دراسات سياسيةدراسات عسكرية

العلاقات المدنية العسكرية (النماذج والدروس): مساهمة في وضع نموذج مصري

اشتراك سنوي في المكتبة المميزة (اضغط على الصورة)

بقلم د. علاء الدين عرفات – *أستاذ مساعد بقسم الدراسات الاستراتيجية، بجامعة السلطان قابوس

ركزت مراكز الأبحاث الغربية والأمريكية على وجه الخصوص منذ ثورة 25 يناير 2011 على دراسة العلاقات المدنية العسكرية في مصر، ودور الجيش في السياسة؛ وذلك على خلفية الدور الذي قام به الجيش في تلك الثورة. وقد زادت تلك الأبحاث بعد ثورة 30 يونيو 2013؛ أيضا على خلفية الدور الذي قام به الجيش المصري في خلع الرئيس الأسبق محمد مرسي والإخوان عن الحكم.
وبشكل عام ينقص تلك الأبحاث أنها منزوعة من سياقها؛ فهي تحاول تطبيق العلاقات المدنية العسكرية ونظريتها المختلفة المطبقة في الدول الراسخة في الديمقراطية على الحالة المصرية التي مازالت تخطو خطواتها الأولي والخجولة في مسار طويل من التحول الديمقراطي. والأهم أن تطبيق نموذج العلاقات المدنية العسكرية وفقًا للتصور الغربي:خضوع القوات المسلحة لقيادة مدنية ديمقراطية (The Subordination of the Military to Democratic Civilian Control)(1)،هي عملية معقدة تتطلب إصلاحا تشريعيا شاملا وإصلاح للقطاع الأمني بأكمله(DCAF) Security Sector Reform وإجراء العدالة الانتقالية Transitional Justice وبناء المؤسسات الديمقراطية وتعميق للمثل للديمقراطية، ليس فقط لدى المواطنين، لكن أيضا لدى الأحزاب والنخب السياسية، وفهم العلاقة بين آليات الديمقراطية – احترام نتيجة الصندوق – والمثل الديمقراطية التي تهتم بقبول الآخر المختلف دينيًا وسياسيًا وعدم الاقصاء والتسامح. ويتطلب أيضا إعداد نخبة من الخبراء المدنيين المتخصصين في قضايا الدفاع والأمن القومي والشئون العسكرية.
فوفقًا للتصور الغربي؛ فالعلاقات المدنية العسكرية سلسلة طويلة متعددة الحلقات والمراحل ومتشابكة مع التحول الديمقراطي، وليست منفصلة عنه. وهي جوهرة التاج في التحول الديمقراطي في الواقع. ولذلك فإن أصعب مرحلة في التحول الديمقراطي لأي دولة، هي إدارة العلاقات المدنية العسكرية، ولذلك فإن لم يُحسن إدارة هذا الموضوع المتشابك والمعقد، فمن الممكن أن تنتكس الدولة وربما تعود إلى الحالة السلطوية التي كانت عليها قبل عملية التحول الديمقراطي. أما إذا أُحسن إدارة إصلاح العلاقات المدنية العسكرية فستخطو الدولة خطوات واثقة حتى تصبح من الديمقراطيات المستقرة (نموذج البرتغال وإسبانيا).  
فالسياق المصري بهذا الفهم مختلف من ناحية درجة التحول الديمقراطي، وتعثر المسار، بالإضافة إلى اختلاف البيئة السياسية، ورؤية المصريين وتقديرهم لقواتهم المسلحة؛ وهي معايير تغيب عن معالجة الباحثين الغربين للحالة المصرية. ولذلك فإن فهم مستقبل العلاقات المدنية العسكرية في مصر؛ يتطلب وضع الحالة المصرية في إطار أوسع من التجارب الدولية في العلاقات المدنية العسكرية في محاولة لوضع تصور للنموذج المصري المحتمل في العلاقات المدنية العسكرية، والدروس التي يمكن أن تستفيد منها مصر من تلك النماذج. ولإظهار أنه ليس هناك نموذج واحد في العلاقات المدنية العسكرية، ولو كان مسارا واحدا يجب أن يحتذى. فالنماذج متعددة والتجارب متنوعة.
وفي هذا السياق تم اختيار ستة نماذج مختلفة في العلاقات المدنية العسكرية: النموذج الباكستاني؛ النموذج الإندونيسي؛ النموذج البرتغالي؛ النموذج التركي؛ النموذج الإسباني؛ وأخيرًا، نموذج بعض دول أمريكا اللاتينية، خاصة البرازيل وتشيلي. فثلاثة من تلك النماذج الستة دول ذات أغلبية مسلمة ولديها تيار إسلامي قوي: وهي باكستان وتركيا وإندونيسيا. ومعيار الاختيار هنا هو إلى أي مدى يمكن أن يؤثر الإسلاميون على مسار إصلاح العلاقات المدنية العسكرية أو التحول الديمقراطي بشكل عام. ومن بين تلك النماذج الستة هناك نموذجيين لدولتين أوربيتين: البرتغال واسبانيا؛ وقد بدأت كلتا الدولتين مسار العلاقات المدنية العسكرية في بداية الموجة الثالثة من الديمقراطية “Third Wave”. ومن بين تلك النماذج الستة أيضا؛ نموذج واحد استثنائي من أمريكا اللاتينية (البرازيل وتشيلي)؛ وهو أقرب النماذج للحالة المصرية.
وفي حالتين من تلك النماذج الستة – إندونيسيا والبرتغال- تولي الجيش بنفسه إصلاح العلاقات المدنية العسكرية؛ وفي هذه الحالة حققت البرتغال فقط قصة نجاح في العلاقات المدنية العسكرية وفقًا للمعيار الغربي: خضوع القوات المسلحة لقيادة مدنية ديمقراطية؛ بينما حققت إندونيسيا نجاحًا جزئيًا. ربما لأن في الحالة الإندونيسية أستكمل النظام إصلاح العلاقات المدنية العسكرية بعد مبادرة الجيش بالإصلاح، وبالتالي أثرت بعض الموائمات السياسية وأمور أخرى ستذكر بالتفصيل لاحقًا على مسار العلاقات المدنية العسكرية الإندونيسية. ومن بين تلك النماذج الستة؛ هناك نموذجان – إسبانيا ودول أمريكا اللاتينية – حققت العلاقات المدنية العسكرية من خلال  التفاوضnegotiation pacts بين النخبة السياسية للنظام القديم والنخبة السياسية للنظام الجديد أو بين المؤسسة العسكرية والنخب المدنية.
وفي هذا السياق تم تحقيق نجاحًا ملحوظًا في العلاقات المدنية العسكرية. وعلى الرغم من ذلك فإسبانيا لديها تجربة أكثر نجاحًا عن دول أمريكا اللاتينية في العلاقات المدنية العسكرية وفقًا للنموذج الغربي. ومن بين تلك النماذج الستة هناك دولتان – تركيا وباكستان – حققتا إصلاحا في العلاقات المدنية العسكرية من خلال صراع القوىpower-struggle game أو الصراع على السلطة بين المؤسسة العسكرية والإسلاميين في تركيا، وبين المؤسسة العسكرية ومؤسسة الرئاسة في باكستان. وفي كلتا الحالتين حققت الدولتان نجاحًا جزئيًا في العلاقات المدنية العسكرية، وفقًا للمعيار الغربي؛ حيث حققت الدولتين توازنًا بين ديمقراطية غير مكتملة ومنقوصة وجيش متنفذ. باختصار فالستة نماذج يمكن أن تقسم إلى ثلاثة نماذج فرعية:
النموذج التصارعي: باكستان وتركيا؛ النموذج التفاوضي: إسبانيا ودول أمريكا اللاتينية؛ النموذج التصارعي ـ التفاوضي: البرتغال وإندونيسيا؛ وهو نموذج بادر فيه الجيش وقاد عملية التحول الديمقراطي.
وبشكل عام النموذج التصارعي لم تحقق فيه العلاقات المدنية العسكرية إلا نجاحًا جزئيًا، بينما النموذج التفاوضي أو النموذج التصارعي-التفاوضي، خاصة الذي قاد فيه الجيش إصلاح العلاقات المدنية العسكرية بنفسه – نموذج البرتغال- حققت نجاحًا مبهرًا في العلاقات المدنية العسكرية وفقًا للمعيار الغربي.وسيتم عرض تلك النماذج الستة بالبدء بالنماذج التي حققت نجاحًا جزئيًا أو متوسطًا في العلاقات المدنية العسكرية: باكستان – إندونيسيا – تركيا؛ ثم بالنماذج التي حققت نجاحًا كاملًا: البرتغال – إسبانيا؛ ثم أخيرًا عرض أقرب النماذج للحالة المصرية: البرازيل – تشيلي. ثم تختتم الدراسة باقتراح نموذج تجريبي لمستقبل العلاقات المدنية العسكرية في مصر.    

العلاقات المدنية العسكرية سلسلة طويلة متعددة الحلقات والمراحل ومتشابكة مع التحول الديمقراطي، وليست منفصلة عنه
       وبشكل عام، تنطلق الدراسة من ثلاث فرضيات أساسية. أولًا: الصراع بين كل من الأحزاب والنخب المدنية والمؤسسة العسكرية حول إصلاح العلاقات المدنية العسكرية، تنتج إصلاحًا جزئيًا في تلك العلاقات؛ وربما تزيد من قبضة الجيش وتدخله في السياسة والحكم.
         ثانيًا: الدول التي بها تيار إسلامي قوي أو أحزاب دينية،أو حركات انفصالية، وتوتر على حدودها السياسية، يكون من الصعب أن تتبنى إجراء إصلاح في العلاقات المدنية العسكرية، بل تزيد قبضة الجيش على الشئون السياسية، ويزيد تدخله في السياسة، وربما يكون من المستحيل ترك دوره المركزي في صنع السياسة.
ثالثًا، الدول التي بها جيوش ذات نفوذ وإمبراطورية اقتصادية، يكون من الصعب إجراء علاقات مدنية عسكرية، دون الاتفاق على ضمانات وترتيبات دستورية تضمن استقلال وامتيازات للجيش لفترة مؤقتة، تطول أو تقصر، حسب درجة قوة اتحاد واتفاق الأحزاب والنخب السياسية ورغبة الجيش في إجراء إصلاح العلاقات المدنية العسكرية وترك السياسية للسياسيين المدنيين.

أولا: النموذج الباكستاني
النموذج الباكستاني هو دراسة حالة ثرية في العلاقات المدنية العسكرية لعدد من الأسباب. فقد أثبتت باكستان مرونة في مواجهة الموجات المختلفة للديمقراطية خلال العقود القليلة الماضية، والتي أسهمت في تغييرات واسعة النطاق في العلاقات المدنية العسكرية في دول كثيرة حول العالم. ثانيًا،  تميز النظام السياسي الباكستاني بما يعرف بـpraetorian military، أي جيش له دور سياسي قوي، الذي أطاح مرارًا وتكرارًا بالحكومات المدنية الضعيفة. وفي هذا الصدد فقد شهدت البلاد أربعة أنظمة عسكرية، حكمت البلاد لأكثر من ثلاثين عامًا؛ في ظل أيوب خان (1958-1969)، يحيى خان (1969-1971)، ضياء الحق (1977-1988)، وبرويز مشرف (1999-2008 ). ثالثًا، باكستان دولة ذات أهمية حاسمة بالنسبة للسياسة الأمريكية، فهي حليف رئيسي للولايات المتحدة. بالإضافة إلى أنها قوة إقليمية أساسية في منطقة جنوب شرق آسيا، وتمتلك أسلحة نووية. فقد عملت باكستان كدولة من دول المواجهة أثناء الحرب الباردة، وعادت إلى الظهور كذلك في الحرب على الإرهاب، حيث كانت مرتعًا للجماعات الإسلامية المتطرفة، بما في ذلك تنظيم القاعدة. وأخيرًا، قد أنتجت علاقتها المضطربة مع جارتها النووية الهند عدة حروب كبرى، ومناوشات لا تحصى ولا تعد، ويكفي التهديد الدائم بالحرب بين الطرفين لتعزيز أجواء أزمة شبه دائمة في شبه القارة الهندية(2)

        ولفهم العلاقات المدنية العسكرية في باكستان يجب معرفة الأسباب التي تدفع المؤسسة العسكرية بالقيام بتلك الانقلابات المتعددة، وفهم ديناميكية النظام السياسي الباكستاني والأعمدة المختلفة التي يقوم عليها. وفي الواقع، قد تكون مقاربة ألفريد ستيبان Alfred Stepan مفيدة في فهم العلاقات المدنية-العسكرية الباكستانية؛ وفهم ديناميكية النظم الباكستاني(3)فقد قدم النموذج الباكستاني إطارًا لفهم التقسيم المعقد للمسئوليات والمصالح التي تنشأ في الأنظمة العسكرية. والتي قد تؤدي إلى قيام الجيش انقلاب عسكري. فقد فكك ستيبان الأنظمة العسكرية إلى عدد من النماذج. النموذج الأول “الجيش كحكومة””military-as-government”، وفي هذا النمط يتولى كبار القادة العسكريين بشكل مباشر السلطة السياسية في الدولة، والتي تضم عادة الحاكم العسكري العام وزمرة صغيرة من كبار الضباط والمدنيين. النمط الثاني هو “الجيش كمؤسسة” “military-as-institution”، وهو نموذج يشير إلى أغلبية ضباط الجيش،الذين يتولون مسئولية المهام العسكرية المعتادة.(4)) وقد أكد Stepan على أن إذا ما تسبب الجيش كحكومة في أزمة أو عرض للخطر مصالح الجيش كمؤسسة، فإن الجيش كمؤسسة قد يكون مستعدًا للإطاحة بالجيش كحكومة لمعالجة هذه المشكلة(5)؛ وذلك من خلال انقلاب عسكري.
ومن ناحية أخرى فإن نظرية الوكالة “agency theory” لبيتر فافير Peter Feaver يمكن أن تكمل فهمنا للعلاقات المدنية العسكرية في باكستان(6). فقد افترض Feaver بأن مفاهيم مثل القيم الثقافية لمجتمع والاحترافية العسكرية لا يمكن أن تفسر تمامًا ظاهرة الانقلابات العسكرية. ففي بعض الحالات، قامت الجيوش المحترفة والمتجانسة ثقافيًا بالانقلابات العسكرية. ولتفسير هذا اللغز، فقد أقترح Feaver نظريته سالفة الذكر. فوفقًا لفافير Feaver فإن الوكالة تشير إلى القدرة المتأصلة لشخص أو مؤسسة ما ما يمتلك القوة والقدرة على إحداث تغيير ما(7). وبنفس القدر من الأهمية، فإن التعديل الذي قام به إعجاز حسين Ejaz Hussain على نظرية “agency theory” مفيد للغاية كذلك في فهم العلاقات المدنية-العسكرية الباكستانية. فوفقًا لحسين، هناك أربعة فاعلين رئيسيين يحددون العلاقات المدنية-العسكرية الباكستانية، وهي السياسيون؛ والبيروقراطية المدنية؛ والقضاء؛ والجيش. هؤلاء الفاعلون الأساسيون يتفاعلون مع بعضهم بعضا من الناحيتين الإستراتيجية والعقلانية لإحداث قدر من التغير في العلاقات المدنية العسكرية. فكل طرف، في سياق معين، يميل إلى تعظيم مصالحه السياسية والاقتصادية، ويسعى لتولي المنصب الرئيسي في مصفوفة العلاقات المدنية-العسكرية، بشكل خاص، ومصفوفة السلطة بشكل عام في باكستان. فإذا تولى طرف من الأطراف الأربعة المنصب الرئيسي في مصفوفة العلاقات المدنية-العسكرية، تصرفت الجهات الثلاث المتبقية كوكلاء.
وبشكل عام أخذت العلاقات المدنية العسكرية في باكستان مسارات متعرجة. فقد ورثت القوات المسلحة الباكستانية التقليد البريطاني في العلاقات المدنية العسكرية. فقد غُرس في الجيش السيادة والسيطرة المدنية على القوات المسلحة(8). فقد شُكلت بنية الجيش باستخدام التسلسل الهرمي، المتبع في التقاليد العسكرية البريطانية؛ على مستويين: الضباط والمجندين. ومن الناحية الفنية يتم اختيار الضباط في الغالب من بين أفراد الطبقة الوسطي الباكستانية. ويتم اختيار الضباط في شكل تنافسي للغاية؛ لكن بمجرد اختيار فرد من أفراد أسرة في الجيش تتمتع أسرته بدعم واسع النطاق، بما في ذلك الرعاية الصحية، وشبكة من المحسوبية، وبعض التسهيلات الأخرى(9).ومنذ الاستقلال في عام 1947، شهدت باكستان 30 عامًا من الحكم العسكري (1958-1971، 1977-1988 و1999-2008). وحتى عندما لا يكون الجيش في الحكم فإنه يسعى باستمرار إلى تركيز وتوطيد السلطة السياسية والعسكرية ( خاصة الاستخبارات العامة، والاستخبارات الداخلية، والتي تمارس الرقابة العلنية والسرية بشكل كبير على السلطات المدنية في الشئون الداخلية والخارجية على حد سواء). ونظرًا للعلاقة الباكستانية المضطربة مع الهند، والتي تتمحور حول الصراع المستمر منذ عقود من أجل السيطرة على كشمير، فقد كانت باكستان دائما ما تُوصف بأنها ” دولة أمنية “، وكان الجيش الوطني تاريخيًا لاعبًا رئيسيًا في الساحة الجيوسياسية(10).ولذلك فقد تشكلت باكستان كدولة أمنية أولوياتها الأساسية سد احتياجات الأمن الإقليمي والتركيز على بناء جيش قوي ومجهز تجهيزًا جيدًا. وكل تلك الأولويات تعمل في غير صالح المؤسسات المدنية(11).
          وبتطبيق نظرية الوكالة على الحالة الباكستانية، فعلى سبيل المثال، فعند استقلال باكستان عام 1947 أصبح السياسيون الفاعل الرئيسي في العلاقات المدنية العسكرية بتولي لياقت علي خان  LiaquatAliKhan منصب أول رئيس وزراء لباكستان، وأول وزير دفاع مدني، وبالتالي أصبح الفاعلون الثلاثة وكلاء. وبعد اغتيال علي خان في عام 1951 وحتى عام 1958 تولت البيروقراطية منصب الفاعل الرئيسي في البلاد، وأصبح الفاعلون الثلاثة الآخرون: السياسيون، الجيش، والقضاء، وكلاء. ووفقًا لنظرية الـ agency فقد تحالف الجيش إستراتيجيًا مع البيروقراطية الحاكمة من أجل الاستفادة اقتصاديا من المعونة الأمريكية. ولذلك فلم تكن هناك حاجة للانقلابات العسكرية(12).وبالبناء على نظرية الوكالة، فالجيش كحكومة أصبح البديل الرئيسي للسلطات المدنية، في حين ظل الجيش كمؤسسة كـ “وكيل”. ومن الواضح أن التمييز غير واضح لأن كلا من الفاعل الرئيسي والوكيل يرتدون الزي العسكري الرسمي، وغالبًا ما يعملون في انسجام تام. لكن تحت السطح تسير مصالحهم في مسارات مختلفة ومتناقضة، حيث يسعى قادة القوات المسلحة لحماية مصالح القوات المسلحة الاقتصادية، بينما يسعى قادة النظام العسكري لحماية هيمنتهم على السلطة السياسية المدنية(13)
وبعد أن قاد الجنرال أيوب خان الانقلاب العسكري الأول في عام 1958، قام بالاستيلاء على السلطة، ورقّى نفسه لدرجة المشير، والقائد الأعلى للقوات المسلحة. وأصبح عدد من كبار الضباط وزراء ومحافظين، وارتدى آخرون قبعات سياسية أخرى(14).وبمرور الوقت قل اعتماده أكثر فأكثر على القادة العسكريين، وزاد اعتماده أكثر فأكثر على المدنيين، مثل ذو الفقار علي بوتو Zulfikir Ali Bhutto، والذي أصبح واحدًا من أقرب المقربين لأيوب خان ومصدر ثقته. بالإضافة إلى ذلك فقد منح أيوب الجيش قدرًا كبيرًا من الاستقلال الذاتي عن الجيش كحكومة. فقد منح الجيش زيادات كبيرة في النفقات الدفاعية، وضمن للجيش مساعدات عسكرية متنوعة لتحديث القوات المسلحة(15).ولذلك فمنذ 1958 أصبح الجيش ولأول مرة الفاعل الرئيسي، وأصبحت الثلاث قوى الأخرى وكلاء(16).ومع ذلك، فسرعان ما انهار النظام السياسي لأيوب بسبب ظهور أحزاب المعارضة الشعبية المطالبة بالعودة إلى الديمقراطية البرلمانية.
وكما يشير ستيبان فلم يكن التحريض المتزايد من قبل المدنيين الضربة الحاسمة لنظام أيوب. فكما يشير ستيبان فخسارة دعم المدنيين للنظام تحول إلى تكلفة مادية، وتهديد مباشر للجيش كمؤسسة(17). فالمعارضة السياسية نشرت بشكل متزايد الاضطرابات المدنية، مما دفع أيوب لتكثيف القمع من خلال فرض الأحكام العرفية، وطلب مساعدة الجيش في بداية عام 1969. فبالنسبة للجيش، فقمع الاحتجاجات الشعبية، وخصوصًا في ولاية البنجاب، التي يجند منها معظم الضباط والأفراد والجنود، قد يعرض مصالح الجيش الاقتصادية لمخاطر عالية، وقد تكون تهديدًا مباشرًا لوحدته وهيبته. ونظرًا لذلك التناقض الهائل بين مصالح الجيش، ومصالح النظام، فلم يعد الجيش يرى من مصلحته استمرار نظام أيوب خان، وأصبح على استعداد للتضحية به، وبالجيش كحكومة لتهدئة الاحتجاجات الشعبية(18). ولذلك فقد رفض قائد الجيش يحيى خان بالاتفاق مع القيادات العسكرية فرض الأحكام العرفية، وقاموا بانقلاب مضاد غير دموي. وبعد أن فقد أيوب خان الدعم النشط من قادة للجيش، استقال في وقت لاحق ونقل سلطاته ليحيى خان في عام 1969(19).
شُكلت بنية الجيش الباكستانى باستخدام التسلسل الهرمي، المتبع في التقاليد العسكرية البريطانية؛ على مستويين: الضباط والمجندين
شكل الجنرال يحيى خان حكومة عسكرية بالكامل، والتي شملت عدد أكبر من الضباط مما كان في عهد أيوب خان. وقد رقي يحيى خان أقرب رفقائه الجنرال عبد الحميد خان General Abdul Hamid Khan إلى رتبة رئيس أركان حرب الجيش. ثم حاول يحيى معالجة العديد من القضايا السياسية الأساسية التي يعاني منها النظام السياسي المحلي الباكستاني منذ الاستقلال من أجل إبعاد الجيش عن السلطة المباشرة. ثم قام بإلغاء دستور 1962، وأعلن عن إجراء انتخابات حرة للجمعية الوطنية National Assembly في نهاية 1970، وخولها سلطة إصدار دستور جديد، وضمان التمثيل النسبي لباكستان الشرقية مع باكستان الغربية لأول مرة في تاريخ البلاد.
           وقد خرجت خطة النظام العسكري فيما يتعلق بالانسحاب للثكنات عن مسارها بالكامل بسبب نتيجة الانتخابات. حيث حصلت رابطة عوامي على الأغلبية المطلقةThe Awami League (AL) في البرلمان، حيث حصلت على كل المقاعد باستثناء مقعدين فقط في باكستان الشرقية، بينما حصل حزب الشعب الباكستاني Pakistan People’s Party (PPP)  الذي يتزعمه بوتو على ما يقرب من ثلثي المقاعد في غرب باكستان. وقد كان فوز رابطة عوامي نذير شؤم، حيث أصدرت الرابطة ستة مطالب شديدة اللهجة طالبت فيها بالاستقلال الذاتي لباكستان الشرقية، وتكوين جيش مستقل. ورفض بوتو تشكيل حكومة مع عوامي. وفي مارس 1971، وبعد فشل المفاوضات بين الأطراف المختلفة والنظام، أعلن يحيى خان إلغاء الجمعية الوطنية لأجل غير مسمى. فاندلعت الثورة في باكستان الشرقية، وأعلنت رابطة عوامي استقلال المنطقة تحت أسم “بنجلادش”.
فقام يحيى خان بدعم من القوات المسلحة باكتساح الإقليم، وأطلق العنان لحملة عسكرية وحشية في الشرق. وتطور الوضع بسرعة إلى حرب أهلية واسعة النطاق قتل فيها مئات الآلاف من المدنيين على أيدي الجيش على مدى تسعة أشهر. وفي نفس الوقت دخلت القوات الهندية إلى باكستان الشرقية في نوفمبر 1971 لدعم المتمردين البنجال ردًا على تدفق موجات من اللاجئين البنجال إلى الهند نتيجة لتلك الحرب. وردت باكستان بإرسال حملة عسكرية إلى الهند في بداية ديسمبر، فقامت الهند بالتوغل في الأراضي الباكستانية بنجاح، وأسرت ثلث الجيش الباكستاني الذي كان محاصرًا في الشرق، وأجبرت يحيى خان على الاستسلام. ونتيجة لذلك، أصيب نظام يحيى خان بكارثة كاملة؛ ليس فقط على البلاد، ولكن بالنسبة للجيش أيضا، حيث وصلت معنويات وهيبة الجيش إلى الحضيض، وتفتت وحدته. وبناء على مطالب من القيادات الصغرى في الجيش، أرسل، رئيس هيئة الأركان العامة  Chief of General Staff (CGS) الفريق غول حسن Lieutenant General Gul Hassan تهديدًا مباشرًا للنظام جاء فيه: “ما لم يستقل الجنرال يحيى خان وحكومته العسكرية بشكل جماعي في اليوم التالي؛ ستتوغل الدبابات في العاصمة وتطيح بهم جميعًا”(20). وبالتالي أُجبر يحيى خان والجيش كحكومة والجنرال حميد على الاستقالة في نهاية ديسمبر. وبمجرد الإطاحة بالقيادة العليا للنظام عين الجنرال غول حسن قائما بعمل أركان حرب القوات المسلحة، ورتب الجيش لبوتو وحزب الشعب بسرعة لتولي مقاليد السلطة وعاد الجيش إلى الثكنات.
وقد تصرف بوتو كفاعل رئيسي مدني في النظام السياسي الباكستاني، ومن ثم تحولت القوى الثلاث الأخرى كوكلاء. والشيء المثير أن بوتو قد أثر في تشكيل البيروقراطية والقضاء، والأهم أنه قد أثر في الجيش أيضا. وقبل أن يتمكن بوتو من تحقيق رؤيته السياسية بالكامل، تمت الإطاحة بحكومته نتيجة لانقلاب عسكري، قام به الجيش بقيادة ضياء الحق. وهو الانقلاب الثالث في تاريخ البلاد. ومن المفيد هنا ملاحظة بعض الإجراءات التي اتخذها بوتو ضد الجيش، وهو ما يدل على أن الجيش عندما يُضار كمؤسسة، فهناك احتمالية كبيرة بقيامه بانقلاب عسكري.
والمثير أن عددًا من السياسيين ورجال القضاء انضموا للجيش كفاعل رئيسي جديد. ومنذ عام 1977 وحتى الآن والجيش يلعب دور الفاعل الرئيسي في الحياة السياسية الباكستانية(21) . وفي هذا السياق، بذل ضياء الحق جهودًا مضنية في بداية حكمه لجعل الجيش كمؤسسة صاحبه مصلحة في استمرار حكمه(22). وطبقًا لذلك منح ضياء الحق حوافز كبيرة للجيش من بينها زيادة نفقات الدفاع، وزيادة في المرتبات، فضلًا عن منح مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، والمساكن والقروض المصرفية، والمزايا الأخرى”. وبالتالي فقد حظي ضياء باحترام كبار الضباط.وقد أضفى ضياء الحق طابعا مدنيا على حكمه، ونأى بنفسه عن الجيش كمؤسسة. ومن ناحية أخرى، أحاط ضياء الحق نفسه بعدد من المدنيين والضباط الموالين والمخلصين. كما دخل في علاقات نسب مع كبار الضباط لبناء تحالفات القرابة. ولم تتم ترقية الضباط الذي لا يثق فيهم ضياء الحق إلى المناصب العليا، كما عين عددًا من الضباط العاملين والمتقاعدين في المناصب المدنية،حتى يتمكنوا من تكوين ثروات لأنفسهم، ولكن دون تولي مناصب قيادية.
وحاول ضياء الحق إضفاء الشرعية على نظامه من خلال إجراء تعديلات على الدستور، والذي منحه تولي منصب رئيس البلاد، وقائد الجيش في نفس الوقت. وقد أنشأ ما يشبه نظام المشاركة بتعيين رئيس وزراء منصاعٍ، وموالٍ له، وإنشاء برلمان من خلال انتخابات غير حزبية. وقد وجد ضياء منصبه في الجيش مسألة حاسمة لاستمرار نظامه، ولذلك فقد ضمن للجيش الاحترافية اللازمة، وأبقى على مصالحه الاقتصادية. وانتهت محاولته ليكون جسرًا بين جيش قوي ومؤسسات مدنية موالية بشكل مفاجئ عندما مات في حادث تحطم طائرة في عام 1988.(23) وبعد وفاة ضياء الحق تسلم إدارة البلاد نائب رئيس أركان حرب القوات المسلحة Vice Chief of Army Staff (VCOAS) الجنرال ميرزا إسلام بج General Mirza Aslam Beg. وخلال ساعات من وفاة ضياء الحق توصل الجنرال ميرزا وقادة الفرق العسكرية، والقيادة العامة لقرار بالإجماع للعودة إلى الثكنات. وعينت حكومة مدنية لتسيير الأعمال والإشراف على عقد الانتخابات في نوفمبر 1988، بموجبها تولى حزب الشعب، وبنظير بوتو السلطة.
          ووصلت تلك الفترة إلى نهايتها عندما قام الجنرال بيرويز مشرف General Pervez Musharraf بالانقلاب الرابع في تاريخ باكستان، وتمت الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء نواز شريف NawazSharif.(24) وتولى الجنرال مشرف السلطة في أكتوبر 1999. وقد تشابهت علاقة الجنرال مشرف بالمؤسسة العسكرية في سنوات حكمه الأولى مع علاقة نظام ضياء الحق في سنواته الأولى في الحكم. حيث زادت نفقات الدفاع، وزادت الامتيازات الأخرى لضباط الجيش. وقد راعى الجنرال مشرف مصالح ومتطلبات القادة العسكريين، وحرص على الحفاظ على المصالح الاقتصادية للجيش. وبناء على تلك الامتيازات التي منحت للجيش، أصبح مشرف رئيسًا، وأجرى انتخابات شكلية للبرلمان في عام 2006. لكن النظام كان محاصرًا بسبب ارتفاع عنف المليشيات الإسلامية في أفغانستان؛ حيث شن الجيش حربًا ضد القبائل المتحالفة مع تنظيم القاعدة، وحركة طالبان الباكستانية. ووسط تلك الخلفية من العنف المتطرف المتصاعد، بدأ النظام في الانهيار في عام 2007 ، ففي الفترة التي سبقت إعادة انتخابه للرئاسة وإجراء الانتخابات البرلمانية، سحب الجيش دعمه للحكومة. وبدأ القضاة في المحكمة العليا الطعن في شرعية النظام العسكري، على أساس الجمع غير الدستوري الذي قام به مشرف بين رئاسة الدولة وقيادة الجيش(25).
 حيث يتعارض الاحتفاظ بالمنصبين صراحة مع الدستور الباكستاني، الذي ينص على أن الموظف الحكومي، خاصة الموظف في الجيش، لا يجوز له تقلد المناصب السياسية، خاصة منصب رئيس الدولة. بل إن التعهد بعدم التدخل في السياسة يعد جزءًا من اليمين الدستورية لرئيس أركان حرب القوات(26) . وبالتالي، كان إصرار مشرف على الجمع بين رئاسة البلاد وقيادة الجيش واحدة من أهم المشاكل التي واجهت الرئيس مع المحكمة العليا. وردًا على ذلك علق مشرف عمل المحكمة العليا التي تحظى باحترام كبير في مارس مما أثار أعمال شغب في جميع أنحاء البلاد، والتي استمرت حتى إعادة انتخابه بنجاح في أكتوبر(27). لكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد تزايدت المظاهرات في الشوارع للمطالبة بعودة الديمقراطية، وأذعن مشرف لبعض الضغوط الداخلية، وقدرًا من الضغوط الخارجية، خاصة من الولايات المتحدة، وسمح لحزب الشعب، وتحالفات سياسية أخرى بخوض الانتخابات البرلمانية في أوائل عام 2008. ولكن بعد أن هددت المحكمة العليا بإبطال انتخابه لجمعه بين وظيفة رئيس الدولة وقيادة الجيش، أعلن مشرف حالة الطوارئ والغي الدستور، وأوقف عمل المحكمة العليا مرة ثانية، وأمر الجيش بالانتشار في الشوارع لقمع المظاهرات. فزاد الانقسام بشكل سريع بين مشرف والجيش أثناء الشهرين اللذين فرضت فيهما حالة الطوارئ، وقبل إجراء الانتخابات البرلمانية. وبشكل عام، فقد كان كبار الضباط غير سعداء بقرار مشرف بإجبار الجيش على التدخل لحماية مستقبله السياسي. وبعد مرور عدة أسابيع أستقال مشرف من قيادة الجيش، وهو أول رئيس في النظام العسكري الباكستاني يتنازل عن اللقب العسكري، ويترك الجيش، وهو في منصبه. وقد خلفه على قياده الجيش الجنرال أشفاق برويز كياني General Ashfaq Parvez Kayani. وبالاتفاق والتنسيق مع القيادات العسكرية سعى كياني لإعادة وحدة الجيش، والحفاظ على هيبته، حيث أشار إلى أن الجيش لن يعرض مصالحه للخطر من أجل مشرف، والذي يجب أن يبني مجده السياسي بالاعتماد على نفسه.
وقد أمر كياني عددًا من الضباط العاملين، الذين يتولون مناصب مدنية، أن يعدوا للخدمة العسكرية. ولمنع مشرف من تسييس كبار قواد الجيش، أصدر كياني حظرًا على ضباط الجيش على حضور اجتماعات مع الجنرال مشرف أو الاشتراك في أي نشاط سياسي. وفي الشهر التالي، طالب مئات من كبار الضباط المتقاعدين باستقالة مشرف، وهي إشارة واضحة على أنه قد فقد دعم الجيش(28). ونتيجة لذلك فقد أبلغ كياني الجنرال مشرف بأنه قد حان الوقت لتقديم استقالته بدلًا من تحمل أعباء إقالته. مقابل ذلك سيمنحه الجيش حصانه من الملاحقة القانونية على الجرائم التي تم ارتكابها خلال فترة حكمه. ولم يكن أمام مشرف خيار آخر غير الاستقالة من الرئاسة. وتم تعيين آصف علي زرداري Asif Ali Zardari أرمل بنظير بوتو، وزعيم حزب الشعب رئيسًا للبلاد، ثم عاد الجيش لثكناته، وكان سعيدًا بالوقوف جانبًا، ومشاهدة نظام مشرف ينهار، واثقًا من المحافظة على امتيازاته المؤسسية والدستورية والاقتصادية على الأقلحتى الآن تحت حكم حكومة مدنية.
       ومن خلال هذا العرض الملخص فقد تميز النظام السياسي الباكستاني بالتعطيل المتكرر للنظام الدستوري والسياسي، وضمور في المؤسسات السياسية، وضمور في العملية السياسية ذاتها، وصعود للبيروقراطية، والجيش، وإعادة هندسة مستمرة للنظام السياسي والدستوري، من قبل القادة العسكريين لحماية سلطات وامتيازات المؤسسة العسكرية السياسية والاقتصادية. وعلى الرغم من أن باكستان تعاني من عجز في الديمقراطية تاريخيًا، فهناك محاولات جديدة لإعادة الديمقراطية. وقد لاقت تلك الجهود دعمًا غير محدود في انتخابات مايو 2013، عندما اكملت حكومة مدنية للمرة الأولي في تاريخ البلاد مدتها الكاملة في الحكم، قبل نقل السلطة لحكومة مدنية أخرى. وعلى الرغم من أن الانتخابات قد شابتها أعمال عنف فقد اعتبرت معلمًا رئيسيًا نحو الديمقراطية. ومع ذلك مازالت المؤسسة العسكرية في باكستان تلعب دورًا اقتصاديًا وسياسيًا رئيسيًا أيضا. فإذا كان هذا التوزان بين الديمقراطية المنقوصة وجيش يشارك سياسيًا في الحكم ممكنًا؛ فهل يمكن أن تتبع مصر هذا النموذج؟(29)).

