكن المصلحة كانت عكس ذلك الأمر الذي دفعها الى إعادة أحياء علاقتها مع حليفها القديم الصين، وذلك من خلال إتفاقية التعاون وحسن الجوار لعام 2001م، واتفاق استراتيجي للتعامل مع متطلبات القرن الحادي والعشرين، أن في إدراك روسي ان نظاماً متعدد الاقطاب مؤلفاً من أكثر من ثلاثة دول يمتلك قوة كافية ليصبح ميزان القوى بواسطة حلفائها، وفي ظل هذا النظام ستكون بعض الدول اقوى من غيرها، ولكن أي منها سيكون غير قادر على الهيمنة على النظام الدولي، وفي الوقت ذاته فأنها جميعاً لديها الوسائل لمنع الهيمنة، أو يتم استقطابها مع محاور اخرى لأنشاء عالم جديد متعدد الاقطاب
كما أن اصرار الولايات المتحدة الأمريكية على أنشاء وتطوير(الدرع الصاروخي)، دفع روسيا إلى البحث عن مساحة للالتقاء مع الصين لمجابهة القوة الأمريكية، وتوسيع شبكة التعاون في المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والتكنولوجية معها.
أن التقارب والشراكة بين روسيا والصين ترمي الى تعزيز الثقة والأمن بين البلدين، فقد تعهد كلاهما في العام 2001م، وضمن مبادئ إتفاقية التعاون وحسن الجوار بعدم استخدام السلاح بما فيها الاسلحة النووية ضد الطرف الاخر، أن أهمية هذا التقارب والتعاون أذا ما تطور الى مراحل متقدمة فانه سوف يعزز من موقف الصين ويجعلها اكثر اندفاعاً في مواجهة قوى مهيمنة في النظام الدولي تقع في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
أن حاجة روسيا الملحة في ظل الهيمنة الأمريكية على العالم، إلى التحالف الاستراتيجي مع الصين، خدمة: لمصالح روسيا الحيوية، وضمان أمن الحدود الجنوبية لروسيا من خلال التنسيق المشترك مع الصين لوقف نشاط القوى الانفصالية والتطرف الديني التي تصعد عملياتها في مناطق الحدود المشتركة.(1)
كما أن حاجة الصين إلى دعم وأسناد من قبل روسيا، خاصة بعد توسع دائرة النفوذ والهيمنة الأمريكية، وكذلك مواجهة التحالف الأمني الأمريكي-الياباني، وانطلاقاً من إدراك روسي-صيني مشترك مفاده: ان التقارب الصيني–الروسي يعد محاولة ممارسة ضغوط مضادة تعادل ما تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية من ضغوط على الدولتين وللحد منه، وكما أن هذا التقارب تزامن مع تصاعد معدلات الضغوط الأمريكية على كل من الدولتين، وتأتي المصلحة المشتركة لروسيا والصين في توسيع نطاق تعاونهما لتخفيف الضغوط الأمريكية عليهما معاً من جهة، ومن جهة أخرى البحث عن مجالات للتعاون في المجالات العسكرية والاقتصادية لتحقيق لكل منهما مزيداً من القوة الجماعية والمنفردة لمواجهة أية ضغوط من القوى الخارجية، ومن الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً. وكذلك حاجة الصين إلى المعدات والتجهيزات العسكرية الروسية، فضلاً عن الخبرة والتكنولوجيا الروسية المتقدمة اللازمة لتحديث الصناعة العسكرية الصينية، مما دفعها للحصول على تقنيات عسكرية متطورة من روسيا، الأمر الذي يساعد الأخيرة على دعم صادراتها بصورة عامة وبما يحسن الوضع الاقتصادي الروسي بشكل خاص.
وترى الصين: ان التعاون مع الجار الشمالي روسيا، سيحقق لها جزءاً من مبتغاها الذي ما انفكت تعمل من أجله، وهو خلق بيئة أمنية آمنة حولها، من خلال تأمين حدودها وعدم إثارة مشكلات إقليمية، كمشكلات الحدود التي تمس سيادتها وتزعجها بين الحين والاخر، وبهذا الصدد فقد عملت الصين مع روسيا على حل المشاكل الحدودية، المعلقة بينهما عن طريق الحوار.
أما روسيا فهي ترى: ان الشراكة الاستراتيجية مع الصين ستكون بالنسبة لها وسيلة لإحلال الاستقرار في آسيا الوسطى، ولضمان أمن حدودها الجنوبية، لاسيما اذا توسعت هذه الشراكة وشملت الى جانب الصين كلاً من الهند وايران في مرحلة لاحقة، فقد كانت الاعتبارات الأمنية هي التي رسمت توجهات العمل السياسي لدى روسيا والصين في آسيا الوسطى.
وضمن التعاون والتنسيق الأمني-الاستراتيجي بين كل من: روسيا والصين في منطقة آسيا الوسطى، كان تأسيس منظمة(شنغهاي) في العام 2001م، وهو ما سوف نتطرق له في الفصل القادم بالتفصيل، حيث جاء تشكيل منظمة(شنغهاي) تأكيداً على استمرارية النهج الأمني في السياسة الخارجية لكل من الدولتين، واستكمالاً للمباحثات الأمنية الروسية-الصينية التي إنطلقت منذ عام 1996م، ما يعطي مؤشراً على نوعية الحراك الروسي-الصيني في هذه المرحلة الحاسمة في النظام الدولي.
أما بالنسبة لقضية مكافحة الإرهاب نرى: ان كل من: روسيا والصين قد دعمت وبقوة الولايات المتحدة الأمريكية في محاربة الارهاب، خاصة بعد أحداث 11/أيلول من العام 2001م، واشتراكهما في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أدراكاً منهما خطورة القضية على أمنهما الداخلي وعلى مصالحهما العليا مع الولايات المتحدة، ووجدت كل من: روسيا والصين في قضية مكافحة الارهاب الدولي، خطوة إيجابية في تعزيز وتطوير العلاقة الأمنية والعسكرية بينهما، لكن من جهة أخرى شعرت الدولتين بخوف من الاستراتيجية الأمريكية في مكافحة الارهاب، الرامية إلى إحتواء وتطويق الدولتين، خاصة في منطقة آسيا الوسطى، كما تعهد الطرفان بالتعاون لمواجهة الإرهاب، والانفصال، والتطرف، وهي إشارات إلى هواجس روسيا والصين من التطورات السياسية في كيسنجان الإسلامية في الصين، وآسيا الوسطى، والشيشان، حيث عارضت الدولتان التوجهات الجديدة التي تدفع إليها الولايات المتحدة، سواء بالفعل من طرف واحدة، أو تحت غطاء الأمم المتحدة، فإن البلدين أكدا انهما يعملان على تطوير علاقات التنسيق والشراكة الاستراتيجية الشاملة لحماية المصالح الأمنية، وحماية الاستقرار الإقليمي والسلام العالمي.
وإنطلاقاً من مساعي روسيا الرامية لبناء دور جديد لها ينسجم مع تطلعاتها الإقليمية والدولية، فقــد وضُعت القيادة الروسية أمام خيارات جديدة، كان في مقدمتها التوجه نحو إقليم آسيا-الباسفيك لدعم نفوذها وحماية مصالحها فيه، ومن أجل استثمار الاوضاع المستمدة في طبيعة البيئة الاقليمية، وعن طريق تفعيل هذا التوجه، أقدمت روسيا على تطوير علاقاتها مع الصين، الى جانب تحسين علاقاتها مع كوريا الجنوبية، وإزالة الصواريخ النووية الروسية المتوسطة المدى في الشرق الأقصى، وتخفيض أعداد قواتها في هذه المنطقة، إلى جانب زيادة إجراءات بناء الثقة على الحدود مع الصين، والتي كانت في السابق سبباً للعديد من الازمات بينهما.
المطلب الثاني: التعاون في المجال العسكري والتسلح:
في أعقاب العمليات العسكرية لحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في يوغسلافيا واعلان الرئيس الأمريكي الأسبق(كلينتون)استكمال العمل على منظومة الدفاع الصاروخي، أتصف الاعلان الروسي-الصيني المشترك في كانون الاول من العام 1999م، بتوجيه النقد لواشنطن وسياساتها الأمنية، حيث بدء الاعلان بتوجيه الدعوة إلى كل الدول لبناء عالم متوازن ومتعدد الأقطاب، أن سبب التخوف الروسي-الصيني من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية هو: من أن تستخدم حلفاءها بمن فيهم تايوان لنشر منظومة الدرع الصاروخي في منطقة آسيا-المحيط الهادي، كما رفضت كل من: روسيا والصين تحركات الولايات المتحدة الأمريكية ضد يوغسلافيا باعتبارها تجاوزاً على سلطة الامم المتحدة.
وهنالك عدة قضايا ومشتركات تجمع ما بين روسيا والصين في الجانب الأمني والعسكري منها شعورهم بالاستهداف من قبل الغرب بصورة عامة، والولايات المتحدة الأمريكية بصورة خاصة، مما أدى ذلك إلى: الحاجة لتبني سياسة أمنية مشتركة مع تنسيق المواقف والسياسات حيال قضايا استراتيجية ذات صلة بمصالحهما العليا.
وكذلك المواقف المشتركة الروسية-الصينية تجاه نظام الدرع الصاروخي الأمريكي حيث تقدمت كل من: روسيا والصين بمقترح في 7حزيران من العام 2002م، إلى مؤتمر نزع السلاح في جنيف لعقد إتفاقية دولية تحظر نشر أسلحة صاروخية في الفضاء، كرد فعل تجاه القرار الأمريكي بالانسحاب من إتفاقية عام 1972م للأسلحة الصاروخية.
ان عدم الاستقرار في دول آسيا الوسطى، والذي بدأ مع تفكك الاتحاد السوفيتي كان سببه عوامل داخلية، فضلاً عن وجود مسببات خارجية متصلة بطبيعة الصراع والتنافس ما بين عدة دول إقليمية لغرض تعزيز نفوذها في تلك المنطقة، كما أن تفكك الاتحاد السوفيتي أدخل معطيات جديدة في السياسة الدولية، إذ أصبح النظام الدولي أحادي القطبية، وترتب عليه أيضاً تداعيات سياسية وأمنية كانت تغري بدخول دول وقوى كبرى لوسط آسيا، بحيث مثل هذا أيضاً أغراء لروسيا للنفاذ في الإقليم بقوة.
وفي ما يتعلق الأمر في التعاون الأمني والعسكري في منطقة آسيا الوسطى، يلاحظ: أن روسيا وأنّ وافقت على الجهود الأمريكية لمحاربة الأصولية الإسلامية في منطقة آسيا الوسطى، على أعتبار أن هذا الهدف يتوافق مع المصلحة الروسية، إلاّ أنّ روسيا لا تريد من هذه الجهود أن تؤسس لحضور عسكري وسياسي أمريكي فاعل في المنطقة, ومن المواقف الأخرى في التعاون والتنسيق المشترك هو معارضة التدخل العسكري الأمريكي في العراق عام 2003م.
أما التعاون الأمني والعسكري في منطقة آسيا-المحيط الهادي، لاشك أن تلك المنطقة شهدت متغيرات جديدة في التوازن الإقليمي، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث سعت كل من الدولتين إلى تقليص النفوذ والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، مع أضعاف التحالف الأمريكي الكوري الجنوبي، والعمل على فكل ارتباط كل من اليابان والهند بالولايات المتحدة الأمريكية، لأن تحالف مثل هذا: سوف يهدد مصالح روسيا والصين في المنطقة.
لقد كان للاتحاد السوفيتي السابق في مرحلة الخمسينيات دوراً مهماً في تحديث القوات الصينية عندما كانت الحرب الباردة تستدعي من الدولتين الاشتراكيتين موازنة الولايات المتحدة الأمريكية، فقد زود الاتحاد السوفيتي الصين بالأسلحة التقليدية لتطوير قدراتها الحربية، وكذلك لبناء صناعة الدفاع الصينية، وعلى الرغم من حصول تدهور في العلاقات السوفيتية-الصينية منذ منتصف ستينات القرن الماضي وحتى تفكك الاتحاد السوفيتي, إلاّ أنّ إتجاه الصين لتطوير قدرتها العسكرية لم يصل إلى مرحلة تستطيع بها تأمين قدرات دفاعية توازي قدرات الغرب أو روسيا، ومازالت الصين تعتمد في تحديث أسلحتها على الخارج، وفي العام 2000م، إندفعت الصين إلى روسيا لتزويدها بالأسلحة والمعدات العسكرية بمختلف صنوفها وأهما: الطيران، والقدرات البحرية وغيرها من المعدات الأخرى، وأعطيت الصين اهتماماً لتحديث قدراتها البحرية فحصلت من روسيا على مدمرات، ثم زودت بصواريخ مضادة للسفن.
ويُعدّ التعاون في المجال العسكري والتقني بين روسيا والصين ذات أهمية كبرى، أذ تستورد الصين كميات كبيرة من الاعتدة والمساعدات التقنية والمهارات من المصانع العسكرية في روسيا، وقد إرتفعت أرقام المبيعات الروسية من السلاح إلى الصين بعد وصول الرئيس(بوتين) إلى سدة الرئاسة في العام 2000م، وقد زار بوتين الصين في تموز من العام 2000م، وتوج زيارته هذه بتوقيع إتفاق استراتيجي حول “التعاون التكنولوجي المتعلق بالقضايا العسكرية كجزء من الخطة المشتركة لتعميق العلاقات الاستراتيجية الروسية-الصينية وتنميتها. وبطبيعة الحال، تستفيد روسيا كثيراً من الطلب الصيني على الأسلحة والتكنولوجيا الروسية، ولكن الصين مستفيدة وبشكل أكبر أيضاً، وذلك عن طريق حصولها على التقنيات العسكرية الروسية المتطورة والتي تفتقد هي إليها خاصة في الغواصات والمدمرات والأسلحة الدقيقة.
وبتوقيع اتفاقية التعاون وحسن الجوار في العام 2001م، في المجال العسكري، وعندما زار الرئيس الروسي(بوتين)، الصين في كانون الأول من العام 2002م، توسع التعاون واتفق الطرفان على بقاء الاتفاقيات في المجال العسكري سرية.
وضمن التعاون بين الدولتين في مجال التسلح، قد أعربت الصين عن حاجتها إلى شراء غواصات نووية، ونقل تقنية عسكرية متقدمة للنهوض بالصناعات العسكرية الصينية، حيث دفعت الصين في العام 2002م،(5,8) مليار دولار للحصول على طائرات سوخوي(27) و(30)مليار دولار لشراء مدمرتين، و(1,5)مليار دولار للحصول على منظومة دفاع جوية، و(800)مليون دولار مقابل أربع غواصات تقليدية، حيث تمثل العروض الصينية في مجال التسليح والصناعات العسكرية مصدر مورد أساسي للصناعات الحربية الروسية.
أن الصين تمثل السوق الرئيسي للسلاح الروسي، وتستأثر وحدها بما يزيد على(50%)من أجمالي مبيعات الأسلحة الروسية التي تعدها روسيا احد أهم مصادر الدخل القومي، حيث يتراوح العائد من صادرات الأسلحة للصين وحدها بين(1 و(1.5 مليار دولار سنوياً، هذا إلى جانب العائد من تدريب الضباط الصينيين في المعاهد العسكرية للنقل، وفي العام 2004م اشترت الصين طائرات قاصفات من طراز(M3-TU22) وكذلك(TU95)عابرة للقارات وحاملة لأسلحة نووية، وبما أن الحظر على بيع الأسلحة للصين مازال قائماً منذ أحداث ساحة( كيان تيانمن) في العام 1989م فإن ليس أمام الصين مورد غير روسيا كي تتم عملية تحديث قدراتها العسكرية.
وأصبحت الصين ثاني أكبر مستورد للسلاح الروسي في العام 2004م، بعد الهند، وحصلت الصين وحدها على(50%)من صادرات السلاح الروسي، ووافقت روسيا خلال زيارة الرئيس بوتين للصين في تشرين الاول من العام 2004م، على تزويد الصين بمنظومة الدفاع الصاروخية(إس300) المنافسة لمنظومات الدفاع الصاروخية الأميركية، والتي كانت واشنطن قد حصلت على تعهد من الرئيس الروسي الأسبق(يلتسين) بعدم تصديرها لأي جهة أجنبية.
كما أن الصين تعتمد اعتمادا كبيرا على روسيا في مجال إمدادها بالأسلحة، ولا يقتصر التعاون العسكري على عملية التجارة والتجديد والصيانة فقط، ولكن امتد التعاون إلى المجال الاستراتيجي والتدريبي والتخطيطي، من خلال إجراء المناورات المشتركة كتلك التي أجريت في آب من العام 2005م، أمام ميناء(فلاديفاستوك) الروسي وشبه جزيرة(شاندونج) الصينية على ساحل المحيط الهادي.
وزودت روسيا الصين بحوالي(95%)من احتياجاتها العسكرية في العام 2005م، بما في ذلك غواصات(كيلو-كلاس) ومدمرات(سوفيرمني-كلاس)، وكذلك وقعت الصين في هذا الاطار عدة صفقات تسليحية مع روسيا تصل قيمتها الى المليارات من الدولارات وأبرزها(200)، طائرة قتالية طراز(سي يو27)و(24) وطائرة قتالية طراز(سي يو30)، و(8)غواصات طراز(كليب كيلو)، وغواصات طراز(سوف رميني)، و(3) طائرات إنذار مبكر طراز(إيه 50)، فضلاً عن نظم الرادار والصواريخ الخاصة بتشغيل وتسليح هذه الأسلحة.
وضمن التعاون في المجالين: العسكري والتسلح بين الدولتين اشترت الصين خلال المدة الممتدة بين الأعوام(1992-2009م)أسلحة روسية بنحو(28)مليار دولار، فإنّ التعاون العسكري يظل ركيزة هامة للعلاقات التحالفية بين الدولتين، وخير دليل على كذلك، ما قامت به الصين في إطار التعاون العسكري والتسلح، حيث تعاقدت الصين مع روسيا في العام 2009م، على شراء(48)مقاتلة روسية من نوع(سوخوي-35)متعددة الأغراض، وكذلك شراء أربع غواصات تعمل بوقود الديزل، وفي العام 2012م، وقعت روسيا والصين اتفاقية إشترت بكين بموجبها(55) طائرة مروحية من طراز(مي-171).
وفي نهاية هذا المبحث، نرى: أن التعاون في المجال الأمني-الاستراتيجي والتعاون العسكري والتسلح، يحتل اهمية كبرى، إذ يمثل البُعد العسكري في تقديرات الصين لعلاقاتها مع روسيا غاية من الأهمية، فمن الناحية الاولى/ترى الصين ان تفكك الاتحاد السوفيتي لم يفقد لروسيا القدرات العسكرية والأمنية، فهبوطها من مرتبة القوة العظمى الى درجة القوى الكبرى لم يمنعها من الاستفادة من القدرات النووية الاستراتيجية، وكذلك احياء التطور التقني لمواصلة الثورة في التقنية العسكرية، كما وان روسيا استطاعت الحفاظ على ترسانتها النووية فهي قادرة على القيام بعملية الردع العسكري، اذا ما تعرضت إلى هجوم، إذ اشتملت العقيدة الروسية في حقبة التسعينيات من القرن الماضي على خمسة مبادئ أساسية تصب في خانة القضايا ذات الاولوية في مدركات التفكير الاستراتيجي الروسي، ولعل أبرزها: كيفية إحتواء التهديدات العدوانية، أذ ركزت القوات المسلحة الروسية على بناء قوات عسكرية كافية لمواجهة التهديدات المحتملة. أما بالنسبة للصين التي اعتمدت في السابق في الجانب العسكري والأمني على سياسة الاعتماد الذاتي في المجال العسكري، فأنهّا في الوقت الحاضر تسعى جاهده للحصول على منظومات الأسلحة التي للصين حاجة كبيرة إليها وهي تقوم بعملية تحديث قدراتها الدفاعية.
المبحث الثالث: الجانب الاقتصادي والثقافي-الحضاري في العلاقة:
لا تتوقف العلاقات الدولية عند اشكال أو مظاهر التفاعلات السياسية والعسكرية والأمنية، وإنما هناك مظاهر أخرى للتفاعلات الدولية، وهي التفاعلات الاقتصادية والثقافية-الحضارية.
ويشكل البعد الاقتصادي والثقافي-الحضاري أهمية كبرى من بين القضايا المتعلقة في العلاقات الروسية-الصينية، ويُعدّ في نفس الوقت واحد من بين الجوانب المهمة التي تربط الدولتين، ذلك بحكم عمق وأهمية العلاقات بين البلدين ورغبتهما في تطوير وتنمية اقتصادهما عن طريق التعاون في مجالات الاقتصاد والعلم والمعرفة والمجالات الثقافية، فقد أصبحت سمة التعاون هي السائدة في العلاقة بينهما، لاسيما في مجال الاستثمارات المتبادلة، وتبادل الخبرات وتعميق التعاون في المجال الثقافي والحضاري، كما يعد العامل الاقتصادي أكثر فاعلية في تطوير العلاقات الروسية-الصينية بعد الحرب الباردة، خاصة في منطقة آسيا الوسطى، حيث نرى: أن هناك تنسيق وتعاون مشترك من أجل تدعيم الجانب الاقتصادي بينهما في تلك المنطقة.
وفي ضوء ما تقدم، سوف نعالج في هذا المبحث الجوانب الاقتصادية والثقافية-الحضارية بين البلدين، حيث تم تقسيم المبحث إلى ثلاثة مطالب: تناولنا في المطلب الاول: العلاقات التجارية بين الدولتين. أما المطلب الثاني فقد خصصناه لأهمية النفط الروسي والتعاون في مجال أمن الطاقة. وتناولنا في المطلب الثالث: التعاون الثقافي-الحضاري بين الدولتين.
المطلب الأول: العلاقات التجارية:
أن الاهداف والمصالح المتبادلة المشتركة بين البلدين دفعت كل منهما الى تعزيز وتطوير علاقتها مع الاخرى، لا سيما أن اقتصاد كل منهما يتسم بالتكامل مع اقتصاد الاخر، هذا ما يتطلب توافر الجهود لكي يكون هناك تعاون اقتصادي مشترك بين البلدين في مختلف الجوانب.
وتعتبر روسيا شريكاً تجارياً قوياً للصين، حيث ازداد ارتباط الصين بموارد الطاقة الروسية، كما ازداد ارتباط روسيا بالاستثمارات والتكنلوجيا الصينية، وبتجربة الصين في ميدان التكامل مع الاقتصاد العالمي، ففي العام 2000م، بلغ التبادل التجاري بينهما نحو(7)مليارات دولار، وعـــــــــــدّت الصين ثالث أكبر شريك تجاري لروسيا بعد ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ولا شك في أن الإمكانات المتاحة للبلدين تتيح الفرصة لمضاعفة التبادل التجاري بينهما، ولمزيد من التعاون في المجال الاقتصادي.
وكذلك يلاحظ: بأنّ إنضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية آواخر لعام 2001م، أسهم في تنشيط حركة التبادل التجاري بين روسيا والصين، لذا يبدو بأن كلا البلدين عازمان على تعزيز وتقوية صلاتهما الاقتصادية مع بعضهما البعض، حيث تضاعف حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين ما بين الأعوام(2001م-2010م)، من(7)مليار دولار إلى(60)مليار دولار فمتوسط النمو السنوي للتبادل التجاري بين البلدين قد بلغ(30%).(
كما كانت الرغبة الروسية في جذب الاستثمارات الصينية إلى روسيا، عن طريق خلق مناخ إستثماري ملائم في مناطق سيبيريا الجنوبية والشرق الأقصى لتطويرها، واستغلال الثروات الطبيعية فيها، وقد حرص القادة الروس على إشراك رجال الاعمال الروس من الذين يديرون شركات تعمل على طول مناطق الحدود المشتركة بين البلدين في الزيارات التي قاموا بها للصين، والحرص على مقابلة رجال الاعمال والمستثمرين الصينيين، بهدف تشجيع الاستثمار ودفع التجارة بين البلدين إلى الأمام، ففي العام 2002م، استثمر نحو(1100)مشروع روسي في الصين بقيمة(250)مليون دولار أمريكي.(1) وصدرت الصين في العام(2002م)،ما قيمته(3,5)مليار دولار واستوردت من روسيا(8,4)، مليار دولار. أما بالنسبة لحجم التبادل التجاري بين روسيا والصين في العام 2004م، قد بلغ (15,76)مليار دولار، وقد اقتربت من(20)مليار دولار في العام 2005م.
وخلال العامين(2006–2007م) تطور التعاون في مجال التجارة والاستثمارات والطاقة، كما أقيمت ندوات روسية-صينية لممثلي قطاع الأعمال، وقد بلغ حجم التجارة بين روسيا والصين في العام 2006م، نحو(34)مليار دولار، ثم ازداد في العام 2007م، ليصل إلى(48,16)مليار دولار، وازداد التبادل السلعي الروسي-الصيني في العام 2008م، بالمقارنة مع العام 2007م، بنسبة(38,7%)، وبلغ قيمته نحو(55,9)مليار دولار، وازداد التصدير الروسي إلى الصين في العام نفسه وبنسبة(33%)، كما ازداد الاستيراد الروسي من الصين بنسبة(42,3%)، وبلغ العجز في تجارة روسيا مع الصين في العام 2008م، ما قيمته(13,5)مليار دولار، وشغلت الصين في العام 2008م، المرتبة الثالثة بقائمة الشركاء في التجارة الخارجية مع روسيا، وذلك بعد ألمانيا وهولندا، إذ بلغت حجم التبادل التجاري الخارجي لروسيا في العام 2008م، ما نسبة(7,6%).
ويلاحظ ابتداءاً من العام 2008م، انخفاض حجم التبادل السلعي مع الصين، وذلك على خلفية الازمة المالية والاقتصادية العالمية، ففي العام 2009م، وقعا على خطة للتعاون الاستثماري المشترك بينهما، وقد بلغت حجم الاستثمارات الصينية في روسيا(5%) من إجمالي حجم الاستثمارات الصينية الخارجية في العام 2004م، ومخطط لها أن تصل(12%)بحلول العام 2020م، وتم أيضاً في العام 2009م توقيع العديد من الاتفاقيات التجارية بين الأقاليم والمؤسسات الاقتصادية في كل منهما، أما بخصوص نسبة التبادل التجاري بين روسيا والصين في العام 2009م، فنرى أنها إنخفضت مقارنة مع العام 2008م، إذ انخفض التصدير الروسي إلى الصين بنسبة(41%) وتقلص الاستيراد الروسي من الصين بنسبة(36%) الامر الذي أنعكس سلبياً في تجارة روسيا مع الصين بقيمة(1,5)مليار دولار.
وعن طريق المؤشرات السابقة بالنسبة للتعاون التجاري، يلاحظ: أن هناك تزايد وتنامى في العلاقات التجارية بين الدولتين، حيث شغلت الصين في العام 2009م، المرتبة الاولى في التجارة الروسية الخارجية، وذلك بالرغم من انكماش حجم التجارة المتبادلة معها، أما بالنسبة لحجم التبادل التجاري في العام 2011م، فقد شهد ارتفاعاً كبيراً ليصل إلى أكثر من(70)مليار دولار، بزيادة نسبة(55,6%) وبلغت قيمة الصادرات الصينية إلى روسيا(38,9)مليار دولار، بزيادة (31,4%)، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين(88)مليار دولار في العام 2012م، وبحلول نهاية العام 2012م، إستثمرت الشركات الصينية(4,4) مليار دولار في روسيا، وقرر قادة البلدين تحقيق زيادة في حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى(100)مليار دولار بحلول العام 2015م، وإلى(200)مليار دولار بحلول العام 2020م، وهو ما يعنى: أن الصين قد ضمنت لنفسها أن تظل الشريك التجاري الأول لروسيا على امتداد العقود القادمة.
أن من أسباب التقارب الروسي-الصيني يعود إلى(القوة الاقتصادية) التي تمتلكها الصين وما للصين من تأثير على عملية التبادل التجاري بينها وبين روسيا، خاصة في منطقة دول حوض المحيط الهادي-الآسيوي إيجابياً أو سلبياً، فضلاً عن احتمال أن تكون الصين كتلة باسيفيكية اقتصادية في شرق المنطقة، خاصة أن عودة(هونغ كونغ) إلى الصين في العام 1997م، زادت من قوة الصين الاقتصادية إلى الضعف، مع احتمالات عودة تايوان للصين الام، وما تحمله من قوة اقتصادية مضافة للصين يمكنها أن تدعم العلاقات الاقتصادية مع روسيا وبقية دول المنطقة. ومن بين الاهتمامات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، نرى: أن هناك استثمارات كبيرة بين البلدين، وخير دليل على ذلك هو: وجود أكبر مشروع أستثمار صيني في روسيا، حيث بدأ تنفيذه في أذار من العام 2006م، ويبلغ أستثمار هذا المشروع حوالي(1,384)مليار دولار تقدمها سبع شركات صينية كبيرة، حيث يقدر: أن استثمارات الصين في روسيا ستصل في العام 2020م، إلى(12)مليار دولار.
ومن الأسباب الاخرى التي ساعدت على التقارب الروسي-الصيني في المجال الاقتصادي هي: الضغوطات الأمريكية على عجلة البناء والتقدم الصيني عن طريق فرض الضرائب على البضائع الصينية، وغيرها من الممارسات لإضعاف التقدم الاقتصادي الصيني، لذلك شعرت الصين خطورة ذلك على اقتصادها، فذهبت إلى تعزيز وتطوير علاقاتها مع روسيا، كما وأن روسيا لها دوافع في تقاربها مع الصين، فهي تمارس عليها نفس الضغوطات من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عَبِرَ القروض الدولية، والمساعدات الاقتصادية التي تحتاجها روسيا، هذا ما دفع روسيا نحو تطوير وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين.
وفي ظل هذه الظروف، أصبحت روسيا شريكاً أكثر قبولاً للصين، وهناك عدة أسباب لذلك نذكر منها. وهي:
أولاً: إن روسيا ليست عضواً في منظمة الدول المصدرة للنفط(أوبك)، ومن ثم فهي تتمتع بحرية أكبر في تقرير سياستها الاقتصادية، وبخاصة سياسة إنتاج وتصدير النفط.
ثانياً: مع صعود(بوتين) إلى الرئاسة في العام 2000م، أصبحت السياسة الخارجية الروسية أكثر توجهاً نحو آسيا.
ثالثاً: أن التعاون الاقتصادي المتنامي بين البلدين في المجالات المختلفة أظهر بالفعل: ان روسيا قد تكون عنصراً يمكن الاعتماد عليه لأمن الطاقة الصينية.
رابعاً: ان روسيا تسعى عن طريق تقاربها مع الصين اقتصادياً، ولاسيما تجارياً للاستفادة من علاقاتها مع الصين في تعزيز مكانتها ونفوذها السياسي والاقتصادي في منطقة آسيا الوسطى، خاصة وأن روسيا تعد الشريك التجاري الأكبر للصين في تلك المنطقة، وخير دليل على ذلك الانضمام إلى منظمة(شنغهاي)، حيث سعت روسيا وعن طريق المنظمة إلى الاقتراب من دول آسيا الوسطى من أجل تدعيم الاقتصاد الروسي، وكذلك عودة النفوذ والتأثير السياسي والاقتصادي الروسي في المنطقة.(1)
وفي ضوء تلك المؤشرات الايجابية بخصوص حركة وواقع التبادل التجاري بين البلدين، فضلاً عن المشاريع الاستثمارية المشتركة، كلها تُعدّ مؤشرات توضح مدى تكامل اقتصادات البلدين فيما بينها، وعن طريق ذلك تبين لنا: ان العلاقات الاقتصادية بين البلدين تسير إلى الأمام من أجل تحقيق نمو اقتصادي في كلا البلدين، مما يعزز من شراكتهما الاستراتيجية.
المطلب الثاني: المصالح النفطية والتعاون في مجال أمن الطاقة:
ما تزال العلاقات الاقتصادية الروسية-الصينية تشكل بوابة واعدة لتقوية العلاقات والاستثمارات المشتركة، لا سيما في القطاع النفطي وقطاع الطاقة بشكل عام، أن الصين تمثل سوقاً مستقراً ومزدهراً للنفط والغاز، وإن السياسة الصينية لتأمين الحصول عليهما مرتبطة بمقيدات علاقات الصين في السياسة الدولية من جهة، وبسياسة إدامة النهوض الاقتصادي من جهة أخرى، ومن المبادئ الأساسية في سياسة النفط الصينية: تعدد مصادر التزويد بالنفط والغاز، وإمكانية الاستثمار والمشاريع المشتركة، والقرب الجغرافي، خاصة من أقاليم الصين التي بها حاجة إلى التنمية. لقد اسهمت الطاقة الروسية بدور كبير ومهم في تنمية العلاقات الثنائية السياسية والاقتصادية الروسية-الصينية وتطويرها منذ العام 1996م، وبشكل متزايد، ومنذ زيارة الرئيس الصيني(يانغ زيمين) لروسيا العام 2000م، والعلاقات في مجال الطاقة تتسارع وتكبر.(
إذ وقعت شركات النفط في الدولتين إتفاقاً ضخماً في العام 2001م، يهدف إلى إنشاء أنبوب نفطي طوله(2400) كم، مع قدرة على نقل ما بين(25-30)مليون برميل سنوياً، كما تبلغ كلفته ما بين(3-5,2)مليار دولار تقريباً، وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) إلى أن الصين ستحصل عبر هذا الأنبوب في حال إنجازه بشكل كامل على مليون برميل يومياً من حقول(أناغارسكز)، من النفط الروسي.
وقبل أن تحدث قضية شركة (يوكوس)* الروسية كانت شركة(CNPC) الصينية وقعت معها في حزيران من العام 2003م، مذكرة تفاهم حول المشروع، واقترح(بوتين) فيما بعد إعطاء الصينيين حصة في الشركة التي تنتج(1%)من نفط العالم الخام، وكان(بوتين) يأمل بذلك: ان يعيد النفط تسخين العلاقات الروسية-الصينية الباردة تاريخياً.
لكن العام 2003م، شهد أيضاً تطوّر بعض المشاكل في العلاقات الثنائية، وذلك نتيجة تجميد مشروع خط أنابيب نقل النفط الخام من روسيا إلى الصين المعروف اختصاراً باسم خط(إن دي)، وهما الحرفان الأوّلان للمدينة الروسية التي سينطلق منها الخط، والمدينة الصينية التي سيصب فيها، والواقع: ان روسيا هي التي بادرت في تشرين الثاني من العام 1994م، بطرح هذا المشروع حيث وقّعت إتفاقية بين الحكومتين في هذا الصدد في تموز-وأيلول من العام 2001م.
*(قضية شركة يوكس): تعد شركة يوكس النفطية الروسية الشركة العملاقة الأولى لإنتاج النفط ومشتقاته في روسيا، على من ارتفاع نسبة انتاجها من النفط 100% في أثناء الأعوام الثلاثة(2001-2002-2003) ليصل معدل البرميل إلى(1,7) مليون برميل يومياً، أي(29%) من إجمالي الإنتاج النفطي في روسيا، إلاّ ان هذه الشركة واجهت تحدياً عنيفاً تمثل في مطالبة الحكومة الروسية اياها في تشرين الثاني من العام 2004م، بسداد ضرائب ضخمة تصل قيمتها إلى(14) مليار دولار، منها(4) مليار دولار كانت الشركة مدينة بها عن عامي(2001-2002)، و(3,4)مليار دولار ضرائب مدينة بها الوحدة الرئيسة المنتجة للنفط(يوجانسك)التابعة ليوكس، فضلاً عن ضرائب أخرى تقدر بنحو(6,7) مليار دولار، وكان مبلغ الــ(14)مليار دولار يقدر بحوالي ضعفي القيمة السوقية لأسهم الشركة في البورصة، ما يعني أنها أصبحت من دون قيمة حقيقية، لأن قيمة أصول الشركة كلها لم تكن كافية لتغطية المبالغ المستحقة عليها، ونتيجة لهذه الأزمة شنت السلطات القضائية الروسية حملة لإلقاء القبض على معظم المسئولين الكبار للشركة أبرزهم رئيس الشركة الملياردير اليهودي(ميخائيل خودوركوفسكي).
إلاّ أن الحكومة الروسية قامت فجأة، وبعد شهر من توقيع الاتفاقية في آيار من العام 2003م، بتغيير رأيها، مفضلة التعاون مع اليابان في المشروع بدلاً من الصين عبر مد خط أنابيب أطلق عليه اختصاراً خط (إن إن)، ومنذ ذلك الحين لم يتخذ بشأنه خطوة واحدة على الرغم من الوعود كافة الصادرة عن الجانب الروسي بإلتزام تشييده، ان الجانب الروسي لم يغير رأيه إلاّ نتيجة تضارب المصالح بين كتل المصالح داخل روسيا، وخلفيات كتل المصالح الروسية في غاية التعقيد، فكل كتلة من هذه الكتل عادة ما تقوم بالضغط والتأثير على الحكومة للمحافظة على مصالحها الذاتية، إذ قامت الصين بالضغط على روسيا من أجل الحصول على أنبوب النفط آنذاك، وذلك خلال القمّة التي عقدها الرئيس الصيني(هو جنتاو)مع الرئيس الروسي(بوتين) في 15تشرين الأول من العام 2004م، حيث طالبت الصين بالحصول على صفقة خط الأنابيب من أجل زيادة إمداداتها من النفط، وقال مجلس التجارة الصيني الروسي والذي تتمتع فيه الصين بتأثير كبير: إنّ الصين مهتمة جداً بالحصول على الصفقة، وبعد قضية(يوكوس) ربما سيكون البديل المتاح أن تقوم شركة(تران سنفت)الروسية بنقل النفط السيبيري إلى ميناء(ناخودكا)الروسي على المحيط الهادئ، ومنه بالناقلات البحرية إلى الموانئ الصينية المجاورة، ومن المتوقع أن يزيد هذا الأنبوب النفطي في حالة تم تزويده، من حجم التجارة المتبادلة بين روسيا والصين بنسبة 5(%)عما هي عليه في العام 2005م، وإضافة إلى النفط.
وما زالت مشاريع نقل الغاز الطبيعي من سيبيريا عند مدينة(أركوتسوك) تنتظر تدبير(12) مليار دولار لمدّ أنبوب للغاز وفق تقديرات العام 2005م، وستحصل الصين حين إتمامه على ملياري قدم مكعّب يومياً من الغاز الطبيعي، وعلى الرغم من أن الصين حريصة على إتمام تلك المشاريع وتظهر جدية في التعاون مع روسيا مشترطة إلاّ تزاحمها اليابان في حصة من التصدير، فإنهّا لا تضع ثقلها كله على المصدر الروسي.
وأصبح تأمين الامدادات من الطاقة واحدة من الاعتبارات الرئيسية التي تصوغ بها الدول سياساتها وعلاقاتها الخارجية؛ وأن جوانب الطاقة تقود لتحالفات ونماذج جديدة للتعاون بين الاطراف الرئيسية لسوقها من جانب، بحيث صارت الاحتياجات من الطاقة من ناحية أخرى مصدراً وسبباً للتوترات والصراعات الدولية على مختلف المستويات.(1)
أن رغبة الصين في تنوع مصادر وارداتها النفطية، وزيادة الاعتماد على النقل البري أكثر من الممرات البحرية، مع تكامل رغبة روسيا في تنويع أسواقها النفطية خارج أوروبا، فقد عملت كل من: روسيا والصين وفي إطار منظمة(شنغهاي) تعاون كبير في مجال أمن الطاقة في منطقة آسيا الوسطى، لِمّا تمتلكه المنطقة من موارد وطاقات هائلة تمثل نقطة التقاء بين البلدين.(2)
وكذلك وبسبب المخاوف التي باتت تهدد أمن الطاقة، عمدت الصين للتعاون وبشكل كبير مع جارتها روسيا في هذا المجال، ذلك لتوفير ممرات طاقة آمنة وبديلة يعكس عن طريقها تجنب استخدام خطوط الاتصال البحرية المعرضة للخطر، ففي هذا المجال تم الانتهاء في كانون الأول من العام 2005م، من العمل في شطر(أتاسو-ألاستكوا)، وهو خط أنابيب لنقل النفط من كازاخستان إلى الصين، علماً: أن الجزء الكبير من هذا النفط في هذا الخط يأتي من حوض(توراغي) التركمانستاني، ومن روسيا.
فضلاً عن ذلك، فإنّ هناك مشاريع أخرى بعيدة الأمد تشير إلى: مدى التعاون الاقتصادي ما بين البلدين، ومن ابرز تلك المشاريع: بناء الطرق الحديثة للسيارات عَبِرَ جمهورية التاي الروسية إلى جمهورية الصين الشعبية، وكذلك بناء جسور جديدة عبر الأنهار الحدودية في إقليمي(شيتا-وأمور)، وتحسين وتحديث السكك الحديدية التي تربط أقاليم الشمال الشرقي للصين مع مدن أراضي(بريموسكي التجارية البحرية).
وعلى ضوء تلك المؤشرات الايجابية السابقة حول حركة التبادل التجاري ما بين البلدين، فضلاً عن المصالح النفطية والمشاريع الاستثمارية المشتركة في مجال الطاقة وغيرها من المجالات، توضح لنا مدى تكامل اقتصاديات البلدين، فضلاً عن أنهّا تؤشر على أن واقع العلاقات الاقتصادية ما بين البلدين سوف تكون على مستوى عالي مما يؤدي إلى تحقيق التنمية الاقتصادية في كلا البلدين.
كما وأن النفط والغاز من غرب سيبيريا سيخفف القلق الأمني عند صناع القرار السياسيين والعسكريين الصينيين، وبما أن الاعتماد الصيني المتزايد على الطاقة من الخارج يأتي أغلبه من الشرق الأوسط، فسوف يصبح من الصعوبة بمكان إغفال احتمال تأثير خط الإمداد البحري من الشرق الأوسط، وأندونيسيا، والسودان بالأزمات الإقليمية والدولية، ولذلك فإنّ خيار الاستثمار، والاعتماد على منابع النفط، ومكامن الغاز في شرق روسيا، والتي هي بحاجة إلى التطوير سوف يوفر مجالاً أوسع لحرية الحركة في السياسة الخارجية الصينية.
وآشار الرئيس الروسي(بوتين) إلى أن تزويد الصين بالنفط يجب أن يكون له الأولوية القصوى في مشروع خط أنابيب شرق سيبيريا-المحيط الهادئ، وأن (بوتين) في كلامه هذا يعني: أن أنشاء خطوط الأنابيب إلى ساحل المحيط الهادئ الذي كانت اليابان تلح على تنفيذه، سوف يجري تنفيذه في المرحلة الثانية، أي عندما يجري التأكيد من وجود احتياجات نفطية، وضمن هذا المشروع تتوقع روسيا أن يبلغ تصديرها إلى الصين(400,000) برميل في اليوم، عن طريق خط الأنابيب و(200,000) برميل في اليوم عن طريق السكك الحديدية إلى الشرق الأقصى الروسي، وناخودكا التي تُعدّ بوابة المحيط الهادئ.
