Print Friendly, PDF & Email

عامر مصباح (جامعة الجزائر 3)
أعلنت وسائل الإعلام الأمريكية عزم الرئيس الأمريكي زيارة الشرق الأوسط في الفترة القادمة تشمل إسرائيل والسعودية، وفي نفس السياق نقلت ذات الأنباء عتب الرئيس ترامب على السعودية أنها لا تتحمل بشكل عادل أعباء دفاع الولايات المتحدة عنها؛ مما يعني بطريقة أخرى ابتزاز السعودية من أجل دفع مزيد من الأموال وتقديم التسهيلات الاقتصادية للولايات المتحدة مقابل تعهد الأخيرة بالدفاع عنها ضد الاعتداءات الخارجية؛ وهي السياسة التي وعد الرئيس الأمريكي في حملته الانتخابية تطبيقها مع الحلفاء عبر العالم (شرق أسيا، أوربا، والشرق الأوسط).
لكن التساؤل الرئيسي الذي يُطرح حول العلاقات الاستراتيجية الأمريكية-السعودية، ما هو نوع ومضامين وحقيقة الدفاع الذي توفره الولايات المتحدة للسعودية على الأرض، بعد استكمال سحب كل القوات الأمريكية من الأراضي السعودية في عام 2002؟ وما هو الدور الأمريكي في احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة خاصة في العراق، اليمن، وسوريا؛ الذي تنظر إليه السعودية كتهديد جدي لأمنها القومي؟ وهل الامتيازات الاستراتيجية الأمريكية الممنوحة لإسرائيل هي نفسها أو قريبة منها المقدمة للسعودية؟ تطرح هذه التساؤلات وأخرى مضمون الابتزاز الأمريكي للسعودية ودول الخليج الأخرى، منذ أزمة أوت 1990 إلى يومنا هذا. الجانب المثير للاهتمام أن هذا الابتزاز لم يكن متعجرفا وصلفا من قبل الإدارات الأمريكية السابقة، كما هو اليوم مع إدارة دونالد ترامب، ربما يرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى الخاصية التجارية البراغماتية في سلوك الرئيس الأمريكي الحالي.
لنكن عادلين في الحكم بأن الابتزاز الأمريكي في عهد الإدارة الحالية هو موزع بعدالة بين حلفاء أمريكا، إذ تعمّدت تصعيد الوضع الأمني في شبه الجزيرة الكورية واستفزاز الصين من أجل ابتزاز كوريا الجنوبية واليابان؛ فقد طلب ترامب من كوريا الجنوبية أمس دفع مليار دولار مقابل نشر نظام ثاد للدفاع الصاروخي عن مسرح العمليات على الارتفاعات العالية؛ وقد رفضت سيول الطلب الأمريكي، لكنها سوف تقبل مع زيادة استفزاز كوريا الشمالية لتهديد جارتها الجنوبية.
لا يلام الرئيس الأمريكي في تبنيه لاستراتيجية الابتزاز (لأنها استراتيجية شائعة في سياسة القوى العظمى كما تحدث عن ذلك جون ميرشيمر)، وإنما المسألة الاستراتيجية المهمة محددة في كيفية مواجهة السعودية لاستراتيجية الابتزاز. على الأقل من الناحية النظرية، أن فن السياسة يقتضي تحويل الابتزاز إلى امتياز استراتيجي يزيد في ثقل الدولة ويحسّن إمكانياتها في مواجه خصومها الاستراتيجيين. إذ مجرد زيارة الرئيس الأمريكي الحالي إلى السعودية يعد دعما لموقف السعودية في مواجهة التحديات المطروحة عليها، لكن لا تكون الزيارة منتجة للمخرجات الاستراتيجية الوظيفية ما لم تستغل في خدمة خيار استراتيجي طويل المدى يعتق الدولة من التبعية الدفاعية للخارج؛ وذلك من خلال تبني خيار توسيع بناء القوات البرية الدفاعية المدعومة تكتيكية بواسطة القوة البحرية والجوية، على أن تقدم صفقة كبيرة للولايات المتحدة من أجل تجهيز هذه القوات وتدريبها. وبالتالي يكون الاستثمار الاستراتيجي بعيد المدى تحقيق التوازن الإقليمي مع إيران، يحد من النفوذ الإقليمي لهذه الأخيرة، ويحقق الاستقلالية الدفاعية النسبية للمملكة. يمكن تدعيم العرض السعودي للولايات المتحدة بواسطة منح حقوق التنقيب عن النفط والغاز وتسويقهما في الأسواق العالمية، خاصة وأن الولايات المتحدة في عهد ترامب أبدت اهتماما كبيرا بموارد الطاقة، إذ أعلنت وسائل الإعلان أمس عن توقيع الرئيس الأمريكي مرسوما رئاسيا يتيح حق التنقيب عن النفط في البحار والقطب المتجمد الشمالي.
تكمن مبررات هذا الخيار الكبير في أن الكثير من الأشياء الإقليمية والمحلية قد تغيرت، بحيث لم يعد هناك بالإمكان الاعتماد على الحلفاء الدوليين (الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى) أو الإقليميين (مصر) في تحقيق حاجات الدفاع الوطني؛ مع تنامي التهديدات التقليدية القادمة من شرق الخليج، والتهديدات غير التقليدية القادمة من جنوب البلاد. خاصة وأن كل المبادرات الاستراتيجية السعودية في الاستعانة بالأصدقاء لبناء حلف عسكري ضد إيران قد فشلت (التحالف العربي ضد الحوثيين في اليمن، والتحالف الإسلامي ضد إيران). إن هذا الخيار يحتفظ بفوائد القوة العسكرية وعدم تبددها في النزاعات والحروب الهامشية، على عكس الخيار المتبنى اليوم المتمثل في الحرب بالوكالة الذي ينهك موارد الدولة ولا يعطي نصرا واضحا لأحد، بل إن مخاطره جسيمة يمكن أن ترتد إلى داخل إقليم الدولة (انتقال الإرهاب من سوريا واليمن والعراق غلى داخل السعودية).