تتشابه الحالة المصرية مع الحالة الباكستانية في كون الجيش قوة مركزية، ويحظى بتأييد شعبي،، ،، لعب الجيش الإندونيسي دورًا محوريًا في الاقتصاد والسياسة الإندونيسيين
1-    نقاط التشابه ببن الجيش الباكستاني والجيش المصري
منذ قيام ثورة 25 يناير 2011 قارن عدد من الباحثين المهتمين بالشرق الأوسط مثل سبنسر آكرمان Spencer Ackerman وميشيل دان Michelle Dunne ومايكل كجلمان Michael Kugelman الجيش المصري بالجيش الباكستاني. والواقع أن عوامل التشابه بين البلدين تفوق عوامل الاختلاف بينهما.(30)
أولًا فكلا الجيشين لديهم تصور ذاتي بأنهم حراس للهوية الوطنية. وكان التهديد الأول للجيش الباكستاني هو التهديد الهندي. ولكن على الرغم من ذلك لم يُحدث التهديد الخارجي الهندي لباكستان إلى تطور في العلاقات المدنية العسكرية، أو أي شيء قريب من السيادة المدنية على القوات المسلحة كما يشير هنتنجتون Samuel Huntington، وكثير من منظري التهديد الخارجي وأثره الإيجابي في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية.(31)
ثانيًا، كلا الجيشين لديه تاريخ ودور سياسي ممتد من الـ praetorianism(32)و ما جعل بعض المحللين يستشهدون بالنموذج الباكستاني كنموذج يمكن أن تستلهمه مصر.
ثالثًا، تتشابه الحالة المصرية مع الحالة الباكستانية في كون الجيش قوة مركزية، ويحظى بتأييد شعبي. وكلا الجيشين يفهم جيدًا بأن ادارة البلاد أو على الأقل الظهور بمظهر من يدير البلاد هو الوسيلة الأسوأ في توطيد السلطة، فكلاهما يفضل الإدارة غير المباشرة للبلاد، وبالتالي يتجنبون الغضب الشعبي حينما تسوء الأمور(33)).
رابعًا، كلا الجيشين لديه حصة كبيرة من الموازنة العامة للدولة. فقد أعلنت الحكومة الجديدة المنتخبة في باكستان بأن النفقات العسكرية سوف تزيد بنسبة 15% في السنة المالية المقبلة. كلا الجيشين يشكل القوة الاقتصادية الأولى في البلاد. فكلا الجيشين لديه إمبراطورية اقتصادية كبيرة. وتضم استثمارات الجيش في كلا البلدين مشروعات اقتصادية، وأصولا مثل أجهزة تليفزيون ذات شاشات مسطحة، والمكرونة، والسيارات، والمرافق وشركات البناء…إلخ. فوفقًا لإحصائيات 2007 فإن رأسمال الاستثمارات الاقتصادية للمؤسسة العسكرية الباكستانية يشكل أكثر من 6% من الناتج المحلي الإجمالي الباكستاني. بينما يمتلك ويدير الجيش المصري الآن مشروعات اقتصادية ضخمة في الصناعات المدنية، والزراعة، والبنية التحتية(34)، تقدر بنحو 25% من قيمة الاقتصاد المصري(35)). والغنى المفرط للمؤسسة العسكرية في كلا البلدين يشكل تناقضًا حادًا مع الفقر المدقع الذي يعاني منه الشعب في كلا البلدين((36)وأخيرًا كلا الجيشين لديه سيطرة مطلقة على السياسات الخارجية والدفاعية.

2-    نقاط الاختلاف ببن الجيش الباكستاني والجيش المصري
من ناحية أخرى فهناك نقاط اختلاف أساسية بين الجيش الباكستاني والجيش المصري. فباكستان لديها حدود غير آمنة بشكل كبير. فمن وقت لآخر يشكل الصراع على الحدود علاقاتها مع كل من أفغانستان والهند(37). ولذلك فالأولوية الأولى والأهم للجيش هي الدفاع عن الوطن من التهديدات الخارجية؛ بينما تتراجع أولوية المحافظة على الاستقرار الداخلي إلى درجة أقل في الأهمية. وعلى النقيض من ذلك، لم تواجه مصر أبدا تهديدًا لوجودها أو سيادتها. وعلى الرغم من بعض التوترات مع جيرانها، مثل السلام البارد مع إسرائيل؛ والعلاقات المتذبذبة مع ليبيا، فمع الوقت فعلاقتها تتحسن -وأن كان بشكل شكلي- مع كلا البلدين. لكن تلك التوترات مع كلا البلدين لم تتطور لتشكل مخاوف بالتهديد الخارجي أو التهديد الوجودي كالحالة الباكستانية. والأهم أن التوتر على الحدود المصرية؛ مسألة مؤقتة ترتبط كثيرًا بخروج الإخوان من الحكم؛ وانتهاجهم نهجًا عنيفًا وإرهابيًا في التعامل مع الدولة. كما تستفيد مصر أكثر من التجانس الثقافي والعرقي وحدود أكثر أمنًا مقارنة بباكستان. ومع تصور أقل عبئا للتهديد الخارجي فالدور السياسي للجيش المصري مختلف عن الجيش الباكستاني (38).ثانيًا، باكستان أمة مجزأة، مع انشقاقات سياسية مكثفة على مستوي الأقاليم الإدارية وعلى المستوى العرقي، وعلي المستوي الطائفي والقبائلي، وعلي المستوي الاقتصادي الاجتماعي(38). وقد سمح هذا التفتت لجنرالات الجيش بمنح الأحزاب المحلية في عدد من الأقاليم الباكستانية عددا من الامتيازات. وفي المقابل، مصر ليست منقسمة على أسس إقليمية مثل باكستان، وهذا يعني إمكانية وجود أحزاب تعبر عن إقليم بعينه في البلاد احتمال ضعيف جدًا(39).
ثالثًا، على الرغم من أن الإسلام قد لعب دورًا مهمًا في كلا البلدين، فعلاقة كلا الجيشين مع قوى الإسلام السياسي مختلفة بشكل تام. بالنسبة لباكستان فقد لعب الإسلام دورًا مركزيًا في الجيش والحكومة والأمة الباكستانية أيضا. فقد أعتمد الجيش الباكستاني على الإسلام لفترة طويلة داخل المؤسسة العسكرية ذاتها. فقد شكل الإيمان بالمعنى المجرد مصدر قوة موحدة للأمة الباكستانية لتحل محل الانقسام الطائفي والعرقي والمناطقي، والتي تشققت بسبب نظام الحكم الباكستاني(40). فعلي سبيل المثال، فخلال فترة حكم الجنرال يحيى خان اتخذ الجيش دورًا دفاعيًا جديدًا؛ ليس فقط الدفاع عن هدف السيادة الإقليمية الباكستانية؛ ولكن أيضا الدفاع عن “الحدود الأيديولوجية” لباكستان: الإسلام، مقابل الدولة الهندوسية: الهند. فعلى حد تعبير يحيى خان “الدفاع عن باكستان هو الدفاع عن الإسلام(41). وقد وظف الجيش الإسلام لتعزيز إرادته في القتال عن طريق الحط من شأن العدو. فخلال الحرب الأهلية 1971 ، حث يحيى خان جنوده بالقول بأن الجيش البنجالي جيش كافر، ولذلك فقد قرر الجيش الباكستاني شن الجهاد الشرعي عليه(42). وقد وصل الإسلام إلى درجة الصدارة أثناء فترة حكم ضياء الحق في السبعينيات. فقد تمت إضافة بعض المقررات الشرعية في المناهج الدراسية لكلية القيادة والأركان Command and Staff College ، كما سُمح للجماعات الإسلامية بتوزيع بعض الكتب الدينية على الضباط، وخيّر الضباط العلمانيون بين الالتزام بالإسلام أو التقاعد(43).علاوة على ذلك، فمنذ عقود طويلة، نسجت عناصر المؤسسة الأمنية الباكستانية -خاصة وكالة الاستخبارات- علاقات جيدة مع المنظمات الإسلامية المتشددة، مثل جماعة طالبان (44) الأفغانية، وحزب التحرير، ومنظمة القاعدة(45). ونتيجة لذلك فالجيش الباكستاني جيش محافظ وديني التوجه.  
 على النقيض من ذلك، لا يزال الجيش المصري مؤسسة ذات ميول علمانية ومناهضة للإسلام السياسي فكريًا وحركيًا. فمنذ سبعينيات القرن الماضي طبقت القوات المسلحة المصرية برنامج تطهير ممتدًا لمنع تسرب العناصر المتطرفة والجماعات الراديكالية الإسلامية داخل صفوف القوات المسلحة المصرية. كما رفضت قبول المنتمين للجماعات الإسلامية في الأكاديمية الحربية. فبينما يرتبط الجيش الباكستاني بالعناصر الراديكالية، فلدى الجيش المصري مخاوف متجذرة وشكوك من العناصر الراديكالية والجماعات الإسلامية. لكن هذا لا يعني أن تلك الجماعات لم تتمكن من اختراق القوات المسلحة والتسرب داخل صفوفها.
رابعًا، كلا البلدين يختلفان نوعًا ما من حيث دور وسائل الإعلام الخاصة المستقلة، والأحزاب السياسية، والقضاء المستقل، في تعميق الحكم الديمقراطي، والقيم المرتبطة بها. فباكستان، على سبيل المثال، على الرغم من ديمقراطيتها المنقوصة؛ قد وصلت في الممارسة الديمقراطية إلى نقطة لم يعد من السهل تبرير الانقلابات العسكرية. فبالإضافة للانتقال التاريخي من حكومة منتخبة ديمقراطيًا إلى حكومة أخري، مما يدل على تداول سلس للسلطة، فقد أصدرت باكستان عدد من التعديلات الدستورية التي حدت من سلطات الرئاسة، ونقلت موارد مالية وافرة ومسئوليات (التي كانت تستفيد منها المؤسسة العسكرية ماليًا) من الحكومة المركزية إلى الأقاليم والسلطات المحلية. تلك الروح اللامركزية تبشر بالخير بالنسبة للديمقراطية الباكستانية. فتنامي قوة الديمقراطية الباكستانية يمكن أن يكون مرتبطًا بالدور التي تقوم به وسائل الإعلام الخاصة المستقلة، وكذلك الدور الذي يقوم به القضاء وشعبيته وتصميمه على المثل الديمقراطية(46). وقد يكون الخلاف بين مشرف والسلطة القضائية أبرز مثال على تلك الروح. في المقابل، مصر لا تزال في مخاض مبكر من الديمقراطية. فعلى النقيض من باكستان، حيث وسائل الإعلام الخاصة المستقلة والقوية والسلطة قضائية النشطة فيما يتعلق بالمثل الديمقراطية قوية ونشطة وذات تأثير، ففي مصر هناك قليل من النقد للروح التداخلية للجيش. فالجيش ينظر للقيادة المدنية بتوجس وعين الريبة، وليس مقتنعًاحتى الآن بكفاءة المؤسسات المدنية(47) وبشكل عام، فمصر الآن تشبه باكستان في التسعينيات، عندما أستخدم الجيش ما عُرف بالوسائل القانونية والدستورية للسيطرة على النظام، وحزب الشعب الباكستاني. ففي عام 1990 و 1993 و 1996 استخدم الجنرالات الباكستانيون السلطة القضائية، ومؤسسة الرئاسة، وأحزاب المعارضة للإطاحة بالحكومات الموجودة بالحكم، وحل البرلمان، ومنع حكومة مدنية من الوصول للسلطة وبناء قواعد قوية(48).ولذلك فالنموذج الباكستاني من الصعب على مصر أن تستلهمه، ليس فقط بسبب الاختلافات العميقة بين الحالتين، ولكن ببساطة لأن باكستان ليست دولة ديمقراطية، ولم تصل العلاقات المدنية العسكرية فيها إلى الدرجة التي تدعو أي دولة إلى محاكاة نموذجها. فعلى الرغم من وجود بعض التشابه بين الحالتين فإن الاختلافات عميقة؛ ولا يمكن تجاوزها. خذ مثالًا واحدًا فقط، الدور المركزي للإسلام في القوات المسلحة الباكستانية الذي يمكن أن يشكل العمود الفقري لعقيدة القوات المسلحة الباكستانية، وتحالف الجيش مع تيار الإسلام السياسي الباكستاني إلى حد ما، وعلى النقيض الدور غير مركزي للجماعات الإسلامية بالنسبة لقوات المسلحة المصرية. فبينما تُعد الجماعات الإسلامية الراديكالية حليف صغير للقوات المسلحة الباكستانية، هي خصم ومصدر خطر، عن حق، للقوات المسلحة المصرية. وأخيرًا فالنموذج الباكستاني قد يكون أنسب لمصر أن تستلهمه إذا كانت مصر لا تزال تحت حكم الإخوان ونجحوا في جزء من مشروعهم في أخونة القوات المسلحة المصرية. هنا فقط كان من السهل محاكاة ذلك النموذج.  
ومع ذلك فبصرف النظر عن كل تلك الاختلافات العميقة بين الدولتين، فيمكن لمصر أن تتعلم بعض الدروس من النموذج الباكستاني، بدلًا من العمل على محاكاته. الدرس الأول، هو أن التوازن بين الديمقراطية المبتسرة وجيش يشارك عمليًا في صنع السياسة لا ينتج إصلاحًا للعلاقات المدنية-العسكرية، ولكنها تنتج الإصلاح العسكري المنقوص.
الدرس الثاني، هو أن الصراع على السلطة بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسات المدنية الأخرى في الدولة مثل القضاء، والجيش، لا ينتج إصلاحًا في العلاقات المدنية ـ العسكرية؛ بل قد تساعد في الإطاحة برئيس غير ديمقراطي، ولكنها لن تجلب نظامًا ديمقراطيًا في المقابل. إقالة مشرف هي أبرز نموذج على ذلك. الدرس الثالث، النزاعات البينية بين الأحزاب المدنية والانقسام بين الأحزاب السياسية يضعف أي مطالبة من أجل إصلاح العلاقات المدنية العسكرية. رابعًا، النظم السلطوية والاستبدادية والأمنية راسخة الجذور، والتي لديها جماعات إسلامية ذات نفوذ قوي أو جماعات راديكالية إسلامية متطرفة، سيكون من الصعب تحقيق إصلاح العلاقات المدنية العسكرية دون الاتفاق على قواعد اللعبة السياسية التي ينبغي أن تتضمن تعريفًا واضحًا لدور الإسلام في السياسة التي يجب أن يكون خارج اللعبة السياسية.
خامسا، في الأنظمة التي يلعب فيها الجيش دورًا سياسيًا واقتصاديًا مثل مصر وباكستان، يجب على الفاعلين السياسيين الأساسيين إيجاد وسائل للتفاوض وعقد اتفاقيات مع المؤسسة العسكرية من أجل الشروع في إصلاح العلاقات المدنية-العسكرية. وينبغي لهذه الاتفاقات أن تحافظ على امتيازات وصلاحيات المؤسسة العسكرية، وتضمن لها استقلالًا، والذي ينبغي أن يوضع في الدستور لفترة مؤقتة. ومن المهم الإشارة إلى أن عقد تلك الاتفاقات لا ينبغي أن يكون إشارة لدفع الجيش للعودة إلى الثكنات بشكل فوري. فعودة الجيش للثكنات يجب أن تكون تدريجية، وأيضا تقليص صلاحيات الجيش وامتيازاته يجب أن يكون تدريجيًا؛ ومتفقًا عليه وفق آليات وجدول زمني متفق عليه بين كل الأطراف المعنية، فالإطار التدريجي في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية هي الطريقة السلمية في النظم التي تحظى فيها القوات المسلحة بنفوذ سياسي واقتصادي.