وزادت احتياجات الصين من الطاقة بمعدل يفوق نمو معدل استخلاص النفط المحلي فيها، فقد زاد معدل استهلاكها للنفط بنسبة(5.82%)سنوياً، بينما أنتاجها المحلي لم يزد ألاّ بنسبة (1.67%) سنوياً، وفي هذا الصدد حاولت الصين تنويع مصادر وارداتها النفطية، وتزايد إستهلاك الصين من الغاز الطبيعي بمعدل سنوي، وصل إلى(13%) ما بين العامي(2000م-2005م)، فقد عملت الصين في هذا المجال على تطوير وزيادة خطوط أنابيب الغاز الطبيعي، وكذلك توسيع أسطول ناقلات الغاز الطبيعي المسال الخاص بها، كما ترى أن عملية الانتهاء من خط الأنابيب بين شرق وغرب الصين بطول(3800)كلم يُعدّ إنجازاً كبير ومهماً بالنسبة لطموحات الصين الخاصة بالغاز الطبيعي.
وفي العام 2001م، بلغ الحجم الاجمالي للوقود وموارد الطاقة المصدرة من روسيا إلى الصين(500) مليون دولار، ولكنه ارتفع في العام 2007م، ليصل إلى(6,7)مليار دولار، وعلى أثر الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي(بوتين) في أذار من العام 2006م، إلى الصين والإعلان عن عزم روسيا عن تغيير بنية التجارة عن طريق زيادة نصيب المشاريع ذات التكنلوجيا العالية، حيث تم في العام 2007م توقيع إتفاقية بين شركة “روس نيفت” ومؤسسة الغاز والنفط الحكومية الصينية بخصوص بناء مصنع لتكرير النفط في(زيانغ زيمين) باستطاعة قدرها(10)ملايين طن في العام، كما وقع بموسكو في تشرين الثاني من العام 2007م، ملحق للاتفاقية الحكومية المعقودة بتاريخ 18/كانون الأول في العام 1992م، بخصوص التعاون لبناء مصنع في الصين لإنتاج أجهزة الطرد المركزي التي تعمل على الغاز وذلك لتخصيب اليورانيوم.
وتُعدّ محطة(تيان وان) الكهرو ذرية واحدةً من المشاريع الذرية الروسية الواعدة التي تم بنائها في الصين، فضلاً عن وجود مشاريع في مجال الفضاء، زيادة على العقود في مجال الطاقة المائية، كما أعلن(بوتين) أن شركة غاز بروم الروسية، وشركة (أس أن بي أس) الصينية سوف تبنيان في الصين خطين فرعيين لنقل الغاز من غرب سيبيريا(مشروع ألطاي)، ومن شرق سيبيريا (مشروع كوفيكطين المجمد) بطاقة إجمالية قدرها(60-80)مليار متر مكعب.
كما وإنّ روسيا تنظر إلى بلدان المنطقة والصين بالدرجة الأولى، كمستهلك مستقبلي للنفط والغاز السيبيريين إلى جانب أوروبا، حيث تم في العام 2009م، عقد إتفاقيات استراتيجية حول التعاون في مجال النفط بقيمة تقارب(100)مليار دولار، وذلك في إطار حوار الطاقة الروسي–الصيني، كما تم توقيع إتفاقيات تجارية بين الأقاليم والمؤسسات الاقتصادية لكلا البلدين، ويتطور أيضا التعاون في قطاعات الغاز والفحم والطاقة الكهربائية.
حيث يشكل التعاون الروسي-الصيني، في مجال الطاقة، شحم تسريع الشراكة بين العملاقين، حيث تقدم روسيا عرضاً بالمرونة في أسعار أمدادات الغاز شريطة أن يسمح لها بالدخول إلى الأسواق الصينية المحلية، لأن الأرباح تكمن في: الداخل الصيني.
أن اعتماد روسيا على صادرات النفط، وبيع الأسلحة يجعل الصين في موقع أفضل للاقتراب من روسيا؛ وذلك يعود لسببين:
أولاً: النظرة المشتركة إلى عالم بعيد عن الهيمنة والقطب الواحد.
ثانياً: ان التعاون الاقتصادي مدعوم بتفاهم سياسي، كما أن الصين تُعدّ ثاني مستهلك للنفط عالمياً، وأن روسيا تحتاج إلى إحياء اقتصادها بالاستثمار وتصدير النفط.
وفي نهاية هذا المطلب المخصص بدراسة المصالح النفطية والتعاون في مجال أمن الطاقة بين روسيا والصين يُلاحظ: أن روسيا لديها عوامل قوة في تعاملها مع السياسة الصينية، وعلى الرغم من أن الصين تدرك: أن روسيا متراجعة عنها في الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي ومعدلات النمو والانخراط في المنظمات الإقليمية وحتى الدولية، وأن هذا كله لا يعني: أن روسيا تحت ضغط الاستجابة إلى رغبات الصين، وأن روسيا قادرة على أن تغذي الصين بالنفط والغاز الطبيعيين ليس عَبِرَ الأنابيب التي تمر عبر الأراضي الصينية فقط، وإنمّا إلى موانئ روسية في الشرق الاقصى الروسي، وروسيا بذلك لا تتعامل مع مشاريع صينية، فقط بل عَبِرَ مؤسسات غير قومية غربية أيضاً، وأن كل هذا يعني: أن التعاون في مجال النفط والغاز يمكن أن يأخذ البلدين إلى الشراكة الفعالة.
المطلب الثالث: التعاون الثقافي-الحضاري بين روسيا والصين:
في وقت تتسارع فيه حركة التاريخ، ويتفاقم فيه الانفجار المعرفي، وينتقل فيه العالم من مجتمع الانتاج الى مجتمع المعرفة, وتصبح فيه الموارد البشرية أهم من الموارد الأولية، يبرز الدور المتنامي للبعد الثقافي–الحضاري بروزاً واضحاً لعلاقته بالقيم التي هي الركيزة في التحديد الجديد للأهداف والوظائف والبنيات، داخل عالم القرية الكونية الصغيرة, فقد بات المدخل الحضاري والثقافي بمفهومه الواسع أهم العوامل المؤثرة في وضع وتأطير استراتيجيات العلاقات بين الدول، من المعروف ان العامل المعرفي هو: ما انتجته القوة الذهنية من برامج ترتكز على المعرفة المعلوماتية، وتعمل على جمع ومعالجة المعلومات اللوجستية والميدانية.
فلقد صاغ عالم السياسة جوزيف ناي (مفهوم القوة الرخوة أو الناعمة)، أي: إنّ القِوى غير التقليدية من قبيل السلع الثقافية والتجارية، يمكنها أن تـُمارس نفوذاً في الشئون العالمية، فإلى جانب ” القوة الصلبة ” أو ما يسمى بـــــــــ(الأسلوب المباشر)، والآمر في أستخدام القوة، والتي يمكن أن تعتمد على: الأغراء بالجزرة أو التهديد بالعصا، هناك أيضاً الاستخدام غير المباشر أو الهادئ للقوة، فقد تتمكن دولة من تحقيق أهدافها المفضلة في السياسة العالمية، لأن الدول الأخرى لديها الرغبة في أتباعها، أو توافق على النظام الذي أفرز هذا التأثير فيها، ومن هذا المنطلق، فإنه من الأهمية أن نضع برنامج عمل وتركيب الأوضاع في السياسة العالمية بالقدر نفسه الذي تدفع به الآخرين إلى التغيير في أوضاع معينة، وهذا النوع من القوة، أي جعل الآخرين يريدون ما تريده أنت، يمكن أن يـُسمى (سلوكاً أختيارياً) أو (السلوك الناعم للقوة).
وبعبارة أخرى، يمكن تعريف القوة(المرنة) أو(الرخوة): بالقدرة على حث فاعل آخر لفعل شيء ما من خلال التأثير فيه، وقد تجعل جاذبية الأيديولوجيا، والثقافة، والهيبة، أو النجاح من بلدٍ ما قائداً للآخرين لكي يكونوا على استعداد لأتباعه، وعليه تعتمد القوة المرنة هذه على مصادر خاصة مثل: ” جاذبية الأفكار” التي تطرحها، أو “القدرة على صياغة برنامج سياسي” يتناسب مع الرغبات التي يبديها الآخرون، وقد أدرك القادة السياسيون والفلاسفة منذ زمن بعيد القوة التي تـُكتسب من خلال صياغة البرنامج وتحديد إطار المناقشة، وترتبط القدرة على صياغة ما يفضله الناس عادة بمصادر القوة غير المحسوسة، مثل: الثقافة والأيديولوجيا والمؤسسات.
فمن الملاحظ: إنّ لبعض أنواع القوة نطاقات تجتاز الحدود القومية بطرق مختلفة، ففيما يتعلق بأتباع الكاثوليك لقرارات الكنيسة في المسائل ذات الأهمية السياسية، أو في المسائل التي تتداخل فيها السياسة والتعاليم الدينية، نرى القوة السياسية أو النفوذ البابوي يمتد إلى دول عديدة، وينطبق القول نفسه على ديانات أخرى عديدة، حيث إن الديانات العالمية الكـُبرى كلها تضمن تعاليمها، سواء أكان بالتصريح أم التلميح، قانوناً أخلاقياً وسلطة معنوية أسمى من السياسات المتغيرة لأية دولة، ومن ثم تتيح كل من هذه الديانات في تفسيرها لهذا القانون الأخلاقي، فرص ممارسة الزعامة الأخلاقية والنفوذ، وربما القوة، عَبِرَ حدود الدول، وبطبيعة الحال ينطبق جزء من هذا القول على بعض الفلسفات العلمانية كـــــــ(الشيوعية).
وبدورنا يجب ألا نقلل أبداً من شأن قوة الأيديولوجيا والدين، فالإيمان ربما يكون مكوناً مهماً من مكونات القوة بقدر ما هي الموارد المادية، ففي عالم يتسم بإنتشار معظم عناصر القوة المادية، فإنّ القوة الحقيقية يمكن أن يؤول أمرها من ثم إلى الاعتماد على إمتلاك المصداقية والشرعية، فالإيمان لا يمكن أن يحرك الجبال، لكنه قادر على تحريك البشر.
ان تاريخ العالم لم يشهد: ان سيطرت قوة واحدة على العالم فتلك سنة مخالفة لطبيعة الأشياء، حيث إمكانية حدوث انتقال قوة إقليمية إلى مرتبة قوى دولية مؤثرة، من الممكن حدوثه معتمدة في ذلك على مجموعة من المقومات التي تأتي بها التغييرات الحاصلة في البيئتين: الإقليمية والدولية دون تجاهل للبيئة الداخلية وأهميتها، ولعل ابرز هذه المقومات، هي:
أولاً: الثغرة الحاصلة في مسارات التفاعل الدولي أحد أهم العوامل المسببة للتغيير، كأن يكون هناك قصور في الآلية كما هو الحال مع عصبة الأمم أو تراجع طرف عن تأدية مهامه كطرف موازن كما هو الحال مع تفكك الاتحاد السوفيتي.
ثانياً: الأزمة: إذ أن ظهور أزمة معينة في مسار تفاعل يمكن أن يقود لتغير طارئ أو قسري بين الأطراف الدولية.
ثالثاً: الرغبة الطموح أو المصلحة التي تظهرها بعض الأطراف الدولية لأحداث تغيرات مهمة لصالح تحقيق أهداف سياسية واقتصادية واستراتيجية لها، حيث شعرت الدول الأوربية: بأنّ مصلحتها تقتضي التوحد والاتجاه نحو الوحدة السياسية والأمنية المشتركة بين أطرافها وبأنّ الحروب لم تخلف لها سوى الدمار والموت والتأخر.
رابعاً: توافر البديل: في أغلب مراحل التحول أو التغيير التي مر بها النظام الدولي، كان هناك دائماً إمكانية أو فرصة لظهور قوى دولية أو إقليمية جديدة أو تبادل في مراكز القوى الدولية بين التراجع والتقدم والمحافظة على المكانة والدور ذاته، وهذا الأمر ينطبق على التغيير الذي أصاب العالم بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالهيمنة على العالم، على الرغم من حساب الجميع: بأنّ العالم سيتجه إلى التعددية القطبية.
أن أحد النماذج المغرقة في التفاصيل كان يقوم على افتراض، إن انتهاء الحرب الباردة يعني إنتهاء الصراع الكبير في السياسة الكونية، وظهور عالم منسجم نسبياً، يقول(فرانسيس فوكوياما): ربما كنا نشهد نهاية التاريخ بما هو: نقطة النهاية للتطور الإيديولوجي للبشرية، وتعميم الليبرالية الديمقراطية الغربية على مستوى العالم كشكل نهائي، فقد تحدث بعض الصراعات في أماكن من العالم النامي ولكن الصراع الكبير قد إنتهى، وليس في أوروبا فقط، وبالتحديد في العالم غير الأوربي، حيث حدثت التغيرات الكبرى خاصة في الصين والاتحاد السوفيتي.
تتطور العلوم والتكنولوجيا تطورا سريعاً في عالمنا اليوم وتواجه جميع الحضارات على هذا الكون دون إستثناء مسألة التكامل والتنمية، مما مهد الطريق لإبراز أهمية توسيع قنوات التبادل وتعزيز الحوار بين الحضارات المختلفة، ذلك لان الحضارة الإنسانية لا يمكن أن تزدهر إلاّ بالاحترام المتبادل بين حضارات الأمم، وتُعلم بعضها من البعض لتحقيق الاستفادة المتبادلة والتطور المشترك، مما لاشك فيه: أن التقدم والتطور في أي مجتمع من المجتمعات لهما علاقة وطيدة وعميقة بالجانب الثقافي والحضاري للمجتمع، ويميزه عن المجتمعات الاخرى. وأن الفروق الأساسية في سرعه التغيير والتطوير بين المظاهر المادية للجوانب الثقافية والحضارية والغير المادية، والاختلاف والتفاوت في سرعة وسهولة انتقالها من مجتمع إلى آخر يؤدي: إلى حدوث فجوة حضارية واختلال بين حركة هذين الجانبين من جوانب حياة المجتمع، حيث تبقى مسألة آلية المتابعة وتشجيع الحوار بين الحضارات محل خلاف فيما بين الدول المختلفة، خاصة أن هناك توجهات من قبل معظم الدول والمنظمات لتعميق حوار الحضارات مفهوماً وممارسة.
كما يمكن أن نعد العامل الثقافي والحضاري عاملاً مستقلاً مثل العوامل الأخرى السياسية والدبلوماسية، والاقتصادية، والعسكرية والأمنية، وهذا يجعلنا أن نفسر السلوك على أساس: البعد الثقافي والحضاري، فمثلاً مقاومة بعض الأقليات العرقية أو الدينية على الساحة الدولية بالاعتماد على ثقافاتهم، لها تأثير قوي ومباشر في سلوك جميع اللاعبين على الساحة الدولية.
ان التبادل الثقافي يساعد على تحقيق السلام الدائم والاستقرار في العالم، فعن طريق التبادل يزداد التفاهم بين شعوب الحضارات المختلفة ويتحقق التعايش السلمي بينها، كما يمكن تسوية النزاعات والخلافات بينها بطرق سلمية وينحل الحقد والكراهية وتفيد في آخر المطاف: إقامة العلاقات التعاونية بين الدول على أساس المساواة والثقة والمنفعة المتبادلتين.
أن روسيا، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي لا تزال تعاني من فراغ عقائدي ايديولوجي بحيث لم تنشأ أفكار اخرى فاعلة وقوية وذات قبول عام لدى الشعب الروسي، أن ما زاد من حدة هذه المشكلة شيوع افكار غربية تحاول السيطرة على المجتمع الروسي، مثل: الصهيونية والماسونية، وهي اتجاهات وأفكار غير وطنية وغير قومية، قد إتسمت التبادلات الشعبية والثقافية بين روسيا والصين بالفاعلية، وحقق عام السياحة الروسي نجاحا كبيرا في الصين، كما حقق أيضاً التعاون في البحث التعليمي والعلمي تقدماً، وشهد بدء تبادلات مباشرة بين الجامعات، وتبادل البرامج التعليمية في علوم البيئة والطاقة والتكنولوجيا الإلكترونية.(3) حيث يولى زعماء البلدين دائماً أهمية كبيرة للتبادلات الثقافية والحضارية بين الشعبين، وخاصة بين الشباب، ما يعزز التفاهم والصداقة فيما بينهما، ومن ثم يدعم الاساس الاجتماعي لشراكة التنسيق الاستراتيجية الصينية-الروسية، وهناك ما يدعو الى الاعتقاد: بأنًه مع جهود الجانبين، سيسفر التعاون الثقافي عن مزيد من النتائج المثمرة، ويرسى اساسا صلبا لشراكة التعاون الاستراتيجية بينهما.
في المجال الثقافي، يُلاحظ: ان للبلدين أوجه تشابه واختلاف في الثقافة والعادات والتقاليد، لكن المشهد الطبيعي وغيره جذب كل شعب للآخر، وقد شهد تبادل إقامة أنشطة سنة اللغة، سنة السياحة، سنة البلد في روسيا والصين نجاحاً كبيراً، كما يمكن أن تعقد في المستقبل أنشطة أكثر تخصصاً مثل: عام الفضاء الخاص بالتكنولوجيا العالية، وعام الثقافة الشعبية لإشراك الناس العاديين مباشرة، وغيرها من الأنشطة لتشجيع التفاعل الكامل بين مسئولين البلدين والمدنيين على السواء.
وتُعدّ أتفاقية التعاون وحسن الجوار الموقعة بين الصين وروسيا في 16/تموز من العام 2001م، اساساً لتطوير العلاقات الثنائية، وانجزت بنجاح في العام 2008م، خطة العمل الخاصة بتطبيق بنود الاتفاقية للمدة ما بين الأعوام(2005-2008م)، وفي تشرين الثاني من العام 2008م، تم إقرار الخطة المماثلة لفترة السنوات الأربع القادمة، وثمة مشاريع ثنائية ضخمة تساهم في تطوير العلاقات الروسية-الصينية، وبينها مشروعا سنة روسيا في الصين، وسنة الصين في روسيا اللذان تم انجازهما في العامي(2006-2007م) حيث يُدرس بمؤسسات التعليم العالي الروسية ما يزيد عن(18)ألف مواطن صيني، ومنهم(500)طالب يدرس على حساب الميزانية الفيدرالية الروسية، كما يزداد عدد الطلبة الروس الذين يعملون على رفع كفاءتهم في الصين، وبلغ عددهم(9) آلاف طالب، وحضر في عامي(2008-2009م)، إلى روسيا للعلاج والاستجمام اكثر من(1500)، طفل صيني من المناطق التي تعرضت للزلزال.
وتُعدّ فكرة عام اللغة المتبادل في البلدين، عام اللغة الروسية بالصين في العام 2009م، وعام اللغة الصينية بروسيا 2010م، خطوة هامة من اجل تعزيز التعاون الثقافي الثنائي في ظل الظروف التي يشهدها العالم.
المبحث الرابع: التعاون والخلاف حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية:
أدت التحولات الإقليمية والدولية التي تعرض لها العالم منذ التسعينيات من القرن الماضي، وما نتج عنها من إنعكاسات سلبية وايجابية، إلى زيادة دور قوى دولية أخرى غير الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد العالمي، حيث أخذت هذه القوى تنادي بضرورة البحث عن سبل جديدة للقيادة العالمية، وبفعل تلك التحولات، بدأ الحديث عن أهمية إيجاد قوة دولية أخرى غير الولايات المتحدة لتملأ الفراغ الذي خلفه تفكك الاتحاد السوفيتي، ولتعيد التوازن الدولي، ومن بين أكثر القوى المرشحة لاحتلال هذه المكانة كل من: روسيا والصين.
أن مؤثرات البيئة الخارجية تلعب دوراً كبيراً في شكل واتجاه العلاقة بين الدولتين، فكل منهما تتحسب من البيئة الخارجية، فهما تخشيان مثلاً من إعلان التحالف الاستراتيجي خشية استفزاز الولايات المتحدة الأمريكية التي يمكن أن تستغل ذلك باستنفار العالم الغربي ضدهما، كما تؤدي البيئة الخارجية أيضا دورا في تحديد اتجاه العلاقة ومستقبلها، فإذا تعززت العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فإنّ العلاقة بين روسيا والصين ستبقى ضمن إطارها الحالي، في حين ستتعمق أكثر في حال تراجع العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.
ونخلص من ذلك كله إلى القول: بإنّ العلاقات الروسية الصينية هي علاقات تعاون استراتيجي قابلة للحياة والاستمرار والتطور، ما لم تكن هناك تطورات أخرى تؤثر عليها.
وعلى هذا الاساس تم تقسيم المبحث إلى مطلبين: تناولنا في المطلب الأول: التعاون حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية، في حين عمدنا بالمطلب الثاني إلى بيان الخلاف حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية.
المطلب الأول: التعاون حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية:
هناك بعض الأمور والقضايا والمؤثرات الخارجية التي ساعدت الدولتين على تقريب وجهات النظر بينهما والعمل على تقويض مثل تلك التوجهات، فقد رفضت كل من: روسيا والصين الهيمنة الأمريكية عن طريق رفض سياسة الأحادية القطبية، والتفرد بالقرارات، والعمل على تشكيل نظام دولي متعدد الاقطاب، ويعكس التنوع الثقافي والحضاري والاجتماعي والمؤسساتي وكذلك تعدد النظم السياسية فيه في إطار التنسيق والتعاون وتبادل المنافع، وكذلك العمل على ان يكون لهما دور أساس في إحتواء بعض مصادر التهديد الجديدة التي فرضت نفسها على العالم.
أن روسيا والصين، ومع تقارب وجهات النظر فيما بينهما من بعض القضايا الدولية حاولت كل منهما ان يكون لها دوراً واضحاً تجاه تلك القضايا الاقليمية والدولية، يتم ذلك عن طريق: أتباع الآليات وسياسات أكثر مرونة من التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة: أن سياسات الولايات المتحدة الأمريكية تدور فقط ضمن مصالحها الخاصة، هذا ما حصل من إعتراض في مجلس الأمن تجاه الكثير من القضايا الدولية، وعلى رأسها: الموقف الروسي-الصيني تجاه الأزمة النووية لكوريا الشمالية، فعندما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية توجيه ضربات إستباقية لكوريا الشمالية إثر التصعيد النووي من جانبها، نراها فشلت في إصدار قرار من مجلس الأمن يتيح لها ذلك؛ بسبب رفض كل من: روسيا والصين على القرار الأمريكي.
وهناك تفاهم روسي-صيني ايضاً في بعض القضايا الاستراتيجية ذات الاهتمام المشترك، منها: احترام كل منهما مصالح الطرف الاخر، وما يُعدّه مناطق نفوذ تمس أمنه القومي، فقد أيدت الصين روسيا في منطقة الكومنولث كون: ان تلك المنطقة هي منطقة نفوذ روسي، كما أيدت أيضاً الصين روسيا في إنضمامها إلى منظمة التعاون الاقتصادي للمحيط الهادي وآسيا.(1) وحين ألتقى الرئيسان الروسي(ميدفيدف) والرئيس الصيني(هو جينتاو)، في بكين في 27أيلول من العام 2010م، فقد كان هناك تقارب في وجهات النظر، ومواقفهما من مجموعة القضايا الدولية والأمنية منها: مشكلات التنمية العالمية، والتغيرات المناخية، ودور الأمم المتحدة في مكافحة الإرهاب، ومنع إنتشار أسلحة الدمار الشامل، والموقف من كوريا الشمالية.
حيث يُعدّ التوافق بخصوص الملف النووي الإيراني نموذجاً واضحاً للتفاهم بين البلدين، حين نرى: وجود تعاطف من جانب روسيا والصين تجاه الملف النووي الإيراني، على الرغم من الضغوطات التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا والصين تجاه الشركات المتعاونة مع إيران، صحيح: ان الموقف الروسي أوضح كثيراً من الموقف الصيني، أن روسيا هي الشريك الاساسي لإيران، ومصدر تزويدها بالتكنلوجيا النووية، وهذا ما عبر عنه الرئيس الروسي(بوتين) إذ قال: ان مخاوف الإدارة الأمريكية من قيام إيران بتطوير أسلحة نووية لن تثني روسيا عن التعاون معها في المجال النوويـ إلاّ أنّ تأييد الصين لا يقل عن الدعم الروسي، خاصة في المحافل الدولية.
أن التقارب الروسي-الصيني يُعدّ محاولة لممارسة ضغوط مضادة تعادل ما تمارسه الولايات المتحد الأمريكية على كل منهما، ولدفع الأخيرة إلى الحد منها، أي بمعنى: كان التقارب عبارة عن تزامن لتصاعد معدلات الضغط الأمريكي على كل من الدولتين في وقت كانت العلاقات الثنائية بين الأخيريين تنمو في كافة المجالات، وأن المصلحة المشتركة لكل منهما في توسيع نطاق التعاون هو: لتخفيف الضغوطات الأمريكية عليهما من جهة، وللبحث عن مجالات للتعاون في الأفاق الأمنية والاقتصادية لكي تحقق كل منهما مزيداً من القوة الجماعية أو المنفردة لمواجهة اية ضغوط مستقبلية من القوى الخارجية، ومن الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً من جهة أخرى. كما هنالك تنسيق وتعاون واضح بين روسيا والصين في منطقة آسيا الوسطى، حيث أن الصين تفتقر إلى الطاقة الكافية لنهوضها، فهي بحاجة إلى مصادر طاقة تساعدها على تنمية اقتصادها الذي اصبح ينمو بشكل مستمر، بحيث أصبحت منطقة آسيا الوسطى تمثل مصدراً جديداً للصين يساعدها على النهوض بواقعها الاقتصادي، كما وأن الصين تطمح إلى تحقيق تنمية متوازنة بين أقاليمها المتفاوتة في مستوى الجاهزية للتنمية، وفي الوقت نفسه، فإنّ الصين حريصة على أن تكون بيئتها المحيطة بها متمتعة بالأمن والاستقرار.
أن الصين تدرك جيداً: أن تلك المنطقة ستشهد تنافس شديد بين روسيا والصين والولايات المتحدة، بحيث أن روسيا والولايات المتحدة الأمريكية قد يلتقيان على تطويق الصين ولكن روسيا أكثر قلقاً على جناحها الغربي الذي بدأ حلف الناتو بتوسع نطاقه إلى شرق أوروبا حيث مناطق النفوذ الروسي، إذ عدت التوسع يمثل تهديداً للأمن القومي الروسي، أما الصين يمكن أن تعفي روسيا من القلق على جناحها الشرقي، عن طريق تطوير وتدعيم العلاقات الثنائية المتبادلة، وكذلك دعم السيطرة الروسية-الصينية في هذه المنطقة في مواجهة الهيمنة الأمريكية.
وهناك أيضاً تعاون بين روسيا والصين على نطاق واسع فيما يتعلق بالعمل من أجل تحجيم الحركات الإسلامية في منطقة آسيا الوسطى، ومكافحة تجارة المخدرات وتهريب الأسلحة والتصدي للإرهاب، والنزعات الانفصالية، وذلك في إطار مجموعة شنغهاي الخماسية، التي تضم كازاخستان وطاجيكستان وقيرغيزستان إلى جانب روسيا والصين؛ لأن منطقة آسيا الوسطى تشكل أهمية خاصة بالنسبة لروسيا والصين فلكل منهما مصالحة الخاصة في تلك المنطقة.
كما هناك توافق روسي-صيني موقف تجاه السياسة الأميركية، ورفضهما لهيمنة قوة واحدة على النظام العالمي، وكذلك معارضة مشروع الدرع المضادة للصواريخ التي تقيمها الولايات المتحدة الأمريكية بدعوى حماية أراضيها من هجمات محتملة قد تشنّها ما تطلق عليه بـــــ(الدول المارقة)، مثل: إيران وكوريا الشمالية، حيث ترى كل من: وروسيا والصين أن مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي، يُعدّ: تهديداً للأمن العالمي، وتجديداً لسباق التسلّح.
بحيث نرى: ان المواقف الأمريكية التي تسير في أتجاه الهيمنة، بحيث يمكن وصفها على أنهّا خطر، بدأ يدفع الساحة الدولية نحو عملية إستقطاب جديدة أدركت عن طريقها كل من: روسيا والصين أن مصالحهما في الشراكة والتحالف لمقاومة الهيمنة الأمريكية على العالم، أو حتى في آسيا على الأقل قد أصبحت ضرورة ملحة، فقد أتفق الجانبان: الروسي والصيني على أن بناء عالم متعدد الاقطاب يُعدّ مرحلة مهمة في طريق الحفاظ على النظام الدولي والاستقرار، كما أكدت الدولتان أن أي تحالف أو تعاون بينهما ليس موجه ضد طرف ثالث.
كذلك معطيات الواقع الجغرافي بالنسبة لروسيا، إذ ان روسيا تشكل أكثر من(75%) من الرقعة الارضية للقارة الآسيوية، وأن التاريخ الروسي يشتمل على نزعتين نحو آسيا من ناحية، ونحو أوروبا من ناحية أخرى، فأنّ النزوع بإتجاه أوروبا لن يلغي النزوع التاريخي الثاني بإتجاه آسيا، وأن خطط التوسع لحلف الناتو، على حساب مناطق النفوذ الروسي قد عمق الضغط على روسيا لتجد في الصين ثقلاً معادلاً لذلك التوسع، مع أن القيادات الروسية، لاسيما في المؤسسة العسكرية غير مطمئنة من تطور القوة العسكرية الصينية.
كما أن توسع الولايات المتحدة الأمريكية لتحالفها مع اليابان وحلف والناتو واستراتيجيات الاحتواء التي تستهدف: روسيا والصين، كلها أمور جعلت من تعزيز وتوثيق العلاقة بين الدولتين أمراً لا محال منه.
وكذلك عارضت كل من: روسيا والصين حرب الولايات المتحدة الأمريكية على العراق، وطريقة إدارة الشؤون العراقية بعد الاطاحة بالرئيس السابق(صدام حسين)، كما عارض كلا البلدين التهديدات الأمريكية والاسرائيلية ضد إيران؛ بسبب برنامجها النووي، وبعد العام 2003م، وعندما إتضحت لدى كل من: روسيا والصين بأنّ الهيمنة الأمريكية بدأت تسيطر على القضايا الدولية وطرق التجارة وإمدادات النفط، وأن هذه الهيمنة قد وصلت الى مستويات خطيرة، وأن هذا الشعور قد قرب البلدين فيما بينهما أكثر من أي شيء آخر، إذ نرى: ان المواقف الموحدة بين البلدين المتمثلة في معارضة الحرب على العراق، والتهديدات بالحرب ضد إيران، فضلاً عن دعم الصين لروسيا في قضية شركة(يوكس)، فإنّ تلك المواقف الموحدة تجاه تلك القضايا ساعدت على تنمية وتوثيق العلاقة بين الدولتين.
المطلب الثاني: الخلاف حيال بعض القضايا الإقليمية والدولية:
على الرغم من وجود تعاون كبير بين روسيا والصين في مختلف المجالات، منذ نهاية القرن الماضي وبما إنعكس على مصالح البلدين بعد أن تم توسيع قاعدة التعاون نحو مستويات ومجالات عمل جديدة، بيد أن هذا الواقع لا يعني: حصول تطابق كلي بين الطرفين بخصوص القضايا والمسائل التي تهمهما معاً، صحيح: أن التجاور الجغرافي بين الطرفين ووجود عوامل ومتغيرات سواء أكانت إقليمية أم دولية مثل: توسيع حلف الناتو ومخاطر عدم الإستقرار الإقليمي والتحديات الأمنية، والتي وفرت قاعدة قوية تسمح للطرفين بتطوير المشتركات السياسية والإستراتيجية بينهما، إلاّ أنّ تاريخ العلاقة بين روسيا والصين، لا سيما حقبة الحرب الباردة، شهد: بأنّه تاريخ تنافسي بين قوتين كبرتين على الساحة الآسيوية هما: روسيا الاتحادية والصين الشعبية، وأن كل تلك المؤشرات الإيجابية للعلاقة لا تمنع من وجود خلافات بينهما.
فعلى الرغم من تدهور العلاقات الروسية-الأمريكية، ان روسيا لا يرجح قيامها بربط حركتها بالعامل الصيني، فهي تحاول الاقتراب من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، والأكثر من ذلك هو: ان من مصلحة روسيا أن يكون لليابان دوراً إقليمياً، هذا ما لا يحلو للسياسة الصينية، وأن المخاوف الصينية من تنامي دور لليابان إقليمياً هو: ان اليابان سوف تعيد قراءة علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية باتجاه تطوير وتعزيز الجوانب الاستراتيجية والأمنية، فمن ناحية: أن اليابان سوف تكون أكثر أقداماً على خيارات سياسة عرض القوة فيما حولها، ومن ناحية اخرى قد يرجح لديها خيار الحيازة النووية، هذا ما تخشاه الصين التي تعمل جاهدة على تحجيم مثل هذا التوجه لدعم روسيا لليابان؛ لأن ذلك سوف يلقي بأثاره عليها كدولة تتطلع إلى، أن تكون صاحبة النفوذ الاول في المنطقة.
ومن قضايا الخلاف الأخرى التي رافقت العلاقة بين روسيا والصين هي: إعتراض الصين على الدعم العسكري الروسي للهند وتزويدها بأحدث التقنيات العسكرية، وأنظمة الدفاع، خاصة أن الصين ترى: بأنّ بعض القوى الراغبة في عرقلة مسيرتها، تدعم الهند لتصبح قوة آسيوية موازية للصين، ومن ثم تقف في وجهها وتحد من قدراتها، فلاشك: أن المسعى الروسي في هذا الاتجاه سيصطدم لدى حليفتها الاستراتيجية الصين.
كما أن العلاقات الروسية-الهندية قد تنعكس بشكل سلبي على طبيعة العلاقة الروسية-الصينية من ناحية: أن هناك خلافات بين الصين والهند، وأنّ إقتراب روسيا من الهند قد يسبب للصين هاجس وخوف وعدم الارتياح، وكذلك نرى: أن التنافس الهندي-الباكستاني، أخذي بنظر الاعتبار العلاقات الصينية-الباكستانية قد ينعكس ايضاً على علاقات القوى المساندة لكل منهما من ناحية ثانية.
كما يتبين: إنّ هناك تباين في المواقف بين روسيا والصين اتجاه قضية جنوب آسيا، حيث الصراع الهندي-الباكستاني الذي أخذ طابع نووي، فالصين أيدت باكستان ضد الهند كي تضعف القوة الهندية وتشغلها عن الانصراف إلى الخلافات الحدودية الصينية-الهندية، كما تحاول عرقلة بروز الهند كقوة آسيوية تنافس الصين، أما روسيا فإنهّا: دعمت الهند وزودتها بالأسلحة لكي تكون كعامل ضغط تستخدمها روسيا ضد الصين بحيث تجعل من الهند قوة موازية للصين. وهنالك أيضاً يوجد ضعف الثقة المتبادلة بين الدولتين النابعة من تجارب تاريخية ومواجهات عسكرية، إلى جانب ذلك التقارب الروسي-الهندي والعلاقات الاقتصادية الوثيقة بين الصين والولايات المتحدة، وكذلك التنافس الخفي الروسي-الصيني للسيطرة على آسيا الوسطى.
فقد حاولت الصين استثمار دورها الإقليمي في الشرق الأقصى في علاقاتها الدولية، عندما حاولت معالجة قضية الملف النووي لكوريا الشمالية، التي توليها الولايات المتحدة الأمريكية أهمية كبرى في مسألة حظر انتشار الأسلحة النووية عن طريق دبلوماسية الحوار الرباعي التي تضمنت:(الصين، الولايات المتحدة الأمريكية، والكوريتين)، واستبعدت منها كل من: روسيا واليابان، وكان الهدف الصيني من إستبعاد روسيا واليابان هو: لاحتكار النفوذ الصيني في كوريا الشمالية، ومساومة الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك لكلي تصبح هي وحدها البوابة إلى القضايا في الشرق الأقصى.
كما أن الصين بدأت بممانعة التوسع الروسي في مناطق نفوذها التقليدية، حيث عارضت الصين من استخدام روسيا لقوتها العسكرية ضد جورجيا، إذ نظرت الصين لهذه القضية على أساس أنها مسعى روسي يكشف عن نيتها في السيطرة على الأنابيب الناقلة للنفط، وهو ما يتعارض مع مسعى الصين نفسها التي تطمح للسيطرة على أسواق الطاقة في أماكن مختلفة من العالم.
إذ الصين تخشى من أن تتحول روسيا إلى قوة إقليمية تحاول إستغلال صلاتها القومية والعرقية مع دول الاتحاد السوفيتي السابق، وهذا ما يساعدها على الهيمنة على مناطق القوقاز وآسيا الوسطى، فقد كان للموقف الروسي بقبول الحضور الأمريكي العسكري في منطقة آسيا الوسطى آثره الواضح؛ وبذلك من أجل موازنه القوة والوجود الصيني على حدودها، وهذا ما آثار حفيظة الصين.
أما بالنسبة لروسيا قد عززت من تواجدها العسكري في منطقة آسيا الوسطى بشكل أكبر خاصة بعد أحداث 11/أيلول من العام 2001م، فهي لا تتخوف من السياسة الصينية الرامية إلى: السيطرة على أسواق الطاقة عن طريق شراء أصول في الشركات النفطية العاملة في دول عدة من العالم؛ لأن روسيا هي بالأساس منتج للنفط والغاز.
على الرغم من ذلك، فإنّ المخاوف الروسية من تزايد القوة الصينية على المستوى العالمي، واحتمال أن يكون للصين دوراً بارزاً في منطقة آسيا الوسطى، والتي تُعدّها روسيا مناطق نفوذها، وعلى هذا الأساس أخذت روسيا على عاتقها: موازنة الوجود الصيني بوجود أمريكي مماثل في المنطقة؛لأن المنطقة تمثل أهمية استراتيجية كبرى، وأنّ التركيز والأهتمام الصيني في هذه المنطقة مثار قلق روسي، والسبب يعود في ذلك؛ إلى ان روسيا تدرك جيداً: بأن الصين سوف تقف بوجه أي دور تتطلع روسيا للقيام به في تلك المنطقة، وعلى الرغم من كل الضغوطات التي تمارسها روسيا ضد الصين في المنطقة يبقى الدور الصيني واضح ومؤثر بشكل كبير.
أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تؤدي دوراً محورياً تجاه كل من: روسيا والصين، بحيث شكل التقارب الأمريكي-الروسي خاصة بعد أحداث 11/أيلول من العام 2001م، في مسائل عدة منها قضية الارهاب والحرب على أفغانستان، مخاوف لدى الصين بحيث كانت روسيا تستثمر تقاربها مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل مساعدتها على النهوض بالاقتصاد من خلال الاستثمارات والأموال الأمريكية، فهي تدرك جيداً: أن هذا الموقف لابد وأن تتفهمه الولايات المتحدة الأمريكية، وتقابله بالمثل، على أساس: ان هناك ثمة مصلحة حيوية مشتركة بينهما.
حيث يُلاحظ: ان روسيا سوف تواجه أزمات في علاقاتها مع الصين في المناطق الحدودية في الشرق الأقصى، على الرغم أن هذه المسألة قد تم تسويتها جغرافياً، وأن السبب في ذلك يعود إلى: ان الصين لها ضغط على المناطق تلك، بحيث أصبح لها أثراً سكانياً واقتصادياً في روسيا، والتي لم تتمكن من السيطرة على هذه المناطق النائية، على العكس أن مصالح روسيا هي أعمق وأن نفوذها أقوى في آسيا الوسطى، والتي قد ترى الصين: أن لها فيها فرص للتقدم كمنطقة نفوذ مما سيجعلها ميداناً للتنافس الروسي-الصيني-الأمريكي، وليس من مصلحة روسيا أو الصين أن تربط حركتهما بخيار استراتيجي واحد، فتصبح أسيرة الطرف الأخر، فأن علاقة الشراكة تنطوي على مضمون سياسي، وإنهّا أبعد من أن تكون خطة لتنسيق العلاقات الثنائية حيال جملة من القضايا الدولية.
إذ تتأرجح العلاقات الصينية-الروسية ما بين التعاون التكتيكي والتنافس الاستراتيجي، فهما تتكاتفان في حرب توجيه أنابيب النفط والغاز شرقاً باتجاه الصين، ومواجهة الهيمنة الأميركية في آسيا الوسطى والشرقية، ولكنهما تواجهان الكثير من المشاكل، منها، ضعف الثقة الناجم عن تجارب تاريخية ومواجهات عسكرية، كما أن التقارب الهندي-الروسي والعلاقات الصينية الأميركية الاقتصادية الوثيقة، والتنافس الخفي بينهما للسيطرة على آسيا الوسطى، ومشكلة الخلل الديمغرافي، كل ذلك يشكل عوامل خطر على العلاقة بينهما، وهذه معادلة خطيرة قد تقلب موازين الأمن والاستقرار في القارة الاور-آسيوية بأكملها في المستقبل.
وأخيراُ، وفي نهاية هذا الفصل، يتبين لنا: أن النظام الدولي يسير نحو نظام متعدد الأقطاب، وخاصة في ظل صعود العديد من القوى الآسيوية في مقدمتها: الصين وروسيا والهند فضلاً عن اليابان، فقد إستطاعت هذه القوى تحقيق نجاحات اقتصادية وعسكرية مكنتها من تبوء دور ومكانة أكبر في النظام الدولي، وأن روسيا في ظل رئاسة(بوتين) منذ العام 2000م، قد إستطاعت رفع معدلات نمو ناتجها المحلي، وخفض حجم التضخم، وسداد معظم ديوانها الخارجية التي ورثتها عن حقبة(يلتسن)، وزيادة حجم الاستثمارات، كما قامت روسيا بزيادة مبيعاتها من السلاح، والعمل على تكوين علاقات مع العديد من الدول في إطار سعيها لاستعادة مجدها ومكانتها كقوة عظمى في النظام الدولي، أما بالنسبة للصين فقد إستطاعت تحقيق معدلات مرتفعة في نمو اقتصادها وزيادة نتاجها المحلي، واستطاعت أيضاً: خفض البطالة والتضخم، وزيادة حجم الاستثمارات والتبادل التجاري، الأمر الذى جعل الصين تصعد في 2010م، كثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
ومما سبق نرى: أن المصلحة المشتركة لكل من: روسيا والصين في توسيع نطاق التعاون هو لتخفيف الضغوطات الأمريكية عليهما من جهة، وللبحث عن مجالات للتعاون في الأفاق الأمنية والاقتصادية لكي تحقق كل منهما مزيداً من القوة الجماعية أو المنفردة لمواجهة اية ضغوط مستقبلية من القوى الخارجية، ومن الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً من جهة أخرى، وسيكون اللبنة الرئيسية لتقويض المركزية الأميركية شيئاً فشيء، وإنهاء الهيمنة الأمريكية التي سيطرت على المجتمع الدولي منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وحتى وقتنا الحاضر، وخصوصاً من الناحيتين: الاقتصادية والعسكرية.
تابع…الصفحة التالية
الانعكاسات الإقليمية والدولية للعلاقات الروسية – الصينية
أن العالم يجتاز في الفترة الراهنة تحولات عميقة في بنية النظام العالمي، وإعادة صياغة الكثير من الرؤى والمفاهيم والقوى الحاكمة للعلاقات الدولية، ومع التسليم بأنّه لم تسفر هذه التحولات عن قيام نظام جديد واضح المعالم والمسارات، فإن ما يحدث على الساحة الدولية من تطورات وأحداث بتغيراتها وتأثيراتها يتطلب النظر والتعمق فيه بغية استشراف اتجاهات إعادة بناء النظام العالمي، وتشير مجمل تلك الاتجاهات إلى حقيقة أساسية مُفادها: ان العالم يتحرك تحركا حثيثاً نحو مزيد من التكتلات السياسية والعسكرية والأمنية، وكذلك التكتلات الاقتصادية الكبرى، سواء أكان عن طريق قيام تجمعات اقتصادية جديدة أم تفعيل هياكل قائمة بالفعل، وإعادة وتحويل الأهداف المنوطة بالمؤسسة الاقتصادية الدولية لتتوافق ومقتضيات التغيرات الجارية على الساحة الدولية منذ إنهيار الكتلة الشرقية، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وما تلا ذلك من تطورات دراماتيكية لإعادة ترتيب هيكل القوة الاقتصادية في العالم.
وسنحاول في هذا الفصل: بيان الانعكاسات الإقليمية والدولية للعلاقات الروسية-الصينية، وعلى هذا الاساس تم تقسيم الفصل إلى ثلاثة مباحث رئيسية: حيث تناولنا في المبحث الاول: البُعد السياسي في العلاقات، فيما تناولنا في المبحث الثاني: البُعد العسكري والأمني، وخصصنا المبحث الثالث: للبُعد الاقتصادي والثقافي-الحضاري في العلاقات.
المبحث الأول: البُعد السياسي:
لقد كان لتفكك الاتحاد السوفيتي، ونهاية الحرب الباردة إيذانا لبداية مرحلة جديدة من مراحل النظام السياسي الدولي، فقد كانت هذه الاحداث بمثابة متغير أساسي لمتغيرات لاحقة مؤثرة في طبيعة العلاقات الدولية، وكذلك طبيعة مقومات ومعايير القوة، فضلاً عن: هيكل النظام الدولي بشكل عام، فضلاً عن: ان النظام السياسي الدولي مرّ في مرحلة مهمة من مراحل صيرورته التاريخية، تختلف عن المراحل التي سبقتها، لتأتي بصورة ونمطية تتلائم مع طبيعة وتأثير التحولات الدولية، ومع وصول الولايات المتحدة الأمريكية إلى السيطرة العالمية أصبح من الضروري الاهتمام بمتابعة التوجهات السياسية لهذه الدولة العظمى، فتبلور النظام الدولي في ظل التحولات التي شهدتها البيئة الدولية في إعقاب انتهاء الحرب الباردة، وتغيير معادلة التوازن الدولي مرتبطاً بدرجة كبيرة بطبيعة الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة الأمريكية، والسياسات التي تتبناها في ظل نظام أحادي القطبية.
وعلى هذا الاساس، واستناداً إلى إختيار أهم القضايا السياسية التي تشغل الاهتمام العالمي، تم اختيار الولايات المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط كأنموذجين لبيان تأثير العلاقات الروسية-الصينية فيهما، لذلك قسم هذا المبحث إلى مطلبين: إختص المطلب الاول: بالولايات المتحدة الأمريكية في العلاقات الروسية-الصينية، في حين خصصنا المطلب الثاني: للشرق الأوسط في العلاقات الروسية-الصينية.
المطلب الاول: الولايات المتحدة الأمريكية في العلاقات الروسية-الصينية:
تُعدّ الولايات المتحدة الأمريكية الدولة العظمى الأكثر تأثيراً في السياسة الدولية في عالمنا المعاصر؛ نتيجة لما تملكه من مدخلات القوة، والتي أهلتها لأن تمارس دور الهيمنة والتأثير في العلاقات الدولية بشكل عام والعلاقات الروسية-الصينية بشكل خاص، إذ أصبحت بذلك ضابط الإيقاع العالمي، فضلاً عما تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية من مثلث القوة القائم على المقومات العسكرية والاقتصادية والتكنلوجية، ومارست التأثير من هذا المنطلق، مما أثر وبشكل كبير في التراتبية الدولية، وآلية توزيع القوة والأدوار للقوى الدولية الأخرى، ومن ثم التأثير في طبيعة وتوجهات النظام السياسي الدولي.
إلاّ أنّ الأمر لا يتوقف على ما تؤثر به الولايات المتحدة الأمريكية على تلك العلاقات، وإنمّا أصبحت العلاقات الروسية-الصينية، وتحديداً منذ الألفية الجديدة عامل مؤثر على ما تصيغه الولايات المتحدة الأمريكية من سياسات بحكم ما تمتلكه كل من: روسيا والصين من عناصر ورؤية لما يجب أن يكون عليه النظام الدولي.
أولاً: العلاقات الروسية–الأمريكية:
أدخل تفكك الاتحاد السوفيتي مرحلة جديدة على معادلة العلاقات الدولية بشكل عام، وعلى معادلة العلاقات البينية بين القوتين العظيمتين بصورة خاصة، فالعلاقات الدولية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي ما عادت مبنية على سياسة القطبين المهيمنين على الشؤون العالمية، وظهرت كتابات مثل نهاية التاريخ لــــــ(فوكاياما)، حيث أشار فيها إلى: إنتصار التجربة الأمريكية، وهيمنتها على التجربة العالمية ككل.
ان العلاقات الروسية-الأمريكية خلال المدة الممتدة ما بين الأعوام(1991-2000)، كانت في مرحلة مد وجزر، إذ سعت الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق استراتيجيتها العسكرية إلى الحفاظ على تفوقها العسكري عن طريق تحديث قواتها وتسليحها بالأسلحة الحديثة والمتطورة للحفاظ على هيمنتها العالمية. أما روسيا، فأنها انتهجت سياسة للحفاظ على كامل الوحدة الإقليمية التي ورثتها عن الاتحاد السوفيتي سابقاً.
وشهدت العلاقات الروسية-الأمريكية تحولاً جديداً منذ العام2000م صعوداً، أن ذلك التحول في العلاقة يقترن بـــــــ”الألفية الجديدة” وله مسبباته ودواعيه، وهو مرتبط بالتحول الذي طرأ على نوعية القيادة أو الزعامة في كلا الطرفين الروسي والأمريكي، ففي الجانب الأمريكي: وصلت إلى البيت الأبيض إدارة من أكثر الإدارات الأمريكية السابقة تطرفاً وعدوانية وتشدداً، فقد تبنت نظرية هي: ان العالم أما أبيض؛ وهو: من يقف وراء السياسات الأمريكية أينما كانت، أو أسود وهو: من يعارض السياسات الأمريكية. أما في الجانب الروسي فقد وصلت قيادة من نمط جديد تكونت من الواقعيين الذين لا ينظرون إلى العلاقات الدولية من وجهة النظر المبدئية فقط، وإنما نظرة واقعية إلى طبيعة الحراك السياسي الدولي؛ ولذلك اصطدمت توجهات القيادتين، ولم تلتقيا إلا في نقاط قليلة، فكان التقاطع والتنافس هو السمة الابرز في العلاقة.
ان العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية يوجد فيها نوع من التفاهم والتنسيق في بعض القضايا وخاصة القضايا الأمنية؛ لأنها: تمثل تهديد مشترك لأمنها القومي، في مقدمتها: قضايا الحد من الانتشار النووي، وأسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، وتهريب المخدرات، إذ تُعدّ مجموعة العمل الروسية الأمريكية في مجال مكافحة الإرهاب نموذجاً لهذا التعاون.
وبعد أحداث 11/أيلول من العام2001م، عملت الولايات المتحدة الأمريكية على أتباع سياسة(مكافحة الارهاب) باعتباره من أولوياتها، فضلاً عن(مشروع الشرق الأوسط الكبير)، حيث عملت الولايات المتحدة الأمريكية صفقات مع روسيا لتمرير سياستها في الشرق الأوسط مقابل تغاضيها عما تفعله في الداخل والجوار الروسي، وبدأ الدور الروسي يستعيد مكانته في المناطق التي تراجع فيها الدور الأمريكي، ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط، مستغلة الأزمة الأمريكية في حربها على العراق والإرهاصات الأخرى التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية.
إذ عَدّت روسيا: ان العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية من أولويات السياسة الخارجية الروسية، وهي تمثل عاملاً هاماً في اشاعة الاستقرار الدولي، وقد ثبتت مبادئ حوار الشراكة الثنائي في اعلان موسكو حول العلاقات الاستراتيجية الجديدة، الذي وقعه الرئيسان الروسي والأمريكي في أيار عام 2002م، وحددت الاتجاهات الأولية للتعاون الثنائي، وهي: العمل المشترك لصالح الأمن الدولي والاستقرار الاستراتيجي ومكافحة الارهاب الدولي ومواجهة الاخطار والتحديات الاخرى التي قد تواجه البلدين.
وفي اللقاء الذي جرى في14–15/تموز من العام 2006م، في بطرسبورغ، عشية قمة مجموعة “الثماني”، صدر البيان المشترك للرئيسين: الروسي والأمريكي المتعلق بالتعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، ومقاومة الانتشار النووي، وكذلك الاعلان المشترك حول المبادرة الشاملة في مكافحة الارهاب النووي.
وفي ختام المباحثات التي جرت في 1– 2/تموز من العام 2007م، اصدر الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس(جورج بوش الأبن)في كينيبانكبورت(ولاية مين)، بيان بخصوص صناعة الطاقة النووية، وعدم الانتشار، والذي يتضمن: برنامج الخطوات الملوسة في مجال تعميق التعاون الثنائي والدولي، في مجال الاستخدام السلمي للطاقة الذرية بشرط: الالتزام الصارم بنظام عدم الانتشار، وفي 6/نيسان من العام 2008م، صدر في ختام قمة(سوتشي)اعلان الاطر الاستراتيجية للعلاقات الروسية-الأمريكية، الذي عكس الطابع الشامل للتعاون بين الدولتين في الاتجاهات الرئيسية من أجل: ضمان التواصل المستقر في المستقبل، ويتضمن الاعلان بصورة موجزة ما تم تحقيقه في الاعوام الأخيرة في مجال الأمن، وعدم الانتشار ومكافحة الارهاب، وبضمنه: الارهاب النووي، وتطوير الذرة في الأغراض السلمية، والمضي قدُما في الشراكة بمجالات: الاقتصاد والتجارة وصناعة الطاقة.
كما كانت الازمة الروسية الجورجية عام 2008م، بداية علاقات جديدة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، حينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تدعم جورجيا ضد القوات في أوسيتا الجنوبية، حيث أدى ذلك إلى توتر في العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فمن خلال هذه الازمة حاولت روسيا تعزيز مكانتها الدولية. ومن الأمور الأخرى التي تقف عائقاً بوجه العلاقات الروسية الأمريكية هي منطقة القوقاز وحوض بحر قزوين، تلك المنطقة التي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية على أنها ذات أهمية استراتيجية كبيرة من الناحية العسكرية والاقتصادية، حيث تتنافس الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا على النفوذ فيها.
على الرغم من كل تلك التحديات والمشكلات التي شهدتها العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية التي تحدثنا عنها، فقد شهدت الساحة الدولية متغيرات أخرى كان لها انعكاساتها على تلك العلاقة، ومنها تزايد القوى الدولية المؤثرة في النظام الدولي الجديد، والتنافس الحاد للحصول على الموارد المختلفة سواء أكانت نفطية أم غيرها، وغلبة النزوع الى أستخدام القوة العسكرية، وعدم قدرة الاتحاد الاوروبي بالدفاع عن نفسه وعن الحلفاء، كما بدا واضحاً في الأزمة الجورجية، فضلاً عن تراجع النزاع الفكري والايديولوجي بين القوى الكبرى ليحل محلهُ النهج البرغماتي في العلاقات الدولية، وأن كل تلك المتغيرات جعلت من العلاقة بين الدولتين تتجه نحو التعاون.
أن السياسة الخارجية الروسية أصبحت أكثر برغماتية، وأكثر تحرراً من القيود الأيديولوجية، بحيث نرى: ان التناقض الأيديولوجي بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية قد زال بتفكك الاتحاد السوفيتي، وتحولت العلاقة بينهما من الصراع والتنافس إلى الشراكة الاستراتيجية القادرة على: احتواء الخلافات وتسويتها على النحو الذي يضمن لروسيا حماية مصالحها وأمنها القوميين، فلم يعد هناك شرق أو غرب. ولكن هناك ثمانية كبار بينها روسيا، وتتقدمها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم هناك حدود للمواجهة الروسية-الأمريكية والتي تقتصر غالباً على (الوسائل الدبلوماسية).ومن ناحية أخرى، فإنّ تزايد النفوذ الروسي في أمريكا اللاتينية، وخاصة بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي(مدفيدف)في العام 2008م، إلى كل من: فنزويلا وكوبا، والمناورات العسكرية المشتركة بين القوات البحرية الروسية-الفنزويلية في العام 2008م، قد اقلق الأدارة الأمريكية، مما جعلها تُعيد النظر في سياستها أتجاه روسيا، فبعد توليه الرئاسة في الولايات المتحدة في العام 2009م عمد(اوباما)على استخدام لغة الحوار مع روسيا حول الدرع الصاروخي الأمريكي والقضايا الثنائية المشتركة بين البلدين في كافة الميادين.
ثانياً: العلاقات الصينية-الأمريكية:
تشكل العلاقات الصينية-الأمريكية نمطاً غاية في التعقيد والتشابك، فلا يمكن وصفها بأنهّا: علاقة عداء. ولكن من الناحية الاخرى لا يمكن وصفها بأنهّا: علاقة صداقة، وان العلاقة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية تتأرجح ما بين التعاون والصراع، فالعلاقات الصينية-الأمريكية قد شهدت تقدماً مهماً على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية، وأن اصطدمت بعقبات عدة. لعل أهمها: إستمرار الدعم الأمريكي لتايوان، وقيام الولايات المتحدة الأمريكية بضرب مقر السفارة الصينية في صربيا، ثم إسقاط الصين لطائرة التجسس العسكرية فوق السواحل الصينية في العام 2008م التي ادت إلى نوع من التوتر في تلك العلاقة، إلاّ أنّ العلاقات سرعان ما إنفكت من أسر تلك العقبات لتستمر بتوسعها في مختلف الميادين، حيث يلاحظ: أن التعاون الفعلي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية قد شهد تطوراً أفقياً وعمودياً منذ العام 2003م، حيث جمعت الجانبين مصالح مشتركة في جوانب مختلفة خاصة في القطاع المالي ومجالات التعليم والصحة والطاقة.
أن الجانب الجوهري في العلاقة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية هو: متعلق بقضايا استراتيجية وأمنية وسياسية، والولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى العلاقة مع الصين على أنهّا: وسيلة فعالة ومهمة للتغلغل إلى آسيا ونشر المفاهيم والقيم الأمريكية من خلال أبواب متعددة بدءً من التجارة المفتوحة وحقوق الانسان، وإنتهاء بإقرار الحريات، كما أن المنظور الجيوستراتيجي الأمريكي للصين يتضمن: الرغبة بالاحتفاظ بوضع القوة الأولى والوحيدة في العالم، ومنع أية قوة أخرى من تحدي هذا الوضع ومنافسته، والصين هنا واحدة من اللاعبين الجيوستراتيجيين، والتي تمتلك القدرة على ممارسة القوة والنفوذ يؤهلها في ذلك قوتها الاقتصادية والعسكرية.
كما أن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية تفتقر إلى: فهم جوهري مشترك لأسس بناء النظام الدولي في المستقبل، والبنى التي سيتمتع بها، فقد عمل الطرفين للتوصل الى فهم من هذا النوع وأن الجانبان يرغبان في إدارة خلافاتهما بواسطة آليات لتلافي النزاع. ولكن الحوار الاقتصادي الاستراتيجي، ومحادثات تنسيق السياسة الدفاعية لم يكونا فعالين بدرجة كافيه للتغلب على التباينين: الجوهري والهيكلي الناتجين عن إختلاف الأنظمة والفلسفات والثقافات في الصين والولايات المتحدة الأمريكية. أما القضايا المتعلقة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية تتراوح ما بين سياسية واقتصادية أمنية.(1) أما على المستوى الاقتصادي، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تغير من نظرتها الاقتصادية إزاء الصين، وإنما تطورت لتشكل أهمية كبيرة في علاقاتها معها، وحاولت الولايات المتحدة الأمريكية وعن طريق(إيبك)*أن تلعب دور الموازن في علاقات شرق وجنوب شرق آسيا بإستخدام قوتها العسكرية والاقتصادية من جهة، والعمل على تقوية حلفائها من جهة أخرى، وكذلك عن طريق إحتواء الصين، ودمجها في الاقتصاد العالمي الرأسمالي.
* منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي)إبيك): هو منتدى يضم(21)دولة تطل على المحيط الهادي، والتي تسعى: لتشجيع التجارة الحرة، والتعاون الاقتصادي في منطقة آسيا، ودول المحيط الهادي، تأسس عام 1989م، تلبية للنمو الاقتصادي المتزايد للدول المطلة على المحيط الهادي، وظهور تكتلات اقتصادية أخرى في العالم مثل الاتحاد الأوروبي الذي ظهر في العام1992م، و(النافتا)التي ظهرت في العام1994م، حيث تسعى إبيك لرفع مستوى المعيشة والتعليم من خلال تحقيق نمو اقتصادي متوازن وتشارك العوائد بين دول آسيا والمحيط الهادي، حيث يشكل تعداد السكان القاطنين للدول المطلة على المحيط الهادي ما يقارب من(40%)من عدد سكان العالم، يحضر الاجتماع السنوي لإبيك رؤساء الحكومات من الدول الأعضاء عدا جمهورية الصين الوطنية(تايوان)، الممثلة تحت اسم(تايبيه)الصينية على مستوى وزير، حيث يتغير مكان إنعقاد المنتدى سنوياً بين الدول الأعضاء
وتحتل الصين مركز الصدارة في أولويات الاهتمامات الأمريكية في آسيا والعالم، ومصير هذه العلاقة يرتبط بأمن وأستقرار قارة آسيا، وقضايا الحرب والسلم فيها، أن الحرص الذي تبدية الولايات المتحدة الأمريكية على تدعيم علاقاتها مع الصين نابع عن عامليين أساسيين، هما: الاول/هو: حاجتها الاقتصادية من منطلق علمها: بأنهّا تتعامل من دولة تمثل خمس سكان العالم، والثاني/هو: المستوى الذي بلغته الصين في تطوير الجانبين: التكنلوجي والعسكري، وما يمثله هذا من خطر مثير للقلق والانزعاج الأمريكي.
كما أن مسألة تايوان تُعدّ إحدى المشاكل التي تعترض مسيرة العلاقات الصينية–الأمريكية، ولها تأثير واضح في السلوك السياسي والاستراتيجي الأمريكي، إذ لا يمكن لأي ادارة أمريكية التخلي عن تايوان– حكومة وشعباً، وذلك لأسباب كثيرة، منها: العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة الأمريكية وتايوان التي تعود جذورها إلى الحرب العالمية الثانية، والتأييد الأمريكي للتطورات الديمقراطية في تايوان، فضلاً عن العلاقات التجارية الوطيدة والواسعة.
ان من القضايا الأخرى التي كانت عقبة أمام العلاقات الصينية-الأمريكية هي: الصراع على بحر الصين الجنوبي، حيث يمثل أحد المعضلات الأمنية التي تجابه عموم منطقة جنوب شرق آسيا بفعل الطموح الصيني الذي يصطدم بطموحات دول الإقليم الاخرى، أن الولايات المتحدة الأمريكية تُعدّ الصراع في بحر الصين الجنوبي، وإحتمالية تفاقمه بالشكل الذي يهدد طرق الملاحة في المنطقة أهم مبررات تمسكها بشبكة تحالفاتها مع دول شرق وجنوب شرق آسيا.
فمن جانب اخر، يُلاحظ: أن الولايات المتحدة الأمريكية تستبعد حدوث صراع في بحر الصين الجنوبي مالم ينطوي الامر على تهديد مباشر لمصالحها، مع أنهّا ستحاول منع الصين أو أي قوة أخرى من السيطرة على هذا البحر.
حيث يحكم العلاقات الصينية-الأمريكية مجموعة محددات لعل من أبرزها:
أولاً: الاحتياج الاستراتيجي: ويقصد بذلك: وجود إدراك متزايد ومتبادل بين الطرفين بأهمية الطرف الآخر واحتياجه له، وإن اختلف معه، ويفسر هذا الأمر مستوى التعاون بعد كل خلاف تشهده العلاقات بين البلدين.
ثانياً: سيطرة المنظور أو الفكر الواقعي في إدارة كل طرف لعلاقاته مع الطرف الآخر، وعدم الرغبة في تقديم أية تنازلات، فالولايات المتحدة الأمريكية تضغط على الصين في محاولة للتحكم في صعودها، حتى لا يضر المصالح الأمريكية، في حين أن الصين من ناحيتها: ترفض فكرة الهيمنة الأمريكية، وقيادة الأخيرة لشؤون العالم بمفردها، حيث أن الصين تدرك الرغبة الأمريكية في إحتوائها، لذا فإنهّا تسعى إلى: الحفاظ على مصالحها في مواجهة الضغوط الأمريكية.
ثالثاً: هي: ان العلاقات الصينية-الأمريكية تتأثر بتغيرات الإدارات الأمريكية دون أن تتأثر بتغير القيادات الصينية، إذ أن من الملاحظ: ان معظم الإدارات الأمريكية بمجرد وصولها للبيت الأبيض تتبع سياسة متشددة تجاه الصين، منتقده الإدارة التي سبقتها لضعف سياستها، ثم لا تلبث أن تغير من موقفها.
رابعاً: والذي يتمثل بتأثير العوامل الداخلية على العلاقات الصينية-الأمريكية، إذ يلاحظ: ان الإعلام والكونجرس الأمريكي، وكذلك جماعات حقوق الانسان كلها تلعب دوراً في الضغط على الإدارات الأمريكية لدفعها إلى إتباع سياسات متشددة تجاه الصين، ويتكرر هذا المشهد داخل الصين، فما يشهده المجتمع الصيني من تحولات جعل سياسة الصين الخارجية أقل اعتماداً على الاعتبارات الأيديولوجية، وأكثر إعتماداً على اعتبارات المصلحة، ولذلك تؤثر القوى الاقتصادية بداخلها على سياسة الصين تجاه الولايات المتحدة الأمريكية.
ثالثاً: تأثير العلاقات الروسية-الصينية على الهيمنة الأمريكية:
ان العالم اليوم، وفي ظل الظروف التي تشهدها الساحة الدولية، وما تسبب عنها من: تخبط وضعف، كان سببه: كيفية التعامل مع الأزمات والاحداث الدولية، فقد أصبح هنالك توجه من قَبِل العديد من الدول على تجاوز القطب الأوحد الذي أسفر عن: نكبات غير مسبوقة بحيث جعلت الموقف الدولي يخضع للازدواجية، وتسيس القانون الدولي، وفرض القرارات المفتقرة للشرعية الدولية، فإنّ نشوء نظام دولي متعدد الأقطاب لن تستفيد منه، الدول المشكلة له فحسب، وإنمّا ستكون الدول النامية طرفاً مستفيداً من هامش الحركة ومساحة الحرية.
فمنذ نهاية الحرب الباردة، وانتهاء مرحلة القطبية الثنائية إتضح تدريجياً: ان هناك صراع بين الاتجاه الداعي إلى: عالم متعدد الاقطاب، والاتجاه الاخر الذي يتبنى: أحادية القطب، والذي تحاول فيه دولة أو تحالف دولي السيطرة على الشئون الدولية، وأصبح ذلك بؤرة الصراع والتنافس في العلاقات الدولية.
ويلاحظ: ان النظام الدولي لما بعد العام 2000م، إستمر بهيمنة قوة واحدة على الساحة الدولية متمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية، التي سيطرت على القرار الدولي، وممارسة التأثير واستخدام القوة، ويمكن وصف الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي طيلة عقد التسعينات عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، وإنتهاء نظام القطبية الثنائية، بأنها فترة إنفراد أمريكي مطلق، إلاّ أنّ هذا النمط ما لبث أن تراجع وأنحسر؛ نتيجة المغامرات والتكاليف الباهظة سواء أكانت الاقتصادية أم العسكرية منها، التي نتج عنها: تراجع دورها ومكانتها في المجتمع الدولي.
وحاولت الأدارة الأمريكية للمحافظة على مكانتها الدولية، لاسيما بعد تراجع الدور والنفوذ الأمريكي خلال السنوات الثمانية لحكم الرئيس السابق(بوش الأبن)، فقد جاءت استراتيجية الأمن القومي التي أعلن عنها الرئيس(باراك أوباما)، في العام 2010م، لتعكس رؤية الإدارة الأمريكية لمواجهة تراجع النفوذ الأمريكي عالمياً، أن الاستراتيجية الجديدة هدفت إلى تدعيم القدرة الأمريكية على لعب دوراً قيادياً في النظام العالمي لتحقيق مصالحها في القرن الحادي والعشرين.
أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة عولت على تحقيق أهدافها عن طريق مساريين: أولهما: تمثل ببناء قوتها الداخلية، وثانيهما: يتمثل بالعمل على بناء نظام دولي يمكن عن طريقه: مواجهة التحديات الدولية، وهذا ما أكده الرئيس(أوباما) في أكثر من محفل دولي، وهي: أنه ليست هناك دولة واحدة بغض النظر عن قوتها تستطيع الوقوف بوجه كل التحديات العالمية بمفردها، وهو الامر الذي يفرض: إعادة صياغة المقاربات التعاونية أو التشاركية القادرة على تحقيق نجاحات دولية.
ان أحداث 11/أيلول من العام 2001م، في الولايات المتحدة الأمريكية وما تلاها من تحولات في الاستراتيجية الأمريكية نحو الحرب الهجومية، واعتبار الإرهاب بمثابة القضية المحورية للسياسة الخارجية الأمريكية، قابلها تعاطف من قَبِل روسيا، فقد دعم الرئيس(بوتين)التوجه الأمريكي في القضاء على الارهاب أملاً في الحصول على دعم أمريكي مماثل ضد الحركة الانفصالية الشيشانية، وكذلك للحصول على الدعم الاقتصادي. وأن هذا التأييد الروسي للولايات المتحدة الأمريكية في مكافحة الإرهاب لا يخفي وجود اعتراض وقلق روسي من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية من استمرار الهيمنة على العالم، حيث أنتقد الرئيس(بوتين) السياسة الأمريكية الأحادية والانفرادية، وطالب بأنشاء نظام دولي متعدد الأقطاب، مع تقوية دور المنظمات الدولية وحيادتها، وتقوية القانون الدولي، وفي العام 2007م، وفي خطابه قُبالة مؤتمر (ميونيخ)للسياسات الأمنية، أنتقد(بوتين) الهيمنة الأمريكية على السياسة الدولية، وميل الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاستعمال المفرط للقوة العسكرية في تلك السياسة. في هذا الصدد نشير الى العبارة الشهيرة التي قالها(ريتشارد هاس)* وهي:(الولايات المتحدة الأمريكية لا تحتاج لإذن من العالم لكي تتصرف. لكنها تحتاج إلى تأييد العالم لكي تنجح).
*ريتشارد هاس: هو رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد شغل هذا المنصب منذ تموز من العام 2003م، وكان ريتشارد هاس مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية حتى حزيران من العام 2003م، حيث كان مستشاراً أول لوزير الخارجية(كولن باول)في مجال واسع من إهتمامات السياسة الخارجية، وكان هاس، الذي أمرَ مجلس الشيوخ الأمريكي على منحه رتبة سفير قد عمل منسقاً للسياسة الأمريكية فيما يتعلق بمستقبل أفغانستان. وقد كان المسئول القيادي في الحكومة الأمريكية لدعم عملية السلام في إيرلندا الشمالية، وبسبب الجهود المميزة التي بذلها فقد حصل على جائزة الشرف بامتياز من وزارة الخارجية الأمريكية.
أي بمعنى: أن العالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، فقد أدهش خطاب(بوتين) في مؤتمر ميونيخ في العام 2007م، الكثيرين، فقد كتبت صحيفة بوسطن جلوب تعليقاً على خطاب (بوتين) فحواه: ان روسيا قبل الولايات المتحدة الأمريكية أدركت حقيقة مهمة هي: ان العالم أصبح عالم متعدد الأقطاب، أي بمعنى: نظام دولي يديره عدد كبير ومتنوع من اللاعبين في ظل مجموعة متغيرة من الروابط وعلاقات التبعية.
ومن السياسات التي تبعتها الولايات المتحدة الأمريكية في التفرد والهيمنة في منطقة آسيا، هو: التوسع في المنطقة من خلال عدة دول، مثل: اليابان وكوريا الجنوبية الشريكان الاساسيان للولايات المتحدة الأمريكية، هذا ما تعدّه الصين مصدر قلق في المنطقة، خصوصاً وهي تتطلع لدور عالمي، وكذلك التوسع الأمريكي في منطقة أورآسيا تلك المنطقة الحيوية والمهمة بالنسبة لكل من: روسيا والصين، إذ ترى كل من الدولتين: ان الوجود الأمريكي في المنطقة يُعدّ مظهراً جيو-سياسياً أساسياً من مظاهر الهيمنة الأمريكية.
أن الصين رغبت في تشكيل نظام دولي جديد متعدد الاطراف، ومن ثم هي رفضت نظام القطبية الأحادية وعارضت سياسة الهيمنة الأمريكية والتفرد بالقرارات الدولية، وعلى الرغم من أن الصين رفضت الهيمنة الأمريكية لكنها غير راغبة في سياسة المواجهة أو التحدي مع الولايات المتحدة الأمريكية بل أنها اتجهت إلى سياسة الأحتواء، وضمن المواقف المشتركة بين روسيا والصين ضد الهيمنة والتفرد الأمريكية، فقد وقع الرئيسان(هو)،(وبوتين)أعلاناً مشتركاً في العام 2008م، يدعو الى: نظام عالمي للقرن الواحد والعشرين، تكون الهيمنة المركزية للبشرية جمعاء مع صون عملية السلام والاستقرار الأمنيين العالميين، والعمل على تحقيق مبدئي: السيادة والمساواة.
إن الحديث عن نظام دولي متعدد الأقطاب ليس كالحديث عن إتفاقية يوقعها طرفان أو أكثر، بل ان النظام الدولي المتعدد الأقطاب يعرف بوجود عدد من الوحدات السياسية العظمى التي تمتلك مصادر قوة مادية ومعنوية تحقق لها الموازنة مع بعضها البعض، وهذه القوة تؤهلها التربع فوق قمة الهرم السياسي الدولي، وتجعلها متميزة عن الوحدات الأخرى الأقل منها قوة وتأثيراً التي تقف في المرتبة الثانية وتظل تدور في فلكها، ولها فعلها في النظام الدولي. ولكنه أقل من تأثير القوى العظمى.
أما بخصوص السياسة الروسية والصينية المشتركة في مواجهة السياسة الأمريكية في شرق ووسط آسيا والشرق الأوسط، حيث يلاحظ: إنّ هناك تنسيق وتفاهم بين الدولتين في تلك المناطق، مدعوم بمخاوف حقيقة من الوجود الأمريكي في تلك المناطق التي تعدّها الدولتين: مناطق نفوذ لها، إذ يرى: ان السياسة الروسية والصينية هي تقف بوجه السياسة الأمريكية في المنطقة، والتي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية إستقلال مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية من أجل بسط السيطرة والنفوذ في تلك المناطق، هذا ما تخشاه كل من روسيا والصين.
ان تأثير الهيمنة الأمريكية على العلاقات الروسية-الصينية بدى واضحاً، خاصة بعد المواقف التي تبتها كلتا الدواتين من السيطرة والتفرد بالعالم من قَبِل دولة واحدة، والعمل على إيجاد عالم متعدد الأقطاب.
إذ نرى: ان المواقف التي تسير في أتجاه الهيمنة الأمريكية بحيث يمكن وصفها على أنهّا بدأت تدفع الساحة الدولية نحو عملية إستقطاب جديدة أدركت ومن خلالها كل من: روسيا والصين: أن مصالحهما في الشراكة، والتحالف لمقاومة الهيمنة الأمريكية على العالم أو حتى في آسيا على الأقل قد أصبح ضرورة ملحة حيث تقف كل من: روسيا والصين موقفاً رافضاً للتصرفات الأمريكية لبناء عالم أحادي القطب، وممارستها لنزعة التفرد والهيمنة، وتدعوان الى بناء عالم متعدد الاقطاب، والتأكيد على توسع إدوار المنظمات الدولية وحيادتها، وعدم التدخل في شئونها، وخاصة منظمة الأمم المتحدة.
ومما سبق، يلُاحظ: على الرغم من الدعوات التي تعالت في منع الهيمنة الأمريكية، والدعوة الى عالم متعدد الأقطاب، وأن زوال الهيمنة الأمريكية في نهاية الأمر لن ينطوي على أعادة تعددية الأقطاب إلى القوى الرئيسية المعروفة التي سيطرت على العالم في القرنيين الأخيريين، كما أنه لن يؤدي إلى سيطرة قوة واحدة مهيمنة تحل محل الولايات المتحدة الأمريكية مهما كانت حيازتها من القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنلوجية، وبمعنى: إنّ النظام الدولي المتعدد الأقطاب المستقبلي له طابع عالمي أيضاً؛ لأنه سيقوم بحراب وقوى دول عظمى، مثل: الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، وجميعها قوى نووية من العيار الثقيل، وستكون هناك دول كبرى بدرجة أقل من الدول العظمى في القوة والتأثير، بحيث نرى: إن تكافؤ الدول العظمى يحقق التوازن الدولي، ويحول دون وقوع حرب عالمية ثالثة قادرة على تدمير البشرية بأكملها.
المطلب الثاني: الشرق الأوسط في العلاقات الروسية-الصينية:
ترتبط منطقة الشرق الأوسط بعامل جغرافي واضح الأثر في كل أرجائه؛ ذلك هو: عامل المكان والعلاقات المكانية التي ميزت وتميز الشرق الأوسط: كمنطقة مركزية منذ القدم في علاقات الشرق والغرب القديم، وحديثاَ الشرق بمضمونه الحضاري–الاقتصادي عامة في آسيا وأفريقيا الشمالية والشرقية والغرب بالمضمون الحضاري–الصناعي العام في أوربا وأمريكا الشمالية وروسيا، وهذه الأهمية المكانية جعلت الشرق الأوسط هدفاً للاستهداف والاحتلال منذ القدم، ومما سبق، فإنّ منطقة الشرق الأوسط تُعدّ مركز إستقطاب للقوى الدولية، حيث ان استراتيجياتها تكاد لا تخلو مطلقاً من التركيز على المنطقة ومحاولة السيطرة عليها لدرجة: أنهّا عدّت لحقبة ليست بالقصيرة ، ومازالت مسرح عمليات الصراعات والنزاعات العالمية، فضلاً عن ان طموح السيطرة على إقليم الشرق الأوسط لم يقتصر على الدول الفاعلة في المنطقة نفسها، مثل: إيران وإسرائيل وتركيا، بل يشمل أيضاً: القوى العالمية.
أولاً: روسيا والشرق الاوسط:
فرضت الجغرافيا على روسيا منذ زمن القياصرة الاهتمام بالشرق الاوسط، حتى قبل أن تسمى هذا المنطقة بهذا الاسم في العام 1902م، على يد ضابط البحرية الأمريكي(الفرد ماهان) في مقال بعنوان:(الخليج الفارسي والعلاقات الدولية)، وكان مبعث اهتمامها هو: الوصول بروسيا إلى المياه الدافئة، وبما أن روسيا تشغل الحيز الأكبر من الكتلة الأور-آسيوية الملاصقة للشرق الأوسط، فقد وضعته في بؤرة سياستها الخارجية.
وأثارت التحركات الروسية في منطقة الشرق الاوسط خلال المدة التي عقبت وصول بوتين إلى السلطة في روسيا العديد من علامات الاستفهام حول توجهات السياسة الخارجية الجديدة، وطبيعة حركتها خلال المرحلة، والآثار التي يمكن أن تنتج عنها على الأوضاع والتوازنات في منطقة الشرق الأوسط، وفي الواقع لا يمكن فهم تلك التحركات والتوجهات في السياسة الخارجية بعيداً عن الاستراتيجية العامة للسياسة الخارجية الروسية، والتي تبلورت مع وصول الرئيس بوتين، وما نتج عنها من تحركات للسياسة الخارجية الروسية على الصعيد العالمي.
ان الاهتمام الروسي في منطقة الشرق الاوسط يأتي من خلال مصالح محددة، فقد حددت روسيا ثلاث مصالح كبرى في الشرق الاوسط، هي:
المصلحة الأولى: منافسة الولايات المتحدة الأمريكية بالقدر الذي ينهك الأخيرة استراتيجياً من أجل أعادة حساب موازين القوة العالمية، بما يسمح بإعادة تشكيل ميزان القوة العالمي. حيث قدم التورط الأمريكي في العراق إلى روسيا فرصة استراتيجية مهمة، فقد تزامن الانغماس الأمريكي في العراق مع صعود إقليمي لإيران لم تكن روسيا بعيده عنه، بل دعمت ولأكثر من مرة إيران في بناء قدراتها النووية، مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية في مأزق العراق، واستحالة قيام ضربة عسكرية ضد إيران، أن كل هذا كان يمثل بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية نافذة تُنفتح على خسارة في الشرق الاوسط، في حين يمثل لروسيا نافذة تؤدي إلى فرصة يجب إلاّ تضيعها موسكو، هذا ما رأيناه عن طريق الموقف الروسي من وصول حركة(حماس)إلى السلطة في فلسطين في العام 2006م، حيث دعمتها روسيا، وبادرت بإستقبال قيادتها، هذا ما اقلق الولايات المتحدة الأمريكية التي وضعت تلك الحركة في قائمة الدول أو المنظمات الداعمة للإرهاب الدولي.
أما المصلحة الثانية لروسيا في منطقة الشرق الأوسط، فهي اقتصادية صريحة، تقوم على أساس حسابات الربح والخسارة، إذ يحتل التنسيق التعاون في مجال الطاقة قمة أولويات السياسة الروسية في المنطقة العربية، وحوله تتمحور الدبلوماسية الروسية، والتقارب مع الدول العربية، لاسيما دول الخليج العربي، ويلي ذلك أوجه التعاون الأخرى، سواء أكان في المجال التقني أم الاقتصادي أم العسكري، فقطاع الطاقة يمثل أحد المجالات الأساسية التي تتلاقي فيها المصالح العربية والروسية.
وتنظر روسيا إلى دول الخليج، لا سيما السعودية، كحليف لها في سوق الطاقة العالمية، وليس منافسة أحدهما للآخر، ويتم التنسيق والتعاون بين روسيا والدول العربية في مجال الطاقة بإطار محورين أساسيين: أولهما: الحفاظ على استقرار السوق النفطية، وضمان حد أدنى لأسعار النفط، وذلك عن طريق التحكم في حجم الإنتاج، خاصة أن روسيا تشارك في اجتماعات أوبك كمراقب، وثانيهما: الاستثمارات الروسية في قطاع النفط العربي، والإقبال من جانب شركات النفط الروسية على الاستثمار في قطاع النفط في الدول العربية، عن طريق المشاركة في عمليات البحث والتنقيب وتطوير الإنتاج. وقد زار بوتين في العام 2007م، السعودية وقطر، وتمخض عن تلك الزيارة بيع السعودية دبابات(T-90)الروسية المتطورة إلى جانب التشاور في قطر بخصوص إمكانية إنشاء منظمة لمصدري الغاز الطبيعي، تضم إلى جانب روسيا وقطر كلا من: الجزائر وإيران وتركمانستان وأوزبكستان وفنزويلا.
أن النظرة الروسية الى الشرق الأوسط: كمنطقة جارة على الحدود الجنوبية زادت العلاقات معا بفعل التطورات الأمنية والعسكرية المتفاقمة، لاسيما إبان الحرب على العراق، والتدخلات في أفغانستان وجورجيا، فقد إستخدم الرئيس الروسي(بوتين)الأوراق التي يمتلكها في إعادة إحياء دورها في الشرق الأوسط، وخاصة في المجالات التجارية وسوق السلاح.
أما المصلحة الثالثة لروسيا في الشرق الأوسط، هي: أمنية حتمتها الجغرافيا السياسية، فالشرق الأوسط أشبه بخاصرة رخوة تحيطها بجمهوريات آسيا الوسطى، والقوقاز، اللتان تُعدّهما روسيا جواراً قريباَ لها فيهما مصالحها الحيوية، حيث تعمل روسيا جاهدة من أجل منع أي تعدي أو توسع باتجاه تلك المناطق ذات النفوذ الروسي.
وكذلك، سعت روسيا إلى تنشيط صادراتها من الأسلحة إلى منطقة الشرق الأوسط، ليس إنطلاقاً من إعتبارات سياسية أو أيديولوجية. ولكن نظراً لما تمثله عوائدها من مورد مهم للدخل القومي، وذلك ليس فقط لحلفائها التقليديين في المنطقة، لاسيما سوريا والجزائر وليبيا(قبل التغيير في العام 2011م) واليمن. ولكن عن طريق فتح أسواق جديدة في الأردن ودول الخليج العربي، والتي تعد سوقا تقليدية للولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية.