لعب كبار ضباط الجيش دورًا رئيسيًا في المفاوضات التي أدت إلى استقالة سوهارتو، وفي المقابل تلقوا بعض التنازلات التي حافظت على بعض الامتيازات المؤسسية للجيش
ثانيا: لنموذج الإندونيسي
العلاقات المدنية-العسكرية في إندونيسيا هي إصلاح قادة الجيش الإندونيسي بنفسه؛ ثم استكمل النظام ذلك الإصلاح. وبشكل عام فقد لعب الجيش ((TentaraNasional Indonesia or TNI)) دورًا محوريًا في الاقتصاد والسياسة الإندونيسيين. فقد لعب أفراد القوات المسلحة تقليديًا أدوارًا مهمة في الحياة السياسية. فأثناء حكم سوهارتو الذي عُرف بـ “البرنامج الجديد” “New Deal”  والذي دام اثنين وثلاثين عامًا، فقد عُين عدد من ضباط القوات المسلحة في المناصب الوزارية والدبلوماسية والبرلمانية. وقد تم تعيين آخرين كمحافظين أو كرؤساء بلديات (49). والأهم من ذلك، فبفضل هيكل القيادة الإقليمية للجيش على مستوى الدولة، التي تأتي بشكل متوازٍ مع التقسيم الإداري المدني للبلاد من الإقليم الرئيسية وحتى مستوى القرية، فقد منح الجيش السلطة في التدخل مباشرة في جميع أنواع القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية(50). بالإضافة إلى توفير مصدر مالي إضافي يعوّض به الجيش العجز الدائم في ميزانيته المتضائلة دائما. ولكن تورط الجيش في الفساد وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان جعله يفقد شعبيته على نحو متزايد في السنوات الأخيرة من فترة حكم سوهارتو(51) ومع ذلك فوفقًا لهنتنجتون Samuel Huntington فإن الدور المتزايد لأفراد القوات المسلحة في المجالات غير العسكرية تقوض مهنيتهم كضباط عسكريين. وقد كانت هذه هي الحال بالضبط في إندونيسيا(52) ولذلك فقد بادر الجيش الإندونيسي بإصدار برنامج لإصلاح القوات المسلحة. ووفقًا لاندي ويدجاجانتو Andi Widjajanto فقدجاء إصلاح القوات المسلحة بمبادرة ذاتية من الجيش. فقد جاءت من رغبة الجيش في التكييف مع التغيير الحادث في المجتمع آنذاك. ولذلك فقد أعدت القوات المسلحة إستراتيجية إصلاح أطلق عليها “النموذج” الجديد” “New Paradigm” تم إطلاقها في عام 1995. وفي البداية لم تُدعم تلك الإستراتيجية من خلال لوائح حكومية، فقد جاءت اللائحة الأولى المتعلقة بتلك الإستراتيجية بعد مرور سنتين من بدء عملية إصلاح الجيش الإندونيسي. وكانت القوانين اللاحقة أبطأ في الظهور. ومع ذلك ظلت قضية السيطرة المدنية على الجيش الإندونيسي تمثل مشكلة، لأن القادة المدنيين يفتقرون القدرة على دفع عملية الإصلاح(53). ومع ذلك، فنتيجة للصراع بين سوهارتو وقوي المعارضة فقد أجبر الجيش سوهارتو على الاستقالة وتسليم السلطة لنائبهحبيبيBacharuddin Jusuf Habibie.((54). وتحت ضغوط متزايدة بعد سقوط سوهارتو أعلنت المؤسسة العسكرية أن الجيش سينسحب من الحياة السياسية ويعود لثكناته، وبذلك فقد حقق الجيش هدفًا مزدوجًا(55).
  وبشكل عامتعتبر استقالة الرئيس سوهارتو في مايو 1998 تحولًا حاسمًا في التحول الديمقراطي في البلاد من البرنامج الجديد لعصر الإصلاح، وتعتبر أيضا البداية الحقيقية لإصلاح العلاقات المدنية العسكرية الاندونيسية. وكان الهدف من هذا الإصلاح إحداث تحول وطني يشمل جميع عناصر الدولة والمجتمع، بما في ذلك القوات المسلحة. وتمشيًا مع هذا التحول بدأت القوات المسلحة عملية إصلاح داخلي. وكانت تلك العملية مستديمة، وعكست تصميم والتزام الجيش على التحول إلى قوة عسكرية احترافية في إندونيسيا الديمقراطية(56). ولكن طريقة الانتقال السياسي من سوهارتو إلى حبيبي حالت دون إصلاحات جذرية في العلاقات المدنية العسكرية في وقت مبكر من فترة ما بعد سوهارتو. حيث لعب كبار ضباط الجيش دورًا رئيسيًا في المفاوضات التي أدت إلى استقالة سوهارتو، وفي المقابل تلقوا بعض التنازلات التي حافظت على بعض الامتيازات المؤسسية للجيش((57). ومع ذلك فأثناء فترة رئاسة حبيبي (1998-1999)، اُتخذت خطوات مهمة في بداية المرحلة الانتقالية، وذلك لمنع تسيس القوات المسلحة. فبين شهري يوليو ونوفمبر 1998 تم تنفيذ العديد من الإصلاحات التي ساعدت على إقصاء الجيش عن السياسية. والأهم من ذلك تم إبعاد ضباط الجيش العاملين من الحكومة، وتم تقليص التمثيل التشريعي للقوات المسلحة تدريجيًا ( من 75% إلى 38% في البرلمان الوطني وإلى 10% في المجالس التشريعية المحلية)،(58). ومع ذلك فوفقًا لتسوية عقدت بين الرئيس حبيبي والجيش أعطى الجيش بموجبها السلطة على تحديد مجالات الإصلاح في القوات المسلحة. ونتيجة لذلك تم استبعاد المجالات التي وجدها الجيش أكثر أهمية لمصالحه. فهيكل القيادة الإقليمية، على وجه الخصوص، لم يُمس، وسمح للقوات المسلحة لتبقي مستقلة إلى حد كبير عن تمويل الحكومة المركزية، ومراقبة المؤسسات المدنية. وعلاوة على ذلك قدم نظام اللامركزية فرصًا متزايدة للقوات المسلحة للوصول إلى ميزانيات الحكومات المحلية على مستوى المديريات. وفي نفس الوقت، فبسبب تزايد التوترات بين النخب المدنية، استثمرت القوات المسلحة ذلك في الحصول على دعمهم السياسي، وبالتالي تمكنت من كسب النفوذ غير الرسمي في اللعبة السياسية(59).ومنذ عام 1999 فصاعدا أصبح الصراع بين القوي السياسية المدنية الرئيسية، سمة بارزة، وليس التوافقات والتنازلات السياسية التي ميزت عام 1998، ولذلك أصبحت تلك الخلافات هي العامل الرئيسي في تشكيل نطاق ونوعية الإصلاح في القوات المسلحة. وتلك الظاهرة هي ما تؤكد عبارة  فاينر Finer بأن نوعية السياسة المدنية لها تأثير مباشر على تصرف القوات المسلحة في التدخل في الشئون السياسية((60). فوفقًا لفاينر، في الدول التي لديها أحزاب ومؤسسات مدنية قوية لديها فهم مشترك حول ضرورة خضوع الجيش لسلطة مدنية، تجد الجيوش من الصعوبة التدخل في العملية السياسية. بينما في الدول ذات المؤسسات الضعيفة والدرجة العالية من الصراع بين نخبتها المدنية، تجد القوات المسلحة فرصًا أكبر للتدخل في العملية السياسية. ففي إندونيسيا أثناء المنافسات السياسية في انتخابات 1999 استخدمت القوات المسلحة عدم توحد واتفاق وتفتت النخب المدنية لصالحها((61)، ولذلك فقد أحجمت الأحزاب السياسية في حملاتها الانتخابية عن تقديم برنامج للإصلاح العسكري؛ خشية من خسارة دعم الجنرالات، وهو الأمر الحاسم في الانتخابات الرئاسية. والواقع أن صراع القوى المدنية في عام 1999 كانت مقدمة لصراعات خطيرة وواسعة النطاق بين الجماعات المدنية الأكثر نفوذًا في إندونيسيا في السنوات القادمة”((62)
        ومع ذلك فقد حققت العلاقات المدنية-العسكرية في إندونيسيا تقدمًا مهما للغاية في عهد الرئيس عبد الرحمن وحيد (1999-2001). فعندما تولى السلطة، بدا الرئيس وحيد عازمًا على الشروع في عملية إصلاح جذرية للمؤسسة العسكرية، وفرض السيادة المدنية على المجال السياسي. وقد كان هناك اعتقاد أن النخبة المدنية كانت قوية بما فيه الكفاية للدفع بعملية إصلاحات واسعة النطاق. وقد تجلى ذلك من خلال بدء المناقشات بشأن مستقبل هيكل القيادي الإقليمي(63)). وقد كان أبرز مثال على ذلك إنشاء أول جهاز تنفيذي منتخب منذ عام 1955، واستبعاد قطاعات واسعة من نخبة النظام السابق من الحكومة. بالإضافة إلى أن مشاركة معظم الأحزاب السياسية في مجلس الوزراء قد أسهم في تشكيل وحدة سياسية بين النخب المدنية من أجل هدف ديمقراطي التي يراها كل من Larry Diamond و PlattnerMarc كشرط أساسي للإصلاح العسكري الناجح في التحولات الديمقراطية(64) بالإضافة إلى ذلك، فعندما تولى الرئيس الجديد مهام منصبه كان لديه فهم عميق بالمدى الذي وصلت إليه تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة الإندونيسية. لذلك فقد بدأ في تفكيك الشبكة التي تستند إليها تلك المؤسسة العسكرية. وبدأ من محيطه الشخصي، حيث سعى لتهميش وجود القوات المسلحة في البيروقراطية الرئاسية((65)وبالمثل، اتخذ وحيد سلسلة من التدابير الرامية إلى بسط السيطرة المدنية على الجيش، وكبح جماح المؤسسة العسكرية. فقد عين الأدميرال ويدودو Admiral Widodo، وهو ضابط في البحرية كقائد للجيش الإندونيسي. وقام بتعويض ضباط الجيش الرئيسين مثل يرانتو Wiranto ويودويونو Yudhoyono وجوميلار Gumelar بمناصب وزارية بعد أن أزاحهم وحيد من المناصب القيادية في الجيش، وأنهى بذلك وبأناقة مهنتهم العسكرية. كما عين أيضا أكاديمي مدني يحوز احتراما على نطاق واسع كوزير للدفاع (وهو أول وزير دفاع مدني منذ أوائل الخمسينيات). كما حل وكالة الأمن الحربي ذات السمعة السيئة لأنشطتها في المراقبة السياسية، والغي المكاتب السياسية والاجتماعية في وزارة الداخلية، المعقل التقليدي للجيش(66). كما فصل قوات الشرطة عن القوات المسلحة الإندونيسية في عام 1999. ولذلك فقد تغيرت مهام القوات المسلحة الإندونيسية، ولم تعد مسئولة عن المهام غير الدفاعية ((67).Non‐defence tasks. كما أزاح وحيد أيضا العديد من جنرالات الجيش، الذين وصلوا إلى مرتبة الصدارة تحت حكم سوهارتو، مثل الجنرال يرانتو Wiranto. وبسبب إدراك وحيد أن الجنرال يرانتوWiranto هو العقبة الرئيسية لمزيد من الإصلاح العسكري، فقد أجبره كذلك على الاستقالة من مجلس الوزراء في فبراير 2000، ثم انتقل إلى تدمير شبكة المحسوبية التي شكلها ويرانتو في جميع رتب التسلسل الهرمي للقوات المسلحة(68). ومن المفارقات، هو اندلاع صراع بسرعة بين الرئاسة والسلطة التشريعية. فقد بدأ وحيد يفقد الدعم من أعضاء ائتلافه، حتى إنه حاول الحصول على دعم سياسي من القوات المسلحة. ولكسب قلوب أفراد الجيش، قدم وحيد بعض التنازلات للقوات المسلحة، التي أدت إلى توقف شبه كامل للإصلاح العسكري. ومع ذلك أستمر الإصلاح على المستوى المؤسسي. ففي عام 2000، تم تعريف دور ورسالة الجيش، حيث ركز فقط وبشكل حصري على مهام الدفاع((69).
            وقد استفزت إصلاحات وحيد جنرالات القوات المسلحة. ومع ذلك، رأت قيادة القوات المسلحة نفسها ملزمة مؤسسيًا للامتثال لتعليماته. ومع ذلك، فبعد أن اتضح تداعيات عزل الرئيس من النخبة السياسية، وجدت النخبة العسكرية الفرصة سانحة لشن هجمات فاعلة على سياساته الإصلاحية(70) ففي ذلك الوقت أصبح وحيد معزولًا من النخبة السياسية، وعاجزًا عن كبح جماح القوات المسلحة. وكرد فعل، لجأ وحيد إلى مزيد من التهديدات غير العقلانية وغير الرشيدة ضد خصومه. فعندما قرر البرلمان عقد جلسة لإصدار قرارٍ بعزله، هدد الرئيس بحل البرلمان وفرض حالة الطوارئ، واستدعى قوات الأمن لتنفيذ أوامره(71). ومع ذلك، أشار رئيس أركان الجيش الجنرال أندريارتونو سوتارتو إلى أن الجيش لن ينفذ هذه التعليمات. وقد وضح قادة القوات المسلحة أن معارضتهم لقوانين الطوارئ أثبتت اتساقهم الوطني في تنفيذ “النموذج الجديد”، وحيادهم وعدم تدخلهم في السياسة العملية والحزبية، ورفضهم أن يُستخدموا كأداة في مواجهة المعارضة ضد سياسات الرئيس وحيد، أو فهم موقف الجيش على أنه جزء من معارضته وتحديه لسياسة وحيد فيما يتعلق بالسيادة المدنية على القوات المسلحة. وبدأ رفقاء وحيد في حيرة، حيث بدأ الإندونيسيون يرون وحيد بأنه لم يعد مصلحًا لكن كـ “ديكتاتور”((72).وفي مايو أصدر البرلمان الوطني (Dewan Perwakilan Rakyat) مذكرة أخرى ضد وحيد، وقرر عقد جلسة استثنائية لمناقشة عزل وحيد إذا لم يستجب استجابة مرضية للبرلمان. فصعد الرئيس من إجراءاته، ولم يستجب للبرلمان، وفي مواجهة التيار العسكري غير المتعاطف، توجه وحيد للشرطة للحصول على الدعم. وفي يونيو حاول وحيد تعيين تشرودين إسماعيل Chaeruddin Ismailقائدًا لجهاز للشرطة، ليحل محل الجنرال بيمانتورو General Bimantoro، الذي كان معروفًا بقربه من ميجاواتي سوكارنوبوتريMegawati Sukarnoputri(73). وكان تعيين وحيد للجنرال إسماعيل  يتناقض مع الدستور؛ فوفقًا لمرسوم صادر من البرلمان في عام 2000 يجب على الرئيس الحصول على موافقة البرلمان قبل تعيين أو إقالة قائد القوات المسلحة أو قائد الشرطة، لذا اختار وحيد تعليق عمل بيمانتورو، وتعيين إسماعيل كنائب لقائد الشرطة مع صلاحيات تنفيذية كاملة. ورفض بيمانتورو ترك منصبة، وقد أدى الخلاف الدستوري بين مؤسسة الرئاسة والبرلمان إلى تفاقم التوتر السياسي أكثر فأكثر. وعندما هدد وحيد بجلب الآلاف من أنصاره المتعصبين من معقله في جاوة الشرقية في جاكرتا للدفاع عنه، خسر الرئيس آخر حلفائه: ميجاواتي سوكارنوبوتري(74). وقد أعطى وحيد للشرطة والقوات المسلحة حجج قوية لتحدي تعليماته، وتجاهل سلطاته. وفي 23 يوليو صوّت الأعضاء المنتمون للشرطة والقوات والمسلحة في البرلمان مع الأحزاب الأخرى على عزل وحيد من السلطة وتعيين ميجاواتي خلفا له((75).والواقع أن تصرفات وحيد تتشابه إلى حد كبير مع تصرفات محمد مرسي والإخوان في التعامل مع المعارضة والجيش والشرطة؛ خاصة عندما استدعى مرسي ميلشيات الإخوان المسلحة للاعتداء على المتظاهرين والمعارضة أمام قصر الاتحادية؛ وعندما أطلق العنان لتلك المليشيات بالقيام بأعمال عنف وإرهاب منظم بعد عزله عن الحكم في 3 يوليو 2013.
ولكن، فبكل تأكيد فقد أعادت أحداث 2001 في إندونيسيا القوات المسلحة إلى دورها المركزي الذي كانت تلعبه في ظل نظام سوهارتو. فقد كان الجيش الحكم والوسيط الحاسم في الخلاف بين سوهارتو والحركة المؤيدة للديمقراطية في عام 1998، وبين الرئيس وحيد والأغلبية البرلمانية التي أقالته في عام 2001 ((76). ومع ذلك، كانت الصراعات بين المدنيين وتفتتت وعدم اتحاد النخبة المدنية والذي بلغ ذروته في عام 2001 السبب الرئيسي لركود الإصلاح العسكري. لهذا السبب، ففي أعقاب رئاسة وحيد الفاشلة، تبنت النخبة الإندونيسية على نحو متزايد موقفًا محافظًا وحسمت أولوياتها في الأمن القومي والسيادة الإقليمية، والتراجع عن المزيد من الإصلاح العسكري((77).ولهذا السبب فبين عامي 2001 و 2004 وسعت الرئيسة مجاواتي التي كانت تخشي من فقدان دعم الجيش لها، إذا ما تخلت عنها النخبة السياسية ـ من التنازلات للجيش التي كان من بينها استقلال مؤسسي أكبر للقوات المسلحة الإندونيسية، ونفوذ متزايد في القضايا الأمنية. لكن كانت هناك ثلاثة تطورات أثرت بالسالب على العلاقات المدنية العسكرية: فقدان تيمور الشرقية في عام 1999، واندلاع العنف الطائفي بين عامي 1999 و 2001، وتوسع الحركات الانفصالية في إقليم أتشيه Aceh وبابوا Papua (التي كانت قد بدأت خلال حكم وحيد). وبالتالي أدى عدم الاستقرار السياسي وانعدام الأمن في إعادة تحديد الأولويات، والتي تمثلت في وحدة أراضي البلاد. وهنا بدأ يُنظر للجيش باعتباره أمرًا لا غنى عنه في الحفاظ على القانون والنظام((78). بالإضافة إلى ذلك، فقد تزامنت التنازلات الإستراتيجية التي قدمتها ميجاواتي للقوات المسلحة مع تحولات كبيرة في الميول الأيديولوجية والسياسية لقطاعات واسعة من النخبة المدنية منذ النصف الثاني من عام 2001 فصاعدا((79). حيث سلمت تلك النخبة بمطالب الجيش في ممارسة دور نشط في الأمن الداخلي، وإعادة القوات المسلحة إلى مركز صنع القرار في المناطق المتضررة التي تقع تحت سيطرة الحركات الانفصالية؛ وفي المواجهات الطائفية((80).ولكن رغبة ميجاواتي في إبعاد نفسها عن كل التطورات التي أدت إلى سقوط سوهارتو، ورفضها كل الدعوات للانضمام إلى المعارضة النشطة، وسع الفجوة بين النخبة السياسية الرئيسية الإندونيسية. وقد منعت الفجوة الكبيرة بين النخبة السياسية الحاكمة حول العلاقات المدنية العسكرية من تكوين اتحاد/اتفاق بين النخب السياسية المدنية لهدف ديمقراطي، التي تعتبر شرطا أساسيا لإنهاء تدخل الجيش في السياسة، وتأسيس علاقات مدنية عسكرية ناجحة(81). ومع ذلك، فخلال هذه الفترة، زادت شعبية القوات المسلحة داخل النخبة المدنية وبين الرأي العام. وقد أنعكس ذلك في فوز الجنرال سوسيلو بامبانج يودويونو general Susilo Bambang Yudhoyono في أول انتخابات رئاسية مباشرة عام 2004 (82).
ولكن في ظل رئاسة يودهوينو Yudhoyono (2004-2014) تلاشى الزخم المتعلق بتحقيق إصلاح للعلاقات المدنية العسكرية بشكل ملموس. فقد تجنبت الحكومة حتى عن اتخاذ أي إجراءات بسيطة ورمزية. والأغرب أن قائد القوات المسلحة استمر في عضويته في مجلس الوزراء، وهو ما دمر دور وزير الدفاع المدني، وأحدث ارتباكًا في تسلسل السلطة. فقد تجنب يودهوينو اتخاذ أي إجراءات مؤسسية، مثل الضغط لإجراء تغييرات في هيكل القيادة الإقليمية أو إصدار قانون القضاء العسكري. ومع ذلك فقد أدى إصلاح النظام الانتخابي في عام 2004 إلى حرمان ضباط القوات المسلحة من عضوية البرلمان(83) وبشكل عام لم يكن مأسسة مزيد من الإصلاح العسكري محتمل في ظل رئاسة يودهوينو. فعلى وجه الخصوص، لم يتحقق خضوع حازم للقوات المسلحة لوزارة الدفاع، كما لم يتحقق إصلاح فعلي لنظام تمويل القوات المسلحة (لا سيما من خلال تحسين الرقابة على مؤسساتها الاقتصادية)(84) وبالمثل، فهناك العديد من سمات تدخل الجيش في السياسة والمجتمع لا تزال تعرقل اتخاذ تدابير إصلاحية أكثر جوهرية. ويعتبر استمرار هيكل القيادة الإقليمية واحدا من أهم تلك السمات. وقد سمح هذا النظام من التمويل الذاتي للمؤسسة العسكرية إلى الاستمرار في العمل. وفي الواقع، فإن عدم كفاية الميزانية قد أجبرت القوات المسلحة على البحث عن مصادر تمويل أخرى، والحصول على مصالح اقتصادية للجيش. فعلى سبيل المثال، على مدى السنوات الـ 15 الماضية، ظلت ميزانية الدفاع أقل من 1% من الناتج المحلي الإجمالي (GDP). وبالمقارنة، فإن ميزانيات الدفاع في سنغافورة وماليزيا (جيران إندونيسيا) هي على التوالي 5% و 3% من ناتجها المحلي الإجمالي على التوالي(85) ولذلك فقد استمرت القوات المسلحة في تعويض قدر كبير من عجز موازنة الجيش الدفاعية على نحو فاعل، من خلال شبكة هيكل القيادة الإقليمية، والتي مكنتهم من الحفاظ على استقلالية مالية كبيرة عن الدولة(86). وإلى حد ما، فالأنشطة الاقتصادية للجيش كان لها تأثير إيجابي على الجنود في زيادة رواتبهم الهزيلة، أو في توفير خدمات السكن والتعليم والصحة لأفراد وضباط القوات المسلحة. ولكن تلك الأنشطة قد قوضت أيضا المهنية العسكرية. وهي من الشروط الأساسية لإصلاح العلاقات المدنية العسكرية. ولذلك فقد كان المرسوم الرئاسي رقم 43 لسنة 2009، الذي استهدف النزع التدريجي لملكية المؤسسة الاقتصادية للجيش واحدة من الخطوات الإيجابية. ولكن لكي نكون منصفين، فمن دون توفير المصادر المالية الكافية، وزيادة ميزانية القوات المسلحة، فيمكن أن يدمر هذا القرار فاعلية القوات المسلحة((87). ولذلك فقد استمرت المؤسسة العسكرية في تعويض قدر كبير من نفقاتها الفعلية من خلال الشبكات المحلية territorial network وهو ما مكنها من تحقيق استقلال كبير عن الدولة(88).
منذ عام 1998 شهدت إندونيسيا انتقالا ديمقراطيا ناجحا بشكل ملحوظ، وإن كانت لم تصل بعد لمرحلة الديمقراطية المستقرة، فهناك انتقادات متعددة للتجربة
          وبكل تأكيد، فغياب تقدم كبير وملموس في العلاقات المدنية العسكرية في إندونيسيا لا يمكن أن يكون فقط بسبب المؤسسة الرئاسية أو المؤسسة العسكرية وحدهما. فالبرلمان واللجنة رقم 1، وهي الهيئة الوحيدة في المسائل العسكرية، لم تكن تمتلك المهنية الكافية للإشراف على القضايا الأمنية والدفاعية والعسكرية، وذلك بسبب الخبرة المحدودة للمشرعين، وعدم وجود أعضاء ذوي خبرة  في القضايا الأمنية والدفاعية والعسكرية والخصومات والخلافات السياسية بين النخب المدنية، وعدم كفاية المعلومات التي تقدمها وزارة الدفاع الإندونيسية في القضايا الدفاعية والعسكرية. وكذلك فعدم وجود سياسات أو توجيهات من الأحزاب السياسية الرئيسية حد من النقاش حول القضايا العسكرية أو ثقة المشرعين على اتخاذ موقف بشأن قضية متعلقة بالإصلاحات العسكرية(89). ويرجع سبب ذلك التردد إلى مجموعة من العوامل، أهمها، على سبيل المثال، انتشار وجهة نظر غير صحيحة بين النخب السياسية بأنه قد اُتخذ ما يكفي من الإجراءات لجعل الجيش تحت سلطة مدنية، وأن مزيدًا من الإصلاح قد تكون له نتائج عكسية. فطبقًا لدروسمان Darusman فقد كان هناك تراجع في اتخاذ إجراءات لإصلاح العلاقات المدنية العسكرية على اعتبار أن ما تم اتخاذه كافٍ ولا داعي لوضع القوات المسلحة على الحافة، وبالتالي تعطيلها تمامًا كقوة عسكرية(90). والنتيجة النهائية هي أن الأجهزة الأمنية والجيش والشرطة وأجهزة المخابرات، ما زال يُنظر إليه على أنها مازالت تحتفظ بالكثير من الحكم الذاتي والاستقلالية. وبالتالي فالتقدم في تعزيز الديمقراطية والسيطرة المدنية على أجهزة الأمن لا يزال هشًا وبعيدًا عن المنال(91)..
ومنذ عام 2014، قلت الرغبة في الدفع بمزيد من الإصلاح في العلاقات المدنية العسكرية حتى ولو باسم الديمقراطية. فالموقف الحالي للحكومة هو لصالح العمل ضد التهديدات الأمنية، وليس الدفع بمزيد من السيطرة المدنية على القوات المسلحة، وهو ما عُبر عنه من خلال دعم الترتيبات الأمنية الجديدة في الاستخبارات، وقوانين الأمن الوطني. وقد أدى هذا إلى القلق بين جماعات المجتمع المدني حول التراجع المحتمل للديمقراطية(92) بالإضافة إلى أن فالرئيس الحالي جوكو ويدودو Joko Widodo(أكتوبر 2014) حاكم جاكرتا السابق، وهو أول رئيس وصل للحكم من خارج النخبة العسكرية أو السياسية، ليس لديه برنامج واضح في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية. ولذلك، فإنه من المبكر جدًا قياس نهج إصلاح العلاقات المدنية العسكرية لهذا الرئيس الجديد.
        وبشكل عام، فمنذ عام 1998 شهدت إندونيسيا انتقالا ديمقراطيا ناجحا بشكل ملحوظ، وإن كانت لم تصل بعد لمرحلة الديمقراطية المستقرة، فهناك انتقادات متعددة للتجربة. فعلى سبيل المثال هناك خيبة أمل في الطريقة التي أديرت بها اللعبة السياسية، وانتشار الفساد بشكل صارخ، والفشل في وضع حد للثقافة الأبوية، وهو ما دفع كثيرًا من الإندونيسيين إلى التشكيك في جدوى فوائد الديمقراطية((93)ومع ذلك، فعلى الرغم من الإنجازات الإيجابية، تواجه عملية الإصلاح أيضا العديد من القضايا العالقة التي يمكن أن تعرقل مزيدًا من إصلاح القوات المسلحة. فحتى الآن، فالجيش لا يخضع لسيطرة مدنية، كما هي الحال في الدول الديمقراطية. والجهود الرامية لوضع القوات المسلحة تحت سلطة وزارة الدفاع ليس لها أثر يذكر. ومن الناحية العملية، فالقوات المسلحة لا تزال تحت السيطرة الرئاسية، بينما علاقاتها مع وزارة الدفاع، وخاصة العلاقة بين القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع، تركزت فقط على التنسيق، وليس الخضوع للسلطة المدنية. فحاليًا، وزارة الدفاع قادرة فقط على وضع عقيدة وإستراتيجية الجيش، والتخطيط طويل المدى، والشئون المتعلقة بالميزانية. وبالتالي فإن دور وزارة الدفاع باعتبارها المؤسسة التي تمثل المبدأ الديمقراطي في السيطرة المدنية على الجيش لم تتحقق بالكامل. فأفراد القوات المسلحة ما زالوا يسيطرون على مواقع إستراتيجية في وزارة الدفاع، والتي من المحتمل أن تشكل نفوذًا بشكل غير رسمي في وضع سياسات الدفاع من قبل القوات المسلحة. ليس من المحتمل أن يتغير هذا الوضع في المستقبل المنظور. وبصرف النظر عن صعوبة تجنب هذا النفوذ عير الرسمي في وضع السياسات الدفاعية، تواجه إندونيسيا نقصا في الخبراء المدنيين في المجالات الدفاعية، لاسيما في صياغة ووضع السياسات والتخطيط الإستراتيجي، وفي مجالات صنع القرار(94) بالإضافة إلى ذلك، فالدولة ليس لها بشكل تام على ميزانية الجيش، وبالتالي فالرقابة من قبل الوكالات المدنية لا تزال سطحية. وفي نفس الوقت، فإن الفشل في إخضاع القوات المسلحة بوضوح لوزارة الدفاع، والدفع للأمام بعملية مدنية “civilianization” ، أو إضفاء الطابع المدني على وزارة الدفاع ترك لضباط الجيش حرية كبيرة لإدارة شئونهم الخاصة. وبالمثل، كانت المحكمة العليا مترددة في فرض رقابتها على القضاة العسكريين، والسماح للقوات المسلحة للاحتفاظ بالسيطرة على نظام العدالة والقضاء العسكري الخاص بهم. وبالتالي أستمر القضاة العسكريين في إصدار أحكام خفيفة للأفراد العسكريين المتورطين في انتهاكات جسيمة(95).

ما الذي يمكن أن تتعلمه مصر من التجربة الإندونيسية؟
بدأ إصلاح العلاقات المدنية-العسكرية في إندونيسيا بمبادرة من الجيش ثم أكمل النظام السياسي إدارة الإصلاح العسكري. ومع ذلك، فعلى الرغم من الإنجازات الإيجابية في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية، فمازال الجيش لا يخضع لسيطرة مدنية كما هي الحال في الدول الديمقراطية. وفي الواقع، فمصر لا يمكن أن تستلهم الحالة الإندونيسية، ولكن يمكن أن تتعلم بعض الدروس من تلك التجربة. أولًا، ينبغي على القادة المدنيين فهم صعوبة وضع الجيش تحت سيطرة مدنية، كما هي الحال في الدول الديمقراطية، على الأقل في المدى القصير.
          ثانيًا، دون سيطرة ومراقبة الدولة بشكل كامل على ميزانية الجيش، لا يمكن الحديث عن إصلاح عسكري فاعل وناجح.
        ثالثًا، ينبغي أن تواجه مصر افتقارها في الخبراء المدنيين في المجالات الدفاعية والأمنية والعسكرية، ولاسيما في صياغة السياسات والتخطيط الإستراتيجي، وصنع القرار.
       رابعًا، واحدة من الدروس المستفادة من التحول الديمقراطي هو أن تصرفات القادة السياسيين الفردية ودرجة الوحدة بين النخب السياسية، هي واحدة من المحددات الرئيسية لإصلاح الأجهزة الأمنية وإصلاح العلاقات المدنية العسكرية. هذا يتطلب رئيسا وبرلمانا ونخبة وأحزابا سياسية قادرة على التوحد والاتفاق حول أجندة إصلاح للعلاقات المدنية العسكرية.
         خامسًا، ينبغي على الأحزاب والقوى السياسية في مصر تسوية النزاعات فيما بينها، والإصرار على عقد وحدة وطنية قبل التفاوض مع المؤسسة العسكرية حول عملية إصلاح العلاقات المدنية ـ العسكرية. ففي الدول ذات المؤسسات الضعيفة والدرجة العالية من الصراع بين نخبتها المدنية تجد القوات المسلحة فرصًا أكبر للتدخل في العملية السياسية. وبالرجوع إلى التجربة الإندونيسية، فدرجة المنافسة العالية في انتخابات 1999 وتفتت النخب السياسية المدنية وعدم اتفاقها وفرت فرصًا كبيرة للقوات المسلحة للتدخل في السياسة واستخدام تفتت المدنيين المتزايد لصالحها. وبنفس القدر من الأهمية، فإن الفجوة الكبيرة بين النخبة السياسية الحاكمة حول العلاقات المدنية العسكرية يمنعها من تكوين وحدة سياسية بينها من أجل هدف ديمقراطي، وهو شرط أساسي للإصلاح العسكري الناجح في التحولات الديمقراطية وكشرط حاسم لإنهاء تدخل الجيش في السياسة.

اختار الباحث ستة نماذج مختلفة في العلاقات المدنية العسكرية: النموذج الباكستاني؛ النموذج الإندونيسي؛ النموذج البرتغالي؛ النموذج التركي؛ النموذج الإسباني؛ وأخيرًا، نموذج بعض دول أمريكا اللاتينية، خاصة البرازيل وتشيلي. وقد تناول الباحث في العدد 26 من “مجلة أفاق سياسية” كل من نموذجي باكستان وإندونيسيا، وفي هذا الدراسة يتم بالرصد والتحليل باقي النماذج. وبشكل عام، تنطلق الدراسة من ثلاث فرضيات أساسية. أولًا: الصراع بين كل من الأحزاب والنخب المدنية والمؤسسة العسكرية حول إصلاح العلاقات المدنية العسكرية، تنتج إصلاحًا جزئيًا في تلك العلاقات؛ وربما تزيد من قبضة الجيش وتدخله في السياسة والحكم.