ثانياً: الصين والشرق الأوسط:
تُعدّ منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للصين واحدة من بين المناطق التي لها تأثيراً في عملية التنمية الصينية، على الرغم من أن الصين إحتفظت بعلاقات قوية مع بعض البلدان في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة العربية منها في الخمسينيات والستينيات، وأنّ مصالحها النفطية، واعتمادها الكثيف على نفط الشرق الأوسط منذ آوائل تسعينيات القرن الماضي، ادى إلى تحول اساس في العلاقات الصينية-العربية، فقد أصبحت مصالح الصين النفطية والتجارية بالأساس هي التي تحدد مسار هذه العلاقات، وليس مجرد المصالح السياسية.
ان أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للصين في كونه المصدر الرئيسي للنفط الذي تستورده من جهة، فضلاً عن أن صادرات السلاح الصيني المتنوعة التي تذهب إلى العديد من بلدان هذه المنطقة من جهة أخرى يجعل من التنسيق والتعاون أمراً لا محال منه، وبما أن هناك تنسيق وتعاون بين الصين والشرق الأوسط على المستويين: الاقتصادي والاستراتيجي، فقد أصبحت حاجة صينية-شرق آوسطية متبادلة لتوظيف ذلك التعاون عَبِرَ شركات استراتيجية في مجالات التصنيع والخدمات والمبادلات الثقافية.
ان سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط بقضاياه ومشكلاته وفرصه الاقتصادية الرائعة تُعدّ إنموذجاً حياً للطريقة التي تفكر بها الصين لتأمين مصالحها الحيوية في تلك المنطقة، إذ يدرك القادة الصينيون أهمية المنطقة، وارتباطها باستقرار حالة النمو الاقتصادي الداخلي، وهذا ما يتطلب ضرورة أشاعه نوع من الاستقرار النسبي في المنطقة.
أما بالنسبة للمصالح الصينية في الشرق الأوسط، فهي تتوزع على محاور عدة من أهمها:
المصلحة الأولى: هي نفطية: حيث يعدّ الشرق الأوسط المصدر الأساسي للنفط والغاز الذي تستورده، وفي ذلك المجال نرى: إنّ هناك تعاون بين الطرفين، حيث تعد الصفقات الصينية في مجالي: النفط والغاز مع كل من: السعودية وإيران وقطر خلال العقد الأول من القرن الحالي، عنصراً اساسياً، ومحركاً في التوجهات الصينية في المنطقة، وتهتم الصين بشكل أساسي على الأقل: كموقف مبدئي بتأمين ممرات النفط الدولية، لاسيما القادمة من منطقة الشرق الأوسط.
ولذلك إتجهت الصين للاستثمار في قطاع النفط في المنطقة العربية، وفي هذا المجال نرى: ان الصين استوردت من المنطقة العربية نحو(0.6)مليون برميل/يومياً في العام 2000م، ثم أرتفع استيرادها من النفط العربي إلى نحو(2.4)مليون برميل/يومياً في العام 2008م، كما ازداد حجم التبادل التجاري بين الصين والمنطقة العربية، بحيث ازداد من نحو(1.3)مليار دولار في العام 1990م إلى نحو(10.8)مليار دولار في العام 2000م ولتبلغ نحو(17.5)مليار دولار في العام 2004م، ثم ليرتفع إلى نحو(32.5)مليار دولار في العام 2010م.أما المصلحة الثانية: للصين في الشرق الأوسط هي: ان الصين لديها شراكة أقتصادية مع دول الشرق الأوسط، حيث تنمو التجارة الصينية مع بلدان الشرق الأوسط بنسبة عالية، بمعنى: ان التعاون بين الصين وبلدان الشرق الأوسط، ومنها: العربية: يتضمن: مجالات عدة منها: الصناعة والزراعة والطاقة والعلوم والتكنلوجيا والسياحة وغيرها من القطاعات.
ثالثاً: تأثير العلاقات الروسية-الصينية في الشرق الأوسط(ثورات الربيع العربي ليبيا-سوريا):
تفرض المتغيرات الدولية التي أفرزتها الثورات العربية، والمواقف الدولية منها: ضرورة تحديد طبيعة النظام الدولي السائد، من أجل إتاحة إمكانية فهم حدود سلوك الدول الفاعلة في مجريات الثورات العربية.(1)
حيث شهدت المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة, نشأة نظم حكم إتسمت بالاستبداد والتسلط، وكان البعض منها: مدعومة بعوامل دولية، إلاّ أنّه وبعد أن طرحت الولايات المتحدة الأمريكية مشروع الشرق الأوسط الكبير في العام 2003م، والقائم على ضرورة: ان تحدث دول المنطقة اصلاحات في نظمها: السياسية والاقتصادية، والتعليمية والحريات، وإنها اتجهت إلى تحريك القاعدة الاجتماعية لأحداث التغيير بدلاً من اللجوء إلى إعادة استخدام الأنموذج العراقي في العام 2003م، وانتهى الحال إلى إندلاع ثورات عربية في كل من: تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا وغيرها من البلدان، فتلك الثورات كانت وليدة تفاعلات داخلية تراكمت على مدى اعوام طويلة، شهدت تفاقم الكثير من الأزمات، والكثير من اخفاقات النظم الحاكمة سواء أكان على مستوى ادارة السياسة والحكم في الداخل أم على مستوى ادارة الحكم لعلاقاته الخارجية، على الرغم من تلك الإخفاقات التي تشهدها البلدان المنتفضة، والسياسات غير المجدية تجاه الشعوب في الداخل، والتخبط في ادارة السياسة الخارجية تجاه العالم الإقليمي أو الدولي، إذ نرى: ان هناك في حقيقة الأمر أطرافاً إقليمية، وأخرى دولية أن لم تكن طرفاً مباشراً في تفجير بعض الثورات الشعبية في بعض البلدان العربية، فإنهّا كانت طرفاً مباشراً في تفعيل مجرى تطور تلك الثورات سواء أكانت باتجاه الاحتواء، وضبط المسار أو حتى منع التطور أو باتجاه تفعيل التطورات، والوصل بها إلى النحو الذي آلت إليه.
1.تأثير العلاقات الروسية-الصينية في الشرق الأوسط(ليبيا):
ان الموقف الروسي-الصيني من تطورات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة(ليبيا) كان واضحاً، فحينما شرعت الولايات المتحدة الأمريكية بالقيام بتدخل في ليبيا أثر الاحتجاجات التي حصلت فيها في17شباط من العام 2011م، أصدر مجلس الأمن القرار(1973) في17 آذار من العام 2011م، بعد مشاورات واسعة بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن، على الرغم من عدم تصويت روسيا على القرار القاضي: بفرض عقوبات على نظام الزعيم الليبي وعائلته والمقربين منه، وكذلك حظر بيع الأسلحة. وكان الهدف من التدخل في ليبيا هو: تمكين الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو من مواجهة الأخطار المتدفقة من ليبيا؛ نظراً للموقع الجيوستراتيجي الذي تتمتع به لليبيا باتجاه أوروبا، وكذلك للحفاظ على خطوط المصالح في عمق منطقة الساحل والصحراء، خاصة فيما يتعلق بخطوط النفط والغاز الطبيعيين الأفريقي الممتد من ليبيا إلى تشاد، ثم الكاميرون ونيجيريا.
حيث كان الموقف الروسي من قرارات مجلس الأمن ضد ليبيا، هو: أنهّا وافقت على قرار مجلس الأمن رقم(1970)الصادر في 26اشباط من العام 2011م، المتمثل بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية شاملة على السلطة الليبية، وقال الرئيس الروسي(ميدفيدف): ان القرار لا ينص على التدخل الخارجي في ليبيا، وروسيا تؤيد الدعوة إلى حماية المدنيين، وإيقاف العنف الدامي في البلاد.
حيث نلاحظ: وجود تناقض في المواقف لدى القيادات الروسية، إذ وصف(بوتين) التدخل الأطلسي بــــــ(الحرب الصليبية)، في حين عـــــــــــــدّ(مدفيدف): ان التدخل الأطلسي يهدف إلى: تجنب المدنيين الجرائم التي يرتكبها النظام.
وعندما طرح قرار(1973) للتصويت في مجلس الأمن لم تصوت روسيا ضده، بمعنى أنهّا لم تستخدم حق النقض ضده، ولم تكن جزء من التحالف الدولي الفاعل، فهي رفضت الاشتراك في الحملة العسكرية على قوات القذافي، حيث صرح وزير الخارجية الروسي(سيرجي لافروف) قائلاً: بما أن الحلف الأطلسي يباشر بتطبيق القرار(1973)بخصوص ليبيا، فعليه إحترام موجبات القانون الدولي.
بمعنى: ان روسيا لم تؤيد الثورة في ليبيا، وأكتفت بالإعلان عن إيقاف أراقة الدماء، مع الدعوة إلى: عدم التدخل الخارجي، على الرغم من أنها مررت القرارات الدولية بدون إعتراض، وعندما رأت ملامح الهزيمة تقترب من حكم القذافي دعته إلى الرحيل، وأجرت مفاوضات مع المجلس الانتقالي الليبي في بنغازي.
في حين اختارت الصين: تجنب الصِدَام مع القوى الغربية حيال التطورات في ليبيا، والتزمت موقفا تميز بــــــ”الغموض المدروس”، بسبب علاقاتها الاقتصادية الكبيرة مع النظام الليبي، وأنّ سياسة الصين تجاه الأزمة الليبية كانت محكومة بهاجسين: أولهما/التأثير السياسي الداخلي الذي قد تحدثه الاضطرابات بالمنطقة، والأخر/هو: الآثار الاقتصادية إذ تولي الصين إهتماماً خاصاً باستقرار البلدان التي تزودها بالنفط سواء أكان بأفريقيا أم خارجها.
إن المساس الأميركي المتزايد بمصالح القوى الدولية المختلفة بما فيها مصالح الصين قد يرسم وضعاً جديداً في علاقات الصين بالغرب، وقد يدفعها إلى انتهاج سياسة خارجية ودفاعية ستبتعد تدريجياً عن تقليد الحياد والتحفظ والدبلوماسية الهادئة، ففي قضية أمن الطاقة، تعتمد الصين على الدبلوماسية الصامتة والفعالة للحفاظ على مصالحها وعلى مصادر تدفق الطاقة إليها، إذ ترى الصين: بأنّ الولايات المتحدة الأمريكية تحاول ابتلاع العالم مرة تلو مرة غير آبهة بمصالح الدول الأخرى، وهو أمر حصل في أفغانستان والعراق، وهو ما يقلق الصين التي تشهد علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية صراعات خفية على كل المستويات السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية.
من هنا نرى: ان الموقفين: الروسي والصيني من الثورة الليبية كانا في البداية مؤيدين للعقوبات الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي فرضت على النظام الليبي. لكن ما لبث التباين بينهما، وبين مواقف الدول الغربية يبرز مع صدور قرار مجلس الأمن رقم(1973)، الذي أقر: فرض منطقة حظر جوي، إذ تحفظت روسيا والصين على القرار، وإن لم تستخدما حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن؛ نتيجة للضغوط الدولية الكبيرة في هذا الشأن، وكذلك بسبب الرد العنيف من قبل النظام الليبي على الثوار عن طريق استخدام الأسلحة الثقيلة. لكن حدة التباين بدأت تزداد مع تجاوز القوات الجوية الغربية التفويض الممنوح لها من مجلس الأمن لحماية المدنيين، واستخدام القوات الجوية ضد قوات النظام الليبي، الأمر الذي غير بشكل واضح ميزان القوى على الأرض إلى الضد من قوات النظام الليبي.
2.تأثير العلاقات الروسية-الصينية في الشرق الأوسط (سوريا):
كانت سوريا على الدوام مركزاً لصراع الدول الكبرى وقد تمددت إليها الحرب الباردة فور إنقسام أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وحصل الصراع على سوريا بين الشرق والغرب بعد قيام حلف بغداد في العام 1954م، ثم أصبحت سوريا لاعباً اساسياً في المنطقة بعد دخولها العسكري إلى لبنان في العام 1976م.
ان سياسة روسيا والصين في سوريا تتأثر بالموقف الدولي المتغير من سوريا منذ التسعينات، وحتى مطلع القرن الواحد والعشرين، إذ نرى: ان أربع مشاكل واجهت سوريا وهي: أولاً/الضغط الأمريكي على سوريا بحجة دعم الإرهاب، والاعلان الأمريكي عن إمكانية فرض حصار على سوريا، وفرض عقوبات دولية عليها، وثانياً/التهم الموجهة من الولايات المتحدة الأمريكية ضد سوريا بصنع أسلحة الدمار الشامل، وقيام الولايات الأمريكية بالتخطيط لتوجيه ضربات عسكرية وقائية لسوريا حسب السيناريو العراقي، وثالثاً/الضغط الاسرائيلي على سوريا وإقامه نظام من العزلة الدولية على سوريا، ورابعا/إتهام المخابرات السورية بأنهّا: وراء إغتيال رئيس الوزراء اللبناني(رفيق الحريري) في العام 2005م، ومطالبة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بسحب القوات السورية من لبنان.
وقد تفجرت الاعتراضات الشعبية على نظام(بشار الأسد) في مدينة(درعا الجنوبية) في 15أذار من العام 2011م، متأخرةً عن سابقاتها من الثورات العربية، وعدّ النظام(الانتفاضة) مؤامرة خارجية، فقمعها بالقوة، في حين عدّتها الأغلبية الشعبية ثورة من أجل الحرية، ولقمة العيش، وإسقاط الحكم الفردي الدكتاتوري، وأن معظم المجتمع الدولي الغربي، والدول العربية(ماعدا اليمن والسودان والجزائر)، ادانت تصرفات النظام القمعية ضد المنتفضين.
في حين أيدت إيران وروسيا مواقف النظام منذ اللحظة الأولى، وإلى جانبهم بعض الدول الأخرى، لا سيما(الصين)، أن الموقف الروسي-الصيني من الأزمة السورية تمليه المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، وأن القضية في الموقف الصيني ليست قضية نظام الرئيس الأسد، بل المصالح الصينية في منطقة استراتيجية، حيث إستخدمت روسيا والصين حق النقض(الفيتو) في مجلس الأمن ضد قرارين يتعلقان بالأوضاع في سوريا، ويتضمنان شيء من التدخل لإنقاذ المدنيين السوريين، فضلاً عن دعوة الرئيس الأسد إلى ترك السلطة؛ وذلك في 14/10/2011م، و4/2/2012م، حيث بدأت تتكشف حقيقة الصراع الدولي بخصوص سوريا، فتكوَّن شكل من اشكال الانقسام بين الدول الكبرى التي تختلف في تقييمها لما يجري في سوريا.
كما أن التوزع الحاد للقوى الدولية بخصوص ما يجري في سوريا، اضفى على الأزمة ابعاداً دولية، بل أصبحت الاحداث السورية بمثابة صراعاً دولياً بإمتياز، لا يقتصر على مجرد انتفاضة من المعارضة بوجه النظام، كما كان عليه الامر في تونس وليبيا ومصر واليمن بحيث افرزت التجاذبات الدولية توزيع جديد للقوى المحلية في سوريا، إذ استند كل طرف من طرفيها إلى غطاء دولي، اسهم في إبعاد عمليات الحسم لصالح احد الطرفين.
وترى روسيا: ان مصير الوضع في سوريا سيرسم طبيعة النظام الدولي الجديد، ومن ثم فإنّ الرؤى الدولية المتباعدة بخصوص الأحداث السورية تنظر إلى أن التغيير في هذا البلد هو: تغيير للخارطة الجيوسياسية، وليس تغييراً للنظام، وتأكد روسيا دائماً على الحوار لحل الأزمة، وعدم موافقتها بأي ثمن على سقوط الأسد عسكرياً من دون التفاوض.
وتعدّ روسيا: بأنّ سوريا هي: مفتاح المنطقة، وأن القضية السورية هي: فرصتها لاستعادة دورها الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وارتبط الموقف الروسي أتجاه الأزمة السورية بالمتغير الاستراتيجي في ميناء(طرطوس)، حيث تولي روسيا أهمية للحفاظ على القاعدة العسكرية في الميناء، حيث تجوب في البحر الأبيض المتوسط قطع حربية من اسطول البحر الاسود، وللقاعدة موقع استراتيجي في المنطقة، لقربها من مضيق(البوسفور، وجبل طارق)، وهذا الموقع يُمكن روسيا من وصول قطعها البحرية إلى المحيط الأطلسي، وكذلك تخشى من المشكلات الأخرى: كفقدان الامتيازات الاقتصادية، ووصول مد إسلامي-سياسي بالقرب من مصالحها الحيوية، وهو أمر تخشاه روسيا.(1) وبما أن روسيا فقدت سوقاً مهماً لسلاحها في ليبيا، إلاّ أنها لا تريد أن يُعاد عليها السيناريو نفسه في سوريا.(2)
إذ يشكل السلاح الروسي(80%) من مجمل سلاح الجيش السوري، فقد عقدت إتفاقية في العام 2007م، بين روسيا وسوريا تزود روسيا بموجبها سوريا بأسلحة متطورة شملت: طائرات مقاتلة سوخوي(27)، ووسائل دفاع جوي، وصواريخ مضادة للدبابات بقيمة(10)مليارات دولار، وفي المقابل دفعت سوريا مبلغ مليار منها، وألغت روسيا ديون سوريا السابقة بأكملها، والتي سبق وأن اعفى الرئيس الروسي بوتين سوريا من(37%) من ديونها لروسيا البالغة(13) مليار دولار في العام 2005م، وحصلت روسيا في المقابل على موافقة سوريا على تطوير القاعدة العسكرية الروسية في ميناء(طرطوس)وميناء(اللاذقية)على الساحل السوري.
أما بالنسبة للصين، فهي من الواضح: إنهّا تنظر بريبة إلى إمكانية إنتقال عدوى الثورات العربية إلى الداخل الصيني، وحالة الترقب والحذر والارتباك موجودة داخل أروقة صناعة القرار بخصوص: كيفية التعامل مع هذه المستجدات، ومع نتائجها وإفرازاتها في منطقة تُعدّ بالغة الأهمية بالنسبة للمصالح الصينية، خاصة في قطاع النفط.
حيث طرحت الصين ثلاثة مبادئ للتعامل مع الاضطرابات السياسية والأمنية الناتجة عن الثورات التي تجتاح دولاً في منطقة الشرق الأوسط، وهي: أولاً/الالتزام بميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية المعنية، مع احترام استقلالية وسيادة وسلامة أراضي الدول المعنية، والامتناع عن التدخل في شئونها الداخلية، وثانياً/ان أية مساعدة من المجتمع الدولي يجب أن تكون ذات طبيعة بناءة، وتفضي إلى: استعادة الاستقرار والنظام العام في سوريا، وضمان المحافظة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية الطبيعية، وثالثاً/إستبعاد استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في التعامل مع الأزمات، وهو ما لا يمكن أن يكون حلاً للمشكلة، ولن يسبب إلاّ أزمة إنسانية أكبر.
أن الأزمة السورية سواء أكانت في استمراريتها دون حل سياسي أم حسمها بطريقة ما، فهي تطرح تحديات استراتيجية على جميع القوى الإقليمية والدولية، نظراً لنوعية الاستحقاقات التي سوف تتمخض عن هذا الخيار أو ذاك، حيث فرضت ارتباكاً هائلاً وما تزال تفرض هذا الارتباك في مواقف الدول لكن الاهم من ذلك هي: أنهّا تباعد بين تلك المواقف، ومن شأنها أن تعيد رسم خريطة التفاعلات الدولية والإقليمية حسبما سوف تؤول إليه الأحداث في سوريا.
خلاصة ما تقدم: تظل المصالح تحكم سلوك الدول، صغيرة كانت أم كبيرة، وتصبح السياسات الدولية في جزء كبير منها: محاولة لتحقيق أكبر قدر من النفوذ والهيمنة التي يمكن عن طريقها تحقيق وتعظيم المصالح القومية، وتُعدّ مصادر الطاقة والموقع الإستراتيجي التي يتمتع بهما العالم العربي عوامل جذب للقوى الدولية، مما يقود إلى مزيد من التكالب الدولي على المنطقة العربية، من هنا يمكن القول: بأنّ التنافس الدولي على موارد المنطقة في ازدياد كلما تعاظم التنافس بين القوى الدولية، خاصةً الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من ناحية، وروسيا والصين من ناحية أخرى.
وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المصاعب السياسية التي تعُانيها منها غالبية الدول العربية، نتيجة الحروب الأهلية أو مظاهر عدم الاستقرار السياسي، أو نتيجة التوتر الذي يشوب العلاقات العربية-العربية، فإن النتيجة المنطقية هي: ضبابية المشهد الإقليمي، وإمكانية استغلال عملية التحول السياسي التي تشهدها المنطقة العربية لخدمة أغراض التدخل الأجنبي، خاصة وأن عدد الدول العربية المركزية القوية في تناقص بعد إحتلال العراق جراء الغزو الأنجلو-أمريكي، والثورة التي تشهدها سوريا، وما نتج عن ذلك من دمار بشري ومادي، في حين تواجه مصر مصاعب سياسية واقتصادية بالغة، الأمر الذي يجعل الحديث عن جبهة عربية قادرة على الثبات والتكيف مع التحديات الخارجية أمراً في غاية الصعوبة، ناهيك عن حالة الاستقطاب التي بدت نذرها تطل على العالم العربي، إذ السباق بين النموذج الاسلامي في الحكم مقابل الأنظمة السياسية التقليدية، إذ أصبح هذا المشهد الثنائي يعمل على مستويين: محلي وإقليمي، وترتكز هذه الثنائية السياسية على اعتبارات إيديولوجية لا تخلو من البُعد الإستراتيجي الذي ما يزال رحاها يدور، بل إنها في بداية تكونها السياسي. لكنها قد تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار الداخلي، الأمر الذي يغذي حالة من الاستقطاب الإقليمي الحاد، مما يجعل للقوى الأجنبية فرصة أكبر للتدخل تحت ذرائع متعددة، مثل: التدخل الإنساني، والتحول الديمقراطي، وحقوق الإنسان. لكن هدفها الأساس هو: إحكام قبضتها على الموارد الاقتصادية والإستراتيجية التي يتمتع بها العالم العربي.
المبحث الثاني: البعد العسكري والأمني:
يشكل البعد الأمني والعسكري في العلاقات الروسية-الصينية أهمية كبرى، خاصة في ظل الأوضاع الدولية المنبثقة عن تفكك الاتحاد السوفيتي، ومن بعده احداث 11/ايلول من العام 2001م، فقد زادت مخاوف كل من: روسيا والصين إزاء تلك الاوضاع المتمثلة بالتكتلات والمنظمات العسكرية والأمنية، وخاصة تلك التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية والغرب المتمثل بــــــــــ(حلف الناتو)، وتوسعه نحو شرق أوروبا، حيث مناطق النفوذ الروسي، ما ولد قلق من قَبِل الجانب الروسي، وعلى هذا الاساس إتجهت روسيا باتجاه الصين، ودخلت معها في تحالفات، كان من أهمها: تشكيل منظمة شنغهاي بالتعاون مع دول آسيا الوسطى، لكي تكون سداً بوجه توسعات حلف الناتو.
ان الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية قد إستخدمت(حلف الناتو)، من أجل تمرير سياساتها الأمنية في مناطق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بذرية محاربة الإرهاب، ونشر الديمقراطية ومنع انتشار الأسلحة النووية.
وعلى هذا الاساس تم تقسيم المبحث إلى ثلاثة مطالب: حيث تناولنا في المطلب الأول: توسع حلف الناتو شرقاً. أما المطلب الثاني فقد تناولنا فيه: منظمة شنغهاي للتعاون، في حين تناولنا في المطلب الثالث: تأثير العلاقات الروسية-الصينية في بعض الأزمات الإقليمية والدولية(الملف النووي الكوري الشمالي والبرنامج النووي الإيراني).
المطلب الاول: توسع حلف الناتو شرقاً:
لقد كانت التغييرات التي حدثت في آواخر القرن العشرين، وبالتحديد خلال عقد التسعينيات، على درجة عالية من الأهمية، حيث شهد العالم تفكك الاتحاد السوفيتي ونهاية المواجهة بين الشرق والغرب وخروج أوروبا من تداعيات الحرب الباردة، فضلاً عن ذلك كان هناك ظهوراً لدول جديدة أو إندماج لدول أخرى. وقد رافق ذلك: صراعات وتحديات جديدة، ينبغي وضع استراتيجيات مواجهة جديدة تتناسب ومستوى التغيير الحاصل بفعل طبيعة المشاكلات الجديدة.
وقد أنُشأ(حلف الناتو) في العام 1949م، إذ جاء ليمثل: الذروة في ترتيبات الأمن الجماعية التي أنشأها الغرب لمواجهة ما يسمى بـــــ(الخطر الشيوعي)، والحيلولة دون إمتداده إلى داخل أوروبا، وبقية الأقاليم الاستراتيجية في العالم.
ولقد تم طرح فكرة توسيع الحلف لأول مرة في مبادرة برنامج الشراكة من اجل السلام الذي اعلنه قادة دول وحكومات الحلف في اجتماعهم ببروكسل يومي(10 و11)كانون الثاني من العام 1994م، اذ اكد البيان الصادر عن القمة: ان هذا البرنامج يذهب إلى مدى أبعد من الحوار والتعاون لكي يضع شراكة حقيقية، لذلك ندعو الدول المشاركة في مجلس تعاون شمال الأطلسي، واعضاء مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا إلى المساهمة في هذا البرنامج لِمّا لهذه المساهمة من دور مهم في توسيع الحلف.
وفي اطار الرغبة الأمريكية لتوسيع الحلف إتخذت قمة الحلف ببروكسل في كانون الثاني من العام 1994م، ثلاثة قرارات مهمة شكلت بداية لتوسيع الحلف. وهي:
أولاً: إقرار برنامج الشراكة من اجل السلام(PFP)، لفتح الباب قبالة الدول الشيوعية السابقة لإقامة مزيد من علاقات التعاون العسكري مع الحلف.
ثانياً: تطبيق مبدأ(القوات المشتركة متعددة المهام)، لتمكين قوات الناتو من التحرك بمرونة في التعامل مع الصراعات الإقليمية.
ثالثاً: فتح الباب لأعضاء جُدد للانضمام للحلف.
ويُعدّ مشروع توسيع عضوية الحلف ليضم: دولاً في شرق أوروبا من بين تلك التي كانت في مرحلة الحرب الباردة تنتمي إلى المعسكر الاشتراكي، وأحد أبرز التطورات الدولية في نهاية القرن العشرين، كما أن قضية توسع الحلف أصبحت قضية محورية، خصوصاً: ان بعض الدول في وسط وشرق أوروبا قدمت طلب للانضمام إلى الحلف، وهو ما كان عامل تشجيع بالنسبة للتيار الغربي المؤيد للتوسع.
وبخصوص توسيع(حلف الناتو)، وتغيير عقيدته، فقد قال وزير الدفاع الأمريكي السابق (روبرت غيتس): ان أعظم تطور حصل في(حلف الناتو) خلال الأعوام العشرين الماضية هو: تحوله من قوة دفاعية مستقرة ساكنة إلى قوة جاهزة للقيام بمهام أمنية بعيداً عن حدودها التقليدية عبر المحيط الأطلسي.
ان عملية التوسع لا يمكن أن تقتصر على دخول: بولونيا، وهنغاريا، وجمهورية التشيك في العام 1999م، التي إنضمت إلى الحلف بدعوة أمريكية، فتوسع الناتو نحو الشرق كان أمراً لا يمكن تجنبه منذ أن تبنى الحلف استراتيجيته الجديدة في العام 1994م، ولكن التوسع لم يعدّ لعبة أرقام أو عملية ميكانيكية أوتوماتيكية، وإنمّا هو: تعبير عن الحاجة إلى إكمال البنية الجديدة لنظام الأمن الجماعي الأوروبي الأطلسي.(1)
وما أن إنتهت الحرب الباردة حتى شغل(حلف الناتو) بقيادة الغرب، وعلى رأسها: الولايات المتحدة الأمريكية بثلاث مهام رئيسة. هي:
أولاً: إحتواء القارة الأوروبية على أساس وحدة أمنها، وضمانه عِبَرَ توسيع حدود الحلف.
ثانياً: إحتواء روسيا بإقامة علاقة خاصة معها لقطع الطريق عليها للتفكير في إنشاء حلف أو تكتل عسكري جديد تقوده.
ثالثاً: تجديد وتحديد الهيكل التنظيمي والمهام والمدى الجغرافي للحلف، فقد أدى هذا التحول في العام 1999م، إلى تفسير في مفهوم التحالف من كونه: أداة للدفاع ضد عدو محدد إلى منظمة مشتركة للحماية ضد تهديدات غير محددة يمكن أن تهدف إلى تقويض أمن الدول الأعضاء، وبعد أن تفكك الاتحاد السوفيتي عملت الولايات المتحدة الأمريكية على التمدد في أوربا الشرقية التي كانت جزءاً حيوياً من الكتلة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي، وتندرج في إطار(حلف وارشو)، فإنضمت تلك الدول، وبدعم أمريكي إلى الاتحاد الأوربي، وأصبح أغلبها يعمل في إطار (حلف الناتو)، وأن هذا الامر أصبح تحولاً جيوبوليتيكياً خطيراً واجهته روسيا.
ان الولايات المتحدة الأمريكية تخشى مشاركة قوية وفعالة ومستقلة من قَبِل بعض الدول في الاتحاد الأوروبي، مثل: فرنسا وألمانيا في حلف الناتو، هذا ما بدء واضحاً من وجود خلافاً أو صراعاَ ضمنياً بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين من جهة أخرى، على خلفية توسع الحلف شرقاً، فقد وقفت روسيا بوجه التمدد الأطلسي، خاصة الأمريكي عن طريق(حلف الناتو) في مجالات روسيا الحيوية، ولا سيما في أوروبا الشرقية، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، والاقتراب على نحو واسع من مياه البحر الاسود.
ان تحديد مصالح ونفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في شرق أوروبا، وفي القوقاز، وآسيا الوسطى جعلها قوة إقليمية كبرى مجاورة لروسيا، فضلاً عن كونها قوة عظمى تكاد تنفرد بالقرار السياسي الدولي، فهي متواجدة وبأشكال مختلفة عسكرية وأمنية وسياسية في مناطق أوروبا الشرقية ومنطقة آسيا الوسطى، أي في مناطق النفوذ الروسي، وذلك شَكَلَ عامل قلق بالنسبة لروسيا.
لقد ظل (حلف الناتو)، ومنذ نشأته في العام1949م، متأثراً بشكل حاسم بتوجهات السياسة الأمريكية وخياراتها الاستراتيجية، ويسعى(حلف الناتو) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من وراء توسيع حدوده باتجاه شرق أوروبا، وضم جورجيا إلى الحلف لكي تصبح جزاءّ من منظومته، حتى تصبح الحدود الجنوبية لروسيا بتماس مباشر مع حدود قوات(حلف الناتو)، بعد ان كانت قوات الحلف خارج حدود أوروبا الشرقية، مما يعني: إمكانية عزل وتطويق روسيا، وقصر مدة الإنذار للقوات الروسية في حالة تعرض روسيا للخطر، لقصر المسافة بين قوات(حلف الناتو) والقوات الروسية.
وسعت الولايات المتحدة الأميركية إلى: توسيع(حلف الناتو)، وزيادة عدد أعضاءه، لذلك أصبحت جمهورية التشيك وهنغاريا (المجر) وبولندا أولى الدول التي انضمت إلى الحلف، وكانت سابقاً من دول(حلف وارشو) المنحل، ثم قرر وزراء(حلف الناتو) بإجتماع لهم في براغ في تشرين الثاني من العام 2002م، توجيه دعوات رسمية الى كل من: استونيا ولاتيفيا وسلوفينيا وسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا، والتي إستجابت للدعوة، كما تقدمت بطلب الإنضمام كل من: كرواتيا والبانيا وجمهورية الجبل الأسود(مونتنيغرو)، وهذا ما زاد من التخوف الروسي تجاه هذه التحركات، وعدّته تحدياً خطيراً، ومحاولة من الولايات المتحدة الأميركية للتقرب الى العمق الروسي.
وفي قمة(حلف الناتو) في أذار من العام 2004م، تم قبول عضوية سبع دول من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا الشرقية، وهي:(أستونيا، لاتيفيا، ليتوانيا، بلغاريا، رومانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا)، على الرغم من أن قدرتها العسكرية لا تؤهلها للانضمام للحلف، فقد أعلن الرئيس الروسي(بوتين)، وخلال مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية في 10شباط من العام 2007م، أن توسع (حلف الناتو)، يُعدّ عامل خطر يقلل من مستوى الثقة المتبادلة، خاصة على ضوء إنضمام جمهوريات البلطيق الثلاثة، مما وضع الحلف قبالة بوابة روسيا، وقال: ان بلاده تمتلك الحق في السؤال عما يهدف إليه(حلف الناتو)، حين يوسع قواعده وبنيته التحتية باتجاه روسيا، في حين أن التهديد الحقيقي العالمي يشكله الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، ومما لاشك فيه: ان تصريحات بوتين كانت بمثابة تقييم للسياسة الأمريكية وتعبير عن رفض روسيا لها لما تمثله من تهديد على مصالح روسيا الحيوية والقومية.
أما من جانب آخر، فنرى: ان سعي الولايات المتحدة الأمريكية من عملية توسع(حلف الناتو) تُعمدّ عن طريقه إلى: ضمان أبعاد أخرى لا تقل اهمية عن الأمن الأوروبي؛ لأن امتداد الدور القيادي للولايات المتحدة الأمريكية إلى الحدود الروسية عن طريق توسع الحلف يعني: محاصرة أي دور عالمي أو حتى إقليمي مهم لروسيا بعد أن تتعافى من عللها الاقتصادية والسياسية.
وقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية: أقناع(حلف الناتو) بضم: جورجيا إلى الحلف، بيد أن المعارضة الألمانية والفرنسية حالت دون ذلك، وكان الهدف الأمريكي من ضم جورجيا إلى الحلف يكمن في: وضعها تحت المظلة الأطلسية لعدة أسباب، منها: تحذير روسيا من تهديدها، والتدخل بمسألتي: أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، مما يشكل مساحة أمنية غاية الأهمية للدرع الصاروخي الأمريكي في بولندا وجمهورية التشيك.
وبخصوص توسع (حلف الناتو) فقد قال وزير الخارجية الأمريكية الأسبق(هنري كيسنجر) بشهادته في العام 1997م، للجنة الكونجرس:(فتوسع حلف الناتو ليس سبيلاً للاحتواء العسكري الروسي فقط، بل للاحتواء الدبلوماسي للعديد من الدول التي يمكنها-لو لم يتم هذا، أن تعترض على مبادئ السياسة الخارجية الأمريكية، وهكذا يضفي(حلف الناتو)، الموسع مظهر التعددية على الأهداف الأمريكية. ولكن من غير الاعتراضات المزعجة من نوع الثرثرة على شاكلة الأمم المتحدة).
وكانت روسيا تأمل في أن مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي هو: المظلة الأساسية للأمن الأوروبي، ومن ثم ينتهي العمل من بقاء حلف الناتو ويتم حله، خاصة بعد أن تم حل(حلف وأرشو) وتفكك الاتحاد السوفيتي، إلاّ أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت على العكس تسعى إلى: تفعيل الحلف، وإسناد مهام جديدة له في فتره ما بعد الحرب الباردة، ثم جاءت فكرة توسع (حلف الناتو) ليضم: دول شرق ووسط أوروبا، وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، فقد كان موقف روسيا من توسع (حلف الناتو)، هو: معارضة ذلك التوسع، إذ إنطلقت المعارضة من عدة إعتبارات.:
أولاً: عدم وجود مسوغاً لاستمرار الحلف بعد إنهيار الشيوعية التي قام الحلف لاحتوائها.
ثانياً: ان توسع الحلف دون ضم روسيا إليه سوف يساعد على تقسيم أوروبا.
ثالثاً: أن توسع الحلف بدعوى حماية دول شرق ووسط أوروبا من أي تهديد روسي مستقبلي لا أساس له من الصحة في ظل إلتزام روسيا بسحب قواتها من ألمانيا الشرقية، وباقي دول شرق أوروبا ودول البلطيق.
أما بخصوص الموقف الصيني من توسع(حلف الناتو) شرقاً، لا يمكن النظر إلى موقف الصين الرافض لتوسع الحلف على أنه مجاملة لروسيا؛ لأن الصين تستشعر خطراً حقيقياً، وأن توسع النطاق الجغرافي للحلف في أوروبا هي خطوة قد تتبعها خطوات مماثلة في آسيا، وتدرك: بأنّ توسع الحلف قد يتسع نحو آسيا وقد تصبح اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان مجالات مطروحة لدور أمريكي-أطلسي قد يؤثر على طموحاتها في المنطقة.
ان موقف الصين من توسيع الحلف شرقاً اقتصر على التعبير عن معارضة استمرار نظام الاحلاف والتكتلات العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. لكنه لم يحدد بوضوح نوعية المخاطر والتهديدات التي يمكن أن يتعرض لها الأمن الصيني من توسيع الحلف شرقاً، في حين أن الموقف الروسي كان صريحاً ومعبراً عن نوعية المخاطر والتهديدات على جوانب الاستراتيجية الروسية كافة، وفي مقدمتها: الأمن القومي الروسي، والتي يمكن ان تنجم عن توسيع الحلف.
أن من أهم أسباب توسيع حلف الناتو شرقاً.هو الآتي:
أولاً: إيجاد المسوغ لإبقاء قواعدها العسكرية في أوروبا، لاحتواء فرنسا وألمانيا، وإفشال جهودهما السياسية نحو إستقلالية أوروبا عن الولايات المتحدة الأمريكية.
ثانياً: عزل روسيا عن أوروبا، وإفشال أية محاولة للتكامل الاقتصادي والسياسي والعسكري معها، واحتواءها عن طريق: زرع قواعد عسكرية على حدودها، وضم وعزل الدول التي يمكن أن تشكل بُعداً استراتيجياً لها في المستقبل.
ثالثاً: تطويق الصين بقواعد عسكرية لحلف الناتو لكبح محاولاتها المستقبلية، بأن تبرز كدولة منافسة لها على الصعيد الدولي.
رابعاً: تهميش دور الأمم المتحدة، وإعادة صياغة ميثاقها، بما يتناسب والوضع الجيوسياسي الجديد لعالم أحُادي القطب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
أما عن تأثير العلاقات الروسية-الصينية في توسع حلف الناتو، وموقف الدولتين منه، فتتمثل بما يأتي: ان الموقع الجديد للصين الشعبية عالمياً، وقدراتها الاقتصادية التي اخترقت الأسواق التقليدية للغرب خارج حدوده وداخلها، والطاقات العسكرية المتنامية، جميع ذلك يرجح في الأصل أن تكون هي العدو المستقبلي المحتمل لحلف الناتو، وعليه فإنّ الخطر الصيني بالمنطق الإستراتيجي هو: الخطر المستقبلي على الغرب، ومن ثم على حلف الناتو، لأن قدرات الصين الذاتية مع وحدة أراضيها يمكن أن تضع حداً لهيمنة الغرب على العالم.
أما الخطر الروسي: فهو نسبي آني، ولهذا تتجه العلاقات الغربية-الروسية عموماً نحو المزيد من التعاون والتكامل، زيادة على أن روسيا قوة تقليدية مثلها مثل القوى الغربية بمنظور موازين القوى العالمية. أما الصين، فتنتمي إلى جيل جديد من القوى، إذ تزداد قوتها دون أن تظهر لها طموحات إستراتيجية أو أن تطرح بدائل للمنظومة القيمية(الديمقراطية، والليبرالية) الغربية.
والجدير بالذكر: ان رؤية الصين عدواً إستراتيجياً بعيد المدى للغرب بزعامته الأمريكية على مدى القرن الواحد والعشرين وربما أبعد من ذلك: لا تنفي أنها ما زالت من الناحية الواقعية بعيدة المنال عن إمكانيات وقدرات(حلف الناتو) الحالية والمستقبلية ما لم ينضم لعضويته كل من اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلاندا في وقت لاحق، أو في إطار ما يسمى بــــــــــــــــــــــ(الشراكة المباشرة)، فضلاً عن دول مختارة من منطقة جنوب شرق آسيا، المتميزة بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من أجل الإحاطة الإستراتيجية بالصين، وإحكام الطوق عليها من الشرق والجنوب، وإضعاف خياراتها الإستراتيجية مستقبلاً.
ومما سبق نرى: ان توسع حلف الناتو هو: محصلة طبيعية للمتغيرات الجذرية التي طرأت على الوضع الدولي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، والخلل الخطير في ميزان القوى الاستراتيجي على الصعيد العالمي، أن إستراتيجية توسع حلف الناتو يجب أن تشير وفق سياقات وتصورات أمريكية بحتة تؤكد عن طريقها الولايات المتحدة الأمريكية إلى: تثبيت الواقع الناجم عن هذا الخلل، وتوظيفه في خدمة استراتيجيتها للهيمنة على العالم، ومازالت قوتها الصاروخية النووية المظلة التي تحتاجها أوروبا لحماية أمنها واستقرارها آزاء مصادر التهديدات الجديدة، ولخلق حقائق على الأرض تعيق نهوض الخصم المنهزم وعودته إلى الاضطلاع بدور منافس يعيد بعض التوازنات إلى العلاقات الدولية، وهذا يفترض: تطويق روسيا، وإلغاء دور الأمم المتحدة، وإضعاف الدور الأوروبي، وإلتحاقه بالاستراتيجية الأمريكية، وإرغام العالم على القبول بشرعية الدور الأطلسي-الأمريكي الجديد الذي يطلق الذراع العسكري للحلف في الزمان والمكان المناسبين.
أن الموقف الروسي-الصيني من توسعات الحلف هو: موقف واضح، رافض لتك التوسعات عدّها محاولة لتحجيم الدو الروسي، والسيطرة على مناطق نفوذها، خاصة في شرق أوروبا، وان روسيا لم تعبر بشكل صريح عن عدم رضاها على توسيع الحلف، خشية على علاقتها الجديدة مع الحلف في إطار الشراكة من أجل السلام، ومن ثم فإنهّا لم تتخذ مواقف معبرة عن هذا الرفض من حيث الاسلوب او إتخاذ المواقف والادوار المحددة تجاه هذا الرفض. أما بالنسبة للصين، فإنهّا تستشعر من أخطار حقيقية لتوسع النطاق الجغرافي للحلف في أوروبا فهي تعدّها خطوة قد تتبعها خطوات مماثلة في آسيا، وهي تدرك: ان توسع الحلف نحو آسيا قد تصبح اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان مجالات مطروحة لدور أمريكي-أطلسي قد يؤثر على طموحاتها بالمنطقة، كما أنهّا تعتمد موقفي: الحذر والهدوء في تبني موضوع الاحلاف العسكرية ومعارضتها، فهي ترفض وبإستمرار نظام الاحلاف العسكرية، والعودة إلى عقلية الحرب الباردة، لذا فهي لا ترغب بالدخول في مواجهة مع هذا الحلف.