ثانيًا: الدول التي بها تيار إسلامي قوي أو أحزاب دينية، أو حركات انفصالية، وتوتر على حدودها السياسية، يكون من الصعب أن تتبنى إجراء إصلاح في العلاقات المدنية العسكرية، بل تزيد قبضة الجيش على الشئون السياسية، ويزيد تدخله في السياسة، وربما يكون من المستحيل ترك دوره المركزي في صنع السياسة. ثالثًا، الدول التي بها جيوش ذات نفوذ وإمبراطورية اقتصادية، يكون من الصعب إجراء علاقات مدنية عسكرية، دون الاتفاق على ضمانات وترتيبات دستورية تضمن استقلالا وامتيازات للجيش لفترة مؤقتة، تطول أو تقصر، حسب درجة قوة اتحاد واتفاق الأحزاب والنخب السياسية ورغبة الجيش في إجراء إصلاح العلاقات المدنية العسكرية وترك السياسية للسياسيين المدنيين.

 

أولاً- النموذج التركي

أما الحالة التركية فتقدم نموذجًا لنجاح جزئي في العلاقات المدنية العسكرية، حيث تطورت تلك العلاقات من خلال صراع القوى بين المؤسسة العسكرية والإسلاميين. وبشكل عام فقد تميزت العلاقات المدنية العسكرية في تركيا بالاستمرارية والتغيير. فمنذ الثلاثينيات اعتبر الجيش نفسه الضامن للاستقرار الداخلي، وسلامة الأراضي التركية، والوصي على التراث الأيديولوجي لكمال أتاتورك وتجسيد للأمة التركية (1). فدور الوصي والحارس الذي اتخذته لنفسها القوات المسلحة التركية Turkish Armed Forces (TAF) في الحفاظ على الطبيعة العلمانية للجمهورية التركية عبر عن نفسه من خلال وسيلتين مختلفين للتدخل في السياسة؛ تراوحت من التدخل التقليدي المباشر من خلال تنظيم أربعة انقلابات عسكرية إلى التدخل غير المباشر عن طريق وسائل جديدة لما بعد الحداثة مثل نشر مذكرات الاحتجاج على الإنترنت، والحصول على دعم المجتمع المدني. وعلى الرغم من التعديلات التشريعية الأخيرة التي قلصت بعض الأدوات التي يستخدمها الجيش لممارسة نفوذ سياسي، ظل الأساس القانوني لدوره والتزاماته دون تغيير لأكثر من 70 عامًا. ومع ذلك فالطريقة التي أستخدمها الجيش لتفسير تلك المسئوليات ولتأكيد أن سياسة الحكومة مازالت ضمن الإطار المقبول لديه كانت تخضع دائما للتغيير(2).

وفي الواقع فقد لعبت ثلاثة عوامل متداخلة دولية ومحلية دورًا رئيسيًا في تطور العلاقات المدنية العسكرية في تركيا. أولًا، صراع القوى بين المؤسسة العسكرية والإسلاميين على الدور الذي يجب أن يلعبه الجيش في تركيا. ثانيًا، استثمار حزب العدالة والتنمية Justice and Development Party (JDP) رغبة الشعب التركي في الانضمام للاتحاد الأوربي، كأداة لإضعاف سيطرة الجيش على الدولة. ثالثًا، الدور الذي لعبه الناتو في تحسين إصلاح العلاقات المدنية العسكرية، خاصة فيما يتعلق بالاحتراف. والواقع أن كل تلك العوامل متداخلة ومتشابكة بشكل كبير.

أما فيما يتعلق بصراع القوى بين الجيش والمؤسسة العسكرية، فعلى الرغم من أن تأسيس الجمهورية التركية على يد ضابط عثماني سابق، مصطفى كمال أتاتورك، فقد أصر أتاتورك على أن جميع الضباط الذين يرغبون في المشاركة في الحياة السياسية يجب أن يستقيلوا أولًا من القوات المسلحة. وكانت النتيجة غياب الجيش كمؤسسة من الساحة السياسية، وأصبحت هيئة الأركان العامة التركية Turkish General Staff (TGS) تابعة لوزارة الدفاع (3). ومع ذلك، فقد أستخدم الجيش بشكل فعال التهديد الإسلامي أو الدعوات الانفصالية في ممارسة سيطرته على الحكم المدني. وقد تدخل الجيش في الحياة المدنية التركية عندما تصل المؤسسات المدنية إلى طريق مسدود، أو عندما يكون هناك تهديد شديد لتلك المؤسسات. وقد قام الجيش خلال الستين عامًا الماضية بأربعة انقلابات (1961، 1971، 1980، 1997) وأزاح عن السلطة أربع حكومات مدنية. وبعد كل تدخل من كل تلك التدخلات يعيد الجيش الحكم إلى المدنيين، ويعود الجنرالات بسرعة الثكنات(4). وفي هذا الإطار فقد اعتبرت الانقلابات العسكرية المتتالية، تعبيرًا عن دور الحارس الدستوري الذي اتخذته القوات المسلحة التركية لنفسها، كما وظف أيضا في وضع إطار للعلاقات المدنية العسكرية. فقد وظفت القوات المسلحة التركية الانقلابات العسكرية كآلية لوضع طابع مؤسسي على الصلاحيات والامتيازات التي تتمتع بها القوات المسلحة في الدستور، والتي استخدمت بشكل متبادل كمبرر قانوني لتدخل الجيش في السياسة. وفي هذا الصدد، أستخدم الجيش المادة 35 من القانون رقم 211 كتبرير قانوني عندما قام بانقلاب 1980، والمادة 34 من القانون رقم 2771 عندما استولى على السلطة في عام 1960(5).

فعلى سبيل المثال، في 27 مايو 1960، شنت القوات المسلحة التركية أول انقلاب لها ضد الحزب الديمقراطيDemocrat Party الذي مارس آليات سلطوية في الحكم. وتزامن ذلك مع تدهور ظروف العمل بالنسبة لضباط الجيش، وتدخل الحزب في كثير من الأحيان في التعيينات والترقيات العسكرية والشئون العسكرية للجيش (6). وردًا على الاحتجاجات الشعبية المستمرة ضد تلك الحكومة، أعلن رئيس الوزراء عدنان مندريس Adnan Menderes (1899-1961)، الأحكام العرفية، وأمر الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين، مما اضطر الجيش إلى التورط في السياسة الداخلية بعد أكثر من ثلاثة عقود من الحكم المدني في تركيا. فانحاز الجيش للشعب، ورفض إطلاق النار عليهم، وبدلًا من ذلك قام الجيش بانقلاب، وأسقط حكومة الحزب الديمقراطي (7). وأخيرًا، أعيد الحكم المدني في عام 1961. ونتيجة للانقلاب تم إصدار دستور 1961 الذي أحتفظ بشكل مؤسسي بامتيازات هائلة للجيش في التدخل في الحياة السياسية التركية. فدستور عام 1961 زاد من نفوذ الجيش سواء بحكم بالقانون أو بحكم الاستقلال الفعلي لهيئة الأركان العامة التركية، وذلك من خلال جعل تلك الهيئة ترفع تقاريرها مباشرة إلى رئيس الوزراء، بدلًا من وزارة الدفاع. كما استحدث الدستور إنشاء مجلس الأمن القومي National Security Council (NSC)، التي يضم أعضاء بارزين في الحكومة المدنية والقيادة العليا لهيئة الأركان العامة التركية، لتكون بمثابة هيئة استشارية لمجلس الوزراء.(8).

ومع ذلك لم يضع دستور 1961 حدًا لصراع القوي بين المؤسسة العسكرية والسياسيين المدنيين. ولكن على العكس فقد عمق من ذلك الصراع، وزاده تفاقمًا. ولذلك فقد قام الجيش بانقلابه الثاني في 12 مارس 1971، وذلك حينما أدى القتال بين الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان إلى وصول الحكومة إلى طريق مسدود. ولكن هذه المرة وقفت هيئة الأركان العامة التركية من وراء الكواليس وأزاحت الحكومة المنتخبة، واستبدلتها بحكومة تكنوقراط (9).

وبالمثل، ففي 12 سبتمبر عام 1980، وضع القتال بين المتطرفين اليساريين واليمينيين في الشوارع التركية البلاد على حافة الحرب الأهلية، فقام الجيش بانقلابه الثالث. وفي هذه المرة تولى الجيش السيطرة المباشرة على الإدارة وبقي في السلطة لمدة ثلاث سنوات. وفي عام 1982 أصدر الجيش الدستور الجديد، الذي لا يزال ساريًا حتى اليوم، ثم أعاد الحكم المدني في عام 1983م (10). ومع انقلاب 1980، وإصدار دستور 1982، جدد وزاد الجيش من امتيازاته. حيث جدد الدستور دور مجلس الأمن القومي. وعين الجيش ممثلين من صفوفه في مجلس إدارات العديد من المؤسسات، مثل هيئة الإذاعة والتليفزيون، والمجلس الأعلى للتعليم(11). وفي المستويات الأعلى، أصبح رئيس هيئة الأركان قادرًا على إبلاغ مخاوف الجيش خلال لقائه الأسبوعي مع رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية على التوالي(12). بالإضافة إلى ذلك، أعطي القانون رقم 2945 لسنة 1983 المتعلق بمجلس الأمن القومي الأمين العام لذلك المجلس حق التواصل بشكل غير محدود مع أي هيئة مدنية، ومنحه السلطة لمراقبة تنفيذ التوصيات المحالة من مجلس الأمن القومي إلى مجلس الوزراء(13). ونتيجة لذلك، فمنذ عودة الحكم المدني في عام 1983، نادرًا ما أملت هيئة الأركان سياسات إلى الحكومة. حيث فضلت تقديم توصيات على أن يتم تنفيذها، أو على الأقل، لا يتم اتخاذ سياسات تتناقض معها. وتختلف الطرق المستخدمة لتوصيل تلك التوصيات، وفقًا لنطاقها ودائرتها ومجالها السياسي، وطبيعة التهديد المتصور، وأهميتها أو إلحاحيتها، ومدى استجابة السلطات المدنية. وفي المناطق التي لعبت فيها المؤسسة العسكرية دورًا رئيسيًا في صياغة السياسة، تميل إلى استخدام مؤسستها الرسمية داخل جهاز الدولة. وكان أهم هذه المؤسسات مجلس الأمن القومي(14). ويترأس اجتماعات مجلس الأمن القومي الرئيس التركي. وحتى عام 2003 عقدت اجتماعات عادية مرة كل شهر. وبالإضافة إلى الرئيس، يتألف مجلس الأمن القومي من أربعة ممثلين للحكومة، وخمسة من أفراد الجيش. وهذا يعني من الناحية النظرية، أن السلطة كانت مقسمة بالتساوي بين الجيش والمدنيين. لكن في الواقع، كان التكوين العددي للـ NSC ليس له أهمية كبيرة، حيث لم تخضع أبدًا القضايا داخل المجلس للتصويت. وكان الجيش قادرًا على نحو فاعل على إملاء ما يجب وما لا يجب مناقشته. وكان الأمين العام لمجلس الأمن القومي دائما جنرالا أو أدميرالا في الخدمة. كما هيمن أيضا أعضاء الجيش المتقاعدين على الأمانات الفرعية والفنية للمجلس، حيث هنالك ما يقرب من 400 من تلك الفئة، والتي كانت مسئولة عن وضع وثائق إعلامية، وأوراق معلومات وسياسات، وأوراق خلفية Background Papers ليتم توزيعها على أعضاء المجلس تحت إشراف الأمين العام لمجلس الأمن القومي(15). وقد احتفظت رئاسة الأركان التركية بعلاقات وثيقة مع عناصر من البيروقراطية المسئولة عن السياسة، مثل وزارة الشئون الخارجية. وكانت أيضا قادرة على الاستفادة من البنية التحتية الخاصة بها، خاصة الخبرة الفنية، والتي يتم استثمارها من خلال نظام ما كان يسمى بـ “مجموعات العمل”، التي تتألف من ضباط الأركان، أما الذين يعملون في هيئة الأركان نفسها أو الذين يعملون في مقر القوات البرية والبحرية أو الجوية. ولم تكن مجموعات العمل دائمة بل تتشكل وتحل وفقًا للحاجة(16).

تميزت العلاقات المدنية العسكرية في تركيا بالاستمرارية والتغيير. فمنذ الثلاثينيات أعتبر الجيش نفسه الضامن للاستقرار الداخلي، وسلامة الأراضي التركية
وخلال أواخر الثمانينيات والتسعينيات، خفت القيود المفروضة من الجيش ببطء، وهو ما دعا العديد من المعلقين الأتراك والأجانب للقول إن عصر التدخلات العسكرية في السياسة قد أنتهي. ومع ذلك، فقد تزامن تدهور الأوضاع الأمنية مع تراجع الثقة العامة في القادة السياسيين، وزيادة الفساد المستشري، وارتفاع معدلات التضخم، وارتفاع معدلات البطالة، مما أدى إلى زيادة الدعم الانتخابي للأحزاب السياسية الإسلامية، التي لم تُجرب أجندتها الإسلامية بعد (17)، ونتيجة لذلك، ففي مارس 1994، فاز حزب الرفاه الإسلاميIslamist Welfare Party (WP) بالنصيب الأكبر من الأصوات في الانتخابات المحلية، وسيطر على العديد من المدن التركية الكبرى، بما في ذلك إسطنبول وأنقرة. وبعد الانتخابات العامة في 25 ديسمبر 1995 أصبح حزب الرفاه أكبر حزب في البرلمان، وإن كان فقط بنسبة 21.4% من أصوات الناخبين، و 158 مقعدًا في البرلمان ذي الغرفة الواحدة المكون من 550 مقعدا. وفي يونيو 1996، شكل حزب الرفاه حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم True Path Party (TPP)، الذي حصل 135 مقعدًا، وأصبح زعيم حزب الرفاه الإسلامي نجم الدين أربكان Erbakan أول رئيس وزراء إسلامي معترف به في تركيا (18). وخلافًا لما حدث في عام 1980، اختارت رئاسة الأركان عدم الاستيلاء على السلطة بشكل مباشر، ولكن فضلت التنسيق وحشد المعارضة ضد حزب الرفاه، وتشجيع الاحتجاجات العامة والتواصل من وراء الكواليس في محاولة للتخطيط لإخراج الحزب من السلطة. ففي 3 فبراير 1997، انتهز الجيش الفرصة لتذكير حزب الرفاه أن انقلاب دموي كامل سيظل الخيار والملاذ الأخير وذلك عندما أرسل الجيش رتل من الدبابات في ضواحي شوارع أنقرة، وردًا على ذلك ألقى رئيس بلدية Yildiz المنتمي لحزب الرفاه الإسلامي، خطابًا عن دعم الشريعة الإسلامية (19). ولم يكن الخلاف بين الطرفين في واقع الأمر حول تطبيق أو عدم تطبيق الشريعة الإسلامية؛ لكنها رغبة الرجل في التلاعب بالدين. وبالمثل، ففي اجتماع مجلس الأمن القومي في 28 فبراير 1997، قدم الجيش للحكومة المدنية قائمة من 18 إجراء يرغب في أن تنفذ لوقف التهديد الذي يقوم به حزب الرفاه للعلمانية التركية. ووافق البرلمان على تلك الإجراءات في 14 مارس. لكن المسئولين الرسميين لحزب الرفاه أصروا بأن الحزب لا يمكن أن يتحمل تنفيذ تلك التدابير دون استعداء قاعدته الشعبية. وفي أبريل ومايو 1997، وبعد عديد من المناورات قام بها الحزب الإسلامي، صعدت رئاسة الأركان التركية من الضغط على الحزب من خلال عقد سلسلة من اللقاءات لوسائل الإعلام والقضاء ومجتمع رجال الأعمال حول التهديد المتزايد للعلمانية التي يقوم بها حزب الرفاه. وفي كل مؤتمر تلقى رئاسة الأركان حفاوة بالغة. وفي يوم 22 مايو عام 1997، أرسل النائب العام طلبًا للمحكمة الدستورية حكمًا بإغلاق حزب الرفاه على أساس أنه يحاول تقويض مبدأ العلمانية المنصوص عليها في الدستور التركي (20). واستقالت حكومة حزب الرفاه في النهاية في 18 يونيو 1997، واستبدلت بحكومة تضم ائتلاف من ثلاثة أحزاب. وفي 16 يناير 1998 أغلقت المحكمة الدستورية العليا حزب الرفاه، ومنعت أربكان من ممارسة أي نشاط سياسي لمدة خمس سنوات (21). وعلى الرغم من أن أعضاء حزب الرفاه المنحل أعادوا تأسيسه تحت اسم حزب الفضيلة Virtue Party (VP) بدون قيادة أربكان، فإن الحزب حقق نجاحًا سيئًا في الانتخابات العامة في 18 أبريل 1999، حيث حصل على 15.4% فقط من أصوات الناخبين. وبعد ثلاثة أسابيع تقدم النائب العام بطلب إلى المحكمة الدستورية لإغلاق حزب الفضيلة على أساس أنه امتداد لحزب الرفاه الذي حاول قادته تقويض العلمانية التركية. فأغلقت المحكمة الدستورية رسميًا الحزب في 22 يونيو 2001.”(22) ومع ذلك، ومع التراجع الواضح للحركة الإسلامية بداية من عام 1999، بدأ الائتلاف الثلاثي الحاكم في تقليص النفوذ المؤسسي لرئاسة الأركان. ففي يونيو تم إبعاد القضاة العسكريين من محاكم أمن الدولة.وكانت تلك الخطوة الكبرى الأولى، والتي اتخذت من قبل حكومة ائتلافية بقيادة رئيس الوزراء بولنت أجاويد Bülent Ecevit المنتمي لحزب اليسار الديمقراطي Democratic Left Party (DLF)، تعني إعادة تأكيد لسلطة الحكومة على تقليص النفوذ السياسي للجيش. ولذلك، ففي عام 2001، عدلت حكومة أجاويد الدستور في عدد من النقاط المهمة، من بينها تكوين مجلس الأمن القومي. وبالتالي حصل المدنيين على أغلبية المقاعد في مجلس الأمن القومي، وخفضت مكانة التوصيات التي يصدرها المجلس(23).

ومع كل ذلك التطور بدأت الحركة الإسلامية تطل برأسها مرة أخرى، لكن هذه المرة مع جيل شاب أكثر برجماتية. وفي هذا السياق، فعندما تم حظر حزب الفضيلة، وانشقت الحركة الإسلامية؛ أسس الجيل الأكبر سنًا حزب السعادة Felicity Party (FP) في يوليو 2001. وبعد شهر، وفي أغسطس 2001، أسس جيل الشباب، برئاسة رجب طيب أردوغان Recep Tayyip Erdoğan، حزب العدالة والتنمية.وفي عام 2002، جاء حزب العدالة والتنمية ورجب طيب أردوغان إلى السلطة، وبدأ في تقليص، وخفض نفوذ مجلس الأمن القومي؛ حيث تم إلغاء سلطاته التنفيذية، ولم تعد عضويته مقصورة فقط على الجنرالات ذوي الأربعة نجوم. كما تولي مدني وظيفة الأمين العام للمجلس. ولذلك فقد تغير مشهد المؤسسة العسكرية التركية منذ عام 2004، وذلك من خلال تحويل سلطة اتخاذ القرار بعيدًا عن الجيش. فسابقًا كان مجلس الأمن القومي يشكل سياسة الأمن القومي تحت التأثير القوي للقوات المسلحة التركية(24). كما اتخذت إجراءات أخرى، مثل استبعاد ممثلي القوات المسلحة من مجلس التعليم العالي، والمجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون، وإلغاء محاكم أمن الدولة، التي تتكون من قضاة مدنيين وعسكريين، والتي كانت مسئولة عن محاكمة الجنود والمدنيين المتهمين بارتكاب بعض الجرائم(25). وتم استبدالها بمحاكم خاصة مدنية، مخولة أيضا بمحاكمة الجنود عن بعض الجرائم. كما بدأ الحزب يتحدى الجيش من خلال تعيين القادة العسكريين. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن جميع الضباط الأتراك قد خضعوا أو تبنوا السيادة والسيطرة المدنية على القوات المسلحة. كما أنه لا يعني أيضا أن تركيا لديها علاقات مدنية عسكرية كاملة. إنما يعني أن إصلاح العلاقات المدنية العسكرية يمكن أن يحدث حتى في ظل جيش ذي تأثير ونفوذ قوي، مثل الجيش التركي. وهو درس جيد لمصر لكي تتعلمه.

بالإضافة إلى كل ما سبق، فالدور الدولي، سواء من الاتحاد الأوربي أو الناتو، قد أسهم في تحسين العلاقات العسكرية في تركيا بشكل غير مباشر. حيث وظف حزب العدالة والتنمية رغبة الشعب التركي في الانضمام للاتحاد الأوربي وعضوية تركيا في الناتو كأداة لإضعاف هيمنة الجيش على الدولة (26). هذا يدل على أن إصلاح العلاقات المدنية العسكرية لم تكن مدفوعة بشكل رئيسي بسعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوربي(27). وبالمثل، فالجيش نفسه كان داعمًا في البداية لتلك الإصلاحات التي تؤدي للانضمام للاتحاد الأوربي، حيث وافق معظم القادة داخل المؤسسة العسكرية على الشروط التي طلبتها أوربا لتحديث القوات المسلحة. لكن حينما بدأ أردوغان يصرح بأن حكومته مهتمة بالإصلاح حتى بدون ضمانات العضوية في الاتحاد الأوربي، بدأ الجيش يشك في عملية الإصلاح، والحذر من حزب العدالة والتنمية(28). وقد تفاقمت هذه الشكوك، عندما بدأ حزب العدالة والتنمية تحدي دور قيادة الجيش في المجالات التي لم تحدد من قبل الاتحاد الأوربي كمجالات للإصلاح”. وأصبح الشك عميقًا عندما أتضح من أحد استطلاعات الرأي في أواخر ديسمبر عام 2006 أن “الدعم للانضمام إلى الاتحاد الأوربي في تركيا قد انخفض إلى 35-30 % (29). وثبت ذلك الشك من خلال السلوك السلبي لحكومة أردوغان تجاه الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، حيث أصبحت حكومته أقل اهتمامًا في الانضمام للاتحاد الأوربي عما كانت عليه قبل عدة سنوات، ومن خلال أيضا غلق مفاوضات الانضمام (30). ومع ذلك استمرت حكومة أردوغان في استثمار فكرة الانضمام للاتحاد الأوربي كوسيلة لتحدي دور الجيش؛ وليس كوسيلة لإصلاح العلاقات المدنية العسكرية. فلم يكن الانضمام للاتحاد الأوربي هو الدافع وراء موقف أردوغان، وإنما رغبته في تقطيع أوصال الجيش انتقامًا منه على الدور الذي قام به في إضعاف الحركة الإسلامية منذ غلق حزب الرفاه.

ومع ذلك فاستغلال أردوغان لرغبة الشعب التركي في الانضمام للاتحاد الأوربي ساعدت على إصلاح العلاقات المدنية العسكرية. فبشكل عام، فمن أجل أن تصبح تركيا عضوًا في الاتحاد الأوربي عليها تحقيق الفصل السياسي من معايير كوبنهاجن Copenhagen criteria. وكان من بين أهم شروط تلك المعايير السياسية، الرقابة الديمقراطية على الجيش التركي(31). وفي هذا السياق، قام حزب العدالة والتنمية بإصلاحات جذرية من أجل تلبية متطلبات الاتحاد الأوربي منذ عام 2002. وعارض الجيش هذه التغييرات، ولكن لأن حزب العدالة والتنمية يضم ائتلافا واسعا من الأتراك الملتزمين دينيًا، وبعض رجال الأعمال الكبار، وأصحاب المصالح التجارية الكبيرة، والأكراد، والمواطنين العاديين الذين يتطلعون إلى الفوائد السياسية والاقتصادية لعضوية الاتحاد الأوربي، كان الجيش مقيدًا عن العمل على إحباط تلك الإصلاحات(32). فقد تطلبت عضوية تركيا في الاتحاد الأوربي إصلاحات مختلفة، مثل التغييرات في وظيفة رئيس هيئة الأركان (الذي سيقدم تقريرًا إلى وزير الدفاع بدلًا من رئيس الوزراء)؛ ومجلس الأمن القومي (الذي يجب أن يكون ذا مظهر مدني أكثر، وزيادة في عدد الأعضاء المدنيين، وأن يعطي دورًا ثانويًا في الشؤون الأمنية بعد الحكومة المدنية)؛ وإلغاء محاكم أمن الدولة، والقيود المفروضة بشأن قانون حالة الطوارئ (ففرض حالة الطوارئ منذ فترة طويلة في جنوب شرق تركيا أعطي سلطة مفرطة للجيش في تلك المنطقة)(33). كل هذه الإصلاحات استهدفت الرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة Democratic Control of the Armed Forces (DECAF) ، لكنها مثلت تحديا للوضع القائم، والذي بموجبه احتل الجيش مكانة متميزة، وعزز هيمنته على الحكومات المدنية في تركيا(34). ونتيجة لذلك، فمنذ عام 2010، وإمكانية تدخل البيروقراطية العسكرية في النظام السياسي قلت بسبب عملية الإصلاح المطلوبة للانضمام للاتحاد الأوربي، وظهور مناخ من الانفتاح في المجتمع، وقد بدأ القضاء التركي يأخذ دور الوصي على النظام، وهو الدور الذي كان يقوم به الجيش، وهو ما أدي إلى خضوع الجيش أكثر نحو السيطرة المدنية (35). ولهذا السبب، ففي سبتمبر 2011، لخص نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، حسين تشيليك Hüseyin Celik، خطط الحكومة المتعلقة بالجيش في تسع نقاط. كان أول اثنتين منها، تبعية هيئة الأركان العامة لوزارة الدفاع، وإلغاء المادة 35 من قانون الخدمة الداخلية للقوات المسلحة، والذي يستخدمها عادة الجيش كأداة للتدخل في السياسة (36). ومع ذلك، فعلى الرغم من أن عملية الإصلاح المطلوبة للانضمام للاتحاد الأوربي قد أسهمت في إضفاء الطابع “المدني” على الجيش التركي، فإنه لا تزال هناك معوقات لمعايير الرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة وفق المعترف بها دوليًا.

إن إصلاح العلاقات المدنية العسكرية لم تكن مدفوعة بشكل رئيسي بسعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوربي
أما بالنسبة للدور الذي قامت به منظمة حلف شمال الأطلسي، فقد كانت تركيا عضوًا في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952. وتم تحديث وزيادة احترافية Professionalizationالجيش التركي إلى حد كبير في السنوات التالية لانضمامها إلى الحلف.”(37) وعلى الرغم من أن تطبيق معيار الرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة لم يكن شرطًا مسبقًا لعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، فقد أدي انضمام تركيا للحلف إلى زيادة الاحتراف العسكري للجيش التركي، وتحويل مهمته العسكرية بعيدًا عن الشئون السياسة والداخلية، وتركيزه على الدور الخارجي، والذي يعد شرطًا لإصلاح العلاقات المدنية والعسكرية.

وبصفة عامة، وعلى الرغم من كل التغييرات والإصلاحات التي حدثت في العلاقات المدنية العسكرية في تركيا، لا يزال الجيش يتدخل في السياسة التركية بتقنيات جديدة، وضمن إطار من الشرعية. فحاليًا، يفضل الجيش عادة تقديم توصيات وإقناع الحكومات المدنية من أجل تنفيذ سياسات تتماشى مع المخاوف الأمنية الرئيسية للجيش. وفي المناطق التي يلعب فيها الجيش دورًا رئيسيًا في صياغة السياسة، مثل القضية الكردية، والإسلام السياسي، يميل الجيش إلى استخدام كل الأدوات الرسمية مثل مجلس الأمن القومي، والقنوات غير الرسمية، مثل التأثير من وراء الكواليس على السياسيين والبيروقراطيين. هذه الآليات غير الرسمية تتراوح من التصريحات العلنية والإحاطات القصيرة للصحفيين، إلى الاتصالات غير الرسمية مع البيروقراطيين والسياسيين. وعادة ما تتم التصريحات العلنية من قبل أعضاء هيئة الأركان العامة التركية في المناسبات الرسمية العامة، مثل الاحتفالات والمناسبات، أو حفلات التخرج، حيث يعرب الجيش عن قلقه إزاء القضايا الداخلية بشكل عام. وينظر إلى البيانات الصادرة عن الجيش كتحذيرات للحكومة المدنية. وكذلك فإنها تضغط على الجمهور لاتخاذ الإجراءات اللازمة ضد الحكومة(38).