المطلب الثاني: منظمة شنغهاي:
منظمة شنغهاي للتعاون هي: منظمة دولية حكومية عاملة بصورة دائمة، وقد أعُلن عن تأسيسها في حزيران من العام 2001م، في شنغهاي جمهورية الصين الشعبية، وتضم هذه المنظمة كلا: من كازاخستان والصين وقيرغيزيا وروسيا وطاجيكستان واوزبكستان، واربعة أعضاء مراقبين، هم: الهند وإيران ومنغوليا وباكستان. أما افغانستان فتشارك في عملها تحت إطار مجموعة(منظمة شنغهاي للتعاون-افغانستان)، وتُنظر المنظمة في طلب كل من: إيران وباكستان لنيل العضوية الكاملة فيها منذ العام 2006م، كما تم الإعلان عن أن المنظمة ستكسب شريكين جديدين في الحوار، وهما: بيلاروسيا وسريلانكا. يُنظر إلى الجدول ادناه.(1)
جدول(8) الدول الأعضاء والمراقبين والشركاء في منظمة شنغهاي للتعاون، حتى عام2012م:
الدول الأعضاء المراقبين الشركاء في الحوار الصين الهند بيلاروسيا روسيا إيران سريلانكا كازاخستان الباكستان قرغيزيا منغوليا طاجكستان أوزبكستان
الجدول من إعداد الطالب بالاعتماد على: موقع المنظمة، 2010، على شبكة المعلومات وعلى الرابط الآتي: http://www.sectsco.org/EN/index.asp
حيث تبلغ المساحة الإجمالية للدول الاعضاء في منظمة شنغهاي حوالي(30)مليون و(189)ألف كم، أي(5/3)، من مساحة اور-آسيا، وعدد سكانها(1,5)مليار نسمة، أي(4/1)، سكان الكرة الأرضية.
أما بخصوص الهيكل التنظيمي واجتماعات قمة منظمة(شنغهاي) للتعاون فيمكن بيانه كما في الجداول أدناه.
جدول(9)الهيكل التنظيمي لمنظمة شنغهاي للتعاون
مجلس رؤساء الحكومات (رؤساء الوزراء) مجلس وزراء الخارجية أجتماعات كبار مسؤولي وزارات الخارجية و/ أو رؤساء الأقسام مجلس المنسقين بين الدول الأمانة العامة للمنظمة (السكرتارية) لجنة كبار المسؤولين مجموعات العمل الخاصة المندوبين الدائمين للدول في الوحدة الإقليميةلمكافحة الإرهاب لمكافحة الإرهاب المؤسسات غير الحكومية: مجلس أعمال منظمة شنغهاي. كونسرتيوم مصارف دول المنظمة منتدى منظمة شنغهاي المندوبين الدائمين للدول في الأمانة العامة للمنظمة الوحدة الإقليميةلمكافحة الإرهاب مجلس الوحدة لجان الوحدة التنفيذية مجلس رؤساء الدول
[1].المصدر من إعداد الباحث بالاعتماد على: الموقع الرسمي للمنظمة، 23/5/2012، على شبكة المعلومات الدولية على الموقع الآتي:
http://www.sectsco.org/EN/index.asp
ومن الناحية التنظيمية والإجرائية، نشأت منظمة(شنغهاي)للتعاون كشبكة تعاون بين الحكومات، تدار عَبِرَ آليات محددة مثل: القمم السنوية التي تعقد بين رؤساء دول المنظمة، وأيضاً عن طريق الإجتماعات العادية(يُنظر: إلى الجدول ادناه) التي يعقدها رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية وأيضاً الإجتماعات التي يعقدها كبار المسؤولين للدول الأعضاء، وجميع الدول التي تحمل صفة مراقب بإستثناء الهند عندما تحضر الإجتماعات السنوية سواء أكان على مستوى القمم أو رؤساء الحكومات أو وزراء الخارجية ترسل تمثيل دبلوماسي مكافئ لمستوى حضور الدول ذات العضوية التامة، وتعدّ المسائل المتصلة بالأمن من أكثر المواضيع إهتماماً في اللقاءات التي تعقد على مستوى العمل التنفيذي، والتي باتت هذه اللقاءات تضم خبراء في أمن المعلومات، وأمناء مجالس الأمن القومي للدول الأعضاء، فضلاً عن رؤساء المحاكم العليا.
جدول(10)اجتماعات قمة منظمة شنغهاي للتعاون خلال المدة بين الأعوام(2001م-2012م)
الأعوام الدولة المكان 14 حزيران 2001 الصين شنغهاي 7 حزيران 2002 روسيا سانت بترسبرغ 29 آيار 2003 روسيا موسكو 17 حزيران 2004 أوزبكستان طشقند 5 حزيران 2005 كازاخستان أستانا 15 حزيران 2006 الصين شنغهاي 16 آب 2007 قرغيزيا بشكيك 28 آب 2008 طاجكستان دوشنبي 15 – 16 حزيران 2009 روسيا يكاترنبرغ 10 – 11 حزيران 2010 أوزبكستان طشقند 14 – 15 2011 كازاخستان أستانا 6 – 7 حزيران 2012 الصين بكين
المصدر من: إعداد الباحث بالاعتماد على: الموقع الرسمي للمنظمة، 23/5/ 2012، على الموقع الآتي:
http://www.sectsco.org/EN/index.asp
حيث مثلت منظمة شنغهاي تطوراً غير مسبوق في طبيعة العلاقات الروسية–الصينية بعد مرحلة طويلة تأرجحت فيها العلاقات ما بين القطيعة والعداء، وصولاً إلى تطبيعها قبل تفكك الاتحاد السوفيتي، كذلك كانت المنظمة فرصة لتجميع دول آسيا الوسطى ضمن منظومة إقليمية مركزية عملت على حل الكثير من المشاكل العالقة وإيجاد تسوية للمسائل الحدودية ومشاكلها الموروثة من الحقبة السوفيتية، كما أن إنضمام إيران والهند والباكستان كأعضاء مراقبين هو: مؤشر على الامتداد الجغرافي لهذه المنظمة، والتي بدأت تشمل أهم دول قارة آسيا وهو ما يثير، بالطبع المخاوف لدى الولايات المتحدة الأمريكية من أن يكون لهذا الوزن الجيوبولتيكي للمنظمة تأثير فاعل في السياسة الدولية. وعلى أساس هذا الامتداد المكاني الجغرافي والإقليمي للمنظمة، باتت هذه الأخيرة من ناحية المساحة الجغرافية التي تشغلها الدول الأعضاء فيها من أكبر منظمات التعاون الإقليمي في العالم، فهي تمتد من (كالينغراد) في غرب روسيا إلى (فيلادوفستك) شرق سيبيريا الجنوبية، ومن البحر الأبيض في الشمال إلى بحر الصين الجنوبي، وفي حال أضيفت الهند وإيران والباكستان كأعضاء تامين سوف تصل حدود المنظمة إلى المحيط الهندي ومياه الخليج العربي.
وترى كل من: روسيا والصين: بأنّ قيام أو تأسيس منظمة(شنغهاي) يأتي منسجماً مع سياسات البلدين الاقتصادية التي تذهب نحو: تعزيز التعاون الاقتصادي ما بين البلدين، وتشكيل هذه المنظمة ينصب في مصلحة البلدين، فمن ناحية الصين، فإنّ عضويتها في هذه المنظمة يدعم نموها الاقتصادي عن طريق تزويدها بالمواد الخام والموارد الطبيعية ومصادر الطاقة، فضلاً عن فتح أسواق الدول الأعضاء في المنظمة قبالة المنتجات الصينية الرخيصة.
كما وساعدت منظمة(شنغهاي) للتعاون على تعزيز الثقة المتبادلة وحسن الجوار بين البلدان الاطراف فيها، ودعم التعاون الفعال بينها في المجالات: السياسية والاقتصادية والتجارية والعلمية-التقنية، وكذلك في مجال التعليم وصناعة الطاقة والنقل والسياحة وحماية البيئة وغيرها، والعمل معاً على دعم السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، والمضي قُدما نحو إقامة نظام سياسي واقتصادي دولي جديد ديمقراطي وعادل ورشيد.
وفي قمة(شنغهاي) التي إنعقدت في حزيران من العام 2005م، وضمن المساعي الحثيثة لكل من: روسيا والصين لتحجيم الدور والنفوذ الأمريكي، خاصة في منطقة آسيا الوسطى، حيث طالبت روسيا والصين في تلك القمة من الولايات المتحدة الأمريكية بسحب قواتها في كل من: قرغيزستان وأوزبكستان. لكن الولايات المتحدة الأمريكية مانعت وإتهمت وسائل إعلامها روسيا والصين بابتزاز حكومات المنطقة وإرهابها لتفكيك القواعد الأمريكية في المنطقة.
أن روسيا عولت على منظمة(شنغهاي)، التي تعد أحدث شكل من أشكال التعاون الإقليمي، فقد سعت المنظمة في نهاية العام 2006م، لتوحيد القوات الجوية بين الدول الأعضاء كخطوة أولى على طريق تشكيل تحالف عسكري مشترك يقف بوجه التحديات والمخاطر الخارجية، من بين تلك التحديات هي: منافسة حلف الناتو، والوقوف بوجه اهدافه التوسعية باتجاه شرق ووسط أوروبا، وهي الفكرة التي عملت روسيا طويلاً على تحقيقها لمّا تراه من خطر توسع (حلف الناتو) في مناطق نفوذها، وكذلك تهديد مصالحها وأمنها القوميين.
أما بالنسبة للصين عملت جاهدة على تقوية وتنشيط دور منظمة(شنغهاي) في العلاقات الإقليمية بين أعضائها من جهة، وبينها وبين منظمات تعددية مؤسسية من جهة أخرى، ومرجع ذلك: كون ان الصين عازمة على أن تنخرط في الدبلوماسية التعددية لما لها من منافع يمكن أن تجنيها، ففي قمة(شنغهاي) في العام 2003م، اقترحت الصين على: ان تبدأ المنظمة حواراً مع (حلف الناتو)؛ لأنها تدرك جيداً: أن الحلف أصبح متواجداً في منطقة آسيا الوسطى عسكرياً، خاصة في أفغانستان بعد أحداث 11/أيلول من العام 2001م، كما وأن معظم دول المنظمة لديها علاقات شراكة مع(حلف الناتو) وروسيا.
فمن الملاحظ: أن تطورات الأحداث، وزيادة التخوفات من التواجد العسكري الأميركي في آسيا الوسطى، جعل الصين تتحمس أيضاً للتعاون الأمني والعسكري مع روسيا في إطار منظمة (شنغهاي)، بحيث شهد شهر أب من العام 2005م، أول مناورات عسكرية مشتركة في تاريخ الدولتين الكبيرتين روسيا والصين، وهو الحدث الذي آثار قلقاً وتوتراً كبيرين في الغرب، خاصة لدى دول (حلف الناتو) والولايات المتحدة الأمريكية، التي نجحت طيلة أكثر من نصف قرن في الحيلولة دون التقارب العسكري بين روسيا والصين.
كما أن منظمة(شنغهاي) للتعاون توفر ترتيباً مؤسساتياً قيماً يضمن لروسيا والصين: عدم تعرض مصالحها إلى التقليص بفعل النفوذ الأمريكي الآخذ بالاتساع في منطقة ذات أهمية استراتيجية وأمنية واقتصادية كبيرة، كما أن إنشاء منظمة(شنغهاي) يأتي تتويجاً للجهود المبذولة من قبل الدول الأعضاء لمواجهة أخطار الحركات الدينية المتطرفة في المنطقة، وتحقيقاً لمزيد من التعاون الأمني في منطقة غنية بمواردها من البترول والغاز.
كما أن توسع (حلف الناتو)شرقاً في دول البلطيق، والاعلان عن أقامة الدرع الصاروخي الأمريكي في شرق أوروبا، قد ساعد على تقريب الصين من روسيا وباتت الدولتين تتحدثان لغة مشتركة. أما الطريق السلبي في معادلة التوازن في منظمة(شنغهاي) فيتمثل في دول آسيا الوسطى، التي تأرجحت بين التحالف مع حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أو مع روسيا والصين من جهة أخرى.(1)
أن التقارب الروسي-الصيني في منظمة(شنغهاي) وتشكيلها يفسر: محاولة كل من: روسيا والصين الاهتمام بمصالحها في منطقة آسيا الوسطى، واهتماماتها الآخرى كقطبين بارزين: فروسيا بثقلها السياسي الكبير وخلفيتها التاريخية، والصين العملاق الإقليمي الصاعد، وتحاول المنظمة عبر القطبين الرئيسيين فيها: تكريس مواقف واضحة لها، لاسيما فيما يخص شئون أعضائها ومراقبيها وشركائها، وحساب كل التحولات والتطورات فيها محلياً وإقليمياً ودولياً، وهو ما يبين الاهمية التي تأخذها المنظمة خارج جغرافيتها، خصوصاً لدى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
بحيث أصبحت، القوة العسكرية الروسية والصينية بات دورهما الأمني مرتبطاً بحماية دول المنظمة من أي عدوان خارجي، وأيضاً لمساعدتها في مواجهة أي إضطراب سياسي يمكن تفسيره على أنّه: مكافحة لحركات إرهابية تحدث في المنطقة.
وفي النهاية نرى: ان منظمة(شنغهاي) قد وقعت بين قوتي جذب متنافرتين في الأهداف، ومتوازنتين في النتائج، حيث أن روسيا كانت تستهدف: إستغلال المنظمة لتحقيق تجمع عسكري آسيوي يحقق قدراً من التماسك قبالة الاختراق الأمريكي الذي بدأ مبكراً في جورجيا وأذربيجان، وكذلك تثبيت أقدامه بزرع قواعد عسكرية في كل من: أوزبكستان وقرغيزستان. أما الصين، فكانت تستهدف: إستغلال المنظمة كأبواب شرعية لمزيد من الغزو التجاري، والوصول إلى التنقيب عن النفط، وتأمين حاجتها من الطاقة.
إلاّ أنّ هذا التنافس الروسي-الصيني بخصوص الأدوار المهمة في المنظمة لم يقف عائقاً قبالة كلتا الدولتين في الإستفادة من منظمة(شنغهاي) للتعاون في تشكيل جبهة سياسية مشتركة تقف بوجه خطر الثورات الملونة)، فالدور السياسي المركزي لكلتا القوتين قد تمثل في الحيلولة دون تغيير الأنظمة الشمولية، ومواجهة حركات التغيير، وتقديم الدعم السياسي لهذه الأنظمة بالضد من أي عقوبات من المحتمل أن يفرضها المجتمع الغربي. ولعل هذا الواقع جعل المنظمة أشبه بالحاضنة الإقليمية لمجموعة دول تتشابه مع بعضها بجملة من الخصائص والسمات السياسية، مثل: سيطرة النخبة السياسية الضيقة أو الحزب الواحد على مقاليد السلطة السياسية، بإستثناء روسيا التي تبدو أكثر الدول تمايزاً مقارنة بباقي دول آسيا الوسطى والصين الأعضاء في المنظمة، وان كانت روسيا نفسها بدأت تنحو بإتجاه حكم الأقلية السياسية الضيقة (الأوليجارشي)، وهو ما يفضي للإعتقاد: بأنّ الدور الروسي-الصيني في إطار المنظمة يسعى إلى تعزيز ثقافة حكم الحزب الواحد أو النخبة الضيقة، وكذلك إلى تعزيز دور الدولة في الإدارة والتحكم بالإقتصاد.
كما وتُعدّ المنظمة بداية تفاهم استراتيجي روسي-صيني لموازنة التوجهات الأمريكية، لاسيما في مواجهة: الدرع الصاروخي الأمريكي، وكذلك الوقوف بوجه توسعات حلف الناتو في شرق أوروبا ووسط آسيا، والتي تعدّها كل من: روسيا والصين على أنهّا مناطق نفوذهما.
المطلب الثالث: تأثير العلاقات الروسية-الصينية في بعض الأزمات الإقليمية والدولية:
شهدتّ فترة ما بعد الحرب الباردة تنامي ظاهرة(الانتشار النووي)، حيث لم يعد بإمكان الدول الكبرى، بوصفها الراعية لنظام عدم انتشار الاسلحة النووية والسيطرة عليه، الاستمرار في فرض هذه السياسة دون تحريات حقيقية: ناهيك عن الفشل النسبي لجهود الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مساعيها لمنع الانتشار النووي أو الرقابة عليه، الأمر الذي دفع باتجاه البحث عن وسائل اخرى في التعامل مع هذه الظاهرة، وعلى هذا الاساس تم إختيار الملف النووي الكوري الشمالي، والملف النووي الإيراني: كمواضيع عسكرية وأمنية مهمة لها تأثيراتها وتجاذباتها الإقليمية والدولية، وتأثير العلاقات الروسية-الصينية في تلك القضيتين، ومدى تأثيرها في العلاقة بينهما.
أولاً: الملف النووي الكوري الشمالي:
آثار البرنامج النووي الكوري الشمالي مخاوف المجتمع الدولي، إذ كشف عن مدى الاهتمام والخوف لدى الاطراف الدولية، خاصة بعد أن أجرت كوريا الشمالية تجربتها النووية الاولى في 9/10/2006م، فكان لهذا الحدث تداعياته الخطيرة بدء بالإدانة الدولية لهذا الخطر، ومن ثم صدور القرار(1718)في 14تشرين الأول من العام 2006م، من قَبِلِ مجلس الأمن ضد كوريا الشمالية، فصوتت كل من: روسيا والصين لصالح القرار، ومن ثم صار الاتجاه إلى عودة المحادثات السداسية* بخصوص الملف النووي الكوري الشمالي.
ولم تكتف كوريا الشمالية بتجربتها النووية لعام 2006م، وإنمّا عاودت الكَرةَ في العام 2009م، فقد واجهت بإدانة شديدة من قَبِلِ روسيا والصين، إذ وصفت تلك التجربة على أنها: تحدياً سافراً للأسرة الدولية، حيث هددت الصين كوريا الشمالية بقطع المساعدات الاقتصادية، ومنها: النفط مما أدى ذلك إلى: إجبار كوريا الشمالية للعودة إلى المحادثات السداسية في العام 2006م.
أن الصين ترى في مضي كوريا الشمالية في برنامجها النووي، خاصة العسكري منه ما يعقد الوضع، في المنطقة ويصعد من حدة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية، ويزيد من إحتمالات النزاع، كما أن عدوى المغامرة النووية قد تنتقل الى بلدان أخرى، فقد سعت الصين جاهدة على اقناع كوريا الشمالية بالموافقة على إخضاع منشأتها النووية لأعمال التفتيش، مع ضرورة حصول كوريا الشمالية على ضمانات أمنية معقولة في إطار الأسرة الدولية مقابل تخليها عن برنامجها النووي العسكري.
ودعمت الصين المحادثات السداسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية منذ أن تم العمل بها في أب من العام 2003م، فهي دعت إلى: حل الأزمة عن طريق الحوار، وكذلك أيدت أن تكون منطقة شبه الجزيرة الكورية خالية من الأسلحة النووية، مع الانصياع لقرارات الشرعية، واحترم الالتزامات الدولية.
وأعلنت الصين عن رغبتها في تسوية الأزمة، خاصة بعد أن إعترفت كوريا الشمالية بإمتلاكها أسلحة نووية، إذ دعتها إلى تجنب إجراء تجارب نووية؛ لأن ذلك سوف يزيد من شدة التوتر في المنطقة، ويساعد على إطلاق سباق التسلح، وخاصة مع كل من: اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، ولذلك خرجت الصين عن صمتها تجاه الأزمة، وتضيفت المحادثات السداسية في أذار من العام 2007م، ومارست ضغوطها على حكومة كوريا الشمالية للاستجابة لمتطلبات الحل السلمي، وفي تموز من العام 2007م، اغلق مفاعل(يونغ بيون) وبدأت كوريا الشمالية بتعطيل المنشآت النووية الرئيسة هذا من جانب، ومن جانب أخر، دفعت الولايات المتحدة في أواخر عهد(بوش الأبن)كوريا الشمالية من اللائحة الخاصة بتصنيف الدول الراعية للإرهاب العالمي.
أما روسيا، فإنّ موقفها من البرنامج النووي الكوري الشمالي يختلف عن الموقف الصيني، على الرغم من أن روسيا دعمت المباحثات السداسية من أجل إيجاد حل سريع يوقف كوريا الشمالية عن تطوير برنامجها النووي والصاروخي، وإنهاء ما يسمى بــــــــــ(مسألة الأزمة النووية في شبه الجزيرة الكورية)، كما وأن روسيا ليس من مصلحتها تطوير برنامج كوريا النووي؛ لأن ذلك سوف تستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية كحجة لأحكام سيطرتها على المنطقة. وكذلك عارضت روسيا فرض عقوبات إقتصادية قوية ضد كوريا الشمالية بعد تفجيراتها النووية في العام 2006م، فهي خشت أن ترضخ كوريا الشمالية للضغوط الأمريكية بحيث تنجح والولايات المتحدة الأمريكية لكسبها عبر توحيدها مع حليفتها الغنية-كوريا الجنوبية، على غرار ما حدث مع المانيا بعد سماح روسيا بوحدتها عقب إنتهاء الحرب الباردة.
أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وموقفها من البرنامج الكوري الشمالي، فهي أبدت تحفظها وقلقها الشديد من البرنامج الكوري خاصة بعد التجربة النووية في العام 2006م، فهي صوتت على القرار(1718)الصادر من مجلس الأمن في العام 2006م، ضد كوريا الشمالية؛ وبسبب القرار الأممي عادت كوريا الشمالية إلى المحادثات السداسية، حيث أقرت مساعدات وضمانات أمنية يقدمها الطرف الأمريكي إلى الطرف الكوري الشمالي مقابل تخلي الثانية عن برنامجها النووي، إلاّ أن تلك المحادثات تعثرت بسبب تشدد مواقف الطرفين الأمريكي والكوري الشمالي، أذ طالبت كوريا الشمالية بتقديم اعانات مالية وأمنية، وإنهاء حالة العداء، وتطبيع علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، في حين كان موقف الولايات المتحدة الأمريكية يتمحور في: تفكك البرنامج النووي لكوريا الشمالية أولاً قبل تقديم الاعانات والضمانات الأمنية.(1)
وفي 25آيار من العام 2009م، قامت كوريا الشمالية بإجراء تجربتها النووية الثانية تحت الأرض، والتي قوبلت بانتقادات شديد من جانب المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية واليابان، إذ أعلن مجلس الأمن في 12حزيران من العام 2009م، قراراً بالإجماع يتضمن: فرض عقوبات على البرنامج النووي والصاروخي لكوريا الشمالية، ويتضمن أيضاً إلزام: أعضاء الأمم المتحدة بفرض مراقبة مشددة على حمولات السفن والطائرات، وخصوصاً التي تحمل السلاح، والموارد العسكرية الآتية إلى كوريا الشمالية.
حيث نرى: أن الولايات المتحدة الأمريكية والقوى المعنية بأزمة البرنامج الكوري الشمالي اتبعت ثلاث آليات رئيسية لإدارة تلك الأزمة، تتراوح بين سياسة الحوافز الاقتصادية والعقوبات الاقتصادية، وصولاً إلى مرحلة التصعيد العسكري.
والملاحظ: ان الولايات المتحدة الأمريكية لم تتمكن بشكل منفرد من تسوية الملف النووي لكوريا الشمالية بالطريقة التي تراها، نظراً لأن كل من: روسيا والصين من جانبهما لم يبديا المساعدة الكافية للولايات المتحدة الأمريكية، بل الأكثر من ذلك: إنهمّا عملا على جعل هذا الملف أحد القضايا التي تثبت عجز الولايات المتحدة الأميركية عن قيادة العالم كقطب واحد، بمعنى آخر: كأنمّا أرادت روسيا والصين أن يكون الملف النووي لكوريا الشمالي بداية الطريق لبناء عالم متعدد الأقطاب، عن طريق مشاركتهما بشكل مباشر في هذه القضية إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى هذا الأساس عندما بدأت ازمة البرنامج النووي الكوري الشمالي مع مطلع شهر كانون الأول من العام 2002، بإعلان(بيونغ يانغ) أنها ستعيد تشغيل مفاعلاتها النووية التي تعمل بــــــــ(البلوتونيوم)، والتي جمدت بعد إتفاق العام 1994م، لم تعد الولايات المتحدة الطرف الوحيد في المفاوضات، بل باتت كل من: وروسيا والصين أطراف فيها، فضلاً عن: اليابان وكوريا الجنوبية، وكذلك الأمم المتحدة، وهو ما عرف بــــــــ(المحادثات السداسية).(1)
وفي نهاية الأمر، وبخصوص البرنامج النووي الكوري الشمالي، نرى: ان مستقبل البرنامج النووي الكوري الشمالي، سيتأثر بالنجاح في تطوير نظام شامل للانتشار النووي يرتكز بالإساس على المعايير القانونية المتمثلة بالسماح للدول بإمتلاك التكنلوجيا النووية للأغراض السلمية، لاسيما اغراض التنمية، وفي الوقت نفسه تطوير آليات رادعة للدول التي تسعى لامتلاك السلاح النووي.
ولعل المؤشرات التي باتت تطرحها هذه القضية أن التوافق الروسي-الصيني بخصوص الملف النووي لكوريا الشمالية، وتقديمهما الدعم الإقتصادي لها بالضد من العقوبات الأميركية المفروضة عليها، كان بمثابة: إضعاف للجهد السياسي الأميركي في جنوب شرق آسيا، ومن أجل إبقاء ميزان القوى متكافئاً بين كل من: روسيا والصين وكوريا الشمالية من جانب، والولايات المتحدة الأمريكية واليابان وكوريا الجنوبية من جانب آخر.
ثانياً: الملف النووي الإيراني:
ترجع البداية الحقيقية لتبني إيران برنامجاً سريعاً في مجال الصناعة النووية إلى العام 1958م، الذي شهد سعياً للحصول على منزلة مهمة في سلم القوة الشاملة، فمنذ ذلك الوقت وإيران تعمل على بناء برنامج ضخم في المجال النووي من خلال إمتلاك القاعدة التكنولوجية والعلمية التي اخذت بالتطور منذ العام 1958م، عندما انشأ شاه إيران مركزاً للأبحاث النووية في جامعة طهران للقيام بأبحاث الفيزياء النووية، وفي العام 1967م، وقعت إيران إتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية تنص على تجهيز الأخيرة إيران بمفاعل قدرته(5ميغاواط) من نوع(POLL-TYPE)، منتج من شركة (جنرال اتوميك كوربونيتش) الأمريكية شرط خضوعه لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي وافقت إيران عليها لينتقل وقوده الخاص من الولايات المتحدة الأمريكية إلى إيران.
إلاّ أن النشاطات النووية المهمة بدأت بعد حرب الخليج الثانية في العام 1991م، حيث الاصرار الإيراني على تخصيب اليورانيوم أحد اقوى بواعث الشكوك الدولية، ولاسيما الأمريكية والاوروبية في مقاصد إيران، على الرغم من ان معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية ليس فيها ما يحول دون استخدام أي تقنية تراها الدولة الراغبة في ذلك على أن تكون لأغراض سلمية، ولأن الأمر يختلف في حالة إيران، نظراً لتعلقه بإمكانية استخدام القدرة النووية لأغراض عسكرية، فقد استدعى ذلك: فرض الرقابة على نشاطها النووي.
وبعد أحداث 11/أيلول من العام 2001م، ثم الحرب على العراق، اتبعت الإدارة الأمريكية نهجاً تصعيدياً ضد إيران وعمدت بين الحين والآخر إلى التلويح بأن مجالات التعامل مع البرنامج قد تتسع لتشمل الخيار العسكري.
لقد تعاقبت الأحداث بسرعة بعد هجمات 11/أيلول من العام 2001م، وانعكست على العلاقات الدولية، إذ وضعت الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية مكافحة ما أسمته بــــــــــــ(الإرهاب)، وبدأت هذه الاستراتيجية بالحرب على أفغانستان، وتصريحات الرئيس الأمريكي السابق(بوش الأبن)في 29/كانون الثاني من العام 2002م، حول ما أسماه بـــــــ(دول محور الشر) والمقصود بها هي(إيران والعراق وكوريا الشمالية).
لقد نشبت الأزمة النووية الإيرانية، عقب إقدام إيران على تطوير قدراتها في مجال تخصيب اليورانيوم، وذلك حينما اتضح في أواخر العام 2002م، أن الحكومة الإيرانية تقوم ببناء منشأتين سريتين: الأولى/لتخصيب اليورانيوم بالقرب من مدينة(ناتنز)، والثانية/لإنتاج الماء الثقيل بالقرب من مدينة(أراك)الواقعة غرب طهران، من دون إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعلى الرغم من ذلك، وفي تموز من العام 2002م، وقعت إيران وروسيا اتفاقاً لبرنامج طويل الأمد لتعزيز التعاون عن طريق بناء عدة مفاعلات نووية التي من المخطط أن تصل إلى ستة مفاعلات وبرنامجاً مشتركاً لإنتاج الطائرات، وبذلك أضحى البرنامج النووي الإيراني مصدراً مهماً لخلافات مهمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.
وخلال اللقاء الذي تم بين الرئيس الروسي(بوتين) مع سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني السابق ورئيس الإيراني الحالي(حسن روحاني)بموسكو في العام 2005م، أعلن الرئيس الروسي: عن أن بلاده ستواصل تعاونها مع إيران في كافة المجالات بما في ذلك المجال النووي، لكن بوتن آشار على أهمية مواصلة إيران الالتزام بكل التعهدات التي أخذتها على نفسها على المستويين: الثنائي والدولي.
فقد وصف الرئيس الروسي إيران بأنهّا: شريك قديم ومهم لروسيا، أن الموقف الروسي من الأزمة الإيرانية يتمثل في أن يتم التعامل مع الأزمة النووية الإيرانية بالعقلانية، وأن يكون لإيران حق الاحتفاظ ببرنامج نووي مدني مع تقديم الدعم لها في مجال تطويرها البرنامج، بشرط أخذ ضمانات كافية من قَبَل الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية مقابل أن تتخلى عن النشاطات النووية العسكرية، ان اهمية العلاقات بين روسيا وإيران ليس التعاون الثنائي بمجال استخدام الطاقة الذرية فقط، وإنما أيضاً في مجال إستثمار ثروات بحر قزوين، خاصة أن موقف البلدين متطابق بشأن إغلاق حوض البحر على الدول المطلة عليه، وعدم السماح بوجود قوات أجنبية.
أن موقف روسيا يهدف إلى: إغلاق الطريق قبالة مساعي إيران لتخصيب اليورانيوم، والحصول على تقنيات نووية من الممكن استخدامها لأغراض عسكرية، وهذا ما ترفضه روسيا بشدة، فروسيا تؤيد حق إيران في استخدام الطاقة الذرية لأغراض السلمية، فقد سعت كل من: روسيا والصين في محاولة: لنزع فتيل الأزمة بين إيران ووكالة الطاقة الذرية، ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الترويكا الأوروبية*وبفضل جهود كل من: روسيا والصين إستبعدت مسألة استخدام القوة لحل الأزمة النووية الإيرانية.
وتعتقد الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقرير نشرته في العام 2002م، أن إيران تخالف أنظمة معاهدة حظر الانتشار النووي للعام 1968م، لأنها لم تعلن عن نشاطات نووية مهمة طيلة عشرين عاماً، ومنذ ذلك التاريخ وحرب التهديدات والعقوبات والتهويل الاعلامي في سجال بين إيران من جهة، والمجتمع الدولي ممثلاً بمجموعة(الخمسة+ واحد)*من جهة اخرى، وفي المقابل كانت روسيا والصين يرفضان أي عقوبات اقتصادية مشددة على إيران، كما تُعارضان الحل العسكري لمهاجمة المفاعلات النووية، حيث كانت روسيا تستخدم هذا الملف في علاقاتها المتقدمة مع إيران لاستعادة نفوذها في إحدى المناطق المهمة بالشرق الأوسط.
بحيث أبدت روسيا مرونة كافية مع الموقف الأمريكي تجاه الملف النووي الإيراني، وقامت سياستها على أساس الموازنة الدقيقة بين المحافظة على مصالحها وعلاقتها مع إيران من جهة، والحيلولة دون تحول إيران إلى قوة نووية من جهة أخرى، بحيث إنضمت روسيا في العام 2003م إلى كل من: الولايات المتحدة الأمريكية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما ايدت أعمال التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المنشآت النووية، ودعت إلى ضرورة تعاون إيران معهما للتأكد من عدم استخدام المشروع النووي لأغراض عسكرية.
لقد أصبحت الأزمة النووية الإيرانية واحدة من القضايا التي تثيرها الولايات المتحدة الأمريكية وجميع حلفاؤها، وأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تثير هذه القضية مع روسيا باعتبارها الحليف العسكري لإيران، وكانت تسعى إلى: فك ذلك الحلف، ومنع تصدير التكنولوجيا النووية إلى إيران؛ لأن ذلك سيؤدي إلى: تهديد المصالح الأمريكية والغربية.
فضلاً عن: سعي الولايات المتحدة الأمريكية إلى تجريد روسيا من إستخدام الملف النووي الإيراني كورقة ضغط عليها، إذ كان وما زال الملف النووي الإيراني من أهم نقاط الخلاف بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فملف إيران النووي من وجه النظر الأمريكية يشكل تحدياً يجب التعامل معه بسرعة، في حين لا ترى روسيا في البرنامج النووي الإيراني ما يستدعي تخوف الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي.
ان ثبات الموقف الروسي الرافض لفرض عقوبات دولية على إيران، ومنعها من تطوير برنامجها النووي يعود بالدرجة الاولى إلى: مهارة القيادة الإيرانية في إدارة المعركة الدبلوماسية لملفها النووي، وكذلك قوة إيران سياسياً واقتصادياً وعسكرياً قبالة الضغوطات الأمريكية، وقدرتها على ردع الولايات المتحدة الأمريكية عن مهاجمتها، أي ان الموقف الروسي يتغدى بالموقف الإيراني، والعكس صحيح.
كما أن روسيا خالفت رأي الولايات المتحدة الأمريكية في نقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن، وإنتقدت التهديدات الأمريكية لإيران، عاداً إياها فارغة المضمون، وخصوصاً: انه لم يثبت إمتلاك إيران للسلاح النووي أو سعيها الجاد لذلك، فقد ناشدت روسيا الأمريكيين مع الأوروبيين(الترويكا) لتسوية المسألة دبلوماسياً، والابتعاد عن مجلس الأمن، ومن جانب آخر: دعت إيران إلى إبداء تعاون أكبر مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومثلما كان لروسيا دور في تنمية البرنامج النووي الإيراني، كذلك كان للصين إسهام في هذا المجال، هذا ما يدل على أن الدولتين يتبنيان سياسة تكاد أن تكون موحدة تجاه تقويم وتقوية الأنظمة المعادية للسياسة الأمريكية، وخاصة الدول التي من المتوقع أن يكون لها دوراً إقليمي مؤثر في المصالح الأمريكية.
ان العلاقة بين كل من: روسيا والصين بإيران كانت تتسم في الكثير من الفترات الزمنية بنوع من التنسيق والتفاهم الإيجابي بحيث اثار حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية، وطلبت من روسيا والصين بالضغط على إيران للكف عن دعم الإرهاب، والتخلي عن برنامجها النووي، حيث نرى: أن التباعد الأمريكي-الإيراني قد أنتج تقارب إيراني مع كل من: روسيا والصين، وتحولت القضية الإيرانية إلى محك للتنافس، وإثبات الدور على المستوى العالمي، فعدم أستجابة روسيا والصين للضغوطات الأمريكية بخصوص البرنامج النووي الإيراني يفهم على أنه تأكيد لعدم أحادية صنع القرار الدولي، وكذلك عدم ترك الولايات المتحدة الأمريكية تحتكر عملية تسوية القضية، وإرغامها على إشراكهما كطرفين فاعلين في هذا الملف.
ان الموقف الروسي-الصيني من الأزمة النووية الإيرانية هو متطابق إلى حد كبير، فهما دعتا إلى: عدم استخدام القوة العسكرية عن طريق إحالة الملف إلى مجلس الأمن؛ نظراً للمصالح العسكرية والنفطية التي تربط هذين البلدين مع إيران، ناهيك عن اعتبارات متعلقة بالهيمنة والنفوذ الدوليين، فهي مواقف مصلحية أكثر منها مبدئية، وأن ارتباط مصالح هذه الدول بشكل شديد بالولايات المتحدة الأمريكية يجعل الاعتماد عليها حصراً أمراً غير مضمون بالنسبة لإيران.
أما بخصوص تأثير العلاقات الروسية-الصينية في بعض الأزمات الإقليمية والدولية، ومن ثم موقف البلدين من البرنامجين: النووي الكوري الشمالي والبرنامج النووي الإيراني، إذ نرى: ان هناك إجماع من قَبِل كل من: روسيا والصين على تفكك البرنامج النووي الكوري الشمالي، فروسيا اشترطت: ضرورة الابتعاد عن استخدام القوة العسكرية، وأن تكون العقوبات محددة زمنياً. أما الصين، فهي أصرت على أن تشمل العقوبات: إتخاذ تدابير اقتصادية وتجارية، ولا تشمل الاستخدام التلقائي للقوة العسكرية.
وبغض النظر عن تطورات الأزمة الإيرانية، إلاّ أنّ ما يستحق الإشارة هو: ان هذه الأزمة التي لم تكن فيها الولايات المتحدة الأمريكية هي الطرف الوحيد بقدر ما كانت جزءاً من سلسلة أطراف مؤثرة تضم: روسيا والصين فضلاً عن دول أخرى.
حيث نرى: ان الروسي والصيني يبدو وكأنه يدفع بإتجاه دعم تصعيد الأزمة، وبشكل معاكس للتوجه الأميركي، ومثلما يرد الموقف الروسي والصيني تجاه إيران إلى: رغبتهما في تطوير مصالح مع دولة تُعدّ مركزاً مهماً للطاقة في العالم، كذلك يرد جزء من هذا الموقف إلى: عدم قيام إيران بأي دور في منطقة الجمهوريات الإسلامية التي نشأت بعد تفكك الإتحاد السوفيتي، وعدم إستغلالها للعامل الإسلامي بشكل يؤثر سلباً في مصالح روسيا أو الصين بحيث كان لهذا القرار الإيراني إنعكاس إيجابي على تعاون كلتا الدولتين مع إيران على خلاف الموقف التركي الذي كان يجد له دعماً وتأييداً من الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد كان السياق الدولي الذي تطور مع إدارة الملف النووي الكوري الشمالي له انعكاسات كبيرة على تحديد مستقبل الملف النووي الآخر، وهو: الملف النووي الإيراني الذي وأن تراجع إلى المرتبة الثانية بعد الملف الكوري الشمالي، إلاّ أنّ سلوكية إيران تأثرت بشكل كبير بكيفية تسوية الملف الكوري الشمالي، علماً أن إيران تمتك ورقتين أساسيتين لا تمتلكهما كوريا الشمالية، وهما: حجم القوة الأقتصادية والسياسية من جهة، والهدف المعلن بالحصول على قوة نووية مدنية عند إيران، وليس عسكرية كما فعلت كوريا الشمالية من جهة أخرى.
المبحث الثالث: البُعد الاقتصادي والثقافي-الحضاري:
تولد عن الحرب العالمية الثانية حالة عالمية جديدة، تميزت: بسيادة نظام القطبية الثنائية، الذي صُبغَ باللون(الرمادي) للحرب الباردة. لكن سباق التسلح والصراع الصامت بين القطبين الكبيرين: الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، وأوضاع الاتحاد السوفيتي الداخلية منها البيروقراطية، والجمود الفكري، والفساد والتطورات العالمية الأخرى، أنهت الحرب الباردة، بتفكك الاتحاد السوفيتي، وتراجع الدور الروسي، وسيادة نظام القطبية الأحادية، وتصوير ذلك كله على أنّه: انتصار لليبرالية الاقتصادية الجديدة، وتتويج للرأسمالية العالمية، وللقيم الديمقراطية، ومبادئ حقوق الإنسان على الصعيد العالمي، حيث إتُخذ من ذلك ذريعة للتدخل في الشئون الداخلية للدول المستقلة، فضلاً عن أنّ الاقتصاد العالمي واجه واحدة من أصعب الأزمات في تاريخه الحديث، وأكثرها حدة منذ أزمة الكساد الكبير في العام 1929م، حيث تضافرت العديد من الاسباب والعوامل، وتراكمت لعدة أعوام لتصنع أسوء أزمة يشهدها الاقتصاد الأمريكي والعالمي، بحيث لم تقتصر تداعياتها على الأسواق المالية والبنوك فحسب، بل إمتدت إلى كل المرافق الاقتصادية في العالم، وكانت لها إنعكاسات بالغة الخطورة على معظم الاقتصاديات العالمية.
كما أثرت الأزمة المالية العالمية في العام 2008م، على الادوار، وطبيعة التفاعلات الدولية بين الدول الكبرى، الأمر الذي يرجع إلى إعادة التوازن على مستوى النظام الاقتصادي العالمي، مما يعني: إدخال التعديلات الضرورية على آليات عمل المؤسسات الدولية، والقيام بإصلاح مؤسسي يواكب التغيير الحاصل.
ولذلك تم تقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب: تناولنا في المطلب الاول: الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في العام 2008م، وتأثيرها في العلاقات الروسية-الصينية، فيما خصصنا المطلب الثاني لرابطة دول جنوب شرق آسيا(منظمة الآسيان)، وتأثيرها في العلاقة بين روسيا والصين، فيما تناولنا في المطلب الثالث: العلاقات الروسية-الصينية وتأثيرها في أطروحة صِدَام الحضارات.