وبشكل عام فتركيا لم تحقق إصلاحًا كاملًا في العلاقات المدنية-العسكرية. فهناك عاملان مترابطان تسببا في عدم إكمال هذا الإصلاح. أولًا، تفتقر تركيا إلى الخبراء المدنيين في شئون الدفاع والأمن والشئون العسكرية. فرئيس الوزراء لديه العديد من المسئوليات الملحة، وليس لديه الوقت ولا الخبرة ولا الموظفين لإعطاء الأركان العامة التوجيه السياسي يوميًا، كما يفعل وزراء الدفاع في أوربا، ودول حلف شمال الأطلسي (39). وبالتالي، لا تزال القوات المسلحة، وحدها تقريبًا، تشكل السياسة الدفاعية التركية، تحت السلطة السياسية لرئيس مجلس الوزراء. كما لا تزال هناك حفنة من المدنيين، معظمهم في رئاسة الوزراء، تشارك في صياغة السياسة الدفاعية. وهذا يعني أن السياسي المدني المسئول عن السياسة الدفاعية، أي رئيس الوزراء، لا يزال يعتمد بشكل كبير على خبرة هيئة الأركان العامة في ذلك. هذا هو كل ما تم الحصول عليه من خلال الصراع على السلطة التي استمرت لسنوات عديدة بين رئيس الوزراء والجيش.

ثانيًا، تفتقر تركيا إلى الرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة؛. التي تشمل ركيزتين أساسيتين: الأولى، هي خضوع القوات المسلحة لسلطة مدنية منتخبة ديمقراطيًا، أي وزير دفاع مدني. والثانية، هو الرقابة البرلمانية على جميع النفقات العسكرية والدفاع، الذي يتمثل في وضع إشراف ومراقبة على كل من الحكومة والجيش من البرلمان ومن بعض الجهات الرقابية الأخرى، مثل وسائل الإعلام والمجتمع المدني (40). ولكي نكون منصفين، حققت تركيا تقدمًا في الركيزة الثانية. فالبرلمان قد زاد بشكل كبير من سلطات ديوان المحاسبة على مراقبة كيفية استفادة القوات المسلحة ووزارة الدفاع الوطني من ميزانيتهما. وقد أدت هذه الإصلاحات أيضا إلى تعزيز سلطة الجمعية الوطنية التركية الكبرى Turkish Grand National Assembly على ممارسة سلطاتها فيما يتعلق بالميزانية. هذا هو المجال الوحيد الذي حقا يمكن أن يقال إن البرلمان استطاع فيها مراقبة المؤسسة الدفاعية. وعلى الرغم من ذلك، فحتى الآن، لم يستخدم البرلمان التركي تلك الأداة بشكل فاعل ونشط جدًا. فالبرلمانات في الديمقراطية تعتبر النقاش حول ميزانية الدفاع أفضل فرصة لاستعراض خطط، ومعدات الدفاع بالتفصيل، ولكن الجمعية الوطنية التركية الكبرى لم تقم بذلك (41).

ثانياً: التشابه والاختلاف بين النموذج التركي والحالة المصرية

بعد الثورة المصرية عام 2011، كانت هناك دعوات من الجيش المصري نفسه لمحاكاة “النموذج التركي”(42). وقد بذل المجلس العسكري جهدًا بشكل ملحوظ لصياغة الدستور المصري بما يتماشى مع النموذج التركي الذي أعطي للجيش وضعًا قانونيًا ودستوريًا للتدخل في السياسة. ومع ذلك، وبعد ثورة 30 يونيو، لم يعر الجيش والشعب المصري أي اهتمام بالنموذج التركي، نتيجة الدعم الدبلوماسي واللوجيستي الذي تلقته جماعة الإخوان من حزب العدالة والتنمية التركي. وقد نتج هذا التناقض من حقيقة أن هناك بالفعل اثنين من النماذج التركية، ليس من السهل على مصر محاكاة أي منهما. فمعظم الناس يشيرون إلى النموذج الذي ينطوي على التدخل العسكري في العملية السياسية لإسقاط الحكومات التي انحرفت عن مبادئ مصطفى كمال أتاتورك، وبالتالي خلق الديمقراطية عن طريق جعل تجاوزات السياسيين المدنيين، سواء اليمينيين واليساريين أو الإسلاميين، مقيدة وخاضعة لرقابة الجيش(43). ومع ذلك، فوفقًا لستيفن كوك Steven Cook فهذا النموذج هو نموذج “مختلق”، فتركيا حققت الديمقراطية ليس بسبب الجيش، ولكن نكاية في الجيش ورغمًا عنه(44). ولكن السؤال الأهم، هل تركيا دولة ديمقراطية فعلًا وفقًا للمعايير الديمقراطية، أم دولة تسير نحو الديمقراطية؟ هي دولة تسير نحو الديمقراطية بالفعل وأمامها طريق طويل لكي تصبح ديمقراطية.

أما النموذج التركي الثاني، فهو النموذج الذي يتحدث عنه العرب أكثر من الغربيين، ويشير إلى حكومة إسلامية ديمقراطية تمكنت من فرض سيطرتها على المؤسسة العسكرية القوية في تركيا، مما يجعلها دولة ديمقراطية أقل تهديدًا من قبل امتيازات وصلاحيات الجيش. ومع ذلك، فإن الإصلاحات التي حدثت في القطاع الأمني، والتي مكنت تركيا من الوصول لهذه النتيجة، وخاصة فيما يتعلق بقضايا الأمن الوطني، والقضايا المتعلقة بالميزانية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمساعي تركيا للانضمام لعضوية الاتحاد الأوربي. ولذلك ففي حالة عدم وجود مثل هذا العامل الخارجي، فسوف تستغرق مصر وقتًا طويلًا قبل الوصول إلى إصلاحات سياسية مماثلة(45). وإلى جانب عدم وجود العامل الخارجي، فقد انخفض دعم وشعبية الإسلاميين في مصر بشكل كبير حتى قبل عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي.

ومع ذلك، ولكي نكون أكثر تحديدًا، فإن البلدين يتقاسمان بعض أوجه التشابه الرئيسية؛ فكليهما لديه جيش كبير ومؤثر في الحياة السياسية والاقتصادية. وكل من الجيشين يعتبر نفسه حاميا ووصيا على النظام السياسي القائم. وكلا البلدين لديهما عدد ضخم من السكان، وجماعات إسلامية قوية، وطبقات وسطى ورعة ومتدينة على نحو متزايد(46). ومع ذلك، فعلى الرغم من أوجه التشابه بين تركيا ومصر، فالاختلافات بينهما عميقة جدًا. ففي مصر لا يوجد الفاعل الخارجي لكي يلعب الدور الحاسم الذي لعبه الاتحاد الأوربي ويقيد دور الجيش المصري في تهديد الديمقراطية “(47). فالجيش المصري، على عكس الجيش البرتغالي والتركي، ليس عضوًا في أي تحالفات دولية ديمقراطية من شأنها تعويد ضباط المؤسسة العسكرية على المعايير الديمقراطية(48). فمن الواضح أن الاتحاد الأوربي كان له تأثير حيوي على النظام السياسي التركي. وفي الواقع، فإن احتمال الانضمام إلى الاتحاد الأوربي قد غيرت مصالح الإسلاميين في تركيا، وقيدت الدور السياسي للمؤسسة العسكرية، وخلقت بيئة خصبة لإحداث إصلاح مؤسسي للمؤسسة العسكرية وواسع النطاق. فالعلاقة بين أوربا وتركيا مختلفة تمامًا عن علاقة الولايات المتحدة بمصر، فعلاقة الاتحاد الأوربي بتركيا تبرز كيف يمكن أن تشجع الجهات الخارجية التغيير السياسي من خلال الحوافز(49)

وأهم الاختلافات بين النموذج التركي والحالة المصرية هي أن الجيش التركي، على عكس الجيش المصري، لم ينتج ضباطًا استمروا في السلطة لعقود طويلة. ولم يكن هناك أوغستو بينوشيه Augusto Pinochet التركي مثلا، أو فرانسيسكو فرانكو Francisco Franco الإسباني، أو أنطونيو دي أوليفيرا سالازار Oliveira Salazar البرتغالي، ولم يكن هناك بالطبع ناصر أو مبارك. فالجيش التركي تحاشى الحكم المباشر، وسعى الجيش التركي بدلًا من ذلك إلى ترسيخ ومأسسة قنوات التأثير، وذلك باستخدام الأحكام والترتيبات الدستورية لهذا الغرض(50).

أهم الاختلافات بين النموذج التركي والحالة المصرية هي أن الجيش التركي، على عكس الجيش المصري، لم ينتج ضباطًا استمروا في السلطة لعقود طويلة
وأخيرًا، فإن الصراع على السلطة بين الجيش التركي وحزب العدالة والتنمية كان له تأثير هائل على العلاقات المدنية-العسكرية في تركيا. ولكن هذا ليست هي الحال في مصر. فالنظام الحالي في مصر، لا يوجد أي تناقض بينه وبين المؤسسة العسكرية. فعلى رأس مؤسسة الرئاسة الرئيس السيسي، وهو وزير دفاع سابق، ويحظى باحترام المؤسسة العسكرية، وتقدير شريحة كبيرة من الشعب المصري، ووزير الدفاع الحالي، الفريق صدقي صبحي، وثيق الصلة بالرئيس ومن أخلص حلفائه. بالإضافة إلى أن دور الجيش في الحرب على الإرهاب يقلل من إمكانية هذا التناقض. وتجعل من الصعب حاليًا من الناحية الفنية اتخاذ أي خطوات، حتى ولو قصيرة المدى، لوضع الجيش تحت سيطرة مدنية منتخبة ديمقراطيًا وفقا للمعايير الغربية.

وفي الختام، على الرغم من أن تركيا قد حققت بعض التقدم في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية، فقد حققت ذلك، وهي تحت قيادة جيش يمارس نفوذًا تقليديًا قويًا في البلاد. وهو درس من بين الدروس التي يمكن أن تتعلمها مصر من النموذج التركي. ووفقًا لذلك، فنموذج تركيا يدل على أن إصلاح العلاقات المدنية-العسكرية يمكن أن يحدث حتى عندما يكون الجيش يمارس تقليديًا تأثيرًا ونفوذًا قويًا في البلاد(51). ثانيًا، أثبتت الحالة التركية أنه حتى الجيش المؤثر بشكل كبير يمكن أن يعود إلى الثكنات، إذا كان لدى المدنيين ما يكفي من الشرعية والدعم الشعبي للقيام بذلك. ولكنها تظهر أيضا أن الاختلاف الأيديولوجي بين الجيش والقيادة المدنية، في هذه الحالة، والاشتباكات المتكررة بين الإسلاميين وحزب العدالة والتنمية والمواقف العلمانية للجيش، يمكن التغلب عليها(52) إذا ما توفر الشرط السابق. وأخيرًا، ضرورة التفاوض لإحداث الخروج التدريجي للجنرالات من الشئون المدنية. وهو من الدروس المهمة جدًا المستفادة الأكثر من النموذج التركي. لهذا السبب فالنموذج التركي قد بجلب الدروس المهمة لمصر، لكن مصر قد تجد صعوبة في محاكاة ذلك النموذج.

 النموذج البرتغالي.
فقد كانت ثورة القرنفل Carnation Revolution في البرتغال، هي بداية الموجة الثالثة للتحولات الديمقراطية في جنوب أوربا، والتي أعقبتها تحولات ديمقراطية أخرى في اليونان، وإسبانيا، وأمريكا اللاتينية، وفي نهاية الثمانينيات في جنوب أوربا.
إذا كان هناك ثمة نموذج مثالي للتحول الديمقراطي بقيادة الجيش من الاستبداد إلى الديمقراطية فهذا النموذج هو البرتغال. فقد أنهى الجيش البرتغالي نظام الاستبداد حينما قام بانقلاب، عرف باسم “ثورة القرنفل”، في 25 أبريل 1974، وحافظ على الاستقرار، ودعم التعددية السياسية، وعاد إلى الثكنات سريعًا بعد إنجاز مهمته في الديمقراطية Democratization. وكانت النتيجة ديمقراطية قوية لا تزال تزدهر حتى الآن(1). ووفقًا لفيليب شميتر Philippe Schmitter  فالبرتغال لها تجربة غير مسبوقة في التحول الديمقراطي؛ لأنها كانت أول دول من دول الموجة الثالثة للديمقراطية، فلم تجد أحدًا لتقلده أو تتعلم منه، ولذلك فالبرتغال لديها تجربة استثنائية في التحول الديمقراطي بهذا المعنى (2). والجانب الأنجح في تجربة التحول الديمقراطي البرتغالي، هو إصلاح العلاقات المدنية العسكرية، والتي قادها الجيش بنفسه.
أنهى الجيش البرتغالي نظام الاستبداد حينما قام بانقلاب، عرف باسم “ثورة القرنفل”، في 25 أبريل 1974، وحافظ على الاستقرار، ودعم التعددية السياسية
أولا: قراءة في النموذج البرتغالي
        وفي هذا السياق، فبعد أن أطاح الجيش البرتغالي بالنظام السلطوي Estado Novo (نظام الدولة الجديدة) – الذي استمر في الحكم ما يقرب من خمسة عقود، والذي كان أقدم ديكتاتورية في أوربا الغربية -أصدر بيانًا قصيرًا لتبرير الانقلاب وذكر أهدافه. في البيان، أعلن الجيش إنهاء النظام الاستبدادي، وإجراء إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية لإقامة نظام ديمقراطي. وهذه مهمة هائلة، نظرًا للإرث الاستبدادي الطويل للبرتغال، والاضطراب الثوري، والركود الاقتصادي العالمي في ذلك الوقت. وعد الجيش كذلك بإجراء انتخابات ديمقراطية للجمعية التأسيسية في غضون عام، والتي ستتولى مسئولية وضع دستور ديمقراطي جديد. كما وعد بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وفقًا للإطار الذي ستضعه الجمعية التأسيسية بعد عام واحد فقط من تشكيل الجمعية. وفي النهاية حقق الجيش انتقالًا ديمقراطيًا سلسًا نسبيًا، وخلق ما أطلق عليه شميتر “واحدة من أكثر الأنظمة السياسية التعددية في الوجود.” وبعد عام واحد من الانقلاب تأسست خمسون حركة سياسية وحزب وازدهر النشاط النقابي(3). وبشكل عام كانت “الفترة الثورية” 1974-1976 ، أو المرحلة الانتقالية، المرحلة الأكثر تعقيدًا في التحول الديمقراطي، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن التحول وهو عبارة عن “فترة سيولة، وعدم يقين، تبدأ فيها الهياكل والمؤسسات الديمقراطية في الظهور، وفيها أيضا لا يكون واضحًا نوع النظام السياسي الذي سينشأ بعدها. فخلال هذين العامين ظهرت توترات قوية داخل المجتمع البرتغالي، والتي بدأت في التراجع في عام 1976 عندما تم الموافقة على الدستور الجديد، وعندما عُقدت الانتخابات التشريعية والرئاسية (4). ولكن على عكس الحالة الإسبانية التي تحولت ديمقراطيًا عن طريق التفاوض ruptura pactada (‘negotiated rupture’)، خضعت البرتغال لعملية تحول ديمقراطي دون مفاوضات واتفاقات بين النخبة الديكتاتورية وقوى المعارضة “(5). حيث كان التحول الديمقراطي في البرتغال تحولًا قاده الجيش.  
وفي الواقع، هناك أربعة عوامل حددت نجاح التحول الديمقراطي في البرتغال. أولًا، الدور الذي لعبه الجيش، خاصة ما عُرف بـ “حركة القوات المسلحة” Movimento das Forças Armadas (MFA, Armed Forces’ Movement)في إدارة عملية التحول الديمقراطي. ثانيًا، للدور الذي لعبه الجنرال أيانس في تسهيل عملية التحول الديمقراطي. ثالثًا، الدور الذي لعبته الأحزاب السياسية، خاصة فيما يتعلق بالقبول المؤقت لامتيازات وصلاحيات القوات المسلحة ومأسستها في الدستور. رابعًا، الدور الذي لعبته المؤسسات الدولية مثل الناتو NATO، والاتحاد الأوربي EU، في دعم التحول الديمقراطي في البرتغال.
         أما بالنسبة لـ “حركة القوات المسلحة” فقد قامت بعدد من الإجراءات الرشيدة لتعزيز التحول الديمقراطي، والعلاقات المدنية العسكرية. أولًا: قامت الحركة بتشجيع إنشاء الأحزاب السياسية. وكانت المرة الأولى في ذلك الوقت التي تمثل فيه أحزاب اليمين، ويمين الوسط، سياسيًا في البرتغال، حيث شُكلت أحزاب مثل حزب الوسط الديمقراطي الاجتماعي Centro Democrático Social (CDS, Social Democratic Centre)، والحزب الشعبي الديمقراطي،Partido Popular Democrático (PPD, Popular Democratic Party). وكان تشكيل وإضفاء الصفة القانونية على الأحزاب السياسية لتمثيل الناخبين من يمين الوسط واليمين نقطة مهمة جدًا في التحول الديمقراطي(6).ثانيًا، بذلت حركة الجيش جهدًا كبيرًا لاستبعاد أي شخص ارتبط مع النظام السابق؛ وبذلت جهدًا في العثور على أشخاص ذوي أوراق اعتماد ديمقراطية((7) ثالثًا، قادت حركة الجيش حملة توعية ثقافية لتعبئة السكان -في الريف والضواحي- وتعريفهم بعملية التحول الديمقراطي التي تقوم بها الحركة لتحويل البرتغال نحو الديمقراطية. وكان الهدف من الحملة أيضا التأكيد على أن سكان المناطق الريفية الأميين لن يتم التلاعب بهم للتصويت لصالح النظام الاستبدادي السابق ليعود مرة ثانية للسلطة(8). رابعًا، صممت حركة الجيش خارطة طريق للتحول الديمقراطي من خلال عدد من البرامج المتتالية. على سبيل المثال لخص القادة العسكريين مهامهم في بناء الديمقراطية في وثيقة تسمى “برنامج حركة للقوات المسلحة”. وكانت أهداف البرنامج تفكيك المؤسسات السلطوية للنظام السابق، واستبعاد كبار الموظفين من النظام القديم من مؤسسات الدولة؛ حل البوليس السياسي، الذي كان بمثابة أداة للقمع الوحشي؛ وإنهاء الرقابة، ومكافحة الفساد. سعى البرنامج أيضا إلى إلغاء “المحاكم الخاصة” للنظام السابق، والتي استخدمت لمحاكمة المعارضين السياسيين. ووفقًا للبرنامج، فبعد حل المؤسسات السلطوية، ووضع أسس ديمقراطية مستقرة، سيعود الجيش إلى الثكنات والتقييد فقط بمهمة محددة هي الدفاع عن سيادة البلاد(9).”. وفي ذلك الوقت لم تمنح حركة القوات المسلحة دورًا في النظام الدستوري المؤقت. فكانت فكرتها الأساسية هو تفويض السلطة، والتي أشترك فيها الجيش والمؤسسات المدنية، وكلاهما معينين من قبل حركة القوات المسلحة. ولإضفاء الطابع المؤسسي على دوره في إدارة عملية التحول الديمقراطي، وتفعيل خارطة الطريق، كلفت حركة الجيش بإنشاء “المجلس العسكري للإنقاذ الوطني” National Salvation Junta (Junta de Salvação Nacional (JSN) أو ” مجموعة الإنقاذ الوطني” للإشراف على عملية التحول الديمقراطي، حتى يتم إقامة نظام ديمقراطي كامل، وإنشاء حكومة مؤقتة تكون مسئولة عن الإدارة اليومية، حتى يتم إجراء الانتخابات التشريعية، وتكوين حكومة شرعية(10). وفي هذا الصدد، ولتنفيذ خارطة الطريق، حُدد يوم 25 أبريل 1975، في الذكرى السنوية الأولى للانقلاب، كتاريخ لعقد انتخابات الجمعية التأسيسية. وكانت الانتخابات الأولى من نوعها في التاريخ البرتغالي التي طُبق فيها نظام الاقتراع العام، والتصويت السري، وكانت أول انتخابات ذات معنى في التاريخ البرتغالي منذ العشرينيات. وقد شارك في الانتخابات عشرون حزبًا، أسست تحت الإدارة العسكرية بعد الانقلاب. وكانت انتخابات حرة ونزيهة بكل المقاييس الموضوعية. فقد كان الإقبال مثيرا للإعجاب 92%، وقد فازت أحزاب يسار الوسط، ويمين الوسط، وحزب المحافظين Conservative Party- وكانوا ينادون جمعيًا بإقامة نظام ديمقراطي تعددي على النمط الغربي-  بنسبة 72% من الأصوات. بينما فاز الحزب الشيوعي The Communist Party  على 12.5% من الأصوات(11). وفي هذه الانتخابات فاز الحزب الاشتراكي Socialist Party (PS) ، والحزب الشيوعي البرتغالي Portuguese Communist Party (PCP)، وكلاهما كان يتبني الماركسية في ذلك الوقت، بأغلبية 151 مقعدًا من إجمالي الـ 250 كرسيا التي تضمها الجمعية(12). وقد أسهم الإقبال المذهل” على انتخابات الجمعية التأسيسية، وتحديد توزيع المقاعد لصياغة دستور جديد، على ترسيخ فكرة المشاركة الشعبية والديمقراطية ” في البرتغال”((13) ولكن على الرغم من ذلك فقد ظلت أفق الديمقراطية غامضة في ذلك الوقت، حيث حاول الحزب الشيوعي البرتغالي الوصول للسلطة، وتأسيس ديكتاتورية جديدة. وفي هذا السياق، فقد حُظر عمل الحزب الشيوعي خلال النظام السابق، لكنه مارس العمل السري، والوجود تحت الأرض لمدة خمسة عقود، مثلما فعلت جماعة الإخوان في مصر. وخلال الفترة الانتقالية عمل الحزب الشيوعي وتصرف إلى حد كبير بما يشبه تصرف النظم السلطوية، خاصة احتكار السلطة. فلم يخف نيته لتأسيس نظام شيوعي معادي للديمقراطية في البرتغال. وعلى الرغم من أن انتخابات الجمعية التأسيسية قد أدت إلى انتصار للأحزاب الديمقراطية وحلفائها، فقد تحالف الحزب مع صغار الضباط الموالين له داخل القوات المسلحة، وقاد محاولة انقلاب فاشلة في 25 نوفمبر 1975. وتصدت القيادة العسكرية بقيادة اللفتنانت كولونيل أنطونيو راماليو أيانس Lieutenant-Colonel Antonio Ramalho Eanes لها بنجاح وأجهضت محاولة الانقلاب.وقد شكلت هزيمة الانقلاب الشيوعي من قبل الجيش انتصارًا حاسمًا للجيش على محاولات الحزب الشيوعي تغيير المسار الديمقراطي للفترة الانتقالية، وقلصت بشكل كبير من احتمال انحدار البرتغال لنظام ديكتاتوري في المستقبل.وقد تعرض الحزب الشيوعي لقدر كبير من اللوم لقيامه بمحاولة الانقلاب تلك. فقد لام الفاعلون السياسيون في البرتغال الحزب الشيوعي على انتهاكه قواعد الديمقراطية. ولذلك فقد اضطر الشيوعيون إلى الحد من شهيتهم الاستبدادية، وشاركوا في السوق الديمقراطي الجديد.وبعد فشل انقلاب 25 نوفمبر، رأي جميع الفاعلين الديمقراطيين تقريبًا في الجيش كحارس للديمقراطية الوليدة في البرتغال. وأدركت الأحزاب الديمقراطية أنه ليس من العملي ولا من المرغوب فيه، إبعاد الجيش بشكل تام عن السياسة البرتغالية، حيث وجدوا في الجيش مؤسسة لا غنى عنها لتقديم الضمانات اللازمة لكل الفاعلين الأساسين. ولذلك فسوف يحتفظ الجيش بدور دستوري باعتباره الضامن للديمقراطية البرتغالية التي أنشئت حديثًا(14).
ونتيجة لدوره في صد الانقلاب الشيوعي تم ترقية المقدم أيانس Eanes إلى درجة القائد العام للقوات المسلحة. وكانت ترقية المقدم أيانس، وهو ضابط مؤيد للديمقراطية، هو تأكيد لالتزام القوات المسلحة الراسخ بالنهوض بالديمقراطية، والسياسة غير الحزبية، ومؤشر لاستعداد القوات المسلحة لمستقبل دورها الدستوري((15)ونتيجة لذلك، ففي 11 ديسمبر 1975، أعد أيانس وثيقة مؤيدة للديمقراطية، تم الموافقة عليها من قبل المجلس العسكري الحاكم، بالاتفاق مع قادة القوات الجوية والبحرية. وقد نُشرت الوثيقة في نهاية ديسمبر 1975، تحت عنوان القانون الدستوري رقم 17 لسنة 1975، والذي أدمج فيما بعد في الدستور البرتغالي، الذي أعدته الجمعية التأسيسية. وكان يحمل عنوانًا: ” القواعد الأساسية لإعادة تنظيم القوات المسلحة” “Fundamental Bases for the Reorganization of the Armed Forces” . كما قدمت الوثيقة المكونة من 315 مادة مفصلة، والصادرة في 25 ابريل 1976 إصلاحًا سياسيًا وعسكريًا مهمًا. فقد أعطت حركة القوات المسلحة دورا إشرافيا ورقابيا في الحكومة. كما نصت على استمرار الاقتصاد والمجتمع البرتغالي في التحول نحو الطريق للاشتراكية(16). كما عكس تصريح سياسي بالغ الأهمية لأيانس عن دور ومهام الجيش في التحول الديمقراطي. فقد قال إن الجيش يمكن أن يحقق تلك المهمة الدستورية، إذا أتخذ فقط موقفًا غير حزبي بصرامة، وأن لا يكون في خدمة أي حزب سياسي. ولذلك فإن مستقبل الديمقراطية في البرتغال اعتمدت على تولي الجيش لدور متواضع ومعتدل، والمساعدة على بناء توافق في الآراء بين الأحزاب السياسية. وعلى الرغم من أن البيان أعطى القوات المسلحة سلطة دستورية لحماية الخطاب الديمقراطي، لكنه أيضا هدف إلى منع تمديد وتوسيع دور الجيش عن المهام المذكورة في الوثيقة آنفة الذكر. وأقترح البيان أيضا اتخاذ إجراءات لإعادة الصفة الاحترافية للجيش، من أجل زيادة مقدرته والتزامه في دعم الخيارات السياسية للأحزاب السياسية الديمقراطية(17). ومن ناحية أخرى، فقد وعد الدستور الجديد التي أنتجته الجمعية التأسيسية بإنشاء الاشتراكية والديمقراطية الليبرالية. فقد أشار إلى الانتقال نحو الاشتراكية “Transition to Socialism” ، ومجتمع غير طبقي “Classless Society”، كما أشار إلى وضع أسس “ديمقراطية ليبرالية”، مماثلة لديمقراطية دول أوربا الغربية. ولتجنب عدم الاستقرار السياسي المستشري في البرتغال في بداية هذا القرن، اختار الدستور نظام شبة رئاسي للحكم. حيث يتم تقاسم السلطة بين رئيس منتخب وجمعية وطنية منتخبة(18).
هناك عدة عوامل حددت نجاح التحول الديمقراطي في البرتغال. خاصة الدور الذي لعبته الأحزاب السياسية، خاصة فيما يتعلق بالقبول المؤقت لامتيازات وصلاحيات القوات المسلحة ومأسستها في الدستور
      وقد خوّل الدستور مجلس الثورة Council of the Revolution كضامن لسير عمل المؤسسات الديمقراطية، وتنفيذ مواد الدستور، والإخلاص لروح الثورة البرتغالية، وكجهاز سياسي وتشريعي في القضايا العسكرية. واحتفظ هذا المجلس المدني بالسلطة الوحيدة في صياغة قانون الدفاع الوطني. كما بين الدستور أن رئاسة المجلس سوف تكون لرئيس الجمهورية. وبشكل عام يضم في عضويته رئيس أركان القوات المسلحة، ونائب رئيس الأركان، وثلاثة قواد من الأفرع الأساسية لقوات المسلحة، ورئيس الوزراء، وأربعة عشر ضابطًا يختارهم الجيش والقوات الجوية والبحرية. وقد خوّل الدستور الجديد أيضا مجلس الثورة العمل كـ “هيئة استشارية” “Advisory Body” للرئيس لإصدار قوانين الدفاع الوطني، والمراسيم المتعلقة بالمؤسسة العسكرية، ووظيفتها، وانضباط القوات المسلحة. والأهم، فقد احتفظت تلك الجمعية المدنية بالسلطة على الموافقة على الميزانية السنوية للجيش. كما منح الدستور المجلس العمل كمحكمة دستورية بحكم الأمر الواقع، وذلك للفصل في دستورية كل القوانين التي تصدر من البرلمان(19). وكان الدور الدستوري للجيش هو الاختيار الأمثل بالنسبة للأحزاب السياسية، وكان في صالح تعزيز وترسيخ الديمقراطية على المدى الطويل، لسببين أساسيين، أولًا، فقد اعتبرت الأحزاب السياسية الرقابة العسكرية للنظام السياسي في تلك المرحلة كضابط وكابح ليس فقط عليهم كأحزاب سياسية؛ ولكن أيضا على خصومهم السياسيين. وهذا سيضمن التزام كل الأحزاب السياسية بالقواعد الأساسية للسياسة الديمقراطية التي أنشاها الدستور. ثانيًا، حافظ الدستور على استقلال الجيش خلال أربع سنوات الدورة التشريعية الأولى، وذلك عندما يكون الدستور غير قابل للتعديل بدون موافقة المجلس العسكري. وبفعل ذلك فإن الدستور قد أستبق أي توترات يمكن أن تنشأ من محاولة الأحزاب السياسية الجديدة إخراج الجيش من السياسة فورًا أو تقليص استقلال الجيش. كل تلك القيود المؤقتة للدور الدستوري الجيش ساعدت على مأسسة دور الأحزاب السياسية، وساعدت على جمع أكبر قدر من الدعم الشعبي من الناخبين قبل معالجة أي قضايا حساسة تمس الجيش.وقد أبقى الدستور على نظام التمثيل النسبي في المجلس التشريعي. وقد أدى هذا إلى انتخاب أربعة أحزاب رئيسة في الجمعية التأسيسية. وقد حقق ذلك هدفين أساسيين، فاستبعاد أي قوة سياسية كبيرة من البرلمان كان يمكن أن يؤدي بهم إلى اعتماد أجندة معادية للديمقراطية. ثانيًا، وجود أربعة أحزاب قوية يضمن عدم وجود حزب واحد قوي بالدرجة التي الممكن أن تعرض للخطر الحكم الديمقراطي. كذلك يمنع هذا النظام إقصاء أي حزب مهم من التمثيل في البرلمان. ونظام التمثيل النسبي أيضا يجعل إمكانية حصول حزب واحد على الأغلبية وتشكيل الحكومة أمرا صعبا؛ وهو ما يفرض على الأحزاب السياسية اتباع قدر من المساومة والتوافق والائتلاف والتحالف بينهما؛ ويعني أيضا أن اتباع الطرق المسدودة ستؤدي إلى التوتر السياسي وعدم الاستقرار(20). ولذلك فالأربعة أحزاب الرئيسية التي فازت بمقاعد في الجمعية التأسيسية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الديمقراطية البرتغالية، والتي تأكدت من خلال الانتخابات البرلمانية الأولى في أبريل 1976، والتي مُثلت فيها الأحزاب الأربعة في البرلمان. خلاصة القول إن الدستور البرتغالي لعام 1976 كان براجماتيا واشتراكيا للغاية. ونظرًا للعوامل الاقتصادية الخارجية الناتجة عن كون البرتغال دولة تحت التنمية نسبيًا، والمتشابكة مع ديناميكية السياسية الداخلية، فقد أصبح الدستور موضوعا سياسيا بمجرد إصداره. فمع إقرار الدستور الجديد، وإجراء الانتخابات التشريعية في 25 أبريل 1976، والانتخابات الرئاسية في 27 يوليو 1976، فقد تشكلت المؤسسات الديمقراطية الجديدة. وأنهت المرحلة الانتقالية التي دامت عامين عدم اليقين التي تتسم بها مراحل التحول الديمقراطي. وأصبحت الفترة بين 1976 و 1982 ليست ضمن الفترة الانتقالية، ولكنها واحدة من فترات تعزيز وترسيخ الديمقراطية Democratic Consolidation(21). وفي انتخابات ديسمبر 1979 وأكتوبر 1980 حقق ائتلاف التحالف الديمقراطي، الذي ضم حزب الشعب الديمقراطي وحزب الوسط الديمقراطي الاشتراكي، والحزب الملكي الشعبي، وعددا من المستقلين فوزًا ساحقًا. وهذا الفوز الساحق للأحزاب المدنية كان مؤشرا قويا لاستعداد تلك الأحزاب على تولي مركز الصدارة في السياسة، وأدت إلى فترة من الاستقرار، وعملية تغير مؤسسي ساعد على إلغاء امتيازات الجيش التي حصل عليها في دستور 1976. وبحلول عام 1982 كانت الأحزاب السياسية والمؤسسات في البرتغال قد حققت درجة معقولة من الوجود المستقر. وقد حصل ائتلاف من الأحزاب الموجودة على أغلبية الثلثين المطلوبة لتعديل الدستور. وقد حققت التعديلات الدستورية تقليل سلطات الرئيس ونقلها إلى مؤسسات أخري، وإلغاء مجلس الثورة، والذي أستبدل بمجلس الدولة Council of State، وهو مجلس استشاري مدني، ومحكمة دستورية في نفس الوقت. وقد أنشئت التعديلات أيضا أطارًا قانونيًا لإخضاع الجيش لسلطة ديمقراطية مدنية(22). بالإضافة إلى التصديق على التعديلات الدستورية، فقد أصدر المجلس التشريعي قانونًا للدفاع الوطني في نوفمبر 1982. وقد أخضع القانون الجيش للسلطات المدنية، وأيضا فقد أعاد تعريف مفهوم “الدفاع الوطني”، وذلك من أجل جعل الجيش يتماشى مع معايير حلف شمال الأطلسي. وقد حدد القانون دور الجيش في حماية الدولة من التهديد الخارجي، وألغى مهمة الجيش في الأمن الداخلي، والتي يمكن أن يستخدمها الجيش لتبرير تدخلاته السياسية في المستقبل(23).
أما بالنسبة للدور الذي لعبه الجنرال أيانس، فقد لعب أيانس دور المسهل Facilitator للتحول الديمقراطي في البرتغال. وبعد توافق كل القوى والأحزاب السياسية الكبرى على دعم ضابط واحد لسباق الرئاسة: أيانس، فقد رشح نفسه في الانتخابات الرئاسية في عام 1976 وحصل على 61.6% من إجمالي الأصوات. وهو سياسي معتدل وكان يُنظر إليه على نطاق واسع بأنه أفضل قائد عسكري قادر على غرس الروْح غير الحزبية في الجيش؛ حيث كان يرى أن القوات المسلحة لا يجب أن تتبنى دورًا سياسيًا معينًا، لكنها يجب أن تعمل على الأحرى كضامنة للنظام الديمقراطي؛ وفقًا للنموذج الغربي. وتحت قيادة أيانس ركز الجيش على التهديدات الخارجية وليس الداخلية، وذلك بفضل عضوية البرتغال في منظمة حلف شمال الأطلسي، وعمل القوات البرتغالية في بعثات منظمة حلف شمال الأطلسي. وقد ألزم أيانس نفسه بأن يكون غير حزبي – رئيسا يظل فوق الأحزاب وغير ملتزم بأي حزب أو أجندة (24).
      ومع ذلك، فإنه ليس من الممكن تجاهل أهمية دور الأحزاب السياسية في التحول الديمقراطي البرتغالي. فقد لعبت الأحزاب السياسية دورًا حاسمًا في التحول الديمقراطي في البرتغال. وفي تناقض صارخ للحالة التركية، فقد كانت الأحزاب، وليس القادة العسكريون أو الجيش، هم من ملأوا أي فراغ في السلطة. ولذلك فقد كافح الجيش البرتغالي فقط للتغلب على الصراعات الداخلية، فلم يكن الجيش البرتغالي لديه فاعلية الجيش التركي في سد أي ثغرات في السلطة السياسية. وقد كان ذلك أمرًا مهمًا لضمان الحصول على علاقات مدنية عسكرية، وفقًا للمعايير الغربية؛ وضمان تحول سلس نحو الديمقراطية. وعلي النقيض من الجيش التركي أيضا، فقد حدد الجيش البرتغالي مدته الدستورية بست سنوات فقط. فقد كان هناك إجماع بأن مجلس الثورة سوف يُلغى عندما يكون ممكنًا تعديل الدستور بعد انتخابات 1980 البرلمانية. وبوضع حد زمني مؤقت لسلطاته الدستورية، أشار الجيش البرتغالي بأن مدته ستكون مؤقتة، وأن تركه وهجره للسياسة شئ حتمي لا يقبل الجدل. ولكن بعد أن تأخذ الأحزاب السياسية الوقت الكافي لتمكين نفسها، والحصول على الدعم الشعبي، بعد ذلك يمكن لها أن تتحدى الصلاحيات التي احتفظ بها الجيش لنفسه في الدستور، ويمكن أن تفعل ذلك من موضع القوة. فعلى سبيل المثال فقد انتظر الزعماء المنتخبون في البرتغال حتى كونوا حكومة مستقرة وشعبية في بداية الثمانينيات قبل إجراء محاولة إلغاء الامتيازات والصلاحيات الدستورية للجيش. ومن المفارقات أن إبعاد الجيش عن السياسة قد جاء من نفس الأحزاب السياسية التي دعمها الجيش البرتغالي بعد انقلاب 1974|(25)
        أما بالنسبة للدور الذي لعبته المؤسسات الدولية في إصلاح العلاقات المدنية في البرتغال، فبدون الادعاء بأن لها دورا حاسما، فتجدر الإشارة إلى أن سقوط النظام الديكتاتوري البرتغالي قد فاجأ المجتمع الدولي(26). ولذلك يجب التأكيد على أن الدور الخارجي قد لعب دور المسهل في العلاقات المدنية العسكرية، وليس دورًا رئيسيًا في تلك العلاقات أو في التحول الديمقراطي البرتغالي بشكل عام. فعلاقات البرتغال بالناتو والاتحاد الأوربي قد حسنت، ولم تصنع، العلاقات المدنية العسكرية. وفي هذا السياق، فقد ركز المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، خلال المرحلة الانتقالية، على تقديم الدعم المالي للأحزاب السياسية الديمقراطية، مثل يسار الوسط وأحزاب اليمين. كما مُوّلت الأحزاب المعتدلة من الإدارة الأمريكية أيضًا(27) لكن التزام البرتغال مع حلف الناتو، وعلاقاتها بالاتحاد الأوربي جعلت مسألة خضوع الجيش لسيطرة مدنية ديمقراطية مسألة حتمية. وهذا هو الأهم (28). كما أسهمت عضوية البرتغال في الناتو في فرض تحديث على القوات المسلحة البرتغالية. فقد حضر ضباط الجيش البرتغالي برامج تدريبية في مراكز تابعة للحلف، وهو ما عرف بـ “جيل ضباط الناتو”، وقد عززت تلك البرامج فكرة المعاير الديمقراطية في العلاقات المدنية العسكرية، وضرورة خضوع الجيش لسلطة مدنية ديمقراطية. وقد وضع الضباط الذين تلقوا تدريب في الحلف في مراكز قيادية متميزة، ونالوا ترقيات مهمة، وهو ما دعم التزام القيادة العسكرية بالمعايير الديمقراطية في علاقة الجيش بالسلطة المدنية.(29). ثم عدلت البرتغال بعض القوانين لتتماشى مع معايير الحلف؛ مثل قانون الدفاع الوطني National Defense الذي أصدره البرلمان في نوفمبر 1982. وقد فرض القانون خضوع الجيش لسيطرة سلطة مدنية ديمقراطية كما سبق ذكره. ولكن تجب الإشارة إلى أن رغبة القيادة السياسية والعسكرية في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية، هو العامل الحاسم في ذلك، وليس علاقاتها بشكل مجرد بالمنظمات الدولية. فتركيا مثلًا عضو في حلف شمال الأطلنطي، وخضعت لبعض الإصلاحات التي تتطلبها العضوية في الاتحاد الأوربي، لكنها أنتجت إصلاحًا جزئيا في العلاقات المدنية، ويتفق جزئيًا مع المعايير الغربية. فالعضوية في المؤسسات ليس عاملًا حاسمًا في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية، بل اتفاق القيادة السياسية والعسكرية والنخب والأحزاب السياسية على إجراء تلك الجراحة الخطيرة.