المطلب الاول: الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في العام 2008م، والعلاقة الروسية-الصينية:
لقد أصبحت الأزمة المالية العالمية التي ضربت الاقتصاد العالمي في العام 2008م، مرحلة مهمة ومفصلية في تاريخ النظام الاقتصادي العالمي، حيث أثرت على كثير من مفردات وثوابت هذا النظام، فقد كشفت الأزمة المالية عن أن هناك قصور واضح في النظام العالمي الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية مع عجز ما يعرف بــــــــــ(آليات السوق)عن تصحيح نفسها، وهذا ما يتطلب: وجود تعاون مشترك بعد أن عجزت الولايات المتحدة الأمريكية عن قيادة العالم بمفردها، والحاجة إلى نظام دولي متعدد الاقطاب. بحيث فرضت الأزمة المالية العالمية التي إجتاحت العالم الرأسمالي الكثير من التساؤلات حول مستقبل النظام الرأسمالي العالمي، وأنعشت آمال الكثير من الاقتصاديين ذوي الاتجاهات المخالفة، وعلى رأسهم التيار الاشتراكي، وأخذ الجميع يعدّ العدة تهيئاً لما بعد سقوط(الرأسمالية)*
ان الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أدت إلى: الاضرار بالنظام الرأسمالي الذي كانت تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية بوابة الديمقراطية، وأدت إلى خسائر إقتصادية، كما قد أدت تلك الأزمة إلى: تبخر زعامة الولايات المتحدة الأمريكية المعنوية والاقتصادية، وبدأ العالم يبحث عن نظام اقتصادي جديد أكثر وثوقاً واستقراراً.
أما تأثير تلك الأزمة في دول أوروبا وآسيا فقد تبين فيما يأتي:
-هبوط حاد في البورصات الأوروبية بهبوط ما بين(6-7%) في حادثة ليس لها مثيل.
– أعلنت بريطانيا: أن مستوى التضخم هو الأعلى منذ(16)عاماً متأثراً بالأزمة المالية الأمريكية.
– أعلنت المانيا: بأنهّا متأثرة بالأزمة بشكل قد يحل فيها الركود الاقتصادي.
– عمدت فرنسا إلى ضخ مبلغ(36)مليار يورو للجهاز المصرفي لمواجهة الأزمة.
– ضخت اليونان(28)مليار يورو للجهاز المصرفي لمواجهة الأزمة.
-إنخفاض النفط الأوروبي(برنت) دون(70) دولاراً للبرميل الواحد.
-إجتماعات مكثفة للمسئولين الأوروبيين، وعقد قمة لقادة(منطقة اليورو).(1)
-إنخفاض حاد في الأسواق المالية الآسيوية.
– شهدت بورصة كوريا الجنوبية هبوطاً بنحو(7%).
– شهدت بورصة هونك كونك هبوطاً بنحو(6%).
– خفضت الهند الاحتياط النقدي للمصارف فيها.
– إتتخذت اليابان إجراءات عده لمواجهة الأزمة على الرغم من هبوط حاد في الأسهم في بورصتها.
يتضح مما سبق: إن الأزمة المالية العالمية كان لها تداعياتها وستستمر لفترة لاحقة، إذ أن الاقتصاد العالمي إتجه نحو الركود والكساد، وهذا بدوره جعل الحكومات المؤسسات والبنوك عاجزة عن تنفيذ سياساتها التنموية، وربما لا تقوم بعمليات التمويل والإقراض، وهذا بدوره حجم من أعمال التنمية والتشييد، ومن ثم تراجع الطلب على الكثير من المواد والمنتجات المختلفة.(1)
لقد إنتقلت الأزمة إلى معظم الأسواق المالية العالمية، فمباشرة بعد هبوط أسهم بورصة(وول ستريت)إنخفض المؤشر العام في أهم البورصات العالمية، كما مبين في الجدول أدناه:
جدول(11) يبين مدى انخفاض المؤشر العام في أهم البورصات العالمية في العام 2008م:
البورصة فرانكفورت باريس لندن مدريد طوكيو شنغهاي ساو باولو الرياض دبي بيروت نسبة انخفاض المؤشر (بالمئة) 07.1 06.8 05.4 07.5 03.8 05.1 06.00 09.8 09.4 03.00
المصدر من أعداد الطالب بالاعتماد على: حنان عبد اللطيف، الاقتصاديات الخليجية وتداعيات الأزمة المالية، مجلة السياسة الدولية، العدد(175)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2009، ص176.
كما إنعكست الأزمة المالية بآثارها في أغلب دول العالم، وكان انعكاسها متفاوتاً بين دولة وأخرى، ومن بين تلك الدول التي تأثرت بالأزمة المالية العالمية هي: دول الاتحاد الأوروبي، حيث إنخفضت معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، فبعد أن كان يتراوح في عامي(2006-2007م)عند مستوى(3,46%)،(3,18%) على التوالي، إنخفض في عامي(2008-2009م)، إلى (0,6%) و(-4,1%)على التوالي.(2)
وقد انعكست آثار الأزمة المالية العالمية على العالم أجمع من حيث: إنخفاض معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، والذي يتضح عن طريق الجدول ادناه:
جدول(12) معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي العالمي من العام 2004م حتى العام 2009م:
الأعوام 2004 2005 2006 2007 2008 2009 المعدل العالمي 4,9 4,5 5,1 5 3,8 2,2 الإتحاد الأوروبي والدول المتقدمة إقتصادياً 2,69 2,16 3,46 3,18 0,6 -4,1 وسط وجنوب شرق أوروبا 8,3 7 7,7 7,6 6 3,3 شرق آسيا 8,9 8,9 10 10,4 8,4 7 جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي 6,4 5,9 6,1 6,4 5,1 4,2 جنوب آسيا 7,6 8,7 9,2 8,8 7,5 5,8 أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي 6,1 4,7 5,5 5,6 4,5 2,5 الشرق الأوسط 6,3 5,8 5,5 5,7 6 5,1 شمال أفريقيا 4,7 5 6,1 6,1 6,2 5,1 جنوب أفريقيا 7 6,2 6,3 6,6 5,3 5
المصدر من أعداد الطالب بالاعتماد على:
2010.p19. -IMf, world Economic outlook database, October
كما ويوضح الشكل التالي التغيير في معدلات البطالة والناتج المحلي الإجمالي على مستوي العالم منذ العام 1998م وحتى عام 2008م.
المصدر من أعداد الطالب بالاعتماد على: محمد أحمد معيط، أثر الأزمة المالية الراهنة على خلق فرص عمل جديدة، منظمة العمل العربية، الرياض، 2010، ص12-23.
وهناك العديد من الملامح والمؤشرات الاقتصادية التي دلت على: ضعف الاقتصاد الأمريكي، والتي هي في تزايد مستمر، وهذه الملامح هي الاساس في وقوع الاقتصاد الأمريكي في أزمات متكررة، ومن أهم الملامح: أولاً/تصاعد العجز التجاري، وثانياً/العجر في الحساب الجاري، وثالثاً/العجز في الموازنة العامة، ورابعاً/إرتفاع نسبة البطالة، وخامساً/تصاعد المديونية، وهذا ما سوف نوضحه في الجدول إدناه.
الجدول(13) بعض المؤشرات الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال المدة ما بين الأعوام(2000-2009):
الأعوام مقدار العجز التجاري العجز في الحساب الجاري العجز في الموازنة العامة الدين العام الإجمالي معدلات البطالة% 2000 375,7 444,667 236,400 5674,18 3,9 2001 375,8 393,371 127,100 5807,46 4,7 2002 418 480,861 106,200 6228,24 5,8 2003 496,5 530,668 91,802 6783,23 6,0 2004 561,3 625,0 412,7 7379,05 5,5 2005 715,3 729,0 318,3 7932,71 5,1 2006 760,4 788,1 2482 8506,97 4,6 2007 701,4 731,2 162,2 9007,65 4,6 2008 695,9 673,3 458,6 9986,08 5,8 2009 390,1 418,0 1,412,7 11875,9 8,9
الجدول من أعداد الطالب بالاعتماد على المصادر الآتية: .Economic indicators ,council of Economic Advisers,Washington,DC,2010,p32 1
أما عن تأثير الأزمة المالية والاقتصادية في العلاقة بين روسيا والصين، في حين كانت الأزمة المالية في العام 2008م، على أشدها في الولايات المتحدة الأمريكية مع تداعيات كارثية في الاسواق الأوروبية والآسيوية، أظهرت رسملة سوق الأسهم والسندات الروسية، إنّه: خسر نصف قيمته، علماً أنهّا كان من أفضل الأسواق أداءً من العام 2005م، وحتى أوائل العام 2008م، فضلاً عنّ ذلك فقد كان على المصارف الروسية أن تسدد(16)مليار دولار في الربع الأخير من العام 2008م، إلى مؤسسات أجنبية، وتدفق الأستثمار إلى روسيا إنقلب إلى تحولات للخارج، حيث بلغت(15)مليار دولار في شهر آب من العام 2008م، وكانت التقديرات تشير إلى: تحولات على مستوى(30)مليار دولار في شهر أيلول في العام 2009م، وتقدر مجموعة السحوبات من روسيا في العام2008م، بــ(140)مليار دولار، لكن هذه الوضعية إنقلبت في العام 2009م، وتحسن مؤشر الأسهم في روسيا بنسه فاقت ما تحققه في غالبية البلدان الصناعية، كما تزايدت احتياطات روسيا بحيث تجاوزت لـــــــ(425)مليار دولار في آوائل العام 2010م.(
حيث أثرت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في الاقتصاد الروسي بشكل كبير جداً، حيث ارتفع معدل البطالة من(8,400%) في العام 2009م، بعد أن كان(7,200%) في العام 2006م، أما بالنسبة للناتج المحلي الجمالي فقد إنخفض من(10,046%) في العام 2000م، إلى(5,2%) في العام 2008م، كما شهد الاقتصاد الروسي معدلات متصاعدة من التضخم، من (9,679%)في العام 2006م، إلى(11,654%) في العام 2009م، وإنخفض الاحتياط المالي الروسي من(700)مليار دولار إلى(300)مليار دولار خلال العام 2008م، وكذلك سوف نوضح المؤشرات الاقتصادية الروسية قبل وبعد الأزمة المالية كما في الجدول فيما يلي.(
الجدول (14) معدل النمو الناتج المحلي الإجمالي والتضخم والبطالة في روسيا للمدة ما بين الأعوام(2000-2009)(%):
الأعوام الناتج المحلي الإجمالي التضخم البطالة 2000 10,046 20,776 10,519 2001 4,253 21,461 8,939 2002 7,253 157,83 8,000 2003 6,388 13,666 8,600 2004 6,388 10,887 8,200 2005 6,4 126,83 7,600 2006 8,2 9,679 7,200 2007 8,5 9,007 6,100 2008 5,2 14,108 6,400 2009 -7,8 11,654 8,400
الجدول من أعداد الطالب بالاعتماد على المصادر الآتية:
1.دراسة استقصائية للأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية، أفاق الاقتصاد العالمي، الواقع والمخاطر، ترجمة:(شعبة اللغة العربية أدارة التكنولوجيا والخدمات العامة)، صندوق النقد الدولي، ابريل، 2013، الصفحات: 153-158-167.
أما بخصوص تأثير الأزمة المالية العالمية في الصين، فعلى الرغم من أن الازمة المالية والاقتصادية في العام 2008م، أثرت سلباً في معظم اقتصادات المتقدمة في العالم، فقد واصلت الصين معدلات نموها، محققة معدل نمو بلغ(9,1%) في العام 2009م، كما وصل إجمالي ناتجها المحلي في العام نفسه إلى(9,2)مليار دولار، هذا لا يعني: ان الصين لم تتأثر بالأزمة المالية. لكن تأثيرها بمعدلات أقل مما هي في بقية دول آسيا، فصعدت بذلك إلى المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وكان لصعود الصين وعدم تأثرها الكبير بالأزمة المالية والاقتصادية تداعيات على المستويين: الإقليمي والدولي فقد إرتبطت الصين مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول الآسيان بشبكة متداخلة من العلاقات التجارية والاستثمارات. ولكن صعود الصين أصبح يهدد عدداً من المصالح الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه مثار قلق لدول الآسيان المجاورة من حيث تخوفها من تحولها إلى مرتبة الدول التابعة للصين.
وعمقت الأزمة المالية من التباين بين الصين بوصفها أعلى الاقتصادات نمواً، والولايات المتحدة التي أصبح اقتصادها بفعل الأزمة المالية يشهد معدلات نمو سالبة وركود، فقد عملت الحكومة الأمريكية إلى محاولة الضغط على الصين لرفع قيمة عملتها، كما رفعت من درجة نشاطها الدبلوماسي في منطقة الآسيان وآسيا الوسطى وآسيا الباسيفيكي، حيث يبدو تمدد النفوذ الصيني في هذه المناطق على حساب وجود أمريكي متناقض بفعل ما فرضته الأزمة المالية العام 2008م، من أولوية الشأن الداخلي، وإعادة هيكليته وبنائه، كما يجب عدم اغفال الضغوط المتزايدة التي تضعها تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية على العلاقات الصينية-الأمريكية، حيث أن هذه الأزمة وضعت نهاية للمدة التي كانت فيها العلاقة التجارية بين البلدين تمثل عامل استقرار، ودشنت بداية مرحلة جديدة، تصبح فيها مصدراً لتوتر ونزاع متصاعد.
حيث كان النجاح الصيني في ظل الأزمة المالية على صعيدي: التجارة الدولية والاحتياطات المالية عن طريق الإبقاء على سعر صرف عملتها الوطنية(اليوان)من أبرز الأسباب التي أدت إلى: زيادة الحساسيات السياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ومن ثم تحولت الصين من حليف اقتصادي يعتمد عليه في إنعاش الطلب العالمي، خلال الأزمة المالية العالمية إلى مشاكس عنيد يصر على دعم عملته وصادراته الخارجية، يُنظر الجدول أدناه
الجدول(15) معدل النمو الحقيقي والاحتياطات الخارجية وحجم التجارة في الصين للمدة ما بين الأعوام(2000-2010م):
الأعوام النمو الحقيقي % الاحتياطات الخارجية بمليار دولار الصادرات بمليار دولار الواردات بمليار دولار حجم التجارة الصينية العالمية بمليار دولار 2000 8 168,9 249,303 225,094 474,3 2002 8 292,2 325,591 295,171 620,6 2004 8,4 615,5 622,808 581,727 1204,5 2006 12,7 1,069,5 969 792 1761 2008 9,6 1,950,3 1203,5 928,7 2132,2 2010 10,3 2,889,6 1300,1 1011 2311,1
الجدول من أعداد الطالب بالاعتماد على المصادر الآتية:
1.IMF, Direction of trade Statistics Year Book, Washington D.C.2012,p.p131.
وعززت الأزمة المالية من مكانة الصين كقوة اقتصادية، فحقق الاقتصاد الصيني نمو بلغ(9,6%)في العام 2008م، في حين كانت تعاني معظم بلدان العالم من الانكماش، وتعكس الارقام القوة الاقتصادية للصين، حيث بلغت احتياطاتها الخارجي(1,950,3)مليار دولار في العام 2008م، إذ زادت بنسبة عالية لتصل(2,889,6)في العام 2010م، وقد استخدمت الصين (586)مليار دولار لتنفيذ خطة ناجحة للإنعاش الاقتصادي، حيث تشير معظم الدلالات إلى أن الصين هي الرابح في ظل الأزمة المالية العالمية، وأن ذلك سوف يؤهلها لأن تصبح متحدياً للهيمنة الأمريكية.(1) أن جهود الصين المبذولة في استقرار التنمية الاقتصادية، وموقفها الإيجابي في مواجهة الازمة المالية العالمية حظيت بإشادة من قَبِل المجتمع الدولي، وفى القمة الاسيوية-الاوربية التي أقيمت ببكين في العام 2008م، فقد آشار الرئيس السلوفيني(دانيلو تورك)، إلى أن الصين أصبحت قوة هامة لا غنى عنها خلال مواجهة الأزمة المالية العالمية، لان التنمية الاقتصادية الصينية بصورة مستقرة ستسهم في التنمية الاقتصادية العالمية.
وفي ذات السياق تبدو الصين طرفاً أساسياً في أي إجراءات لمواجهة الأزمة الدولية؛ نظراً لأن لديها احتياطي هائل من العملات الأجنبية، فضلاً عن أن الاقتصاد الصيني يُعدّ أحد أسرع الاقتصاديات نمواً في العالم، ومن ثم فإنّ الصين من الدول القليلة التي لديها فائض من السيولة يُمكنها من مساعدة الدول الأخرى، حيث تسعى الصين جاهدة إلى حل الأزمة المالية العالمية، لكن مقابل ذلك تريد الصين قوة وصلاحيات أكبر داخل صندوق النقد الدولي الذي تسيطر عليه أساساً الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية.
وفي ظل تنامي إنعكاسات الأزمة المالية على دول العالم، تسارعت أغلب الدول إلى إتخاذ إجراءات سريعة لمعالجة الأزمة المالية في الداخل، فضلاً عما ضختهُ دول العالم من أموال لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي، إذ إنّ تفاقم أثر الأزمة المالية على الاقتصاد الأمريكي يكون أثره الأكبر على الدول ذات التشابك الاقتصادي الكبير مع الاقتصاد الأمريكي، ومن ثم فإنّ تخفيف حدة الأثر على الاقتصاد الأمريكي يضمن استقرار اقتصادات هذه الدول.
كما إن روسيا والصين لديهما مواقف متماثلة بشأن إصلاح النظام المالي العالمي، وهذا ما قالة مساعد الرئيس الروسي( دفوركوفيتش)، في لقاء صحفي نقلته وكالة الأنباء الصينية “شينخوا”: أن روسيا والصين أعربتا عن دعمهما لفكرة “عملة احتياط عالمية”، وعقد البلدان مناقشة بخصوص هذه القضية وأضاف(دفوركوفيتش)، أن قمة مجموعة العشرين في لندن قد تبدأ في تشاور واسع حول هذه القضية، واشار إلى أن تطبيق عملة احتياط عالمية في الميزان الدولي والتجارة الدولية يمكن وضعه في الاعتبار على المدى القصير.
وضمن التنسيق والتعاون ما بين كل من: روسيا والصين من أجل مواجهة الاخطار الاقتصادية التي خلفتها الأزمة المالية في العام 2008م، صرح الرئيس الصيني(هو جين تاو)، في اجتماع ثنائي مع الرئيس الروسي(دميدفديف)، على هامش قمة مجموعة الـــــــ(20) بواشنطن في تشرين الثاني في العام 2008م، بشأن الاسواق المالية والاقتصاد العالمي: إنّه ينبغي ان تعزز روسيا والصين التعاون في الجهود المبذولة للتخلص من التأثير السلبى للازمة المالية، والحفاظ على استقرار أسواقهما المالية، مشيراً إلى صعوبة الأزمة المالية التي ضربت العالم في العام 2008م، وتأثيرها في العلاقة بين الدولتين.
وعن طريق دراسة الأزمة المالية العالمية في العام 2008م، والتي عصفت بالاقتصاد العالمي، وتأثيرها على اقتصادات دول العالم، فقد تبين: ان هناك تأثير للأزمة المالية العالمية في كل من: روسيا والصين، إلاّ أنّ درجة تأثرهما بالأزمة كانت محدودة مقارنة ببقية الدول.
إذ إنخفاض حجم التبادل السلعي بين روسيا والصين في العام 2008م؛ وذلك على خلفية الأزمة المالية العالمية، وبموجب نتائج العام 2009م، تقلصت التجارة الروسية-الصينية بنسبة (38.5%)بالمقارنة مع نتائج العام 2008م، بما في ذلك: إنخفض التصدير الروسي إلى الصين بنسبة(41%)، وتقلص الاستيراد الروسي من الصين بنسبة(36.8%)، الامر الذي سجل عجزاً في تجارة روسيا مع الصين بقيمة(1.5)مليار دولار. لكن هذا لا يعني: ان العلاقات الاقتصادية بين روسيا والصين لا تستطيع إعادة عافيتها من جديد، حيث تتوفر الإمكانيات والقدرات كافة اللازمة لكي يصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى المستوى الذي يجعل تطوير العلاقة بينهما، ولاسيما الاقتصادية أمراً ضرورياً في ظل التحديات التي تشهدها الساحة الدولية.
ومما سبق نرى: أن الأزمة المالية والاقتصادية في العام 2008م، قد قربت من سياساتهم: الاقتصادية والسياسية لدى كل من: روسيا والصين بحيث أصبح هناك تنسيق وتعاون مشترك في المجالات كافة، لا سيما في المجالين: العسكري والاقتصادي؛ لأن العالم يشهد تطورات خطيرة خاصة في المجال الاقتصادي بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008م، التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم دول العالم، حيث ما تزال تلك الدول تعاني آثار الأزمة المالية، وكذلك نجحت الأزمة المالية العالمية في استقطاب إهتمام عالمي، واستثمارات دولية كبيرة توجهت إلى أسواق الدولتين واقتصاداتهما، أي في كل من: روسيا والصين.
المطلب الثاني: رابطة دول جنوب شرق آسيا(منظمة الآسيان)، والعلاقة الروسية-الصينية:
نتيجة التغيرات الدولية وإنتهاء الحرب الباردة، وقيام التجمعات الاقتصادية القوية: كالسوق الأوروبية الموحدة، ومن بعده الاتحاد الأوروبي، ومنظمة التجارة الحرة في أمريكا الشمالية، شعرت دول جنوب شرق آسيا بالقلق بالنسبة لمستقبل الاستثمارات الأجنبية، ومصير الأسواق العالمية لمنتجاتها، وهذا ما جعلها تقتنع بأهمية الاتجاه نحو التعاون الاقتصادي الوثيق عن طريق التجمعات الاقتصادية الإقليمية.
وفي البدء لابد من القول: ان هذه الرابطة واحدة من أهم المنظومات والترتيبات الإقليمية، والتي تأسست في العام 1967م، من كل:(اندونيسيا، ماليزيا، سنغافورة، تايلند، الفليبين)، صحيح: ان إنبثاق هذه الرابطة كان يهدف إلى: تعزيز العمل الاقتصادي المشترك بين دول الإقليم. ولكنها وبسبب جملة من تفاعلات الحرب الباردة، وآثار سياسات القوى العظمى آنذاك، فإنهّا لم تجد من حل سوى الانخراط في تفاعلات تلك الحرب، والاهتمام بالمسائل العسكرية والإقليمية والسياسية، إلى جانب العمل الاقتصادي المشترك.
إذ أن هذه الرابطة عمدت إلى التأكيد على:
– الإسراع بالتنمية الاقتصادية لدول الرابطة.
– تحقيق التقدم الاجتماعي والتنمية الثقافية .
– المساواة وعدم التدخل في الشئون الداخلية لكل دولة عضو في الرابطة.
ان توسيع دور الآسيان الاقتصادي في العلاقات الدولية في وضع دولي متغير يوسع دائرة التعاون على حساب الخلافات الحدودية والأمنية، وهو ما يطرح أحتمالاً مستقبلياً بتطور المنظمة وتوسعها لتظهر بشكل تكتل اقتصادي مهم خاصة إذا ما استطاعت تحقيق الهدف الامني أيضاً، أما عن هيكلية المنظمة فتتكون المنظمة من:
اولاً: مؤتمر القمة: وهو السلطة العليا للمنظمة، ويتكون من رؤساء الدول الاعضاء، ويجتمع مرة كل ثلاث أعوام.
ثانياً: مؤتمر وزراء الخارجية: وهو يتكون من: وزراء خارجية الدول الأعضاء، وتنعقد الاجتماعات سنوياً وبشكل دوري في بلدان الدول الأعضاء.
ثالثاً: اللجنة الدائمة: تتكون من: وزير خارجية البلد المضيف وسفراء دول المنظمة، وتناط بهم مهمة تنفيذ أعمال وقرارات وزراء الخارجية، وتعقد اللجنة اجتماعها عند الضرورة إلى المدة ما بين المؤتمرات الوزارية بقصد: التشاور، ويتم عقد الاجتماع في أحد الدول الأعضاء وبالتناوب. رابعاً: الأمانة العامة: تأسست الأمانة العامة مع أنشاء المنظمة في العام 1967م، ومقرها(جاكارتا)بإندونيسيا، وتشكل الأمانة دور المنسق الرئيس، ووظيفة الأمين العام تتم توليتها بالتناوب بين الدول الأعضاء حسب الحروف الأبجدية، ولمدة ثلاث أعوام.
خامساً: مجموعة لجان آسيان: هنالك خمس لجان تختص بمسائل التعاون الاقتصادي، وتعمل في إطار توجيهات وزراء الاقتصاد لدول المنظمة، ويدخل في إطار اختصاصاتها المواضيع الآتية:(الأغذية، الزراعة، والغابات، المالية، المصارف الصناعية، المعادن والطاقة، النقل والمواصلات، التجارة والسياحة).
أن المنظمة ومنذ نشأتها في العام 1967م، بإعلان(بانكوك)من قَبِل الدول المؤسسة حددت الاهداف الآتية: النهوض بمستوى التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في دول المنظمة، وتعزيز الأمن والاستقرار في دول المنظمة من خلال مبدأ (العدالة)، ودور القانون في العلاقات الدولية بين دول المنظمة، وتعميق التعاون بشكل جديد من أجل الاستخدام الأفضل لموارد الدول الأعضاء الزراعية والصناعية، وتوسع التجارة وتحسين المواصلات السلكية واللاسلكية، والمساهمة في تقييم المساعدات في مجالات التدريب والابحاث، وتشجيع التعاون الدولي والإقليمي.
وقد سعت(الآسيان) إلى تأكيد هويتها إزاء التكتلات الاقتصادية الأخرى؛ وذلك في إطار توسيع دائرة تعاملاتها الخارجية، والحد من السيطرة الأمريكية على شئون العالم، مما حفزها على تبني فكرة عقد قمة آسيوية-أوروبية دورية لأعاده موازنة العلاقات الدولية بين آسيا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، والتأكيد على تعزيز وتطوير العلاقات بينهما، لاسيما في الجوانب الاقتصادية منها.
وتشكل الاهداف الاقتصادية والتجارية جوهر مسوغات إنشاء منظمة(الآسيان) لاعتبارات ذاتية وموضوعية، وأن إعتماد بلدان المنظمة على سياسة اقتصاد السوق، ومعدلات النمو المتسارعة لديها، فضلاً عن ذلك إشتراكهما في انتاج المواد الخام، وخاصة النفط والمعادن، كل ذلك شَكَلَ حافزاً لتنسيق سياساتها الاقتصادية، وتنمية التبادل التجاري فيما بينهما واعتماد سياسة للتكامل الاقتصادي تحقيقاً للمصالح المشتركة.
ومع تفكك الاتحاد السوفيتي، والانسحاب الأمريكي من بعض المناطق، مثل: قواعد الفلبين، فإنّ ذلك أدى إلى: تغيير أساسي للتوازن الإقليمي، دفعت نحو تبلور معطيات إقليمية جديدة، جعلت من الأمن الإقليمي في منطقة جنوب شرق آسيا ترتبط بتقديم المتغير الاقتصادي، ومن الواضح جلياً في الوقت الحالي: ان المتغير الاقتصادي سيؤدي دوراً فعالاً في علاقات المنظومة الإقليمية(الآسيان)، حيث تشكل الآسيان واحدة من أسرع الإقليم نمواً في العالم.
أما عن العلاقة التي تجمع روسيا بمنظمة الآسيان، منذ العام 1996م، أصبحت روسيا وآسيان شريكان في الحوار، وفي كانون الأول من العام 2005م، عقد المنتدى الأول على مستوى رفيع بين روسيا والآسيان، حيث بلغ حجم التبادل التجاري مع آسيان(6)مليارات دولار، وفي قمة روسيا-آسيان الأولى في كانون الأول من العام 2005م، في(كولالمبور) وبمشاركة الرئيس الروسي(بوتين) وقعت وثيقتان هامتان هما: الميثاق المشترك بخصوص تطوير التعاون الشامل بين روسيا والآسيان، وبرنامج العمل لتطوير التعاون بين روسيا والآسيان للمدة ما بين الأعوام(2005-2015م)، حيث وصف(مارغيلوف) رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي، نتائج هذه القمة بقوله: إنهّا أكدت تنوع اتجاهات سياسة روسيا الخارجية، وإن استراتيجية تعزيز دور روسيا ومشاركتها في المنظمات الآسيوية المختلفة، تسمح لروسيا باستخدام الموارد السياسية الشرقية لديها في شتى اتجاهات السياسة الخارجية.
كما أن منظمة الآسيان، ترى في تطوير علاقاتها من روسيا عامل أساس ومهم قد يحد من التفرد والهيمنة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان، كما أن روسيا قد يستمر تواجدها العسكري في منطقة المحيط الهادي ذلك من أجل الضغط على أن يكون لها دور واضح في منظمة الآسيان، إذ عملت روسيا على توثيق علاقتها من الهند ذلك الشريك الاستراتيجي لدول الآسيان كمفتاح لعلاقات جيدة من الآسيان.
أما الصين، فإنهّا تضع في قبالتها قضيتين أساسيتين في تعاملها على الصعيدين: الآسيوي والدولي، وهما: تايوان وهونك كونك، وهما تمثلان الركيزتين الأساسيتين اللتين تعتمد عليهما الصين في تحديد أطر سياستها وعلاقتها الاقتصادية، لاسيما أن وحدة كل من: تايوان وهونك كونك مع الصين يعني: ظهور عملاق اقتصادي عالمي لا يمكن أن تجاريه أي قوة اقتصادية عالمية أخرى، وقاربت المشكلتين إلى الحل، حيث أن هونك كونك عادت إلى الصين في 1/7/1999م، بموجب الاتفاق بين الصين وبريطانيا، أما بالنسبة لتايوان، فالصينيون يرون: ان مسألة تايوان التي ستُحل بدون صعوبة، وأن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية ستشهد حتماً تحسناً وتطوراً مع التأكيد على توحيد تايوان مع الصين سلمياً.
كما أن سياسة الصين في منطقة جنوب شرق آسيا(الآسيان)، ترتبط بأهداف استراتيجية، إذ استندت الصين إلى قدراتها العسكرية والاقتصادية في تحقيقها؛ وذلك بإسترجاع بعض الأراضي التي فقدتها في أوقات ضعفها في تايوان لتحقيق هدف الصين الكبرى بعدما استطاعت إستعادت جزيرتي هونك كونك ومكاو.فقد عملت السياسة الخارجية الصينية على كسب ثقة الدول الآسيوية، والعمل على تذويب مظاهر الشك والتوجس التي حكمت العلاقات الصينية-الآسيوية لأعوام طوال، فالصين حاولت جاهدة لكي تصبح جزءاً من المنظومة الإقليمية الآسيوية، وخاصة في الجوانب الاقتصادية، فعملت على الاندماج في التعاملات السياسية والاقتصادية في منطقة آسيا-الباسفيك، وانخرطت في علاقتها مع منظمة(آسيان)حيث عقدت عدة إتفاقيات وبروتوكولات بين الصين والمنظمة في مجالات مختلفة.
ويمكن القول: بأنّ تجربة الآسيان تطرح إنموذجاً تعاونياً ناجحاً في بيئة صراعية، إذ إتسمت المنطقة قبل ظهور الرابطة وبعدها بكثرة الصراعات والانقسامات بين دول المنطقة، والتي وصلت إلى حد الخلافات العرقية الحدودية، عمقتها خلافات في الرؤى تجاه قضية الأمن الإقليمي والموقف من القوى الإقليمية الأخرى، وكذلك القوى الدولية، كما نجحت الرابطة في استثمار اللحظة التاريخية المواتية التي تمثلت في نمو التهديد الفيتنامي-السوفياتي، وتصاعد النفوذ الصيني، ومن ثم إستثمرت دول الرابطة فكرة الإحساس بالخطر المشترك في وضع أسس بناء إقليمي لتحقيق الأمن والرفاه الاقتصاديين.
أما بخصوص تأثير منظمة الآسيان في العلاقات الروسية-الصينية، حيث تحتل المنطقة أهمية كبرى في الاستراتيجية الصينية، وأن هذه الأهمية تأتي لقربها من الصين وتماثلها الثقافي والديمقراطي/أولاً ولأهميتها الاقتصادية/ثانياً ولأمدادها الجيوبوليتيكي لروسيا/ثالثاً، حيث نرى: ان هنالك تنافس أمريكي روسي-صيني في المنطقة، لاسيما أن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت في الماضي استخدام هذه المنطقة لتشكيل منها طوقاً ضد كل من: الصين والاتحاد السوفيتي السابق، كما أن هذه المنطقة كانت تدخل ضمن الاستراتيجية السوفيتية السابقة في مجابهة الصين/أولاً والوصول إلى المياه الدافئة/ثانياً، هذا إلى جانب دعوة كل من : روسيا والصين على أن يكون دور المنظمة محايد في شئون تفاعلات الإقليم، ورفض الإطار السياسي-الأمني، سبيلاً إلى عدم تحول المنظمة إلى حلف عسكري، والتأكيد على صبغتها الأقتصادية
المطلب الثالث: العلاقات الروسية-الصينية وتأثيرها في اطروحة صِدَام الحضارات:
في عالم ما بعد الحرب الباردة صارت الدول تتجه إلى تحديد مصالحها على أسس حضارية، وبشكل أكثر من ذي قبل، وهي تتعاون وتتحالف مع دول ذات ثقافات مشتركة، وغالباً ما تكون في حالة صراع مع دول تنتمي لثقافات مختلفة، وتحدد الأخطار والتهديدات على اساس نيّات الدول الأخرى، ان هذه النيّات وكيفية إدراكها صارت تشكلها الاعتبارات الثقافية على نحو جلي بمعنى: ان التهديد عادة يأتي من دول مختلفة عنها ثقافياً، وهذه الفكرة هي أبرز ما كتب فيها الأمريكي(صاموئيل هنتنغتون) الذي تحدث عن عالم سيسوده صراع بين الحضارات.
والافتراض الأساسي في صدام الحضارات هو: الثقافة أو الهوية الثقافية الحضارية، فهي التي تشكل نماذج التماسك والتفكك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة، وهي التي تحدد المواقف السياسية المختلفة بحيث أن الهوية الثقافية هي التي تحدد علاقات الدول بعضها ببعض.
أن الرؤيا للمستقبل كما يريدها الغرب والولايات المتحدة الأمريكية تهدف إلى: الهيمنة على العالم واعادة إحتواء شعوب العالم إلى أنماط تابعة للمركز الرأسمالي العالمي وفق مصالحه بإسم (المقاربات الإيديولوجية)، وبمنهجية خططوا لها بأساليب تبدو في إطارها العام مبهرة براقة، تبعث الأمل والطمأنينة في نفوس متعطشي الحرية، بعبارة أخرى: (أن الصراع في العالم الجديد لن يكون إيديولوجياً أو اقتصادياً، بل سيكون ثقافياً أو حضارياً بالمعنى الأدق).
أن روسيا تعارض أي محاولة لتقسيم العالم إلى ما يسمى بــــ(البشرية المتقدمة)وباقي العالم؛ لأن ذلك سوف يؤدي إلى: كارثة عالمية، أن روسيا ودول أخرى صاحبة حضارة عريقة مثل: الهند والصين، تلك الدول المؤيدة لسياسة موحدة تكون العامل الرئيس في منع تقسيم العالم على أساس حضاري، كما تثير العولمة مسائل تمس فعلياً وجود البشرية، فقد بات واضحاً بالفعل أن الموارد الطبيعية محدودة؛ ولذلك من الصعب تأمين الاستهلاك للجميع بنفس مستوى استهلاك الدول الصناعية، وقد تحدث الكاردينال الألماني(جوزيف راتزينجر) في خطابه له قبالة الأكاديمية الكاثوليكية في بـــــ(افاريا) في كانون الثاني من العام 2004م، عن الحاجة إلى ضبط النفس، كما انتقد مظاهر الغطرسة الغربية، قاصداً مزاعم العالمية إنطلاقاً من الثقافات الكبرى للغرب، وثقافة الدين المسيحي، وثقافة العقلانية العلمانية على حد سواء.
ويرى هنتنغتون: أن هناك ثلاثة خيارات أمام المجتمعات والحضارات الأخرى في تعاملها مع الغرب هي: أولاً/الانغلاق والانعزال، والثاني/هو ركوب موجه الغرب، والثالث/فهو محاولة إقامه التوازن مع الغرب بتطوير القوى الاقتصادية والعسكرية، والتعاون مع المجتمعات غير الغربية الأخرى، مع الحفاظ على القيم والمؤسسات المحلية، أي باختصار التحديث، وليس التغريب.
أن الحضارتين: الكونفوشيوسية والإسلامية تتفق كل منهما منفردة في ثقة متزايدة وتأكيد للذات بوجه الغرب، كما انه من المرجح: أن تنشأ أخطر الصراعات في المستقبل نتيجة تفاعل الغطرسة الغربية، والتعصب الإسلامي بحيث أن الدول صاحبة الثقافة العميقة والحضارة العريقة، والتي لا تستطيع أو لا ترغب في الاندماج الكلي بالغرب ستتجه إلى تطوير قدراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وكذلك ستتجه إلى التعاون فيما بينها.
ومن الواضح: ان المجتمعات البشرية تقع تحت تأثير عوامل عدّة منها: جغرافية واقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية وثقافية-حضارية، وبما أن دور وأهمية هذه العوامل يتغير من مجتمع إلى آخر، والمجتمعات بدورها تقع تحت تأثير بعضها البعض، وأن ذلك لا ينفي حدوث تصادم للحضارات المختلفة التي تمثل تلك المجتمعات، وعلى هذا الاساس يمكن رصد أهم مرتكزات وبواعث صِدَام الحضارات. والتي تتمثل بالآتي:
1.الدين هو أهم العوامل التي تميز بين الحضارات، وهو العامل الأهم في صراعات المستقبل.
2.القرارات التي تصدر عن المنظمات الدولية ينبغي أن تخدم مصالح الغرب. ولكنها تُقدم في صورة إرادة المجتمع الدولي.
3.المجتمعات الإسلامية لا تحدد هويتها إلاّ بالإسلام (الأصولي)، ورفض العلمانية الغربية هو أكبر الحقائق الاجتماعية في بلاد المسلمين طوال القرن العشرين.
4.الكتل الاقتصادية الإقليمية المتنافسة هي صيغة الاقتصاد العالمي في المستقبل.
5.الصراعات العسكرية بين الحضارتين: الإسلامية والغربية استمرت عدة قرون، وسوف تستمر وتزداد في المستقبل، وقد تكون أكثر قساوة.
6.أطراف العالم الإسلامي هي مناطق صِدَام بين الإسلام وغيره من الأديان: في الجنوب (جنوب السودان، نيجيريا، الصومال، إريتريا، إثيوبيا)، في الشمال( البوسنة ، كوسوفا، ألبانيا مع الصرب، وأرمينيا مع أذربيجان، وروسيا مع أفغانستان، وباكستان مع الهند، والفلبين مع الجنوب الإسلامي الفلبيني)، فحدود العالم الإسلامي حدود دامية.
7.حروب المستقبل ستشهد تحالفاً وتضامناً بين حضارات ضد حضارات.
8 ـالغرب سيسيطر على بقية العالم عن طريق المؤسسات الدولية.
والسؤال الذي نود مناقشته هنا هو: إلى أي حد يمكن عـــــــدّ حرب الخليج الثانية، وحرب أفغانستان، وحرب العراق في العام 2003م، ومجموع حروب الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب، تحققاً فعلياً لنظرية صاموئيل هنتغتون؟
لقد كان صاموئيل هنتغتون صاحب(أطروحة صدام الحضارت)، وفرانسيس فوكوياما صاحب نظرية(نهاية التاريخ)، ضمن لائحة المفكرين الذين وقعوا على وثيقة رفعت للبيت الأبيض تدعو إلى شن هجوم عسكري على العراق، وإسقاط نظام(صدام حسين)لإعادة ترتيب النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وقاموا بتسليم الوثيقة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق(بيل كلينتون)في شباط من العام 1998م، وإن كانا فيما بعد قد عبرا عن إستيائهما من طبيعة هذا التدخل، لذا رأى الكثير من النقاد في هذه الكتابات: إطاراً تسويغياُ لشرعنة العدوان الغربي على المسلمين والصين. ولقد كانت أحداث 11/ أيلول في ال 2001م، المأساوية بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس، إذ رأى فيها الكثير من المناصرين: بداية لتحقق نبوءة صاموئيل، غير أن ما يحيط حول هذه الأحداث وحيثياتها من إبهام وغموض يجعلها بعيدة عن أن تكون دليلاً على صِدَام حضاري.
كما أن هناك جملة من القضايا المشتركة بين الحضارات، والتي تجعل علاقاتها متوترة وعدائية كثيرا خاصة بين الحضارة الغربية، والحضارتين: الإسلامية والصينية، ومن هذه القضايا: رفض مظاهر العالمية الغربية، ومحاولة الاهتمام بالقيم والثقافات المحلية، وكذلك تحدي الغرب والوقوف في وجهه؛ نظراً لأشكال الغطرسة والتدخل في شئون الحضارات الأخرى التي يقوم بها، وهذا يولد نوعاً من الازدراء والعدائية تجاه الغرب، هذا فضلاً عن قضايا أخرى متعددة ومتشابكة: كالهجرة، والديمقراطية، وانتشار الأسلحة.
فضلاً عن كل القضايا المذكورة فيما تقدم، والتي تحدث عنها هنتنغتون، فهو يضيف قضايا أخرى أساسية يبدو له أنها قد تكون باعثاً على الصِدَام الحضاري، وهذه القضايا هي: ما يتعلق بمسألة الدول الأساسية للحضارات أو الدول المركز في كل حضارة، ومحاولة الهيمنة من بعضها على باقي دول الحضارة، وهذه الأمر قد يشكل تهديد في إطار المصالح الغربية.(1) فالآسيويون يفتخرون بقيمهم وثقافتهم الأسلامية والكونفوشيوسية، ويحتقرون الثقافة الغربية المتفسخة، والتي هي وراء بداية إضمحلال الغرب وإخفاقه رغم وجود فوارق بين دول شرق آسيا، فالآسيويون يرون: أن هناك قواسم مشتركة بينهم وأهمها: نظام القيم في الكونفوشيوسية التي تقاسمتها معظم دول الإقليم، وكذلك يرون في ثقافتهم وقيمهم صفة العالمية، وعلى كل من يريد اللحاق بالغرب وتجاوزه أن يقتدي بها، وهي مطروحة حتى قبالة الغرب لكي يجدد نفسه، ومن ثم فهذه القيم تشكل بشكل حاسم طابع النظام العالمي الجديد، فنظرة الغرب لآسيا إنقلبت رأساً على عقب، وأصبحت معكوسة، إذ أنّ الآسيويون الآن يؤمنون بعالمية قيمهم بدلاً من القيم الغربية.
وعلى وفق تلك المعطيات نرى: أن الآسيويين سيقبلون بالهيمنة الصينية، مما سيرغم الولايات المتحدة الأمريكية على الاعتراف للصين بذلك، وسيتقلص ذلك الصراع، وعدم الاستقرار بشرق آسيا، وهكذا يعيد التاريخ نفسهن إلاّ أنّ هيمنة الصين هذه إن تحققت، فلن تتوقف؛ نظراً للتحالفات الأخرى خاصة بينها وبين الدول الإسلامية.