الدور الدولي لن تكون له الأهمية الكبرى في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية، إذا لم تكن الأطراف المعنية في الدولة التي تمر بالتحول الديمقراطي، لديها الرغبة لقيادة البلاد نحو إصلاح
ثانيًا: ما الدروس التي يمكن أن تتعلمها مصر من التجربة البرتغالية؟
النموذج البرتغالي نموذج فريد واستثنائي في العلاقات المدنية العسكرية. فقد قاد الجيش مسألة إصلاح تلك العلاقات، حيث قدم خارطة طريق للانقطاع مع النظام السابق، والتحول نحو الديمقراطية. ومن المؤسف القول بأن مصر من الصعب أن تحاكي النموذج البرتغالي، لعدد من الأسباب. أولًا، في البرتغال كان كل من المؤسسة الرئاسية والأحزاب السياسية لديها نفس الرغبة في قيادة البلاد نحو الديمقراطية، على الرغم من أن رأس المؤسسة الرئاسية ذا الخلفية العسكرية. وعلى النقيض من ذلك، ففي مصر كلا من المؤسسة العسكرية والرئاسية لديهما نفس الخلفية: العسكرية، ونفس النظرة إلى العالم، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على الوضع القائم، وعدم بناء اتفاق وتوافق للتحول الديمقراطي، ومن ثم لإصلاح العلاقات المدنية العسكرية. فالرئيس نفسه، عمل وزيرًا للدفاع، ووزير الدفاع الحالي، كان مصدر ثقة للرئيس، وقريبا منه، بحكم عملهما السابق في المؤسسة العسكرية. ولذلك فليس من مصلحتهما الدفع ببرنامج للعلاقات المدنية العسكرية، خاصة مع الحرب الدائرة الآن ضد الإرهاب في سيناء، التي قد تكون معوقا في الوقت الحالي لتنفيذ ذلك البرنامج.     
     ثانيا، فالقيادة العسكرية الحالية ليست شابة مثلما كانت القيادة العسكرية في البرتغال؛ وبالتالي قد لا ترغب في إنهاء مدة خدمتها العسكرية بفتح هذا الملف الذي يمكن أن يثير بعض القيادات الأخرى في الجيش، والتي مازالت في الخدمة.
       ثالثًا، تفتقر مصر إلى حالة الاتحاد الوطني بين الأحزاب السياسية، والتي تساعد على تحسين العلاقات المدنية العسكرية. كما تفتقر مصر إلى شخصية كاريزمية مثل شخصية الجنرال أيانس الذي لعب دورًا مهمًا وحاسمًا في التحول الديمقراطي، أو في العلاقات المدنية العسكرية. فعلى الرغم من أن الرئيس السيسي يشبه كثيرًا الجنرال أيانس، وعلى الرغم من أن الانقلاب الدستوري الذي قام به الرئيس مرسي والإخوان في نوفمبر 2012 يشبه كثيرًا الانقلاب العسكري الذي قام به الحزب الشيوعي في البرتغال في عام 1975، لكن السياق التالي للحدثين لم يكن واحدًا. وذلك بسبب لجوء الإخوان للعنف والإرهاب، وعدم قبولهم الدمج في العملية السياسية، التي تلت خروجهم من السلطة في 3 يوليو، وهو عكس ما فعله الحزب الشيوعي، عندما فشلت محاولته في الانقلاب، حيث قبل القواعد السياسية للتحول الديمقراطي، وأصبح جزءا من السوق السياسي البرتغالي. وبسبب عدم قدرة الأحزاب السياسية المصرية على إخراج شخصية كاريزمية قادرة على الوصول لتوافق وطني، هو شرط ضروري للتحول الديمقراطي، وإصلاح العلاقات المدنية العسكرية. وهذا عكس ما حدث بالضبط بعد محاولة الانقلاب الفاشلة للحزب الشيوعي، حيث تم التوصل لتوافق وطني وإلزام الحزب الشيوعي على احترام قواعد التحول الديمقراطي.
          وفي هذا الصدد أيضا تجب الإشارة إلى شخصية كل من السيد عمرو موسي والدكتور محمد البرادعي. فكليهما شخصيات ذات حضور، ولكنها ليست شخصيات كاريزمية، بالمعني الحرفي. فالأول، كان جزءا من نظام الرئيس الأسبق مبارك، وعلى الرغم من اشتراكه في الفعاليات السياسية التي تلت خلع الرئيس مبارك، فإن الرجل لم يستطع إقناع شريحة كبيرة من الأحزاب السياسية بل والرأي العام المصري بأنه شخصية مدافعة عن الديمقراطية، وبالتالي بناء تحالف سياسي لإصلاح العلاقات المدنية العسكرية. والثاني، هو عن حق مؤمن إيمانًا مثاليًا وغانديًا بالمثل الديمقراطية، وكان ملهما لجيل من الشباب الذين اشتركوا في ثورة 25 يناير. لكن الرجل لا يتحلى بالسمات التي تتسم بها الشخصية الكاريزمية المدافعة عن المثل الديمقراطية، والتي من بينها الصبر، وطول البال، والمواجهة والصمود عندما تسوء الأمور، ومهارات بناء التحالفات مع الخصوم قبل الأصدقاء، وبالتالي القدرة على قيادة تحالف وطني من أحزاب سياسية، ضروري أن تكون متصارعة ومتناقضة  المصالح، من أجل إجراء جراحة صعبة وخطرة في العلاقات المدنية العسكرية. فربما تصلح شخصية الرجل في البلاد المستقرة ديمقراطيًا، لكنها ربما لا تصلح في البلاد التي تحتاج إلى نضال طويل، وصبر من أجل الوصول إلى التحول الديمقراطي، وبالتالي إصلاح العلاقات المدنية العسكرية.
            رابعًا، تفتقر مصر كذلك للعامل الخارجي الذي يمكن أن يقدم حوافز لإصلاح العلاقات المدنية العسكرية. فعلاقات مصر مع حليفاتها الرئيسية الولايات المتحدة تأثرت كثيرًا بشكل سلبي بعد 3 يوليو، وإزاحة الإخوان عن السلطة. ولكن حتى بفرض قوة العلاقات بين البلدين كما كانت في عهد الرئيس الأسبق مبارك، لم يكن ملف إصلاح العلاقات المدنية العسكرية جزءًا من الحوار الإستراتيجي الأمريكي مع الحكومة المصرية على الإطلاق. مصر أيضا ليست عضوًا لا في حلف الناتو، ولا هي بالطبع عضوًا في الاتحاد الأوربي، الذين قدموا مساهمات مهمة لبعض الدول الأوربية لإصلاح العلاقات المدنية العسكرية حتى تتماشي مع المعايير الغربية.
           ومع ذلك، فمصر يمكن أن تتعلم خمسة دروس أساسية من النموذج البرتغالي. أولًا، وضع خريطة طريق للتحول الديمقراطي تبين بوضوح الدور المؤسسي للجيش في المستقبل، هي شرط حاسم لنجاح إصلاح العلاقات المدنية العسكرية. ثانيًا، بناء اتفاق عام وتوافق بين الأحزاب السياسية حول إصلاح العلاقات المدنية العسكرية له دور حاسم في نجاح ذلك الإصلاح. ثالثًا، التفاوض على دور دستوري مؤقت للجيش بعد بدأ عملية التحول الديمقراطي، وجعل امتيازات وصلاحيات الجيش ذات طابع مؤسسي مؤقت، والتأكيد على استقلال الجيش شرط حاكم لنجاح إصلاح العلاقات المدنية العسكرية. رابعًا، الاتحاد الوطني حول التحول الديمقراطي شرط أساسي أيضا لنجاح إصلاح العلاقات المدنية العسكرية. خامسًا، الدور الدولي لن تكون له الأهمية الكبرى في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية، إذا لم تكن الأطراف المعنية في الدولة التي تمر بالتحول الديمقراطي، لديها الرغبة لقيادة البلاد نحو إصلاح العلاقات المدنية العسكرية.
 النموذج الإسباني.
فإسبانيا كان لديها نظام سلطوي حتى نهاية السبعينيات. فالجنرال فرانكو General Franco الذي تولى السلطة قبل الحرب العالمية الثانية كان رئيسًا للبلاد وقائدًا عامًا للقوات المسلحة في نفس الوقت. وقد جعل فرانكو القوات المسلحة العمود الفقري لنظامه. فقد تولى ضباط الجيش، وظائف في مجلس الوزراء، ومارسوا احتكار على فرض النظام العام، ومارسوا حتى وظيفة القضاء(1).
لم يلعب الجيش الإسباني دورًا سياسيًا مستقلًا في النظام السلطوي لفرانكو، وهو الدور الذي من الممكن أن يراه الجيش ضرورة لاستمراره
أولا: ملامح النموذج الإسباني
التحول الديمقراطي في إسبانيا، مثل كل التحولات الديمقراطية حول العالم، كان معقدًا للغاية، وكان لا يمكن التنبؤ به بشكل كبير. وكانت إسبانيا بشكل عام، والقوات المسلحة بشكل خاص، معزولة عن ديناميكيات الحداثة والديمقراطيةDemocratization ، التي اجتاحت أوربا بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يمنح فرانكو الفرصة للانضمام للناتو، ولا لمجلس أوربا الذي سبق إنشاء الاتحاد الأوربي. وعلى الرغم من أنه قد سُمح لفرانكو بالانضمام إلى الأمم المتحدة في عام 1955، فإن إسبانيا كان ينظر إليها على أنها دولة مارقة من جزء كبير من المجتمع الدولي (2).
          لكن طبيعة الجيش الإسباني، خاصة محافظته السياسية، ودوره الخاضع والثانوي في نظام فرانكو، جعلت من الأسهل وضع إستراتيجية للتعامل مع القوات المسلحة، وبالتالي نجاح التحول الديمقراطي. وفي هذا السياق، لم يلعب الجيش الإسباني دورًا سياسيًا مستقلًا في النظام السلطوي لفرانكو، وهو الدور الذي من الممكن أن يراه الجيش ضرورة لاستمراره. وعلى العكس من جارتها البرتغال، حيث تبنى بعض الضباط بعض الأفكار اليسارية، كان ضباط الجيش الإسباني محافظين سياسيًا أو غير متبنين لأي أفكار سياسية. ولذلك فقد كان من الواضح أن المدنيين الذين يريدون بناء برنامج للتحول الديمقراطي، لابد أن يضعوا خطة للتعامل مع القوات المسلحة(3).
وبشكل عام هناك أربعة عوامل أثرت على العلاقات المدنية العسكرية في إسبانيا. أولًا، مدي مدنية النظام السابق؛ فوفقًا لفيليبي أجويرو Felipe Agüero، الذي درس الحالة الإسبانية في العلاقات المدنية العسكرية، فالجيش لعب دورًا ثانويًا خلال الفترة الانتقالية، وذلك بسبب كون نظام الجنرال فرانكو كان نظامًا مدنيًا(4).. العامل الثاني هو “مسار التحول الديمقراطي”. فمسار التحول الديمقراطي في إسبانيا كان مسارا تدريجيا؛ وقد سيطرت على هذا المسار نتائج المفاوضات بين النخب المدنية والنخب العسكرية. العامل الثالث، هو دعم الرأي العام الإسباني للديمقراطية. فالنخب السياسية المدنية كانت مدعومة ومُقادَة بدعم قوي من الرأي العام للديمقراطية، وكان الجيش مدركًا لهذا الدعم. رابعًا، الاتحاد القوي بين الجماعات السياسية الرئيسية. فذلك الاتحاد في الحالة الإسبانية كان قويًا بشكل كاف لتحدي المؤسسة العسكرية.
         وبشكل عام، فقد بدء التحول الديمقراطي في نهاية السبعينيات وانتهى مع انتخاب الحزب الاشتراكي الإسباني Spanish Socialist Party  في عام 1982. وكان العامل الحاسم في مجمل عملية التحول الديمقراطي في إسبانيا، هو حسم العلاقات المدنية العسكرية. فالتحول الديمقراطي في إسبانيا يقدم “قصة نجاح”(5) وقد بدء ذلك التحول الديمقراطي كرد فعل للانقلاب الذي قام به صغار الضباط في البرتغال في 25 أبريل 1974، الذي أطاح بالديكتاتورية الأخرى في غرب أوربا. لكن التحول الحقيقي والفعلي قد حدث بعد وفاة فرانكو في نوفمبر 1975، وقد فتح موته الطريق للتحول الديمقراطي، خاصة بعد سماحه قبل وفاته بعودة الملكية في شخص الملك دون جوان كارلوسDon Juan Carlos الذي مهد الطريق للتحول الديمقراطي، والذي بمقتضاه ظهرت الأحزاب السياسية التي تفاوضت مع بعضها بعضا ومع الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، وأنشأت تدريجيًا الإطار والعمليات المختلفة لإنشاء نظام ديمقراطي، وإصلاح العلاقات المدنية العسكرية. وقد لعبت الجهات الدولية الفاعلة، والأحزاب السياسية والنقابات دورًا مهمًا في المساعدة والتشجيع على صياغة تلك العملية(6).
وقد أسهمت أربعة عوامل حاسمة في النجاح الإسباني في إصلاح وإعادة تعريف العلاقات المدنية العسكرية: إنشاء وزارة للدفاع، والتي عملت على إضفاء الطابع المؤسسي للسلطة المدنية على القوات المسلحة؛ قرار إعادة تعريف لأدوار ومهام القوات المسلحة؛ ظهور مجموعة صغيرة من المدنيين عرفوا باسم الـ “سنهدرين” “Sanhedrin” والذين أصبحوا بارعين وخبراء في القضايا المتعلقة بالأمن والدفاع والعلاقات المدنية العسكرية. وأخيرًا دعم المؤسسات الدولية، خاصة الناتو، وفي وقت لاحق الاتحاد الأوربي، مما ساعد على توجيه وتشجيع ظهور نموذج ديمقراطي للسيطرة المدنية على القوات المسلحة(7).
أولًا، بالنسبة لجماعة الـ “سنهدرين” “Sanhedrin”، فمنذ نهاية السبعينيات تكونت تلك المجموعة وباختيارها الذاتي، وقد تألفت من الأكاديميين والبيروقراطيين أساسًا من وزارة الخارجية، والسياسيين الذين درسوا القضايا المتعلقة بالأمن والدفاع والعلاقات المدنية العسكرية، وفقًا للمعايير الديمقراطية مستخدمين بعض المصادر الأكاديمية، وتبادل الخبرات والتشاور والمناقشة مع بعض الضباط الإسبان، والدورات التعليمية القصيرة. وبعد الانضمام إلى الناتو في عام 1982 أخذوا الخبرة في التدرب من خلال مركز الحلف في بلجيكا. باختصار، فقد كانوا إلى حد كبير مجموعة من العصاميين وتعلموا في الميدان ومن خلال الفرص المتاحة. وقد تواصل هؤلاء المدنيين مع مجموعة صغيرة من الضباط وأعادوا معا تعريف العلاقات المدنية-العسكرية(8). مما ساعد على وضع القوات المسلحة تحت سيطرة مدنية ديمقراطية. وللقيام بذلك قامت مجموعة الـ “سنهدرين” بوضع خطة لكسب تأييد القوات المسلحة من أجل السماح ببدء إصلاح العلاقات المدنية العسكرية. وطبقًا لذلك قبل الجيش بعض الضمانات من أجل البدء في ذلك الإصلاح. حيث قدمت للقوات المسلحة ضمانات بشأن وحدة إسبانيا، وتوطيد النظام الملكي، الذي أعيد إنشاؤها أخيرًا، واحترام الشرعية. وقدمت إليهم ضمانات بتحديث القوات المسلحة من خلال شراء معدات جديدة والقيام ببرامج تدريب حديثة. فعلى سبيل المثال، وافقت رئاسة الوزارة المدنية في يناير 1977 على رفع ميزانيات الدفاع إلى 31% كل عام على الرغم من أن إجمالي الزيادة خلال الفترة من 1971-1976 كانت 20% فقط(9)
أثناء الحكم الديكتاتوري اخترق الوجود السياسي للجيش جميع قطاعات الحياة الإدارية. ولذلك فالنجاح في إعادتهم إلى وظائفهم الأساسية مسألة مهمة في العلاقات المدنية العسكرية
       ثانيًا، كان إنشاء وزارة الدفاع، وتعيين قيادة مدنية للقوات المسلحة خطوة حاسمة في مأسسة العلاقات المدنية العسكرية؛ وكان الجمع بين الاثنين شيئًا واضحًا جدًا. فوجود وزارة الدفاع شيء مطلوب للتخفيف من حدة الاحتمالات السياسية لرد فعل الجيش. والوزير، والذي يجب أن يكون مدنيًا، سيقود التوجه السياسي للوزارة. وتجدر الإشارة إلى أن الطبيعة الملازمة للجيش لن تتناسب مع ذلك النوع من التعيين، خاصة إذا كان هناك تاريخ طويل من العمل بطريقة مختلفة(10). وبشكل عام، كان الضباط في البداية معترضين على وضع وزارة الدفاع تحت قيادة مدنية. فعلى سبيل المثال، عندما سُئل طلاب الأكاديمية العسكرية، إذا ما كانوا يفضلون أن يكون وزير الدفاع، ومدير السياسة الدفاعية General Director of Defence Policy ، ومدير المجلس الأعلى لمعلومات الدفاع director of the Superior Centre of Defence Information– الآن مركز الاستخبارات الوطني National Intelligence Centre ، مدنيًا أم عسكريًا. أعرب هؤلاء الطلاب عن تفضيلهم الهائل للأفراد العسكريين في الحالات الثلاث بنسبة (64٪، 78٪ و 74٪) على التوالي(11). وعلى الرغم من ذلك ففي عام 1977 قررت مجموعة السنهدرين ومجموعة صغيرة من الضباط السير على منوال الدول الديمقراطية، وأنشأوا وزارة الدفاع في يوليو من ذلك العام. وفي البداية كانت وزارة جوفاء إلى حد كبير، وبالكاد وزارة بيروقراطية، ولكن تدريجيًا، بدأت تتعامل بالفعل في القضايا المتعلقة بالميزانيات والموظفين ووضع السياسية الدفاعية. وبعد عام 1979 تولى وزير مدني السيطرة على الوزارة. وكان العنصر الرئيسي الآخر للسيطرة المدنية هو إنشاء هيئة الأركان المشتركة Joint Chiefs of Staff. ففي عام 1984 أصبحت هيئة الأركان المشتركة هيئة استشارية، وليست هيئة قيادة، وأصبح وزير الدفاع مسئولًا عن وضع السياسات العسكرية بوجه عام. ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، أصبحت وزارة الدفاع أداة ووسيلة بيروقراطية للمدنيين لممارسة وضع القوات المسلحة تحت سيطرة مدنية، واستمرت سلطاتها في التوسع(12). وكان تحرير الهيئات الإدارية الأخرى من الوجود العسكري أمرًا ضروريًا. فأثناء الحكم الديكتاتوري اخترق الوجود السياسي للجيش جميع قطاعات الحياة الإدارية. ولذلك فالنجاح في إعادتهم إلى وظائفهم الأساسية مسألة مهمة في العلاقات المدنية العسكرية. ولتغيير قواعد اللعبة في أقرب وقت ممكن، كان لابد من تبني مجموعة من قوانين الدفاع، والمراسيم الملكية للقوات المسلحة Royal Ordinances for the Armed Forces في عام 1978، والقانون الأساسي للدفاع الوطني Organic Law of National Defence عام 1980، وفرض الرقابة البرلمانية على السياسة الدفاعية من خلال لجنة الدفاع Defence Commission “.(13) ومع ذلك، فمع التأكيد السريع جدًا على سيطرة المدنيين على القوات المسلحة، كان هناك رد فعل مضاد من جانب الجيش. ففي 23 فبراير 1981 قامت وحدة مدججة بالسلاح من الحرس المدني بالاستيلاء على قصر الكونجرس، واحتجزت رئيس الوزراء وأعضاء مجلس الوزراء داخل القصر، وأصبحت الحكومة رهينة في أيديهم، وتحركت وحدات عسكرية مهمة لمساعدة هذه المؤامرة والقضاء على الديمقراطية الوليدة وإعادة إسبانيا إلى الاستبداد. ولكن محاولة الانقلاب فشلت في النهاية حينما خرج الملك كارلوس، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، ودعم الديمقراطية وأدان الانقلاب. وتعلم المدنيين وحلفاؤهم درسًا مهما من هذا الحدث، حيث أصبحوا أكثر اعتدالًا في إستراتيجيتهم المتعلقة بتأكيد سيطرة المدنيين على القوات المسلحة. ومع ذلك فقمع الانقلاب قلل من المعارضة الداخلية لتوطيد الديمقراطية(14).
         ثالثًا، عضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوربي، وقد كان ذلك عنصرا أساسيا في مواصلة التحول الديمقراطي وتوطيد الديمقراطية في إسبانيا بشكل عام، وإصلاح العلاقات المدنية العسكرية بشكل خاص.فإسبانيا تحت حكم فرانكو لم تكن عضوًا في أي من تلك المنظمات. وبعد وفاة فرانكو تقدمت إسبانيا بسرعة بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوربي. وبدأت المفاوضات في عام 1979، وأصبحت إسبانيا، كما كانت الحال في البرتغال، عضوًا في الاتحاد الأوربي في عام 1986.ومن جهة أخرى، تقدمت إسبانيا بطلب للانضمام لحلف شمال الأطلسي، وتمت الموافقة على العضوية في مايو 1982.ثم تجمدت عضويتها في عام أكتوبر 1982، ثم تجددت العضوية في مارس 1986. وقد استفادت إسبانيا بشكل كبير من العضوية في منظمة حلف شمال الأطلسي. أولًا، عن طريق إرسال الضباط والمدنيين إلى مقر حلف شمال الأطلسي في بلجيكا والقيادات المحلية الأخرى للحلف، للتعرف على جميع السمات التي تتميز بها القوات المسلحة في الديمقراطيات الحديثة، وتعلم الضباط أن السيطرة المدنية أمر طبيعي في أغلب القوات المسلحة المحترفة في العالم. وتعلم المدنيين أيضا كل ما يتعلق بالقضايا الدفاعية والأمنية. وقد درب الناتو مجموعات من البيروقراطيين في الدرجات الإدارية الوسطى والعليا،  الذين تولوا ومارسوا فيما بعد السيطرة المدنية على القوات المسلحة (15).
      وبشكل عام، تمثل إسبانيا حالة نموذجية في التحول الديمقراطي، وقد كان إصلاح العلاقات المدنية-العسكرية عاملًا رئيسيًا في نجاح ذلك التحول. ونتيجة لإصلاح العلاقات المدنية-العسكرية أصبحت القوات المسلحة الإسبانية اليوم أقل عددًا، وأكثر مهنية واحترافية، وتطبق المعايير الديمقراطية في السيطرة المدنية على القوات المسلحة. ولم تأخذ تلك العملية أكثر من عشر سنوات حتى أصبحت قصة نجاح مبهرة.

بني النموذج الأسباني على ثلاثة أعمدة متداخلة. الأول هو اتفاق ناتج عن تفاوض بين النخبة في النظام القديم والجديد. الثاني، الدور الذي لعبته جماعة السنهدرين، وأخيرًا، الدور الذي لعبه ا
ثانيا: الدروس التي يمكن أن تتعلمها مصر من التجربة الإسبانية؟
بشكل عام من الصعب جدًا على مصر أن تستلهم النموذج الإسباني. فقد بُني النموذج الإسباني على ثلاثة أعمدة متداخلة. العمود الأول هو اتفاق ناتج عن تفاوض negotiation pacts بين النخبة السياسية في النظام القديم والنخبة السياسية في النظام الجديد، التي تولت عملية التحول الديمقراطي، وإصلاح العلاقات المدنية العسكرية. بموجب هذا الاتفاق تم منح القوات المسلحة بعض الضمانات والامتيازات المؤسسية مقابل الموافقة على إصلاح العلاقات المدنية العسكرية. بدون تلك الضمانات كان من المستحيل على إسبانيا التقدم خطوة واحدة في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية. وبطبيعة الحال مصر تفتقد هذا العمود المهم.
          العمود الثاني، الدور الذي لعبته جماعة السنهدرين. فكما سبقت الإشارة فهم مجموعة عصامية تعلمت كل ما يتعلق بالشئون الأمنية والدفاعية والعسكرية، وساعدت على إنشاء وزارة الدفاع ووضعتها تحت قيادة مدنية ديمقراطية، وهي أولى الخطوات في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية ووضع القوات المسلحة تحت السيطرة المدنية وفقًا للمعايير الغربية. وبطبيعة الحال تفتقر مصر إلى تلك المجموعة، ولا يمكن أن تتشكل في مصر مجموعة مماثلة لتلك المجموعة الإسبانية في المنظور القريب. وعلى الرغم من أن مصر بها وزارة دفاع، ولكنها ليست وزارة مدنية، ووزير الدفاع يأتي من القوات المسلحة. والمفارقة أن نسبة كبيرة من وزراء الحربية في مصر كانوا قبل ثورة يوليو 1952 من المدنيين والمنتخبين ديمقراطيًا. فخلال الفترة من 1882 إلى 1952 تقلد 52 مدنيًا وزارة الحربية (الدفاع حاليًا)، كان من بينهم سعد زغلول باشا (1924)، مصطفي النحاس باشا (1928، 1930، 1936-1937، 1950) من حزب الوفد، ومحمد محمود باشا (1928-1929) من حزب الأحرار الدستوريين، إسماعيل صدقي باشا (1930-1933). بل وتولى الوزارة عدد من أشهر السياسيين الأقباط، كان من بينهم بطرس غالي باشا (1908-1910)، يوسف وهبة باشا (1914-1920)، وصليب سامي باشا (1933-1934). لكن ثورة 1952 أحدثت انقطاعًا في تولي المدنيين لوزارة الدفاع، ومنذئذ أصبح وزراء الدفاع من ضباط القوات المسلحة.
        العمود الثالث، الدور الذي لعبه العامل الخارجي في دعم العلاقات المدنية العسكرية. فكما سبق القول فقد استفادت إسبانيا من عضويتها في الاتحاد الأوربي وحلف الناتو على تدريب المدنيين والعسكريين على المعايير الغربية في العلاقات المدنية للقوات المسلحة، وساعد حلف الناتو على تطبيع فهم العسكريين على أن الوضع الطبيعي في الديمقراطيات، هو وضع الجيوش تحت سيطرة مدنية ديمقراطية. ومصر تفتقر لمثل هذا المعيار المهم.

تقدم تجربة أمريكا اللاتينية نموذجًا مختلفًا في العلاقات المدنية العسكرية، والتي تمت رغم الدور المركزي لجيوش تلك الدول في الحفاظ على الأمن الداخلي. وبشكل عام، ففي عدد كبير من دول أمريكا اللاتينية، كانت الجيوش تدعم في الواقع عملية الانتقال الديمقراطي، والبعض الآخر كانوا من المروّجين والمبادرين للتحول الديمقراطي وإصلاح العلاقات المدنية العسكرية، عادة بسبب الضغط من المجتمع أو نتيجة للانقسامات داخل النخب السياسية (1).

وربما كانت أقرب الحالات للنموذج المصري هي البرازيل وتشيلي. فالأولى شهدت حكم خمسة جنرالات حكموا لمدة 21 عامًا (1964-1985)، وكان القمع ليس كبيرًا. والثانية فقد حكم الجنرال أوغستو بينوشيه General Augusto Pinochet تقريبًا بمفرده بين انقلاب عام 1973 والانتخابات الديمقراطية الأولى في عام 1989، وكان مستوى القمع عاليًا جدًا”(2).

أولاً- نموذج أمريكا اللاتينية

وبشكل عام فهناك عدد من السمات المشتركة في حالة التحول الديمقراطي في كل البلدين. فهي أولًا، تمت من خلال التفاوض من قبل النخب السياسية الجديدة لتوفير مجموعة من الشروط أو التفاهمات من خلالها يمكن أن يشعر الجيش بقدر من الأمان من العقاب بعد تخليه عن السلطة السياسية. وتظهر العلاقات المدنية-العسكرية في كلا البلدين، كيف كانت الطبيعية التفاوضية السمة البارزة لتك المسألة، وكيف جعلت تلك المفاوضات من الممكن للقوات المسلحة تمديد بعض امتيازاتها وسلطاتها غير الرسمية إلى النظام السياسي الجديد. وبالتالي ضمن للجيش الحفاظ على امتيازات مؤسسية، ومناطق نفوذ مستقلة، والتي كان من الصعب على المدنيين التراجع عنها والانقلاب عليها(3). ثانيًا، كان التحول الديمقراطي في كلا البلدين تحولًا محافظًا، وتحت السيطرة، ومن خلال التحول الديمقراطي تمتع الجيش، لبعض الوقت، بعدد من الضمانات، والتي استمرت لفترة طويلة. ثالثًا، وكما كانت الحال في جميع حالات التجول الديمقراطي بعد الحرب الباردة كان الدور الذي لعبته القوى الخارجية سواء الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوربي ضئيلا(4).

ففي البرازيل، على سبيل المثال، كان التحول نتيجة التفاوض بين النخب السياسية في عام 1985. ونتيجة لعدم تيقنها من قوتها في علاقتها مع كل من الجيش والقوى السياسية الأخرى، جعلت الحكومة الجيش جزءًا من تحالفها السياسي، وكان الجيش مستعدًا لهذا التوافق. وكانت الحكومات المنتخبة الأولى حذرة في اتخاذ إجراءات وخطوات ضد الجيش. ولم يفعلوا شيئًا لوضع المؤسسة العسكرية تحت سيطرة المؤسسات المدنية. فعلى سبيل المثال فحتى حكم كلا من الرئيس سارني Sarney (1985-1990)، والرئيس كولور Collor، كان ضباط الجيش العاملون مازالوا أعضاء في مجلس الوزراء(5).كما ترك دستور 1988 المؤسسة العسكرية على حالها تقريبًا، ولم يمس أي من امتيازاتها (6). فعلي سبيل المثال تنص المادة 142 من دستور 1988، على أن “هدف القوات المسلحة الدفاع عن الوطن، وضمان السلطات القائمة بموجب الدستور”. وهذا هو أساسًا نفس الدور الذي لعبته القوات المسلحة منذ تأسيس الجمهورية في عام 1891(7). وذلك هو ما دعا بعض المراقبين للادعاء بوجود عسكرة متزايدة داخل الفضاء المدني العام(8). وبالمثل، لم تتقلص هياكل القوات المسلحة بإنشاء وزارة الدفاع عام 1999 وتعيين سياسي مدني وزيرا للدفاع. كما أن استبدال مجلس الأمن القومي بمجلس الدفاع الوطني لم يؤثر كثيرًا؛ حيث ظل مجرد جهاز استشاري. وبالتالي خرجت القوات المسلحة خلال الفترة الانتقالية سالمة. وبدأت برنامج عملية تحديث القوات المسلحة مع بداية النظام المدني. فقد ضغطت القوات المسلحة على نحو فاعل في الجمعية التأسيسية، وازدادت شهرتهم وهيبتهم ومكانتهم بسبب اعتماد الرئيس سارني عليهم للحصول على الدعم لأنه ذو قاعدة سياسية ضئيلة. وبالتالي فقد بقت القوات المسلحة في مركز السلطة في الواقع أو من حيث الدستور (9). وحتى الآن، ما زال الجيش يتمتع باختصاصات مميزة، حتى بالنسبة لجرائم القانون العام. وحتى الآن أيضاً، استفاد الجيش من تصور أنه أقل فسادا من الشرطة، على تعزيز نفوذه (10).

         أما تجربة شيلي، فقد تطورت العلاقة بين المدنيين والعسكريين على مر الزمن. فأحد الجوانب الحاسمة للتحول الديمقراطي في تشيلي هو أنها خُطط لها ونُفذت من قبل الرئيس بينوشيه، الذي أدرك أن الاعتراف الدولي هو المفتاح الوحيد لشرعية النظام. وقد وافق الجيش على التفاوض للانتقال إلى حكومة مدنية، لكنه تمكن من السيطرة على شروط التفاوض. لذلك عندما جاءت الحكومة ألوين Aylwin إلى السلطة في عام 1990، كان خروج الجيش من الممارسة المباشرة للسلطة قد أُعد مسبقًا. وقد أنشأ دستور 1980 آلية للخلافة من شأنها أن تضمن استمرارية في السلطة للقادة العسكريين، والقائد العام للقوات المسلحة حتى عام 1997، وكذلك الأمر بالنسبة للسلطة القضائية. بالإضافة إلى أن القانون الأساسي للقوات المسلحة  the Organic Law of the Armed Forces ضمن ميزانية مستقلة للقوات المسلحة. وبشكل عام، كانت الامتيازات والمجالات التي ضمن فيها الجيش استقلالًا قبل التحول الديمقراطي وذلك بمأسستها في الدستور، ثبت للحكومة الجديدة صعوبة تعديلها. لأنهم أقل قوة وسلطة من الجيش، فقد كانت القوي المدنية لديها مجالًا وفرصًا أقل في المناورة، ولم تستطع تحدي هذا الوضع. وعلى الرغم من ذلك كانت الحكومة الديمقراطية قادرة على إزاحة بينوشيه Pinochet عن الرئاسة في عام 1989(11). هناك جانب آخر مهم ميز الانتقال الديمقراطي في تشيلي، هو أن بينوشيه Pinochet أستمر في العمل كقائد عام للقوات المسلحة خلال الفترة الانتقالية الممتدة (حتى عام 1998)، ونصب نفسه عضوًا في مجلس الشيوخ مدى الحياة حتى عام 2000. وقد مثل هذا الاستمرار عائقًا خطيرًا أمام أي محاولة من قبل الحكومات المدنية المتعاقبة لتحدي الجيش.(12) ومع ذلك فالإصلاح الدستوري في عام 2005 أزاح في النهاية الجوانب الأكثر إشكالية لاستقلال الجيش من خلال: إزالة حق الجيش في حماية النظام المؤسسي؛ منح الرئيس الحق في عزل قادة للقوات المسلحة، إنهاء سيطرة الجيش على مجلس الأمن القومي؛ إلغاء مسألة أعضاء مجلس الشيوخ المعينين، والتي تشمل القادة المتقاعدين من كل أفرع القوات المسلحة. وبشكل عام، فعملية التحول في العلاقات المدنية العسكرية كانت طويلة وتطلبت تنسيقًا بين الحكومة والقوات المسلحة. كما تم بذل جهد تثقيفي وتعليمي كبير داخل الجيش، من أجل أن يفهم ويعمل ويتصرف أعضاء القوات المسلحة من كل الرتب، وفقًا لقواعد النظام الديمقراطي (13).

في البرازيل، كان التحول نتيجة التفاوض بين النخب. ونتيجة لعدم تيقنها من قوتها في علاقتها مع كل من الجيش والقوى الأخرى، جعلت الحكومة الجيش جزءًا من تحالفها السياسي

وبشكل عام، تشير تجربة أمريكا اللاتينية إلى أن إنشاء تسلسل واضح للقيادة أمر ضروري لإصلاح سلس للعلاقات المدنية العسكرية. فالرئيس هو عادة على رأس السلطة، يصدر الأوامر من خلال وزير دفاع مدني. ومن الضروري أن تكون وزارة الدفاع احترافية ومهنية، ومختصة وذات كفاءة من الناحية الفنية، وتحافظ على علاقات جيدة مع الإدارة والهيئات الأخرى من السلطة التنفيذية. ويجب تعزيز دور البرلمان لتمكينه من مراقبة تنفيذ السياسات العسكرية، وتعيين ميزانية القطاع العسكري، ويحتفظ البرلمان بحقة في إعلان الحرب. أما القضاء، فمن جانبه، لديه واجب أيضا وهو ضمان أن يمتثل ضباط الجيش لحكم وسلطة وسيادة القانون، وخاصة في تعاملهم مع المرؤوسين والجنود (14).

ثانيًا- ما الدروس التي يمكن أن تتعلمها مصر من تجربة أمريكا اللاتينية؟

      بكل أسف مصر ليست في وضع يختلف عن العديد من دول أمريكا اللاتينية في الستينيات والسبعينيات. ولذلك فهناك العديد من الدروس التي يمكن أن تتعلمها مصر من تجارب دول أمريكا اللاتينية. أولًا، أن الحركات الوحيدة القادرة على مقاومة الجيش هي تلك التي لديها إما قيادة كاريزمية، أو حزب سياسي قوي يدعمها. وكان خير مثال على ذلك بيرون Peron في الأرجنتين. عندما تحول زملاؤه العسكريون ضده، وتحركت النقابات القوية ضده وأجبرت الجيش على التراجع (15). وتدرك مصر أهمية ذلك الآن. ومع ذلك، فلا توجد في مصر القيادة الكاريزمية كما سبقت الإشارة.

        ثانيًا، الانتقال نحو نظام مؤسسي جديد يفصل بدقة بين السلطات المدنية والسلطات العسكرية عملية طويلة الأجل وممتدة. ومع ذلك، فلكي تترسخ هذه العملية، فالمؤسسات المدنية القوية التي تتمتع بشرعية شعبية واسعة يجب أن تظهر وتأسس أولًا. وفي الوقت نفسه، هناك حاجة إلى إصلاحات لإنشاء تسلسل واضح للقيادة، وإحداث تغيير جذري في العقلية وذهنية المؤسسة العسكرية، بما في ذلك تجديد النخب العسكرية.

ثالثًا، عقد اتفاق مع النخب العسكرية، هو خطوة حاسمة. وفي هذا السياق، ينبغي على القادة المدنيين أن يفهموا أن الجيش سيواصل لعب دور مهم بعد التحول الديمقراطي، وانتهاء الفترة الانتقالية. فالجيش يتصرف بشكل كبير بناء على رؤيته لمصالحه المؤسسية، والتي تبرر بالحفاظ على الأمن القومي. وفي هذا السياق، فالجيش دائما ما يكون في مصدر قوة. فطبقة الضباط لديها الكثير لتخسره، بما في ذلك نفوذهم داخل مجموعة واسعة من المنظمات التي تديرها الدولة، والتي تعطي الجنرالات السلطة والمحسوبية، ناهيك عن الحصول على الأموال. ولأن الجيش لديه أيضا مكانة خاصة في النظام السياسي؛ فلن يتخلى وبالطبع عن هذا كله بدون معركة سياسية شرسة”(16). بالتالي ينبغي على القادة المدنيين إيجاد وسيلة للتفاوض مع القيادة العسكرية لحل كل تلك الإشكاليات. وهناك العديد من الوسائل المجربة بالفعل في مناطق أخرى من العالم، مثل المواثيق والاتفاقات القانونية، التي تحفظ امتيازات الجيش لفترة مؤقتة، وبطبيعة الحال فزيادة وتحسين احترافية القوات المسلحة يمكن أن يساعد على دفع الجيش المصري إلى الثكنات، والحد من مشاركته في الشئون السياسية. وقد بدأت هذه العملية بالفعل في مصر من خلال المفاوضات بين الإخوان والجيش (17) والتي انتهت بإحالة المشير طنطاوي للتقاعد، وتعيين الجنرال السيسي وزيرًا للدفاع. وقد بدأ الجيش فعلًا خلال الشهور الأولى من حكم مرسي بعيدا عن السياسية، إلى أن حدث انقلاب مرسي الدستوري في نوفمبر 2012، وتطورت الأزمة إلى أن أصبحت مصر على حافة حرب أهلية فاضطر الجيش للتدخل لحماية الأمن القومي المصري.

         رابعًا، وبنفس القدر من الأهمية، فنقل السلطات لحكومات منتخبة في نهاية المطاف لم يترجم بشكل تلقائي إلى إعادة الجيش إلى ثكناته، وخضوعه للحكم المدني. بل على العكس فالتحول الديمقراطي في البرازيل وتشيلي جاء نتيجة اتفاق بين النخب السياسية، ضمن فيها الجيش الحفاظ على امتيازات مؤسسية، ومناطق نفوذ مستقلة، والتي كان من الصعب على المدنيين التراجع عنها والانقلاب عليها. وأصبح معلومًا بشكل واسع أنه بعد عقد من نقل السلطة رسميًا للمدنيين استمر الجيش في ممارسة نفوذًا كبيرًا في السياسية، حتى إن لم يكن بشكل مباشر، واستمر في التصرف بشكل مستقل في مواجهة الحكومة (18).

        خامسًا، وبالمثل، فإن أهم الدروس المستفادة من حالات دول أمريكا اللاتينية هي أن التحولات الديمقراطية، وتوطيد الديمقراطية لاحقًا في تلك البلاد، من المحتمل أن تكون عملية طويلة وممتدة وتدريجية. وعملية الخروج الآمن للضباط أخذت في الاعتبار بشكل كبير.

 

ثالثاً- مساهمة تجريبية في وضع نموذج لمستقبل العلاقات المدنية العسكرية في مصر

 

        وبعد استعراض تلك النماذج الستة، يمكن استنتاج أن النماذج الدولية في العلاقات المدنية العسكرية مسألة مثيرة للاهتمام، وتعطي دروسا كثيرة جديرة بالتعلم، ولكنها في بعض الأحيان تحجب أكثر مما تكشف. والنتيجة المهمة التي يمكن استخلاصها من تلك التجارب هي أن نجاح العلاقات المدنية العسكرية لا يتوقف على تبني أي من تلك النماذج في العلاقات المدنية-العسكرية: النموذج التفاوضي؛ النموذج الإصلاحي، سواء الذي يقوده الجيش أو الذي يقوده النظام؛ أو النموذج التصارعي، لكن على الأحرى على وجود رغبة جادة من الأطراف المعنية: الجيش والأحزاب والنخب المدنية، للشروع في هذا الإصلاح الذي لا مفر منه.

       وبشكل عام، فمنظرو علم السياسة المقارن، والعلاقات المدنية العسكرية، ودعاة إصلاح العلاقات المدنية-العسكرية في كثير من الأحيان ما يختارون النماذج الخاطئة. فهم ينظرون إلى أكثر الديمقراطيات الناجحة، بدلًا من النظر إلى البلدان التي تواجه مشاكل مماثلة لحالة البلد موضع الدراسة. لذلك فمن المهم العثور على أمثلة مناسبة، وقابلة للتطبيق في بلد مثل مصر. فمصر يجب أن تتعلم أساسًا من الأمثلة غير الكاملة في العلاقات المدنية، وذلك لتجنب أوجه القصور فيها، والأخطاء. فالأمثلة التي حققت نجاحًا جزئيًا في إصلاح العلاقات المدنية العسكرية ربما تكون أكثر ملاءمة للحالة المصرية، من الأمثلة الأكثر نجاحًا، حيث تفتقر مصر في هذه اللحظة الحرجة لبعض المتطلبات لتحقيق العلاقات المدنية-العسكرية الشاملة؛ بالإضافة إلى أنها ما زالت تحبو، في طريق طويل، نحو التحول الديمقراطي. وهنا يجب التأكيد على أن أهم فائدة من فوائد التجارب الدولية هي أنها تعطي مجالًا لتجنب أخطاء النماذج السابقة، خاصة النماذج الفاشلة.

           لهذا السبب، يجب على مصر أن تطور نموذجها الخاص الذي يتناسب مع حالتها. ولذلك فإنني أقترح نموذجا تجريبيا يطبق على مرحلتين متتاليتين. المرحلة الأولى هي ما أسميها بـ “السيطرة السياسية” “Political Control”  على القوات المسلحة، والتي سوف تستمر لمدة تتراوح بين 10 إلى 15 عامًا، وخلال تلك الفترة ستستكمل مصر الشروط اللازمة لبدء المرحلة الثانية: “السيطرة السياسية المدنية” “Civilian Political Control” على القوات المسلحة. وهنا تنبغي الإشارة إلى أن “السيطرة السياسية” على القوات المسلحة، وليس السيطرة الديمقراطية على القوات المسلحة أو إخضاع الجيش تحت سيطرة مدنية ديمقراطية، هي النموذج الأكثر ملاءمة، من وجهة نظري، وينطبق على الحالة المصرية، في هذه اللحظة الحرجة. على اعتبار أن مصر أمامها طريق طويل لتقطعه للوصول للتحول الديمقراطي، وبالتالي تستطيع وضع الجيش تحت سيطرة مدنية ديمقراطية، وفقًا للمعايير الغربية

           أما بالنسبة لـ “السيطرة السياسية المدنية” فهي تحتاج لمدة 10 سنوات لإحداث عملية توطيد Consolidation العلاقات المدنية العسكرية. وبعد تطبيق “السيطرة السياسية المدنية”، سيتعود الجيش على السيطرة المدنية على القوات المسلحة. وبشكل عام، لضمان نجاح السيطرة المدنية على القوات المسلحة، ينبغي على المدنيين مواصلة الإصلاحات تدريجيًا، من خلال التفاوض والحوار وبناء توافق في الآراء بدلًا من المواجهة الحادة.

مصر ليست في وضع يختلف عن العديد من دول أمريكا اللاتينية في الستينيات والسبعينيات

        وبهذا الفهم فهذا النموذج التجريبي يحتاج إلى 20 إلى 25 عاما لكي يطبق. ولا ينبغي أن يثير هذا العدد من السنوات استغراب البعض. فإصلاح العلاقات المدنية في تشلي والبرازيل، اقرب الحالات للنموذج المصري، أخذت نفس القدر من السنوات تقريبا. وأخذ إصلاح العلاقات المدنية العسكرية في كل من إسبانيا والبرتغال نحو 10 سنوات، وهي بلاد ليس لدي جيوشها مصالح اقتصادية كبرى مثل الجيش المصري. أما باكستان وتركيا وإندونيسيا، فإصلاح العلاقات المدنية العسكرية استمر –ومازال مستمرا – لمدة تزيد على 60 عامًا، ووصلت إلى نجاح جزئي في العلاقات المدنية العسكرية. وبالتالي فمدة 20 إلى 25 كمتوسط لإصلاح العلاقات المدنية العسكرية ليست مدة طويلة.  