أما دول الحضارات المتأرجحة، خاصة روسيا: فهي تتقلب من حضارة إلى أخرى وفقاً لمصالحها إذ تتجه تارة نحو الغرب كلما إقتربت من تسوية عدة أمور معلقة مرتبطة بأوروبا الشرقية، وتنفر منه إذا وقع عكس ذلك، كما أنها تميل إلى التحالف مع الصين؛ نظراً للتعاون الاقتصادي والقرب الجغرافي بينهما، إلاّ أنهّا تنفر كذلك منها؛ لأنها تشعر بالخطر الذي تشكله في المنطقة على حساب مصالحها، وقد افترض هنتنغتون حرباً حضاراتية متوقعة تنطلق من أحداث كبيرة؛ بسبب تغير موازين القوى في العالم.
ويرى هنتنغتون: أن الاختلاف والتنوع يشكلان مصدراً للنزاع، ومن هنا فإنّه يعدّ بأنّ الحضارة الغربية تختلف بصورة أساسية، لا بل تتناقض مع الحضارات الكونفوشيوسية واليابانية والهندوسية والبوذية والإسلامية والسلافية-الأرثوذكسية، وأن هنتنغتون كان مناهض لفكرة(التنوع الثقافي) ويؤكد دائماً على أن الصراع المستعر بين الحضارات هو:(سمة العصر).
بينما يرى العالم الروسي(يرسوف): ان عملية التواصل الحضاري والثقافي على المستوى الغربي-الروسي والغربي-العالمي، لا تجري حسب رأيه بين أطراف متكافئة أو بين نمطين متساويين من النمو الحضاري، فهو يقر بالإنجازات الخارقة التي حققتها الثورة المعلوماتية، والتي فتحت المجال واسعاً للتواصل والتعاون بين الشعوب.
إذ يرى(يرسوف): ان العولمة قد أفرزت حالة لها ثلاثة تفرعات، ولكل تفرع قيمته وهمومة وطروحاته، وكان سبب ذلك هو: من جراء سياسة الطرف المهيمن على العولمة، حيث قسم(يرسوف)العالم إلى ثلاثة:
العالم الأول: دول الشمال الغنية حيث يوجد استقرار الحالة المطمئنة للحاضر، ولكي يحافظ العالم الأول على حالة الرقي التي أنجزها عليه أن يسيج نفسه بشبكة من الأمان.
أما العالم الثاني: فيعطيه(يرسوف) توصيفاً غير التوصيف الذي كان سائداً في القرن العشرين، حيث كان يشمل: معظم البلدان الأوروبية الشرقية، والبلدان الأخرى التي إنتهجت الاشتراكية نظاماً لها، فالعالم الثاني أضحى يشمل: الحضارات الصينية والهندية والاسلامية.
فهو يرى: أن هذا العالم الذي يشهد حالة من التوتر الداخلي والصراع الضمني للحفاظ على الذات يقوم بجهود مستمرة من أجل شحن طاقاته للتصدي للعالم الأول الذي أحدث هذا الخلل الكبير على المستوى الدولي، وكون حالة من إنعدام التوازن على كل مستويات الحياة.
أما العالم الثالث: فيضم كل الأطراف الأخرى الرافضة أو المتمردة على افكار العالم الأول، والأصولية النرجسية للعالم الثاني، والذي يأخذ ألواناً وصوراً متنوعة من الطروحات والنشاطات اليسارية، ومن خلال تلك التقسيمات للعوالم الثلاثة، وأن مسيرة العولمة تولد من داخلها حالات دائمة من الصراع والتوتر تتغذى من الحاجة الدائمة لتطور التكنلوجيا والتحسن العقلاني لدور المؤسسات المالية والعسكرية، فهو يرى: ان الفكرة التي تؤكد على: استمرارية وحتمية الصراع هي غير صحيحة، وأن حالة التنافر والنزاع ليست السمة السائدة، بل أن التواصل والتفاعل في الميادين الفكرية والروحية والأخلاقية والعلمية هو الذي يشكل العنوان الأبرز للعلاقات الراقية بين الحضارات المتنوعة.
ولا يمكن أن نفترض صورة واقع عالمي محدد يكون الخيار الوحيد والحتمي للتطورات الدولية، وهو(صدام الحضارات)، وهكذا فإذا كان القول بالصِدَام الحضاري، قد دعم وجهة نظر بجزيئية وعنصرية بين البشر، فإنّه لم يكن ذلك محل إجماع، بل كان مرفوضاً من المؤمنين بالتعددية الثقافية، وبتلاقح الثقافات وحوارها، وممن يعتقدون: بأنّ تباين الثقافات وإختلافها يثري الحضارة الكونية، وقد يكون عاملاً من عوامل التقارب لا الصِدَام.
وهذا يعني: أن الأحداث التي يشهدها العالم المعاصر غير واضحة تماماً حتى يمكن أن نتحدث عن صِدَام بين الحضارات، فالعالم واسع، ويحوي مجتمعات عدّة ومتنوعة وثقافات مختلفة ومتباينة، ولا يمكن أن تنطوي تحت إيديولوجية واحدة كيفما كانت، حتى وإن كانت الديمقراطية الليبرالية، كما أنه لا يعني بالضرورة: أن تعدد الثقافات واختلافها هو باعث عن الصِدَام والصراع فيما بينها؛ ونظراً لهذا نرى: قصوراً مفاهيمياً كبيراً في أطروحة(صِدَام الحضارات).
أما عن تأثير العلاقة الروسية(السلافية الارثوذكسية)، والعلاقة الصينية(الكونفوشيوسية) في بُعد صراع الحضارات العالمي، فنرى: ان الحضارات تتجه على وفق التقسمين الذي طرحة هنتنغتون لتأكيد وجودها في النظام الدولي، وإنهّا تتجه بشكل متزايد لتصميم علاقاتها على هدي الاعتبارات الحضارية، أي ان الصراع موجود بين حضارتين هما: الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، وان الحضارة السلافية أو الارثوذكسية والهندية والافريقية والكونفوشيوسية هي اقل الحضارات صِدَاماً من الحضارات الغربية، وأن ذلك تسبب لمخاوف حقيقية لدى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كشفت احداث 11ايلول في العام 2001م، عن تلك المخاوف من تحركات الإدارة الأمريكية عندما قلصت جوانب الاختلاف الاستراتيجية مع روسيا والصين لمصلحة الدفع بلغة الحوار معهما، ومع الهند على نحو يعكس تقسيمات رؤية(هنتنغتون) للحضارات.
وفي نهاية هذا الفصل نخلص إلى: ان النظام الدولي شهد العديد من التطورات والاحداث منذ بداية القرن الحادي والعشرين، والتي دفعت البعض للحديث عن التحول نحو نظام عالمي جديد تنتهي معه الهيمنة الأمريكية، والتي ظلت في حالة تفرد منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، فقد منيت الولايات المتحدة الأمريكية بالفشل في حربيها: بأفغانستان والعراق، وعجزت عن القضاء على الإرهاب، كما عجزت عن تحقيق سياستها بالعراق في ظل الخسائر الكبيرة، وجاءت الأزمة المالية العالمية في العام 2008م، لتكرس الحديث عن عصر الهيمنة الأمريكية، فتبوؤ الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1992م حتي يومنا المكانة العليا في النظام الدولي، يرجع في الأساس لقوة النظام الاقتصادي والمالي الأمريكي، وأن تلك المرحلة ساعدت على تنسيق وتطوير العلاقة بين روسيا والصين، خاصة في ظل تنامي القوة الأمريكية بمناطق نفوذهما، حيث جعلت كل من: روسيا والصين من التطورات والاحداث التي شهدتها الساحة الدولية، ومنها: السياسة التوسعية لــــ(حلف الناتو) في مناطق النفوذ الروسي، وكذلك الأزمة المالية العالمية في العام 2008م، وتداعياتها على الاقتصاد العالمي والأمريكي بشكل خاص، إذ قربت من سياساتهم الاقتصادية من أجل التغلب على أخطار تلك الأزمة مستثمرين الضعف الذي ضرب الاقتصاد الأمريكي من جرائها، فقد حدث تصدع في النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، مما يجعلنا نتحدث عن مرحلة لا تقل أهمية عن المرحلة التاريخية التي تمخض عنها تفكك الاتحاد السوفيتي، وتأثيرها في تشكيل النظام العالمي.
تابع…الصفحة التالية
الخاتمة
أن معطيات الواقع العالمي بعد العام 2000م، وما شهدتها الساحة الدولية والإقليمية من تطورات واحداث، جعلت التقارب بين روسيا والصين خياراً مطروح بقوة على الدولتين، وتشير دلائل التقارب بين الطرفين إلى: إدراك متزايد من جانب مسؤولي كلا البلدين حقيقة: أن هناك حاجة ماسة لمزيد من التقارب، وتعاون في الكثير من الجوانب المشتركة فيما بينهما، سواء أكانت سياسية أم عسكرية-أمنية أم اقتصادية أم ثقافية-حضارية، وكذلك التوافق والتقارب في الكثير من القضايا الدولية المختلفة سواء أكانت إقليمية أم دولية.
وعلى الرغم من وجود نقاط الخلاف الموروثة، فإنّ مصلحتهما إقتضت بزيادة التنسيق والتعاون، ليس لأنهما بلدان متجاوران فقط. ولكن أيضاً لأن مواجهة تحديات المستقبل التي تواجههما ستكون ممكنة بفاعلية في ظل هذا التعاون، فسياسياً/هناك عدم رضا مشترك تعانيه كل من: روسيا والصين ناتجة من علاقاتهما بالغرب، حيث هناك عدم رضا من قَبِل الدولتين عن السياسات الغربية عموماً، والأمريكية خصوصاً، كما أن هناك تشابه بين أنظمة الحكم في البلدين، ففي الدولتين تقع التنمية بقليل من الديمقراطية وحرية الرأي، ويحتل التاريخ القومي الطويل جزءً مهماً من الذهنية السياسية للحاكم وللمواطن العادي.
كما أن هناك تعاون روسي-صيني في مختلف المجالات: فهناك تقارب في العديد من القضايا كالتسلح العسكري، والتنسيق والتفاهم السياسي والدبلوماسي إزاء بعض المواقف والتطورات والاحداث التي تشهدها الساحة السياسية الدولية، وكذلك التعاون التجاري والاقتصادي والتعاون في مجالات تطوير الأبحاث العلمية والتكنولوجية، حيث نرى: أن العديد من المسوغات والأسباب التي توضح لنا هذا التقارب، فتعاونهما يأتي في إطار تعزيز التعددية القطبية، والعمل الجماعي، والحد من النفوذ الأمريكي في المنطقة، والحد ايضاً من الامتداد التوسعي لــــــــــــ(حلف الناتو)، في شرق أوروبا ووسط آسيا، إذ تعمل كل من: روسيا والصين على معارضة ورفض مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي ومواجهة الصحوة الإسلامية في دول آسيا: كطاجكستان وقيرغيزستان وأوزباكستان.
فضلاً عن وجود حاجة لبعضهما البعض، فالصين في حاجة لروسيا باعتبارها قوة صاعدة, وروسيا في حاجة إلى الصين لمحاولة مساعدتها في تقوية نفسها مرة أخرى حتى تصل إلى مرتبة ومكانة وقوة الاتحاد السوفيتي سابقاً.
ولهذا فإنّ هناك الكثير من المشتركات التي تجمع كلا الطرفين ليس جغرافياً فقط، ولكن أيضاً تاريخياً واستراتيجياً دون أن نغفل عن حقيقة هي: ان بعض بواعث المنافسة والمجابهة الاقتصادية ما زالت تؤطر علاقة الطرفين بالولايات المتحدة الأمريكية، كما أن الخشية السياسية المتبادلة الثلاثية:(روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية) لها أثر في تشكيل أتجاهات هذه العلاقة.
وأن التغيرات الدولية الجديدة التي شهدتها الساحة الدولية، إنعكست إيجابياً على الرؤى السياسية لعلاقاتهما فيما بعد الحرب الباردة، والتي دفعت بالعلاقات لتصل إلى مستوى التفاهم الاستراتيجي، ورفض القطبية الأحادية، وإقامة عالم متعدد الاقطاب يسوده الأمن والسلام، ويحقق المصالح المشتركة للبلدين، خاصة وأن كل من: روسيا والصين أبديا إهتماماً مشتركاً بالقضايا الدولية الحساسة، مثل: قضية الإرهاب، وقضية الشرق الأوسط، والتي أكدت على تقارب البلدين في مواقفهما السياسية إنطلاقاً من المصلحة المشتركة.
وعلى الرغم من تنوع مجالات علاقات التعاون الروسية-الروسية خلال المدة ما بين الأعوام(2000-2012م)، إلاّ أنّه هناك مجموعة من القضايا التي مثلت نقاط ضعف وتوتر في العلاقات بين البلدين، فالصعود الصيني الضخم قد يثير حساسية روسيا، وهناك تخوف روسي من أن الزيادة السكانية في الصين قد تدفعها إلى التوسع الإقليمي الذى قد يطول أراضيها، وكذلك نظرة روسيا إلى نفسها بعدّها دولة أوروبية وليس آسيوية، هذا من شأنه أن يخفف زخم اللجوء إلى الخيار الصيني في سياسات روسيا الدولية كما أن هناك إعتراض صيني على دعم روسيا العسكري للهند، وتزويده بقدرات عسكرية متقدمة، أما إذا نظرنا إلى الطرفين كمنافسين صاعدين، حيث نرى: أن هناك مخاوف صينية متزايدة من محاولات روسيا للحد من وصول الصين إلى مصادر الطاقة وامدادها بالقدرات والأسلحة العسكرية المتقدمة.
ولكن يبقى التعاون في العلاقات الروسية-الصينية أمر ضرورياً لكل منهما؛ وذلك لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية ومحاولتها لأحباط ظهور أي قوة عظمى تنافسها في النظام العالمي، فيمكن ان توصف العلاقات الروسية-الصينية بأنهّا: جيدة في مجملها، فتعاون البلدين يساعد على بناء التعددية القطبية، والعمل الجماعي والحد من النفوذ الأمريكي في المنطقة، وتوسع الناتو، بل البعض يتحدث عن نظام عالمي جديد تكون فيه القيادة لروسيا والصين في حال قيام تحالف استراتيجي بينهما.
وعلى أساس تلك المؤشرات السابقة، فإنّ الصين إتخذت من روسيا شريكاً استراتيجياً مهماً، في حين وضعت روسيا الصين كذلك في قائمة آوائل الدول التي يجب إنماء وتطوير العلاقات معها، وفوق ذلك فإنّ طبيعة العلاقات الروسية-الصينية، هي لا تستهدف أي طرف ثالث بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وفي كل الأحوال تبقى العلاقات الروسية-الصينية خطوة مهمة ومطلوبة في عالم اليوم، وذلك لكسر السيطرة والهيمنة الأميركية على العالم، وهي بلا شك خطوة مهمة في تعجيل ولادة عالم متعدد الاقطاب.
وفي ختام هذه الرسالة نصل إلى الاستنتاجات الآتية:
اولاً: على الرغم وجود إختلافات كبيرة نسبياً في الثقافة والجغرافيا والمستوى الاقتصادي والنظام الاجتماعي والإيديولوجيا بين روسيا والصين، لكن خلال الحقبة التي تلت تفكك الاتحاد السوفيتي، تم بناء علاقات الجانبين على: مبادئ الاحترام المتبادل، والتشاور، والاحتفاظ بالخصوصية، والمصالح المشتركة، الأمر الذي أسهم في الارتقاء بمستوى العلاقات الروسية-الصينية وتوسيع مجالاتها، وتعميق أسسها.
ثانياً: وصلت العلاقات بين روسيا والصين إلى درجة عالية من التطور، وبالتحديد ابتداءً من الألفية الثالثة، ومع وصول( بوتين) لرئاسة روسيا، فإنّ هذا التطور السريع في العلاقة بين البلدين، سواء أكان على المستوى الاقتصادي أم السياسي أم الاستراتيجي، والذي شكل قلق فعلي لدى معظم الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تشكل الصين قوة اقتصادية عالمية كبيرة تنافس على الريادة الاقتصادية في العالم، في حين تشكل روسيا قوة سياسية وعسكرية كبيرة تزداد فاعليتها بمرور الأيام، وأصبح يحسب لها الغرب ألف حساب، فضلاً عن أن التعاون العسكري المتنامي بشكل كبير بين البلدين يثير مخاوف الكثيرين في الغرب والشرق، خاصة بعض الدول في منطقة شرق آسيا.
ثالثاً: تنطلق كل من: روسيا والصين في توثيق العلاقات التحالفية بينهما من مجموعة محددات جيو-سياسية إقليمية ودولية، أولها: ضرورة تقييد محاولات الولايات المتحدة الأميركية للانفراد بالعالم من خلال تأسيس نظام عالمي جديد يعتمد على التعددية، وليس على الهيمنة الأمريكية، ويتعلق المحدد الثاني: بشعور كل من الدولتين بالخطر من النفوذ الأميركي في آسيا، أما المحدد الثالث: فهو تمسك الدولتين بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ورفض النزعات الانفصالية الداخلية، وهكذا يلاحظ سيطرت الصبغة الاقتصادية-العسكرية على العلاقات بين روسيا والصين خلال المدة التي تغطيها الدراسة
رابعاً: أن وجود تنسيق استراتيجي متزايد بين الطرفين، صار يثير فضلاً عن القلق، الحفيظة لدى قوى عديدة إقليمية ودولية، ترى في هذه العلاقات: خطراً يهدد نفوذها، وخاصة أن التعاون بين الطرفين يشمل العديد من القضايا, ومنها : التسلح العسكري، التنسيق السياسي والدبلوماسي في القضايا الدولية، التعاون المشترك في مجالات البحث والتطوير، فضلاً عن التجارة المتبادلة.
خامساً: واحدة من القيود التي عرقلت تطور العلاقات بين الدولتين خلال المدة التي غطتها الدراسة، هي: خشية كل من الدولتين من بعض، فروسيا ترى في الصين: قوة صاعدة بالمجالات الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية، في حين قوة روسيا تنمو بمعدلات اقل منها على الرغم من الجهود التي بذلت في عهدي: بوتين ومدفيدف، وستبقى روسيا متراجعة قياساً بمعدلات عن التقدم الصيني، هذا الأمر قد يثير حساسية العديد من الفئات الروسية تجاه الصين، ومن جهة أخرى، فإنّ الصين تشهد كثافة سكانية عالية إذا ما قورنت بتلك في روسيا، وهناك من يرى من القوميين الروس: ان هذه المسألة تشكل خطراً وتهديداً لروسيا من حيث أن الانفجار السكاني الصيني سوف يدفع الصين في مرحلة من المراحل إلى التمدد الجغرافي باتجاه أطرافها الغنية بالموارد، فتكون روسيا هي واحدة من بين الضحايا المحتملين لهذا التمدد.
سادساً: ان الطموحات الروسية هي أوروبية على الأغلب، في حين يعدّ الصينيون: ان آسيا منطقة نفوذهم الاستراتيجي ونطاقهم الحيوي، الأمر الذي سيحد من تحرك روسيا كقوة في آسيا، ولن يكون لها موقع مميز فيها، والاعتراض الصيني هنا يتجسد بدعم روسيا العسكري للهند، وتزويدها بأحدث التقنيات العسكرية وأنظمة الدفاع، خاصة أن الصين ترى: بأنّ من يريد ان يعرقل مسيرتها يدعم الهند لتصبح قوة آسيوية موازية للصين، ومن ثم يقف في وجهها، ويحد من قدراتها، ولا شك ان المسعى الروسي في هذا الاتجاه سيصطدم بالانزعاج الكبير للصينيين.
سابعاً: يُعدّ العامل الأمريكي أحد العوامل المهمة التي كانت عائقاً قبالة العلاقات الروسية-الصينية، وهذا ما يتصف بمغزى في غاية الاهمية بالنسبة لتطوير علاقات الشراكة، والتنسيق الاستراتيجية الروسية-الصينية، حيث نظرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى كل من: روسيا والصين على حد السواء نظرة الخصم التي تجمع بين التقارب والاحتواء، ويجمع روسيا والصين الكثير من النقاط المشتركة تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تشكل أساساً للتنسيق والتعاون بينهما النقاط الثلاث المشتركة الاكثر جلاء ووضوحاً، وهي:
1.العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين كل من: روسيا والصين على السواء عاشت في حالة اللا عداوة واللا صداقة، بحيث تقف الولايات المتحدة الأمريكية إزاء كل منهما موقفا يجمع بين التقرب والاحتواء.
2.وقفت كل من: روسيا والصين موقفاً رافضاً للتصرفات الأمريكية لبناء عالم تسوده نزعة التفرد والهيمنة، وتدعوان إلى بناء عالم متعدد الاقطاب، والتأكيد على تفعيل دور الامم المتحدة في الشئون الدولية.
3.ركزت كل من: روسيا والصين اهتمامها وجهودهما على التنمية الاقتصادية، لذا فإنهما في حاجة إلى بيئة دولية سلمية وآمنة، وبحاجة إلى تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية والعلمية والفنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، بِعدّها أكبر الكيانات الاقتصادية في العالم لجانب اجتذاب رؤوس اموالها، وليس التصادم معها.
المصادر والمراجع
ــــــ القرآن الكريم
اولاً: الكتب باللغة العربية:
1.إبراهيم كبة، دراسات تاريخ الاقتصاد والفكر الاقتصادي، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1970.
2.احمد أمين الشجاع، دور الغرب في أزمات العالم الاسلامي، ط(1)، سلسلة أزمات العالم الاسلامي، صنعاء، 2009.
3.اسماعيل صبري مقلد، الاستراتيجية والسياسة الدولية، ط(2)، مؤسسة الابحاث العربية، بيروت، 1995.
4.اسماعيل صبري مقلد، العلاقات السياسية الدولية، ط(2)، مطبوعات جامعة الكويت، الكويت،1979.
5.امجد جهاد عبدالله، التحولات الاستراتيجية في العلاقات الأمريكية-الروسية، ط(1)، دار المنهل اللبناني للنشر، بيروت، 2011.
6.التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، الكتاب السنوي2005، مركز دراسات الوحدة العربية ومعهد استكهولم لأبحاث السلام والمعهد السويدي بالإسكندرية، بيروت، 2005.
7.التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، الكتاب السنوي2011، مركز دراسات الوحدة العربية ومعهد استكهولم لأبحاث السلام والمعهد السويدي بالإسكندرية، بيروت، 2011.
8.التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، الكتاب السنوي2012، مركز دراسات الوحدة العربية ومعهد استكهولم لأبحاث السلام والمعهد السويدي بالإسكندرية، بيروت، 2012.
9.السيد ولد أباه، عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001: الإشكالات الفكرية والاستراتيجية، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2004.
10.الصين، 2010، ط(3)، بكين، دار النشر باللغات الأجنبية, بكين، 2010.
11.تلميذ أحمد، الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية.. التنافس على موارد الطاقة، ط(1)، مركز الأمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي، 2009.
12.حسام جريس، التّوازنات والتّفاعلات الجيوستراتيجيّة والثّورات العربيّة سلسلة: تحليل سياسية، للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2012.
13.حسين علي، نهاية التاريخ أم صدام الحضارات، ط(1)، دار النفائس، بيروت، 2002.
14.حيدر علي حسين، سياسة الولايات المتحدة الأمريكية ومستقبل النظام الدولي، ط(1)، مكتبة المجتمع العربي للنشر والتوزيع، عمان، 2013.
15.راشد البراوي، العلاقات السياسية الدولية والمشكلات الكبرى، ط(2)، مكتبة النهضة العربية، القاهرة، 1982.
16.رياض الراوي، البرنامج النووي الإيراني وأثره على منطقة الشرق الأوسط، ط(2)، دار الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعية، دمشق، 2008.
17.رياض الصمد، العلاقات الدولية في القرن العشرين تطور الاحداث لفترة ما بين الحربين(1914-1945)، ط(3)، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1986.
18.سالم محمد عبود، الأزمة المالية العالمية ومستقبل اقتصادات الحياة، ط(1)، دار الدكتور للعلوم الاقتصادية والإدارية، بغداد، 2011.
19.سعد حقي توفيق، النظام الدولي الجديد، ط(1)، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 1999.
20.سفيان الصفدي، الموسوعة التاريخية لدول العالم وقادتها، دار أسامة للنشر، عمان، 2000.
21.سوسن العساف، استراتيجية الردع: العقيدة العسكرية الأمريكية الجديدة والاستقرار الدولي، ط(1)، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، دمشق، 2008.
22.طارق محمد ذنون، العلاقات الأمريكية-الروسية بعد الحرب الباردة، ط(1)، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بغداد، 2012.
23.عاطف معتمد عبدالحميد، استعادة روسيا مكانة القطب الدولي.. أزمة الفترة الانتقالية، ط(1)، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2009.
24.عبد العزيز حمدي عبد العزيز، التجربة الصينية: دراسة أبعادها الأيديولوجية والتاريخية والاقتصادية، مطبعة أم القرى، القاهرة، 1997.
25.بد الفتاح حسن أبو علية، تاريخ أوربا الحديث والمعاصر، دار المريخ للنشر، بيروت، 1985.
26.عبد القادر محمد فهمي، دور الصين في البنية الهيكلية للنظام الدولي، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي، 2000.
27.عبد المطلب عبد الحميد، النظام الاقتصادي العالمي الجديد وأفاقه المستقبلية بعد أحداث 11سبتمبر، مجموعة النيل العربية، القاهرة، 2003.
28.علي حسين باكير، ديبلوماسية الصين النفطية-الابعاد والانعكاسات، ط(1)، دار المنهل اللبناني للدراسات، بيروت، 2010.
29.غسان العزي، سياسة القوة: مستقبل النظام الدولي والقوى العظمى، ط(1)، مركز الدراسات الاستراتيجية، بيروت، 2000.
30.فتحي محمد مصيلحي: جغرافية آسيا من منظور جغرافي تنموي، دار الماجد للتوزيع والنشر، القاهرة، 2008.
31.فريد الشحف، العلاقات الروسية-الإيرانية وأثرها على الخريطة الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي ومنطقة آسيا الوسطى والقفقاس، ط(1)، دار الطليعة الجديدة، دمشق، 2005.
32.فريد زكريا، الصين عام 2008-بروز قوة عظمى، نيوزويك، الطبعة العربية، دار الوطن للصحافة والطباعة، الكويت، 2008.
33.كاظم هاشم نعمة، الصين في السياسة الآسيوية، ط(1)، الدار الأكاديمية للطباعة والتأليف والترجمة والنشر، طرابلس، 2007.
34.كامران أحمد محمد أمين، السياسة الدولية في ضوء فلسفة الحضارة(دراسة تحليلية نقدية)، ط(1)، دار المعرفة للطباعة للتوزيع والنشر، بيروت، 2009.
35.لمى مضر جري الأمارة، المتغيرات الداخلية والخارجية في روسيا الإتحادية وتأثيرها في سياستها الخارجية تجاه الخليج العربي(1990-2003)، ط(1)،مركز الأمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي، 2005.
36.مجموعة باحثين, الامبراطورية الامريكية(صفحات من الماضي والحاضر), ط(1), مكتبة الشرق الدولية, القاهرة,2002.
37.محمد أحمد معيط، أثر الأزمة المالية الراهنة على خلق فرص عمل جديدة، منظمة العمل العربية، الرياض، 2010.
38.محمد البشير الهاشمي، الرؤية المستقبلية للعلاقات العربية الأمريكية في القرن،21 الدلالات والضوابط، في مجموعة باحثين، العلاقات العربية-الأمريكية نحو مستقبل مشرق، ط(1)، الأهلية للتوزيع والنشر، عمان،2001.
39.محمد خاتمي، مدينة السياسة، فصول من تطور الفكر السياسي في الغرب، ط(1)، دار الجديد، بيروت، 2006.
40.محمد سالم أحمد الكواز، الولايات المتحدة الأمريكية والبرنامج النووي الإيراني، مركز الدراسات الإقليمية، جامعة الموصل، 2006.
41.محمد صالح، تاريخ أوربا من عصر النهضة وحتى الثورة الفرنسية، مطبعة دار الجاحظ، بغداد 1981.
42.محمد محمود الإمام، تجارب التكامل العالمية ومغزاها للتكامل العربي، ط(1)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004.
43.ناصر زيدان، دور روسيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بطرس الأكبر حتى فلاديمير بوتين، ط(1)، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2013.
44.نجاح كاظم: الصين القوة العملاقة الجديدة، ط(1)، دار لارسا للنشر، لندن، 2010.
45.نزار اسماعيل الحيالي، دور حلف شمال الأطلسي بعد انتهاء الحرب الباردة، ط(1)، مركز الامارات للدراسات والبحوث، أبو ظبي، 2003.
46.هادي رشيد الجاوشلي، دول العالم، مطبعة دار الجاحظ، بغداد، 1986.
47.هشام القروي، التوازنات والتفاعلات الجيوستراتيجية والثورات العربية، وحدة تحليل السياسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة،2012.
48.وليد سليم عبد الحي، المكانة المستقبلية للصين في النظام الدولي(1987-2010)، ط(1)، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبوظبي، 2000.
49.وليد سليم عبدالحي، المتغيرات الدولية والأدوار الإقليمية الجديدة، ط(1)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005.
50.يامن خالد يسوف، واقع التوازن الدولي بعد الحرب الباردة واحتمالاته المستقبلية، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2010.
ثانياً: الكتب المترجمة:
1.التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، الكتاب السنوي2006، ترجمة:(حسن حسن وآخرون)، مركز دراسات الوحدة العربية ومعهد لأبحاث السلام والمعهد السويدي بالإسكندرية، بيروت، 2006.
2.الكسندر دوغين، أسس الجيوبولتيكا مستقبل روسيا الجيوبولتيكي، ترجمة:(عماد حاتم)، ط(1)، دار كتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2004.
3.بايتس غيل: النجم الصاعد، الصين دبلوماسية أمنية جديدة، ترجمة:(دلال أبو حيدر)، دار الكتاب العربي، بيروت، 2009.
4.بول روبنسون، قاموس الأمن الدولي، ط(1)، دراسات مترجمة العدد(38)، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2009.
5.بول مايسون، انهيار الاقتصاد العالمي نهاية عصر الجشع، ترجمة:(أنطوان باسيل)، ط(1)، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2011.
6.بييرهانسر وجوستان فاييس، واشنطن والعالم معضلة القوة العظمى، ترجمة:(قاسم مقداد)، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، 2008.
7.تشي ون، الصين في عهدها الجديد، ترجمة:(ابو جراد)، بكين، 1986.
8.جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ترجمة:(كامل يوسف حسين)، سلسلة عالم المعرفة، الكتاب رقم(199)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1995.
9.ديمتري مدفيدف، استراتيجية الأمن القومي لروسيا الاتحادية لعام2020م، ترجمة:(طارق محمد الطائي)، ط(1)، المطبعة الشاملة للطباعة والنشر، الموصل، 2012.
10.روبين ميرديث، الفيل والتنين-صعود الهند والصين ودلاله ذلك لنا جميعاً، ترجمة:(شوقي جلال)، ط(1)، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2007.
11.ريتشارد نيكسون، أمريكا والفرصة التاريخية: كيف تواجه أمريكا الدولة العظمى الوحيدة التحديات الراهنة، ترجمة:(محمد زكريا اسماعيل)، ط(1)، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1992.
12.زبيغينيو بريجنسكي، رقعة الشطرنج العظمى.. التفوق الأمريكي وضروراته الجيوستراتيجية الملحة، ترجمة: (سليم أبراهام)، ط(3)، دار علاء الدين للنشر، دمشق،2007.
13.زبيغينيو بريجنسكي، الفرصة الثانية: ثلاثة رؤوساء وأزمة القوة العظمى الأميركية، ترجمة:(عمر الأيوبي)، دار الكتاب العربي للتوزيع والنشر، بيروت، 2007.
14.ــــــــــــــــــــــــــــــ،الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادة العالم، ترجمة:(عمر الأيوبي)، دار الكتاب العربي للنشر، بيروت، 2004.
15.ــــــــــــــــــــــــــــــــ، رقعة الشطرنج الكبرى الأولوية الأمريكية ومتطلباتها الجيوستراتيجية، ترجمة: (أمل الشرقي)، ط(1)، دار الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 1999.
16.س.غ.لوزيانين، عودة روسيا إلى الشرق الكبير، ترجمة:(هشام حمادي)، ط(1)، دار المدى للنشر، بيروت، 2012.
17.شارلس آو، ليرتش، الحرب الباردة وما بعدها، ترجمة:(فاضل زكي محمد)، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1976.
18.شايتيج باجبايي، البحث عن الطاقة.. دور حكومات الدول المستهلكة وشركات النفط الوطنية، مجموعة باحثين، الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية.. التنافس على موارد الطاقة، ط(1)، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي، 2008.
19.صاموئيل هنتنغتون، الإسلام والغرب آفاق الصدام، ترجمة:(مجدي شرشر)، ط(1)، إصدار مكتبة مدبولي، القاهرة، 1995.
20.ـــــــــــــــــــــــــــــــــ، صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي، ترجمة:(مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف)، ط(1)، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، بنغازي، 1999.
21.ـــــــــــــــــــــــــــــــــ، مراجعات في نظرية صدام الحضارات، ترجمة:(محمد معتصم)، ط(1)، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 2005.
22.فرانسوا غولدمان، سلسلة تجارب الشعوب: نهضة آسيا–القرن الحادي والعشرين–آسيا تظل برأسها، ترجمة: (نضير جاهل)، ط(1)، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع ،طرابلس، 1994.
23.فرانسيس فوكوياما، التصدع العظيم، النظرة الإنسانية وإعادة تشكيل النظام الاجتماعي، ترجمة:(عزة حسين كبة)، ط(1)، بين الحكمة، بغداد، 2004
24.كاتسوهيكو سويتسو جو, تحالفات الطاقة في أسيان+3 والتعاون الاقليمي: نظرة موحدة لأمن الطاقة في أسيا, مجموعة باحثين:. الصين والهند والولايات المتحدة: التنافس على موارد الطاقة, ط(1), مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية, ,أبوظبي,2008.
25.كارلتون هيز، التاريخ الأوربي الحديث(1789-1914)، ترجمة:(فاضل حسين)، مطبوعة دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل، 1987.
26.كرستيان كوخ: الصين والأمن الإقليمي في جنوب آسيا-في توازن القوى في جنوب آسيا، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي، 2001.
27.ليليا شيفتسونا، روسيا بوتن، ترجمة:(بسام شيحة) ط(1)، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2006.
28.مايكل كلير، دم ونفط: أخطار ونتائج اعتماد أمريكا المتزايد على النفط، ترجمة:(هيثم جلال غانم)، دار الشروق، عمان، 2007.
29.مراجعات في نظرية صدام الحضارات، ترجمة:(محمد معتصم)، ط(1)، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بالرباط، 2005
30.نيكولاس جويات، قرن آخر من الهيمنة الأمريكية، الولايات المتحدة والعالم بعد عام 2000، ترجمة:(عزة الخميسي)، المجلس الأعلى للثقافة، دمشق، 2003.
31.هنري كيسنجر، الدبلوماسية من الحرب الباردة حتى يومنا هذا، ترجمة:(مالك فاضل البديري)، ط(1)، دار الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 1995.
32.وو بن، الصينيون المعاصرون، ج1، التقدم للمستقبل إنطلاقاً من الماضي، ترجمة:(عبد العزيز حمدي)، عالم المعرفة، الكويت، 1996.
33.يفجيني بريماكوف، العالم بعد 11سبتمبر وغزو العراق، ترجمة:(عبد الله حسن)، مكتبة العبيكان، الرياض، 2004.
ثالثاً: البحوث والدراسات باللغة العربية:
1.ابتسام محمد العامري، التحديث واثره في سياسة الصين، العدد(3)، مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، عمان، ايلول،2001.
2.إبراهيم عرفات، روسيا والشرق الوسط.. أيه عوده، مجلة السياسة الدولية، العدد(170)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2007.
3.أبراهيم نوار، غاز المشرق: خريطة جديدة للطاقة في منطقة الشرق الأوسط، مجلة السياسة الدولية، العدد(188)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2012.
4.أبو بكر الدسوقي، الدور العالمي للصين…رؤى مختلفة، مجلة السياسة الدولية، العدد(173)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2008.
5.أبو بكر الدسوقي، العلاقات الروسية-الصينية.. محددات الخلاف وأفاق التعاون، مجلة السياسة الدولية، العدد(170)، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2007.
6.أحمد ابراهيم محمود، البرنامج النووي الإيراني، أوراق الشرق الأوسط، العدد(36)، المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، القاهرة، 2007.
7.أحمد إبراهيم محمود، الصناعات العسكرية الروسية.. تدعيم الاقتصاد والمكانة الدولية، مجلة السياسة الدولية، (170)، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2007.
8.أحمد السيد النجار، الصين والقفزة الاقتصادية العملاقة، سلسلة كراسات استراتيجية، العدد(179)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2007.
9.أحمد دياب، أحداث قرغيزستان، تنافس أم توافق بين واشنطن وموسكو، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2010.
10.أحمد دياب، التحدي الديموغرافي للقوة الروسية، السياسة الدولية، العدد(170)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2007،
11.أحمد دياب، العلاقات الصينية-الأمريكية بين التعاون والصراع، مجلة السياسة الدولية، العدد(173)، مركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2007.
12.أحمد دياب، روسيا والغرب: من المواجهة إلى المشاركة، مجلة السياسة الدولية، العدد(149)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة ، 2002.
13.أحمد دياب، روسيا واللعبة الكبرى في آسيا، مجلة السياسة الدولية، العدد(167)، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2007.
14.أحمد سليم البرصان، الشرق الأوسط: إعادة للتفكير، مجلة السياسة الدولية، العدد(165)، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2006.
15.أحمد سليم البرصان، التنافس الدولي وأزمة الثورة السورية، مجلة أراء حول الخليج، العدد(91)، مركز الخليج للأبحاث، الدوحة، 2012.
16.أحمد طاهر، استغلال ثروات بحر قزوين: الفرص والمعوقات، مجلة السياسة الدولية، العدد(180)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2010.
17.أحمد عبدالله ناهي، روسيا والملف النووي الإيراني، مجلة آراء حول الخليج، العدد(48)، مركز الخليج للأبحاث، دبي،2007.
18.أحمد علو، منظمة شنغهاي بين تحالف المصالح وصراع الحضارات، مجلة الجيش، العدد(293)، وزارة الدفاع اللبنانية، تشرين الثاني، 2009.
19.أحمد قنديل، الاستقرار الإقليمي على محك الأزمة الكورية، مجلة السياسة الدولية، العدد(183)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2011.
20.أحمد محمود، الصناعات العسكرية الروسية، مجلة السياسة الدولية، العدد(170)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2007.
21.أشرف محمد دوابه، أسواق النفط وتداعيات الأزمة المالية العالمية، مجلة آراء حول الخليج، العدد(67)، مركز الخليج للأبحاث، الدوحة، 2010.
22.أيمن السيد عبدالوهاب، تحولات السياسة الأمريكية تجاه القوى الآسيوية: (الصين، اليابان، الهند، باكستان، إندونيسيا)، مجلة السياسة الدولية، العدد(147)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2002.
23.أيمن طلال يوسف، روسيا البوتينية بين الأوتوقراطية الداخلية والأولويات الجيوبوليتيكية الخارجية، مجلة المستقبل العربي، العدد(358)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2008.
24.بشير عبد الفتاح، مؤتمر ميونيخ…وشبح الحرب الباردة الجديدة، مجلة السياسة الدولية، العدد(168)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2007.
25.جميل مطر، تطويع الخصم، الضغوط الغربية على روسيا، مجلة المستقبل العربي، العدد(323)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006.
26.حسن أبو طالب، الصين والشرق الأوسط…بين رمزية السياسة وتكامل الاقتصاد، مجلة السياسة الدولية، العدد(173)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2008.
27.حسين معلوم، الشرق الاوسط على خارطة توسيع الناتو، مجلة السياسة الدولية، العدد (139)، مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية بالأهرام، القاهرة، 1997.
28.حمد أسامة محمود عبدالعزيز، السياسة الدفاعية الروسية في بداية القرن الحادي والعشرين، مجلة السياسة الدولية، العدد(42)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2009.
29.حميد الجميلي، الصين والعهد الاقتصادي الجديد، مجلة شؤون سياسية، العدد(4)، بغداد، 1995.
30.حنان عبد اللطيف، الاقتصاديات الخليجية وتداعيات الأزمة المالية، مجلة السياسة الدولية، العدد(175)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2009.
31.حنان قنديل، الصين واستراتيجية الصعود السلمي مجلة السياسة الدولية، العدد(183)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة،2011.
32.خالد الحروب، انتقال مركز الثقل في المنطقة، مجلة شؤون عربية، العدد(130)، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، بيروت، 2007.
33.خالد المعيني، تفكك القطبية الأمريكية الاحادية عبر البوابة العراقية، مجلة أراء حول الخليج، العدد(91)، مركز الخليج للأبحاث، الدوحة، 2012.
34.خالد حنفي، تأثيرات الثورة في علاقات ليبيا الإقليمية، مجلة السياسة الدولية، العدد(188)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2012.
35.خالد عبد الحميد، الفساد.. خطر متزايد على النمو الصيني، مجلة السياسة الدولية، العدد(173)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2008.
36.خالد عبد العظيم، حدود التحالف وأبعاد الانقسام في العلاقات الأوروبية-الأمريكية، مجلة السياسة الدولية، العدد(147)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2001.
37.خضر عباس عطوان، سياسة روسيا العربية والاستقرار في النظام الدولي، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد(20)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2008.
38.خضير عباس النداوي، تأثيرات الأزمة المالية العالمية في أسواق النفط، مجلة آراء حول الخليج، العدد(679)، مركز الخليج للأبحاث، الدوحة، 2010.
39.خيري عبدالرزاق جاسم، أمريكا وصياغة استراتيجية جديدة لحلف(الناتو)، مجلة أراء حول الخليج، العدد(79)، مركز الخليج للأبحاث، الدوحة، 2011.
40.سامي فتحي غالي، نحو مرحلة جديدة في العلاقة الروسية–الصينية، مجلة السياسة الدولية العدد(128)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 1997.
41.ستار جبار علاي، تطورات الملف النووي لكوريا الشمالية، دراسات استراتيجية، العدد(102)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2010.
42.سعد حقي توفيق، التنافس الدولي وضمان أمن النفط، مجلة العلوم السياسية، العدد(43)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2011.
43.سعد علي حسين التميمي، تطور القدرات النووية الصينية وتأثيراتها الإقليمية المحتملة، مجلة دراسات دولية، العدد(19)، مركز الدراسات الدولية، بغداد، 2003.
44.سمير الظاهر، العلاقات الأمريكية-الروسية من وجهة نظر الإدارة الأمريكية الجديدة، العدد(171)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2008.
45.سوسن حسين، الصين هل تصبح القوى العظمى الأولى في القرن الحادي والعشرين، مجلة السياسة الدولية، العدد(115)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 1994.
46.سوسن حسين، هونج كونج والتطبيع الصيني قبل العودة، مجلة السياسة الدولية، العدد(128)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 1998.
47.السيد أمين شلبي، بوتن وسياسة روسيا الخارجية، مجلة السياسة الدولية، العدد(175)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2009.
48.السيد صدقي عابدين، السياسة الروسية في أسيا… الأهداف والتحديات، مجلة السياسة الدولية، العدد(170)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2007.
49.صافيناز محمد أحمد، ثروات بحر قزوين: تنافس دولي في وسط آسيا، مجلة السياسة الدولية، العدد(159)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2005.
50.طه عبد العليم، ورثة الاتحاد السوفيتي ومصير الكوفولت، مجلة السياسة الدولية، العدد(108)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 1992.
51.عامر كامل أحمد، تطورات الملف النووي لكوريا الشمالية، دراسات استراتيجية، العدد(102)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2010.
52.عامر محمود مظهور، السياسة الصينية والقضايا العربية المعاصرة، دراسات دولية، العدد(19)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2003.
53.عامر هاشم عواد، التحول في العلاقات الروسية-الأمريكية، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد(26)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010.
54.عبد الجبار عبد مصطفى النعيمي، نظرة في واقع ومستقبل العلاقات الصينية–الأمريكية، مجلة قضايا سياسية، العدد(12)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2000.
55.عبد الحميد مهري، حلف الأطلسي.. إلى أين، مجلة المستقبل العربي، العدد(242)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1999.
56.عبد الرحمن عبد العال، التعاون الاقتصادي يهيمن على المحادثات الهندية-الصينية في نيودلهي، بيروت، 13/4/2005.
57.عبد العزيز حمدي عبد العزيز، قوة الصين النووية ووزنها الاستراتيجي في آسيا، مجلة السياسة الدولية، العدد(145)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2001.
58.عبد الفتاح ماضي، الاضطراب السياسي: سوء إدارة تفاعلات المرحلة الانتقالية في الدول العربية، مجلة السياسة الدولية، العدد(188)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2012.
59.عبد المنعم طلعت، دور الوظيفية الأمنية للآسيان والاخفاق في تحقيقها وإنشاء المحفل الإقليمي، ترتيبات الأمن الإقليمية في النظام العالمي الجديد، مجلة السياسة الدولية، العدد(129)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 1997.
60.عبيدة عبد الله الدندراوي، الصين وروسيا وحلف شمال الاطلسي، مجلة السياسة الدولية، العدد(132)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1998.
61.عبير محمد ياسين، تأملات الشراكة الصينية-الروسية، قراءات استراتيجية، العدد(6)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1996.
62.عزمي بشارة، عودة إلى الحرب الباردة أم واقع دولي جديد مختلف، مجلة المستقبل العربي، العدد(356)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2008.
63.علاء سالم، تأثير العوامل الخارجية في مسار الأزمة السورية، مجلة السياسة الدولية، العدد(188)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2012.
64.علي حسين باكير، العلاقات الاستراتيجية الصينية–الروسية، فصلية الدفاع الوطني اللبناني، العدد(56)، بيروت، 2006.
65.علي حسين باكير، النزاع الأمريكي–الكوري الشمالي حول الملف النووي، مجلة السياسة الدولية، العدد(162)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2005.
66.علي حسين باكير، التأثيرات المحتملة للعقوبات الجديدة على إيران، مجلة السياسة الدولية، العدد(188)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2012.
67.عماد فوزي شعيبي، الصراع على الغاز بين روسيا وأمريكا(2-2)، مجلة أراء حول الخليج، العدد(90)، مركز الخليج للأبحاث، الدوحة، 2012.
68.عمرو عبد العاطي، أمن الطاقة.. تكلفة عسكرية متصاعدة، مجلة السياسة الدولية، العدد(180)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2010.
69.عمرو عبد العاطي، تحولات النظام الدولي ومستقبل الهيمنة الأمريكية، مجلة السياسة الدولية، العدد(183)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2011.
70.عمرو عبد العاطي، عودة النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية، مجلة السياسة الدولية، العدد(181)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2010.
71.غالي عودة، قراءة تحليلية في اتفاقية كومنولث للدول المستقلة، مركز الدراسات الدولية، الجمعية العلمية الملكية، عمان، 1993.
72.فتحي سالم حميدي، أمارة كييف الروسية: دراسة تاريخية في نشأتها وعلاقتها الخارجية، مجلة كلية العلوم الاسلامية، العدد(13)، جامعة الموصل، 2013.
73.فوزي درويش، التنافس حول بحر قزوين، مجلة السياسة الدولية، العدد(123)، الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2001.
74.قاسم محمد عبد الدليمي، مشروع الدرع المضاد للصواريخ بين التشدد الأمريكي والرفض الدولي، مجلة دراسات دولية، العدد(24)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2004.
75.كارن أبو الخير، آسيا وملامح نظام عالمي جديد.. نقدية، مجلة السياسة الدولية، العدد(183)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2011.
76.كارن أبو الخير، الخصوصية الصينية، هل تنجح بكين في أدارة تحولات مصيرية، مجلة السياسة الدولية، العدد(188)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2012.
77.كوثر عباس الربيعي، مستقبل النظام الأمني الأمريكي في شرق آسيا(الصين واليابان والكوريتين)، دراسات دولية، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2004.
78.لمى مضر الأمارة، التوجهات السياسية الروسية في ظل الرئاسة الجديدة، المجلة السياسية والدولية، العدد(11)، كلية العلوم السياسية، جامعة المستنصرية، 2009.
79.لمى مضر الأمارة,, التوجهات السياسية الروسية في ظل الرئاسة الجديدة.. انعكاس الانتخابات الرئاسية الروسية على السياسة الدولية داخلياً وخارجياً، المجلة السياسية والدولية، العدد(11)، كلية العلوم السياسية، جامعة المستنصرية، 2009.
80.لمى مضر الأمارة، مواقف الدول الكبرى من الإرهاب، مجلة العلوم السياسية، العدد(27)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2003.
81.ماجدة صالح, الحركات الانفصالية في الصين، مجلة السياسة الدولية، العدد(173)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2008.
82.مازن أسماعيل الرمضاني، النظام الدولي وتجزئة التجزئة، مجلة آفاق عربية، العدد(10)، بغداد، 1992.
83.مازن أسماعيل الرمضاني، السياسة الخارجية الصينية في عالم متغير، مجلة شؤون سياسية، العد(4)، دار الجماهير للنشر، بغداد، 1995.
84.محمد أبراهيم الدسوقي، رؤية مستقبلية لواقع المتغيرات داخل الصين، مجلة السياسة الدولية، العدد(116)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1994.
85.محمد اسامة عبد العزيز، الاستراتيجية الجديدة لحلف الناتو، مجلة السياسة الدولية، العدد(146)، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2001.
86.محمد السعيد إدريس، مواقف الفاعلين الإقليميين غير العرب تجاه الثورات العربية، مجلة السياسة الدولية، العدد(188)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2012.
87.محمد السيد سليم، التحولات الكبرى في السياسة الخارجية الروسية، مجلة السياسة الدولية، العدد(170)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام, القاهرة, 2007.
88.محمد السيد سليم، التحولات الكبرى في السياسة الخارجية الروسية، مجلة السياسة الدولية، العدد(170)، مركز الدراسات السياسة والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2007.
89.محمد جواد علي، دراسة تجربة البناء والتحديث الصينية(1985-1997)، دراسات استراتيجية، عدد(8 )، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 1998.
90.محمد جواد علي، دراسة في تجربة البناء والتحديث الصينية(1985-1997)، مجلة دراسات استراتيجية، العدد(4)، مركز الدراسات الدولية، بغداد، 1998.
91.محمد جواد علي، دراسة في تجربة البناء والتحديث الصينية، العدد(4)، مجلة دراسات استراتيجية، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 1998.
92.محمد حسون، الاستراتيجية التوسعية لحلف الناتو وأثرها على الأمن القومي العربي، العدد(2)، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، 2010.
93.محمد سعد أبو عامود، تحولات السياسة الأمريكية تجاه إيران وتركيا وروسيا، مجلة السياسة الدولية ,العدد(147)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2002.
94.محمد سعد أبو عامود، روسيا.. حضور جديد في الشرق الأوسط، مجلة السياسة الدولية، العدد(181)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2010.
95.محمد عبدالله محمد، قراءة أخرى في الموقف الروسي من الأزمة السورية، مجلة أراء حول الخليج للأبحاث، الدوحة، 2012.
96ــمحمد عبد الرحمن العبيدي، النظام السياسي الإيراني وتحديات العلاقة مع الغرب(1979-2008)، مجلة دراسات إقليمية، العدد(17)، مركز الدراسات الإقليمية، جامعة الموصل، 2010.
97.محمد مصطفى الخياط، الصين وخيارات الطاقة البديلة، السياسة الدولية، العدد(173)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2008.
98.محمد نعمان جلال، الخصائص الإيديولوجية للمجتمع الصيني قبل ماو، مجلة السياسة الدولية، العدد(47)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 1977.
99.محمد نور الدين، النظام العالمي الجديد من كوسوفو إلى فلسطين، مجلة شؤون الأوسط، العدد(128)، بيروت، 2008.
100.مدحت أيوب، الآسيان بين بكين وواشنطن، مجلة السياسة الدولية، العدد(183)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2011.
101.مدحت أيوب، الآسيان بين بكين وواشنطن، مجلة السياسة الدولية، العدد (183)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 2011.
102.معتز محمد سلامة، توسع الناتو وهموم الصين الآسيوية، مجلة السياسية الدولية، العدد(171)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2007.
103.مغاوري شلبي علي، الصين والولايات المتحدة الأمريكية: جوهر الخلاف، مجلة السياسة الدولية، العدد(126)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1996.
104.مغاوري شلبي علي، التعاون الروسي-الصيني في مجال الطاقة، مجلة السياسة الدولية، العدد(164)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2006.
105.مغاوري شلبي علي، الصين والاقتصاد العالمي.. مقومات القوة وعوائق الاندماج، مجلة السياسة الدولية، العدد(167)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2007.
106.مغاوري شلبي علي، الولايات المتحدة الأمريكية والصين.. قطبية ثنائية جديدة، مجلة السياسة الدولية، العدد(179)، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2010.
107.منعم صاحي العمار، العلاقات العراقية–الروسية، مجلة دراسات استراتيجية، العدد(3)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 1997.
108.مي قابيل، تكلفة الفساد في روسيا، مجلة السياسة الدولية، العدد(134)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2011.
109.نادية حلمي، التنافس الإقليمي من منظور الصين، مجلة السياسة الدولية، العدد(183)، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2001.
110.ناهض حسن جابر، أهم القضايا المعاصرة في العلاقات الأمريكية-الصينية، قضايا سياسية، العدد(12)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2006.
111.نادية فاضل عباس فضلي، تطورات الملف النووي الكوري الشمالي، دراسات استراتيجية، العدد(102)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2010.
112.نجلاء مرعي، الصراع على النفط بين شمال وجنوب السودان، مجلة السياسة الدولية، العدد(188)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2012.
113.نزار أسماعيل عبد اللطيف، الاستراتيجية العسكرية الصينية وأفاق التغيير، دراسات دولية، العدد(10)، مركز الدراسات الدولية، بغداد، 2000.
114.نزار أسماعيل عبد اللطيف، عبدالحميد العيد الماوساوي، العلاقات الروسية-الأمريكية من الشراكة الاستراتيجية إلى المنافسة الجيوسياسية(2001م-2008م)، قضايا سياسية, العدد(16)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2009.
115.نزيرة الأفندي، الصين ومأزق مجموعة العشرين، مجلة السياسة الدولية، العدد(183)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2011.
116.نورهان الشيخ، التعاون الاستراتيجي الروسي–الايراني…الابعاد والتداعيات، مجلة السياسة الدولية، العدد(180)، مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية بالأهرام، القاهرة، 2010.
117.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، روسيا والاتحاد الاوروبي صراع الطاقة والمكانة، مجلة السياسة الدولية، العدد(164)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2006.
118.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، قرأه سياسية في العقيدة العسكرية الروسية، مجلة السياسة الدولية، العدد(181)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2010.
119.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، روسيا والاتحاد الأوروبي صراع الطاقة والمكانة، مجلة السياسة الدولية، العدد(164)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2006.
120.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، العلاقات الروسية الأورو-أطلنطية بين المصالح الوطنية والشراكة الإستراتيجية، مجلة السياسة الدولية، العدد(172)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2008.
121.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، السياسة الروسية وحدود الدور في الشرق الأوسط، مجلة دراسات شرق أوسطية، العدد(39)، بيروت، 2007.
122.نورهان الشيخ، الاستمرار والتغيير في السياسة الروسية، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد(20)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2008.
123.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، العلاقات الروسية-الأمريكية تفاهمات تكتيكية في إطار تناقضات استراتيجية، كراسات استراتيجية، العدد(206)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهر، 2010.
124.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، العلاقات الروسية-الاوروأطلنطية بين المصالح الوطنية والشراكة الاستراتيجية، مجلة السياسة الدولية، العدد(170)، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2007.
125.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، قراءة سياسية في العقيدة العسكرية الروسية، مجلة السياسة الدولية، العدد(181)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2010.
126.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، روسيا.. الشريك الطبيعي للصين، مجلة السياسة الدولية، العدد(183)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2011.
127.هالة خالد حميد، الفضاء الاقتصادي الاسيوي عبر الإقليمي، مجلة دراسات دولية، العدد(28)، مركز الدراسات الدولية، بغداد، 2005.
128.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، تطور العلاقات الصينية-الأمريكية، مجلة دراسات دولية، العدد(14)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2006.
129.هاني اليأس الحديثي، مستقبل التعاون الإقليمي الآسيوي، مجلة دراسات استراتيجية، العدد(4)، مركز الدراسات الدولية، بغداد، 1998.
130.هدى متكيس، خديجة عرفة محمد، صعود الصين، مركز الدراسات الآسيوية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2007.
131.هدى متكيس، الصعود الصيني–التجليات والمحاذير، مجلة السياسة الدولية، العدد(167)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2007.
132.هيثم الكيلاني وآخرون، كوسوفو وحلف شمال الأطلسي، حلقة نقاشية, مجلة المستقبل العربي، العدد(245)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ١٩٩٩.
133.وسام محمد فؤاد، الإشكاليات الاجتماعية السياسية في الصين، قراءة في مرحلة انتقالية، مجلة السياسة الدولية، العدد(132)، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 1998.
134.وليد محمود عبد الناصر، حوار الحضارات على أجندات العلاقات الدولية، مجلة السياسة الدولية، العدد(147)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2002.
135.وليم نصار، روسيا كقوى كبرى، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد(20)، الجمعية العربية العلوم السياسية ومركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2008.
136.ياسين فاروق، أية استراتيجية أوروبية للطاقة، مجلة السياسة الدولية، العدد(164)، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2006.
رابعاً: البحوث والدراسات المترجمة:
1.تشن تشيماو، الاتجاه نحو عالم متعدد الاقطاب(رؤية صينية)، مجلة السياسة الدولية، العدد(145)، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2001.
2.جو إكسيفيو، الخلاف حول شخصية الدولة، مجلة أفاق المستقبل، العدد(8)، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أبو ظبي، 2010.
3.جوزيف اس ناي وليام داينز، المعلوماتية الأمريكية موارد قوة المستقبل، ترجمة: (شامل سميسم)، مجلة شؤون سياسية، العددان(6-7)، بغداد، 1996.
4.جاك بامبانو، من كونفوشيوس إلى الكونفوشيوسية المجددة، ترجمة:(محمد ميلاد)، العدد(128)، مجلة الثقافة العالمية، الكويت، 2005.
5.سليمان الفيومي، لقاء الرفاق بعد طول فراق، مجلة الأفق، العدد(244)، قبرص في 25/ 5/ 1989.
6.سنجانا جوشي: المناخ الأمني في شرق آسيا، دراسات عالمية، العدد(159)، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية, أبو ظبي، يناير, 2005.
7.سون بي سان، الصين تحت الاصلاح والانفتاح، مجلة شؤون سياسية، العدد(4)، بغداد 1995.
8.سيرجي لافروف، سيرجي لوزيانين، العودة إلى العالم، توجهات السياسة الخارجية الروسية، ترجمات استراتيجية، العدد(40)، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، 2008.
9.الصين وروسيا وآسيا الوسطى، نشرات، العدد(89)، ترجمة:(ستار الدليمي)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2001.
10.وي وي زانج، الإصلاح الاقتصادي في الصين ودلالاته السياسية، دراسات عالمية، العدد(11)، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي، 1996.
خامساً: التقارير والنشرات:
التقارير
1.أداء الاقتصاد الدولي، تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية 2005، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2006.
2.التقرير الاستراتيجي 1998، العرب والتفاعلات الدولية، القسم الثالث، اختلالات نظرية الاتجاه شرقاً، التجربة الصينية، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في مؤسسة الأهرام القاهرة، 1999.
3.الامانة العامة لجامعة الدول العربية وآخرون، التقرير الاقتصادي الموحد، أبو ظبي، 2011.
4.تقرير منظمة التجارة العالمية لعام 2004، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004.
5.جمال الدين زروق، التجارة الدولية والعربية وتمويلها وضمان ائتمان الصادرات في إعقاب الأزمة المالية، دراسات اقتصادية، صندوق النقد العربي، أبو ظبي، 2011.
6.دراسة استقصائية للأوضاع الاقتصادية والمالية العالمية، أفاق الاقتصاد العالمي، الواقع والمخاطر، ترجمة: (شعبة اللغة العربية أدارة التكنولوجيا والخدمات العامة)، صندوق النقد الدولي، أبريل2013.
7.روسيا بوتن…السعي وراء المكانة المفقودة، التقرير الاستراتيجي العربي(2004-2005)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2005.
8.عبد النور بن عنتر، موسى قلاب، نبيل شبيب، حلف شمال الأطلسي في عامه الستين، نظرة استشرافية.. وموقع العالم الإسلامي فيها، تقاريـــــــر، مركـز الجزيرة للدراســات، الدوحة، 2009.
9.مؤسسة النقد العربي السعودي-التقرير السنوي(48)، الرياض، 2012.
النشرات
1.ابتسام محمد العامري، المخاوف الأمريكية من تنامي القوة العسكرية الصينية، العدد(169)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2008.
2.ابتسام محمد العامري، آسيا الوسطى، مصادر الطاقة ودواعي التنافس على النفوذ الإقليمي، الملف السياسي، العدد(44)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2001.
3.ابتسام محمد العامري، سياسة الصين الإقليمية وانعكاساتها على النزاع في بحر الصين الجنوبي، العدد(79)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2005.
4.أحمد عبد الأمير الأنباري، السياسة الخارجية الصينية وكيفية التعامل مع الأزمات الدولية، دراسات استراتيجية، مركز الدراسات الفلسطينية، جامعة بغداد، 2007.
5.أمير جبار لفتة، الصين في عالم متغير، متابعات دولية، العدد(57)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2001.
7.حامد عبيد حداد، التنافس الأمريكي-الروسي في القوقاز وحوض بحر قزوين، أوراق دولية، العدد(146)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2008.
8.حميد حمد السعدون، مساعي الترويكا الأوروبية لاحتواء أزمة إيران النووية، الملف السياسي، العدد(16)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2005.
9.خلود محمد خميس، التغير السياسي في ليبيا واستراتيجية التدخل الأمريكي، أوراق دولية، العدد(198)، مركز الدراسات الدولي، جامعة بغداد، 2011.
10.دهام محمد العزاوي، القمة الروسية الصينية، دعوة الى عالم متعدد الاقطاب، أوراق آسيوية، العدد (44)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2000.
11.رنا الشجيري، روسيا وأمريكا: رؤية استراتيجية، الملف السياسي، العدد(44)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2008.
12.رند حكمت محمود، الصين وتايوان: سيناريو التوتر الدائم، أوراق آسيوية، العدد(13)، مركز الدراسات الدوليةـ جامعة بغداد، 1999.
13.سعد علي حسين التميمي، بعد ماكاو: هل تعود تايوان الى الصين، نشرات، العدد(36)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2000.
14.سليم كاطع علي، الموقف الأمريكي من طموحات إيران الإقليمية(صدام أم تنافس)، المرصد الدولي، العدد(7)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2007.
15.عامر كامل، تطوير البرنامج النووي الكوري والموقف الأمريكي منه، الملف السياسي، العدد(55)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2009.
16.عبد السلام ابراهيم بغدادي، إنسحاب الولايات المتحدة الأمريكية، من معاهدة الحد من إنتشار الصواريخ البالستية، أوراق آسيوية، العدد(97)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2002.
17.علي محمد حسين، القدرات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية، الملف السياسي، العدد(23)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2007.
18.عيسى أسماعيل عطية، الاستراتيجية الروسية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، أوراق دولية، العدد(169)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2008.
19.قاسم محمد عبد الدليمي، برنامج الدرع المضاد للصواريخ.. بين التشدد الأمريكي والرفض الصيني، أوراق استراتيجية، العدد(68)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2001.
20.نادية فاضل عباس فضلي، العلاقات الروسية-الصينية وآفاق التعاون، أوراق آسيوية، العدد(84)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2001.
21.نغم نذير شكر، المشكلة النووية الإيرانية.. الى أين، أوراق دولية، العدد(142)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2005.
22.نغم نذير شكر، مستقبل البرنامج النووي الكوري، أوراق دولية، العدد(194)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2007.
23.نوار محمد ربيع، روسيا الاتحادية والسعي الأثبات المكانة والدور(إقليميا، دولياً)، قضايا سياسية، العدد(21)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2010.
24.هاني اليأس الحديثي، اللقاء الروسي–الصيني ومستقبل التوازن، أوراق آسيوية العدد(47)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2000.
25.هاني اليأس الحديثي، منظمة آسيان(نشؤها، تطورها، علاقاتها الإقليمية والدولية)، المرصد الدولي، العدد(6)، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2008.
سادساً: الرسائل والاطاريح الجامعية:
رسائل الماجستير
1.ابتسام محمد عبد، العلاقات الصينية الأمريكية(1949–1999)، رسالة ماجستير(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 1999.
2.أحمد محمود عبد المجيد العبدلي، العلاقات الصينية–الروسية وآفاقها المستقبلية، رسالة ماجستير(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد،2007.
3.بتول حسين علوان، مستقبل سياسة الصين الخارجية، رسالة ماجستير(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 1996.
4.حارث قحطان، التنافس الصيني-الياباني في جنوب شرق آسيا أبان الحرب الباردة وما بعدها، رسالة ماجستير(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2002.
5.خضر عباس عطوان، مستقبل العلاقات الأمريكية–الصينية، رسالة ماجستير(منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 1999.
6.دنيا جواد مطلك، العلاقات اليابانية–الصينية(1949-2002)، رسالة ماجستير(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2002.
7.عامر هاشم عواد، التنافس الدولي على منطقة قلب أورآسيا ومستقبل التوازن الدولي، رسالة ماجستير(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2000.
8.عباس فاضل علوان، العلاقات الروسية-الصينية بعد أحداث11 أيلول 2001:منظمة شنغهاي للتعاون نموذجا، رسالة ماجستير(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2012.
9.عطارد عوض عبد الرحمن، دور ومستقبل منظومة التعاون الإقليمي لدول جنوب شرق آسيا لتعزيز مكانتها في البيئة الدولية، رسالة ماجستير(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2006.
10.علاء عبد كطافه، الأزمة المالية العالمية وانعكاساتها على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، رسالة ماجستير(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2012.
11.محمود عبيد محمد، العامل العسكري في العلاقات الروسية–الإيرانية(1991-2006)، رسالة ماجستير(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2008.
12.مهند عبد رشيد سليم الجنابي، السياسة الخارجية الروسية(حيال المشرق العربي في عهد الرئيس فلاديمير بوتن)، رسالة ماجستير(غير منشورة)، جامعة النهرين، كلية العلوم السياسية، 2007.
13.نسرين رياض شنشول، دور تجمع التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي(لأيبك) في بناء نمط جديد للعلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية رسالة ماجستير(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2008.
14.وليد حسن محمد الحيالي، العلاقات الروسية–الصينية وتحديات الهيمنة الأمريكية، رسالة ماجستير(غير منشورة)، المعهد العالي للدراسات السياسية والدولية، جامعة المستنصرية، 2004.
اطاريح الدكتوراه
1.باقر جواد كاظم، الأبعاد الاستراتيجية لأدوار القوى الكبرى في إقليم آسيا الباسيفيك، أطروحة دكتوراه(غير منشورة)، جامعة النهرين، 2007.
2.لمى مضر الإمارة، الاستراتيجية الروسية بعد الحرب الباردة، أطروحة دكتوراه(منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2005.
3.محمـد دحــام كــردي، مستقبل الاتحاد الأوروبي (دراسة في التأثير السياسي الدولي)، أطروحة دكتوراه(غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2009.
4.نورهان السيد الشيخ، دور النخبة الحاكمة في أعادة هيكلية السياسة الخارجية: دراسة لحالتي الاتحاد السوفيتي(1985-1991) والجمهورية الروسية(1991-1996)، أطروحة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2000.
سابعاً: بحوث ومقالات منشورة على الأنترنيت:
1.أحمد خليل ابراهيم، العلاقات الصينية–الهندية وأبعادها الدولية والإقليمية، مجلة أقواس العدد(2)، 2013، على الموقع الآتي:
http://kawanakurd.com
2.أحمد علو، السياسة الخارجية الروسية في علاقاتها الدولية، مجلة الجيش، دراسات وأبحاث، العدد(263)، أيار2007م، على الموقع الآتي:
http://www.lebarmy.gov.lb/ar/news/?14388#.UdVM2DtA3mo
3.أحمد علو، منظمة شنغهاي… بين تحالف المصالح وصراع الحضارات حلف جديد أم دفاع قلب العالم عن نفسه، دراسات وأبحاث، مجلة الجيش، العدد(293)، تشرين الثاني 2009، على الرابط الآتي:
http://www.lebarmy.gov.lb/ar/news/?23653#.UlmsM9KSAuU
4.ألكسندر لومونوف، روسيا تفشل في الاستفادة من الصداقة مع الصين، ترجمة:(أيمن موسى)، صحيفة (موسكوفسكى نوفوستي)، الروسية 15/7/2011/، على الرابط الآتي:
http://www.sis.gov.eg/ar/Story.aspx?sid=50648
5.السيد أمين شلبى، روسيا والصين: من الخصومة إلى الشراكة الاستراتيجية، الأهرام اليومي، 13/ابريل/2013 على الموقع الآتي:
http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=1250223&eid=14617
6.الصين وروسيا تتعهدان بتعزيز التعاون في مجال الطاقة, وكالة أنباء(شينخوا)، 2012، على الموقع الآتي:
http://arabic.news.cn/economy/2012-12/07/c_132024843.htm
7.العلاقات الروسية-الصينيّة، وكالة الأخبار الإسلاميّة(نبأ)، على الرابط الآتي:
http://www.islamcnews.net/Common/Viewltem.asp?DocID=49875&TypeID=2&ItemID=321
8.العلاقات الاقتصادية بين الصين والعرب في ظل الأزمة المالية والأوضاع الأمنية: الموقع الدولي الأنترنيت على الرابط الآتي:
http://arabic.peopledaily.com.cn/31659/7706001.html
9.العقيدة النووية الروسية، الشبكة الدولية للمعلومات الأنترنيت، على الموقع الآتي:
http://galalalmansori.arabblogs.com/gyd/archive/2007/12/409166.html
10.الموقع الرسمي للمنظمة شنغهاي، شبكة المعلومات الدولية، على الرابط الآتي:
http://www.sectsco.org/EN/index.asp
11.الاوضاع الاقتصادية في ظل الازمة الاقتصادية العالمية عام 2008م، الشبكة الدولية للمعلومات الأنترنيت على الرابط الآتي:
http://arabic.cri.cn/361/2008/12/29/181s109403.htm
12.إنتهاء الأحادية القطبية، تقارب يؤسس لنمط جديد في العلاقات الدولية، 25/3/2013، على الموقع الآتي:
.http://alestqlal.com/ar//index.php?act=Show&id=10638
13.أيمن خيري، رياح الحرب الباردة تهب على العلاقات الروسية–الأمريكية، شؤون دولية، 6/10/2006، على الرابط الآتي:
http://www.alriyadh.com/article192358.htm
14.توافق صيني روسي لمواجهة الأزمة المالية، وكالة الأنباء الصينية(شينخوا)، على الرابط الآتي:
http://arabic.news.cn
15.تقرير حوار ساخن يهيمن على العلاقات التجارية الأمريكية-الصينية، صحيفة الاقتصادي: 17/12/2011: على الموقع الآتي:
http://www.aleqt.com/2011/12/17/article_417506.html
16.ثروات قزوين تشعل حربا باردة جديدة بين موسكو وواشنطن، البيان، 12/ 9/ 2001، على الرابط الآتي:
http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=221335&eid=471
17.جون مولين، ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية، الحوار المتمدن، العدد(2294)، 2008، على الموقع الآتي:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=135951
18.حسن حردان، العلاقات الروسية-الصينية والتفرّد الأميركي، مجله المستقبل، العدد(2399)، 2006، على الرابط الآتي:
http://arabic.rt.com/prg_panorama/65458/video
19.حسن محمد طوالبة، نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، الحوار المتمدن، السياسة والعلاقات الدولية، العدد(3370)، 2011، على الموقع الآتي:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=259648
20.دياري صالح مجيد، التنافس الدولي على مسارات أنابيب نقل النفط من بحر قزوين: دراسة في الجغرافيا السياسية، ط(1)، 2010، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي، على الرابط الآتي:
http://www.ecssr.ac.ae/CDA/Others/openExtLink/logo_en_ar.gif
21.روسيا بوتين .. السعي وراء المكانة المفقودة, التقرير الاستراتيجي العربي، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2001، على الموقع الآتي:
http://acpss.ahram.org.eg/ahram/2001/1/1/RARB85.HTM
22.روسيا تعارض فرض عقوبات اقتصادية جديدة على كوريا الشمالية، وكالة(يونهاب للأنباء)، 2013، الشبكة الدولية للمعلومات الأنترنيت على الرابط الآتي:
http://arabic.yonhapnews.co.kr/North%20Korea/2013/02/20/
23.ريزنيكوف، الكومنترن والشرق الاستراتيجي والتكتيكات، ترجمة:(نصير سعيد الكاظمي)، ط(1)، دار الفارابي، 1987، على الموقع الآتي:
http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb23235-21763&search=books
24.شبكة الصين الدولية(شينخوا)، الصين وروسيا تتعهدان بتعزيز التبادل التجاري بينهما، 16/4/2013، على الرابط الآتي:
http://arabic.china.org.cn/news/txt/2013-04/16/content_28553289.htm
25.صبحي غندو، روسيا “البوتينيّة” تفرض “نظام تعدد الأقطاب، المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية 12/4/2012، على الموقع الآتي:
26.عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، من كتاب كواشف زيوف، على المواقع الآتي:
http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?t=4581
27.عبدالرحمن عبدالعال، مفهوم التدخل الإنساني وإشكالياته، مجلة الأهرام،1/يناير2009، على الموقع الآتي:
http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=96314&eid=289
28.عبد العزيز مصطفى كامل، حرب المقدســــــات.. مدخل صدام الحضـارات، الشبكة الدولية للمعلومات الأنترنيت، 6/3/2008، على الرابط الآتي:
http://ar.islamway.net/article/2858
29.علي بدوان، الصين وإشكالية الموقف تجاه الحدث الليبي، صحيفة الوطن العمانية/29/4/2011، الشبكة الدولة للمعلومات الأنترنيت على الرابط الآتي:
http://almufaker.blogspot.com/2011/04/blog- post_1729.html
30.علي حسين باكير, العلاقات الاستراتيجية الصينية–الروسية, مجلة الدفاع الوطني, 21/4/2006, على الرابط التالي: http://www.lebarmy.gov.lb/ar/news/?10930#.UjDDr9Linnk
31.علي حسين باكير، العلاقات الاستراتيجية الصينية-الروسية، مجلة الدفاع الوطني، 1/4/2006، على الموقع التالي:
http://www.lebarmy.gov.lb/ar/news/?10930#.UjDDr9Linn
32.عماد فكري، التنافس الدولي على منطقة بحر قزوين، الشبكة الدولية للمعلومات الأنترنيت على الرابط الآتي:
http://islamtoday.net/bohooth/artshow-13-10515.htm
33.عودة نفوذ روسيا في الشرق الأوسط، مواضيع وأبحاث سياسية، الحوار المتمدن، العدد(1725)، 2006، الشبكة الدولية للمعلومات الأنترنيت على الرابط الآتي:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=79994
34.غسان الصافي، صدام حضارات أم تبادل مصالح، الشبكة الدولية للمعلومات الأنترنيت، 23/5/2003، على الرابط الآتي:
http://alarabnews.com/alshaab/GIF/a28.htm
35.غموض الموقف الصيني من ليبيا.. مصالح الصين في ليبيا تشمل مجالات الطاقة والبنية التحتيةK 2012، موقع الجزيرة الإخباري، على الرابط الآتي:
http://www.aljazeera.net/news/pages/471995ba-40e1-471b-94f3-98cc56ed2b39
36.فرح الزمان أبو شعير، إيران وبحر قزوين: معادلة للصراع وتقسيم النفوذ، مركز الجزيرة للدراسات، على الموقع الآتي:
http://studies.aljazeera.net/reports/2013/01/3627251370.htm
37.فلاديمير فيليبوف، وكالة أنباء موسكو30/12/2011، شبكة المعلومات الدولية(الانترنيت)، على الرابط الآتي:
http://ar.rian.ru/russia/20111230/373209913.htm
38.كريم عبد المسيح، الصين وروسيا تدعوان لنمط جديد للعلاقات بين القوى الكبرى، 24/3/2013، على الموقع الآتي:
http://www.wataninet.com/watani_Article_Details.aspx?A=38249.
39.ليونيد ألكسندر وفتش، شنغهاي بديل لحلف وارسو ضد الناتو، ضوء الأخبار، 24 أغسطس 2007، على الرابط الآتي:
http://globalnewscombined.com/news/1021753
40.ليونيد ألكسندر وفتش، العلاقات الروسية الصينية(موازين القوى العالمية تنتقل من الغرب إلى الشرق)، 17/5/2010، على الموقع الآتي:
http://www.thirdpower.org/index.php?page=read&artid=52077
41.مأمون كيوان، العلاقات الصينية–الروسية، الصين الحقائق والارقام، 2007، على الرابط الآتي:
http://arabic.china.org.cn/china/archive/sssz06/2007-03/15/content.
42.محمد السيد سليم، التحولات الكبرى في السياسة الخارجية الروسية، الموقع الإلكتروني لمجلة السياسة الدولية، 1/7/2007، على الرابط الآتي:
http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=221968&eid=306
43.ـمحمد فايز فرحات، التجربة النووية الكورية شمال شرق آسيا بين سباق التسلح النووي والتعاون الأمني، كراسات استراتيجية، السنة السابعة عشرة، العدد رقم (171)، يناير 2007:
http://newsbbccouk/hi/arabic/world_news/newsid_6052000/6052386stm
44.مجموعة العشرين تبحث الأزمة المالية العالمية في قمة واشنطن(مساهمة صينية مشروطة)، الشبكة الدولية للمعلومات الأنترنيت على الرابط الآتي:
http://www.islammemo.cc/akhbar/American/2008/11/15/72520.html
45.معتز سلامة، استراتيجية الأمن القومي الامريكي لعام2010، كراسات استراتيجية، الأهرام، 2010، على الربط الآتي:
http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=657085&eid=2920
46.معمر عطوي، الصين و ربيع العرب: سياسة خط الرجعة، دوليات، العدد(١٣٩7)، ٢٠١١، الشبكة الدولة للمعلومات الأنترنيت على الرابط الآتي:
http://www.al-akhbar.com/node/10818
47.موقع إذاعة الصين الدولية، 2/4/2011، على الرابط الآتي:
http://www.ar.chinabroadcast.cn
48.موقع وزارة الخارجية الصينية2/4/2011م، على الرابط الآتي:
http://www.fmprc.gov.cn/eng/widt/2649/t15771.htm
49.نادية حلمي، التوجهات الصينية تجاه الشرق الأوسط بعد الثورات، مجلة السياسة الدولية، 2011، الشبكة الدولية للمعلومات الأنترنيت، موقع مجلة السياسة الدولية، على الرابط الآتي:
http://www.siyassa.org.eg/NewsContent/2/104/2701
50.نزار السامرائي، عودة الحرب الباردة بين الشرق والغرب بأبوية أمريكية مدببة، روسيا تساعد إيران للهيمنة على الخليج والعراق وأفغانستان، أوراق عربية، شبكة البصرة،7/7/2012، على الموقع الآتي:
http://www.albasrah.net/ar_articles_2012/0712/nazar_070712.htm
51.نورهان الشيخ، مصالح ثابتة ومعطيات جديدة.. السياسة الروسية تجاه المنطقة بعد الثورات العربية، 2013، السياسة الدولية، على الموقع الآتي:
http://www.siyassa.org.eg/NewsContent/3/112/1846.
52.وانج كينج جو، العلاقات الصينية-الروسية في ميزان العامل الأمريكي، 24/5/2010، على الموقع الآتي:
http://arabic.rt.com/news/598698
53.وكالة أنباء(نوفستي)، الرسمية الروسية، 2005، على الموقع الآتي:
http: //arrianru/analytics/article.
54.ويكيبيديا الموسوعة الحرة، على الموقع الآتي: .http://ar.wikipedia.org/wiki
55.يونس الغايسي، واقع الشراكة الصينية الروسية، المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، 21/3/2009، على الموقع الآتي:
http://www.cmesmaroc.com/ar/index.php?option=com_content&view=article&id=109&catid=40&Itemid=69
56.يونايتد برس إنترناشونال، مصادر الطاقة: الأسد يدفع باتجاه، استراتيجية البحار الأربعة ترجمة : قسم الترجمة في مركز الشرق العربي، على الموقع الآتي:
http://asharqalarabi.org.uk/mu-sa/sahafa-1796.ht
ثامناً: الكتب باللغة الانكليزية:
1.Celeste A. wall Ander, the politics of Russian Aids policy, Center for Strategic and International Studies, December, 2005.
2.Charles Singer and others, A history of Technology , VOL.II , Oxford at The Clarendon Press , 1972.
3.Christian Greiner, Klaus Auber Maier, Heinz Rehang, Bruno Those, Über dieses Buch Voransicht des Buches Die NATO ales Militärallianz,1949-1959,Militärgeschichtliches Forschungsamt 2003
4-East, Sixth Edition, Westview Press, Boulder, 1999.
5.Economic indicators ,council of EconomicAdvisers,Washington,DC,2010.
6.IMF, Direction of trade Statistics Year Book, Washington D.C.2012.
7.IMF, world Economic outlook database, October 2010.
8.International Energy ,China’s Worldwide Quest for Energy Secure, 2011.
9.Jeremy Tunstall, the media are: American ,New York, Columbia University Press, 1997.
10.Maria Belen Angeles, Association of Southeast Asian Nations, (Bangkok, ICSW), August 2000.
11.Karl W. Deutsch, the Analysis of International Relations ,New
Jersey Prentice- (Hall), Inc. Englewood Cliffs, 1968.
12.Robert G. Sutter, China’s rise; Implications for U.S Leadership in Asia,Washington,The,East-West,Center,2006.
.Uli Cremer, Neue NATO.. die ersten Kriege, VSA Verlag, 2008 .13
تاسعاً: البحوث باللغة الانكليزية:
1.Atone L. Friedberg, Implication of the Financial Crisis for the US- China Realty, Survival, August-September 2010.
2.Bails, A. J. K, Armament and Disarmament in the Caucasus and
Central Asia, Stockholm International Peace Research Institute, SIPRI Policy Paper number (3), Stockholm, July 2003.
3.Central Asia; border disputes and conflict potential, International crisis,group-Asia,ReportNo.33,April4,2002 .
4.Dzulkarnain Ahmed, Asian +3: the institutionalized of Asian Values ,Thesis Submitted in Partial Fulfillment of the Requirements for The Degree of Master of Art in Security Studies: Security Building in post– Conflict Environments, From (Naval Postgraduate School), December 2003.
5.D.r Blouson and, mikhailnko, the situation in the Russian economy, Studies on Russian Economic Development, Economic policy, Volume 18, Number 3, 2007.
6.Erica Marat ,Reports suggest Moscow wants New Base inky rgzstan Eurasia Daily monitor, May 24,2005.
7.lowell Dittmer, the Sino-Russian strategy, partnership ,journal of contemporary china.Vol.10,No,28,Augst,2001.
8.Mary Birdman , China , Russia a, Central Asia ,Union of Nations Expanding . Executive Intelligence , Review( EIR ), Vol 28 , No. 25 June 29, 2001.
9.Nicholas Bierstadt, Some Strategic Implications of Asian, Eurasian Demography Trends, paper presented at The Harvard Center for population and Development Studies, Cambridge, November,2000.
10.Rajang Menno and Hendrix Spurt, The Limits of Neo-realism: Understanding Security in Central Asia, Review of International Studies, Vol,(25), No (1), January, 1999.
11.Zhao Hushing, The SCO in the last year, CEF Quarterly: the China and Eurasia Forum Quarterly, July, 2005.
عاشراً: مقالات الأنترنيت باللغة الإنكليزية:
1.Russian-Chinese trend and economic cooperation, current NATO parliamentary ,special report, problems and prospects, situation at this ,November 2005,Assembly:
http://natopa.ibicenter.net/default.asp?SHORTCUT=809
2.Gabriel Andrei and simony Lionel ,European Union world Economy power ,cues working papers,2010:
Htt://www.cse.uaic.or/working papers/articles/cues we 2010_I1_pon.bdf .
.3.Ivan Kushner’s Research Center
http://zh.kushnirs.org/macroeconomics/gdp/gdp_russia.html .
4.Eshel David, US Missile Shad in Europe: Logic or Mere provocation? In: Defense Update, June 6, 2007:
http://www.defense-update.com/newscast/0307/analysis-150307.htm.