      أما بالنسبة للمرحلة الأولى من النموذج التجريبي المقترح لإصلاح العلاقات المدنية العسكرية في مصر، فعلى الرغم من أن الجيش المصري يخضع بالفعل للـ “السيطرة السياسية” منذ حكم مبارك على الأقل، فمصر ينقصها الكثير لاستكمال تلك المرحلة، وبالتالي استكمال الشروط اللازمة لبدء المرحلة الثانية من ذلك النموذج. وفي هذا الصدد، فـ “السيطرة السياسية” ليست مماثلة لتلك المفاهيم الكلاسيكية لـ “السيطرة المدنية”. وهو ما يعني تجنب سلوك غير مرغوب فيه من جانب الجيش أو المواجهة مع القوات المسلحة من خلال التهديد بانقلاب، أو الانقلابات الفعلية أثناء القيام بهذه المرحلة المهمة من الإصلاح العسكري. فخلال تلك المرحلة: “السيطرة السياسية”، تزيد الحكومة المدنية في مصر سيطرتها ورقابتها تدريجيًا على الجيش، من خلال إجراء إصلاح دستوري تدريجي، وتعزيز دور البرلمان، والسلطات الرقابية الأخرى في شؤون الاقتصاد، وشئون الدفاع. ومع ذلك، فإن الإصلاحات الدستورية والمؤسسية لا تؤدي تلقائيًا إلى “السيطرة السياسية المدنية”، لكنها تؤدي إلى دسترة دور المدنيين في الشؤون العسكرية والأمنية. وفي هذه الحالة فيجب على مصر أن تستكمل وتوفر الظروف والشروط المختلفة اللازمة لإقامة “السيطرة السياسية المدنية”، والتي ستكون عملية معقدة جدًا وخطيرة. فوفقًا لديموند، تتطلب تأسيس السيادة المدنية على القوات المسلحة – بشكل عام- على توفر أربعة عوامل: القيادة السياسية الماهرة؛ الوحدة بين القوى السياسية المدنية (بتجاوز الانقسامات الحزبية وغيرها)؛ الخبرة المدنية (سواء داخل الحكومة وخارجها) في مسائل الأمن الوطني؛ و”الحظ (الذي يكون من خلال الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية). ومصر في الواقع تفتقر إلى كل تلك العوامل. ولذلك، ينبغي عليها توفير الثلاثة عوامل الأولى من أجل الوصول إلى “السيطرة السياسية المدنية” على القوات المسلحة. وبعد توفير وتطبيق تلك الشروط اللازمة، يتم تقليل النفوذ العسكري في المهام والقضايا غير العسكرية تدريجيًا، وتتولي السلطة السياسية المدنية تدريجيًا المسائل المتعلقة بوضع سياسة الأمن القومي والسياسة العسكرية. وتشمل هذه المسائل وفقًا لديموند، الإستراتيجية، وهيكل القوة، ونشر القوات، والنفقات العسكرية”(19).

          وبشكل عام يتطلب استكمال المرحلة الأولي من النموذج التجريبي المقترح توافر تسعة شروط؛ وذلك لتحقيق “السيطرة السياسية المدنية” الشاملة على القوات المسلحة المصرية، هي على النحو التالي:

          أولًا، يجب على دعاة إصلاح العلاقات المدنية والعسكرية في مصر بناء القيادة الماهرة، وينبغي أن يساعدوا على بناء الوحدة بين الأحزاب السياسية لتنفيذ هذا الغرض.

         ثانيًا، ينبغي على دعاة إصلاح العلاقات المدنية والعسكرية في مصر الحرص على بناء الخبرة المدنية في مسائل الأمن القومي أو ما يسميه ألفريد ستيبان Alfred Stepan “التمكين الديمقراطي” أو ما أسميه مجموعة  الـ “سنهدرين” “Sanhedrin”  المصرية. وفي هذا الصدد فالتمكين الديمقراطي يتطلب من المدنيين تطوير مستوى الكفاءة لإدارة ومراقبة الميزانيات العسكرية، والأملاك العسكرية، والتدريب والترقيات والعمليات العسكرية، وبناء الخبرة المدنية للعمل في وزارة الدفاع؛ ولجان الرقابة التشريعية بذكاء ومسئولية (20)، كما يجب على مجموعة الـ  “سنهدرين” المصرية المقترحة التعاون مع مجموعة صغيرة من الضباط، وذلك بموافقة وإشراف وزارة الدفاع المصرية، وذلك من أجل إعادة تعريف مشترك للعلاقات المدنية-العسكرية، مثل الإستراتيجية الدفاعية، وإعادة تعريف “مهمة” ورسالة الجيش. وينبغي وضع تحديد وتقسيم صارم للعمل بين الأمور العسكرية والأمور المدنية بشكل واضح. أما القضايا المتعلقة بالإستراتيجية الدفاعية والتكتيكات من حيث صلتها القوية بالتدريب، وبنية ونشر القوات فيجب أن تترك بالكامل للجيش ليحددها ويقررها. وفي الوقت نفسه، فإن القوات المسلحة ينبغي أن تتقيد بحدود النفوذ الخاصة بها، وتترك للمدنيين وضع  السياسات خارج نطاق سياسات الدفاع. ينبغي على الجيش أيضا أن لا يكون له رأي حول اختيار القادة السياسيين والمعينين في مجلس الوزراء. ويجب التأكيد على المعايير الحديثة للرقابة المدنية على تدريب القوات المسلحة وإطارها القانوني. وبعبارة أخرى، ينبغي على الأيديولوجية والثقافة العسكرية التحول من مفهوم “الوصاية” “Guardianship” إلى فكرة التبعية والخضوع للقادة المدنيين(21). وبنفس الفهم يجب إعادة تعريف الدور السياسي لوزارة الداخلية، ودور الجيش في السياسة الداخلية، والاقتصاد بشكل واضح أيضا. ويجب إعادة توجيه الجيش المصري لمهمة محددة أضيق مما هي عليه الآن. وبالمثل، فإن حالات الطوارئ التي يمكن للرئيس أن يأمر فيها الجيش بالانتشار في المدن يجب أن تكون محددة بوضوح في الدستور، ودور الجيش في الأمن الداخلي يجب أن يكون محددًا بوضوح لمنع إساءة استخدام السلطة(22). ومع ذلك، فإن غياب دور المؤسسة العسكرية عن السياسة والمجال الاقتصادي يكاد يكون من المستحيل. ويبدو أن القادة العسكريين لديهم بعض المخاوف من أن تقوض الإصلاحات قدرة القوات المسلحة على إملاء السياسات الدفاعية، أو إضعاف قبضتهم على الإمبراطورية الاقتصادية الضخمة التي يمتلكها الجيش. بل هي أيضا قلقة من أن مجرد وضع الجيش تحت قيادة مدنية مستقلة، فإنها يمكن أن تصبح عرضة للملاحقة القضائية بتهمة ارتكاب جرائم يزعم أنها ارتكبتها في الماضي”(23). وهذا أمر قد يكون مبالغا فيه. فليس من مصلحة أي من الأطراف العمل على ذلك. ويقدم ديموند Diamond وصفة للحد من مقاومة الجيش لإجراء تلك التغييرات التي لا مفر منها. وقد تكون هذه وصفة قابلة للتطبيق في الحالة المصرية. فعلى سبيل المثال، يجب على المدنيين التفكير في منح الجيش منزلة رفيعة، وأوسمة الشرف، ودخلًا ماديًا مميزًا مقابل أن لا يستخدم الجيش كمصدر قوة في التنافس السياسي، وأن يتجنب الجيش التدخل السياسي في أنشطة سياسية روتينية، مقابل تجنب الجيش من المحاكمات بالنسبة للجرائم التي ارتكبت في ظل النظام السابق(24).

يجب إعادة تعريف الدور السياسي لوزارة الداخلية، ودور الجيش في السياسة الداخلية، والاقتصاد بشكل واضح

       ثالثًا، يجب وضع الرقابة المدنية المناسبة على الميزانية العسكرية والأنشطة الاقتصادية للجيش. ويجب تنفيذ هذا الإجراء تدريجيًا، وبشكل متزايد لتجنب المواجهات السياسية. ويجب وضع سلطة إعلان الحرب في أيدي ممثلين مدنيين منتخبين. ويجب أن يكون الممثلون المنتخبون مسئولين عن تعين وفصل كبار القادة العسكريين من الخدمة.

رابعًا، الضمانة الوحيدة لوقف تدخل الجيش في السياسة في مصر هو تقوية الأحزاب السياسية المدنية حتى توازن أو تفوق تلك الأحزاب قوة الجماعات والأحزاب الدينية وقوى ما يسمي بالإسلام السياسي. وبالتالي تستطيع تلك الأحزاب المدنية تسوية الخلافات السياسية فيما بينها دون حاجة للتدخل السياسي من الجيش لحسم أي خلاف. فكلما كانت هناك أحزاب دينية قوية وحركات راديكالية إسلامية متطرفة، كلما زادت إمكانية تدخل الجيش في السياسة، واستحالة إحداث إصلاح في العلاقات المدنية العسكرية.

     خامسًا، وهو ما يرتبط بالنقطة السابقة، يجب على القوى السياسية الرئيسية في مصر إعادة تعريف دور الإسلام في السياسة. فإخراج الإسلام خارج اللعبة السياسية يؤدي إلى إضعاف الإخوان المسلمين والجماعات والأحزاب الدينية الأخرى، وسيضع حدًا لدور الوصي الذي لعبه الجيش في الحياة السياسية المصرية. فإعادة تحديد دور الإسلام في السياسة سيضع حدا لقبول القوى ذات الميول العلمانية والليبرالية لقيام دور سياسي مستمر للجيش في الحياة السياسية، وذلك من أجل موازنة القوة السياسية المتنامية للجماعات الإسلامية”(25). وقد سبق وحدث ذلك في مرات متعددة.

سادسًا، ينبغي على مصر علاج الشروط الاجتماعية التي تسهم، وفقًا لعاموس بيرلماتر Amos Perlmutter، فيما سمّاه ‘Praetorianism “(أي الدولة التي يصنع الجيش فيها القرار السياسي أو على الأقل يصنع القرار بشكل كبير بتأثير من الجيش)، والتي توفر أرضية خصبة لتدخل الجيش في السياسة. وتشمل تلك الشروط انعدام التماسك الاجتماعي، ووجود تقسيم طبقي حاد، والضعف السياسي للطبقة الوسطى، وانخفاض مستوى التعبئة السياسية بشكل عام، والتي وفقًا لبيرلماتر توفر أرضية خصبة لتدخل الجيش في السياسة(26). ولهذا السبب، يجب على دعاة إصلاح العلاقات المدنية-العسكرية في مصر القيام بالتعبئة السياسية، ليس ضد التدخل العسكري في السياسة، ولكن بالأحرى على جدوى وأهمية إبقاء الجيش بعيدًا عن السياسة.

       سابعًا: يجب على مصر الاستفادة من التجارب الدولية في مجال العدالة الانتقالية Transitional Justice  لبناء سلطة قضائية مستقلة، واحترام سيادة وحكم القانونRule of Law ؛ وإصلاح قطاع الشرطة Policing Reform  بشكل خاص، وإصلاح القطاع الأمني Security Sector Reform  بشكل عام، وهو ما يساعد على خروج الجيش من السياسة.

       ثامنًا، قد يساعد المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، والأمم المتحدة، في دعم إصلاح العلاقات المدنية-العسكرية في مصر، فبدلًا من انتقاد مصر في بعض السياسات الثانوية غير المهمة، فيمكن أن يوفر المجتمع الدولي لمصر بعض الحوافز أو الشروط التي تساعد على تحسين العلاقات المدنية-العسكرية.

يجب على دعاة إصلاح العلاقات المدنية العسكرية أن يربطوا التقدم في الإصلاح العسكري Military Reform بالإصلاح الديمقراطي

تاسعًا، يجب على دعاة إصلاح العلاقات المدنية العسكرية أن يربطوا التقدم في الإصلاح العسكري Military Reform بالإصلاح الديمقراطي. وفي هذه الحالة يجب تجنب الحالة التركية، حيث تم تعظيم سيطرة القادة المدنيين على الجيش، وإضعاف المؤسسات الديمقراطية للدولة”(27).

ولكن لكي تكون كل تلك الإصلاحات أكثر كفاءة وعميقة الجذور ومترسخة، ينبغي أن تُستكمل بإصلاحات ديمقراطية أوسع. وبعد استكمال هذه المتطلبات في المرحلة الأولى من النموذج التجريبي، يتم تعويد القوات المسلحة على قبولها، وقبول سيطرة سياسية مدنية في المرحلة الثانية من النموذج. ومع ذلك، ينبغي أن يتعلم دعاة إصلاح العلاقات المدنية العسكرية درسًا مهمًا جيدًا، وهو أن بدء المرحلة الثانية من النموذج المصري في العلاقات المدنية العسكرية: “السيطرة السياسية المدنية”، سيعتمد على استكمال المتطلبات التسعة المذكورة آنفًا. وهذا سوف يستغرق جيلا بكامله لتحقيقه.

        وبكل تأكيد فهذا النموذج يخضع للإضافة، والحذف، والنقد، أو حتى للرفض من قبل المتخصصين والخبراء في العلاقات المدنية العسكرية، والسياسات المقارنة، والعلوم الاستراتيجية والدفاعية. فهو بالطبع نموذج تجريبي، كما ذكرت، يخضع لكل ما يخضع له كل النماذج التجريبية، وذلك إلى حين بناء نموذج نهائي لمستقبل العلاقات المدنية العسكرية في مصر.

 
المراجع
1-    bلمزيد من التفاصيل حول تعريف العلاقات المدنية العسكرية ومتطلبات الرقابة الديمقراطية الفعالة على القوات المسلحة، انظر على سبيل المثال:The Geneva Centre for the Democratic Control of Armed Forces (DCAF), Security Sector Governance in Egypt: Civil-Military Relations in Focus,DCAF International Expert Conference, Montreux, Switzerland 2-4 April 2014, pp.5-8.

2-    Bell, Anthony,Military Disengagement from Politics: The Case of Pakistan’s Revolving Barracks Door, Georgetown Security Studies Review, Jun 10, 2014, Available at:http://georgetownsecuritystudiesreview.org/2014/06/10/military-disengagement-from-politics-the-case-of-pakistans-revolving-barracks-door/
3-    Alfred C. Stepan, Rethinking Military Politics:Brazil and the Southern Cone,  Princeton University Press, 1988.
4-    Bell, Anthony, Military Disengagement from Politics, op cit.
5-    Bell, Anthony, Military Disengagement from Politics, op cit.
6-    Feaver, Peter, Armed Servants: Agency, Oversight, and Civil-Military Relations. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2003.
7-    Hussain, Ejaz, Civil-Military Relations in Pakistan, Daily Times, April 23, 2014.
8-    Ibid.
9-    Greenwood, Lauren, and Balachandran, Gowthaman, The Search for Common Ground, Pakistani Civil-Military Relations, Humanitarian Policy Group (HPG), Overseas Development Institute, HPG Working Paper, March 2014, P.5.
10-    Greenwood, Lauren, and Balachandran, Gowthaman, The Search for Common Ground, op cit, P.5.
11-    Mahmoud, Faiqa, Evolving Civil-Military Relations: A Comparative analysis of Egypt, Turkey and Pakistan, Ibn Khaldun Center for Human Development Studies, 18 August, 2013, PP. 13-15.
12-    Ibid.
13-    Bell, Anthony, Military Disengagement from Politics, op cit.
14-    الديمقراطية الأساسية هي نظام من المجالس المحلية غير الحزبية وغير السياسية منحت الشرعية لحكم أيوب خان من خلال انتخابه كرئيس في عام 1960 و 1965. انظر لمزيد من التفاصيل،Bell, Anthony, Military Disengagement from Politics, op cit.
15-    Bell, Anthony, Military Disengagement from Politics, op cit.
16-    Hussain, Ejaz, Civil-military relations in Pakistan, op cit.
17-    Bell, Anthony, Military Disengagement from Politics, op cit.
18-    Ibid.
19-    Ibid.
20-    Ibid.
21-    Hussain, Ejaz, Civil-military relations in Pakistan, op cit. 
22-    Bell, Anthony, Military Disengagement from Politics, op cit. 
23-    Mahmoud, Faiqa, Evolving Civil-Military Relations, op cit.  , PP. 13-15.
24-    Ibid.
25-    Bell, Anthony, Military Disengagement from Politics, op cit. 
26-    حول تفاصيل الخلاف بين مشرف والسلطة القضائية انظر علاي، ستار جبار، التطورات السياسية في باكستان بعد الانتخابات العامة 2008، دراسات دولية، العدد 40، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، 2009، ص 9.
27-    عبد الباقي، مصباح لله، مشرف وأزمة النظام السياسي في باكستان، مجلة السياسة الدولية، العدد۱۷۰، أكتوبر۲۰۰۷، ص۱۷.
28-    Bell, Anthony, Military Disengagement from Politics, op cit.
29-    Mahmoud, Faiqa, Evolving Civil-Military Relations, op cit., PP. 13-15.
30-    Stratfor, Egypt’s Military and the Pakistani Model, Stratfor, December 20, 2012, (accessed November 18, 2014).
31-    انظر لمزيد من التفاصيل،Huntington, Samuel P. 1957. The soldier and the state: theory and politics of civil-military relations. New York: Vintage Books.
وSamuel P. Huntington, Political Order in Changing Societies (New Haven: Yale University Press, 1968).وكذلك
Huntington, Samuel P., “Reforming Civil-Military Relations,” in Civil-Military Relations and Democracy, in ed. Diamond, Larry and Plattner, Marc F. (eds.), Baltimore: The John Hopkins University Press, 1996.
32-    Mahmoud, Faiqa, Evolving Civil-Military Relations, op cit., PP. 13-15.
33-    Bremmer, Ian, Is becoming Pakistan the best Egypt can hope for? Reuters, Thursday, July 11, 2013.
34-    Krieg, Andreas, Egyptian civil-military relations and Egypt potential transition to democracy, King’s College London, War Studies Department / Department of Defence Studies, 2011. Available at:http://www.thepicaproject.org/?page_id=760.
35-    هناك اختلافات كبيرة نحو تقدير نسبة اقتصاد الجيش من الاقتصاد القومي المصري. فوفقًا لتقدير لتقرير جان الأسبوعي المتعلق بشئون الدفاع Jane’s Defence Weekly فميزانية الجيش المصري السنوية نحو 5 بلايين دولار؛ ونسبة اقتصاد الجيش من اقتصاد الدولة نحو 20%؛ بينما يقدر الكسندر توينينجا Alexander Tuininga اقتصاد الجيش بأكثر من 30% من اقتصاد الدولة، ويقدر دينال سيلفرمان Daniel Silverman اقتصاد الجيش المصري بين 20% إلى 40%. لمزيد من التفاصيل انظر، Frisch, Hillel, the Egyptian Army and Egypt’s “Spring”, PP. 182-186; Tuininga, Alexander, The Emerging Pattern of Civil-Military Relations, PP. 79-94; and Silverman, Daniel, the Arab military in the Arab Spring.
36-    Michael Kugelman, it’s not Egypt: the myth of coming militaries coup in Pakistan, available at: Muftah, July 10th, 2013, available at:http://muftah.org/its-not-egypt-the-myth-of-a-coming-military-coup-in-pakistan/#.VGsZefmUeSo.
37-    Greenwood, Lauren, and Balachandran, Gowthaman, The Search for Common Ground, op cit, P.5.
38-    Bell, Anthony, Military Disengagement from Politics, op cit.
39-    Stratfor, Egypt’s Military and the Pakistani Model, op cit.
40-    Fair, Christine, ‘Is Pakistan’s Army as Islamist as We Think?’ Foreign Policy, September 15, 2011.
41-    Ibid.
42-    Ibid..
43-    Greenwood, Lauren, and Balachandran, Gowthaman, The Search for Common Ground, op cit, PP.6-7.
44-    Michael Kugelman, it’s not Egypt: the myth of coming militaries coup in Pakistan,op cit.
45-    Fair, Christine, ‘Is Pakistan’s Army as Islamist as We Think? op cit.
46-    Mahmoud, Faiqa, Evolving Civil-Military Relations, op cit.. 17-20.
47-    Ibid..
48-    Ibid.
49-    Ate, Jan Pieter, The Reform of the Indonesian Armed Forces in the Context of Indonesia’s Democratisation, Shedden Papers, Centre for Defence and Strategic Studies, Australian Defence College 2010. Pp. 5-8.
50-    Webber, Douglas, a Consolidated Patrimonial Democracy? Democratization in post-Suharto Indonesia, Paper presented at the workshop, ‘Post-Cold War Democratization in the Muslim World: Domestic, Regional and Global Trends’, Joint Sessions of the European Consortium of Political Research, Granada, 14-19 April 2005, pp-4-6.
51-    Webber, Douglas, a Consolidated Patrimonial Democracy?Op cit., Pp. 4-6.
52-    Ate, Jan Pieter, The Reform of the Indonesian Armed Forces, Op cit., Pp. 5-8.
53-    Ibid.
54-    Webber, Douglas, a Consolidated Patrimonial Democracy?Op cit.,Pp. 4-6.
55-    Ibid.
56-    Ate, Jan Pieter, The Reform of the Indonesian Armed Forces, Op cit.,Pp. 4.
57-    Mietzner, Marcus, The Politics of Military Reform in Post-Suharto Indonesia: Elite Conflict, Nationalism, and Institutional Resistance,Policy Studies 23, East-West Center Washington, 2006, PP.  63-66.
58-    United Nations Development Programme (UNDP), The Political Economy of Transition: Comparative Experiences, Discussion Paper, 5 March, 2013, PP. 29-35.
59-    (UNDP), The Political Economy of Transition, Op cit.,PP. 29-35.
60-    The Man on Horseback, with a new introduction by Jay Stanley Transaction Publishers: New Brunswick and London, 2003, PP. 86-89.
61-    Mietzner, Marcus, The Politics of Military Reform in Post-Suharto Indonesia, Op cit.,P. 16-17.
62-    Ibid.
63-    UNDP, The Political Economy of Transition, Op cit.,PP. 29-35.
64-    Mietzner, Marcus, The Politics of Military Reform in Post-Suharto Indonesia, Op cit.,PP.  19-21.
65-    Ibid., PP.  19-21.
66-    Ibid..
67-    Ate, Jan Pieter, The Reform of the Indonesian Armed Forces, Op cit.,Pp. 5-8.
68-    Mietzner, Marcus, The Politics of Military Reform in Post-Suharto Indonesia, Op cit.,PP.  19-21.
69-    UNDP, The Political Economy of Transition, Op cit.,PP. 29-35.
70-    Mietzner, Marcus, The Politics of Military Reform in Post-Suharto Indonesia, Op cit.,P.  28.
71-    الخروب، خالد، وحيد يغادر الحكم غير مأسوف عليه، الحياة 30 يوليو 2001.
72-    Mietzner, Marcus, The Politics of Military Reform in Post-Suharto Indonesia, Op cit.,PP.  29-33.
73-    Ibid.
74-    Ibid.
75-    Ibid.
76-    Webber, Douglas, a Consolidated Patrimonial Democracy?Op cit.,pp. 4-6.
77-    Mietzner, Marcus, The Politics of Military Reform in Post-Suharto Indonesia, Op cit.,PP.  63-66.
78-    UNDP, The Political Economy of Transition, Op cit.,PP. 29-35.
79-    Mietzner, Marcus, The Politics of Military Reform in Post-Suharto Indonesia, Op cit.,PP.  34-36.
80-    Ibid.
81-    Ibid, PP.  8-9.
82-    UNDP, The Political Economy of Transition, Op cit.,PP. 29-35.
83-    Greenlees, Donald, Unfinished Business: Reform of the Security Sector in Democratic Indonesia, Security Challenges, Vol. 7, No. 3 (Spring 2011: 5-22), pp. 10-16.
84-    UNDP, The Political Economy of Transition, Op cit.,PP. 29-35.
85-    Ate, Jan Pieter, The Reform of the Indonesian Armed Forces, Op cit.,Pp. 10-11.
86-    Mietzner, Marcus, The Politics of Military Reform in Post-Suharto Indonesia, Op cit.,PP.  59-60.
87-    Ate, Jan Pieter, The Reform of the Indonesian Armed Forces, op cit, Pp. 11-12.
88-    United Nations Development Programme (UNDP), Op cit., PP. 29-35.
89-    Greenlees, Donald, Unfinished Business,Op cit., pp. 10-16.
90-    Ibid.
91-    Ibid., pp. 6-7.
92-    Ibid., pp. 20-22.
93-    Ibid., pp. 20-22.
94-    Ate, Jan Pieter, The Reform of the Indonesian Armed Forces, Op cit., Pp. 5-8.
95-    Mietzner, Marcus, The Politics of Military Reform in Post-Suharto Indonesia, Op cit., PP.  63-66.

(1)Jenkins, Gareth, Continuity and change: prospects for civil–military relations in Turkey, International Affairs 83: 2 (2007) 339–355, P. 340.

(2) Ibid., PP. 354-355.

(3) Ibid., PP. 339-341.

(4) Ülgen, Sinan, From Inspiration to Aspiration, Turkey in the New Middle East, PP. 7-9.

(5) Jenkins, Gareth, Continuity and change, PP. 342-343.

(6) Jenkins, Gareth, Continuity and change, Op cit.,PP. 339-341.

(7)VarolOzan O., The Military as the Guardian of Constitutional Democracy, Lewis & Clark Law School Legal Research Paper Series, Paper No. 30, 2012, PP. 53.

(8) Jenkins, Gareth, Continuity and change, Op cit.,PP. 339-341.

(9) Jenkins, Gareth, Continuity and change, Op cit.,PP. 339-341.

(10) Jenkins, Gareth, Continuity and change, Op cit.,PP. 339-341.

(11) Ülgen, Sinan, From Inspiration to Aspiration, Op cit.,, 2011, PP. 7-9.

(12) Jenkins, Gareth, Continuity and change, Op cit.,PP. 343-344.

(13) Ibid.

(14) Ibid.

(15) Ibid.

(16) Ibid.

(17) Ibid.

(18) Ibid.

(19) Ibid, PP. 345-346.

(20) Ibid.

(21) Ibid.

(22) Ibid.

(23) Faltas, Sami, The Prime Minister and the Imam: Civil-Military Relations in Turkey today, (Turkish Policy Quarterly, Vol. 1, No. 1, 2012, PP. 133-143) PP. 137-139.

(24) Ibid.

(25) Ibid.

(26) Tuininga, Alexander, The Emerging Pattern of Civil-Military Relations in Islamist States, thesis Submitted in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree of Master of Arts in Security Studies, Thesis Advisor Robert Springborg, Second Reader, Thomas Bruneau, Naval Postgraduate School, March 2013, PP. 61-78.

(27) Faltas, Sami, The Prime Minister and the Imam, Op cit.,PP. 136-137.

(28) Tuininga, Alexander, The Emerging Pattern of Civil-Military Relations, Op cit.,PP. 61-78.

(29) Jenkins, Gareth, Continuity and change, Op cit.,PP. 352-353.

(30) Faltas, Sami, The Prime Minister and the Imam, Op cit.,PP. 136-137.

(31) Ari, Leman Basak, Civil-Military Relations in Turkey, Master Degree in Public Administration, Texas State University, Summer 2007, PP. 43-44.

(32) Steven A. Cook, Q&A on Egypt’s Post-Mubarak Future, Foreign Affairs, February 10, 2011.

(33) Toktas, Şule, and Kurt, MIT, The Impact of EU Reform Process on Civil-Military Relations in Turkey, SETA Foundation for Political, Economic and Social Research, policy brief, No., 26, November, 2008, PP. 1-2.

(34) Toktas, Şule, and Kurt, MIT, The Impact of EU Reform, Op cit.,PP. 3-4.

(35) Mahmoud, Faiqa, Evolving Civil-Military Relations, Op cit.,PP. 8-12.

(36) Faltas, Sami, The Prime Minister and the Imam, Op cit.,PP. 139-141.

(37) Ari, Leman Basak, Civil-Military Relations in Turkey, Op cit.,PP. 43-44.

(38) Toktas, Şule, and Kurt, MIT, the Impact of EU Reform, Op cit.,PP. 3-4.

(39) Faltas, Sami, The Prime Minister and the Imam, Op cit.,PP. 139-141.

(40)Ibid.,PP. 141-143.

(41) Ibid.

(42) وقد كان أبرز مثال على ذلك وثيقة السلمي، التي صدرت باسم نائب رئيس الوزراء للتحول الديمقراطي، الدكتور على السلمي. وقد صدرت الوثيقة في أعقاب ثورة يناير 2011، وبناء على رغبة المجلس العسكري الحاكم في ذلك الوقت. لمزيد من التفاصيل انظر على سبيل المثال:

El-Ghobashy, Mona, Egyptian Politics Upended, Middle East Research and Information Project, available at:http://www.merip.org/mero/mero082012

(43) Mahmoud, Faiqa, Evolving Civil-Military Relations, Op cit.,PP. 12-13.

(44) Ibid.

(45) Ibid.

(46) Ibid.

(47) Ibid.

(48) VarolOzan O., The Military as the Guardian of Constitutional Democracy, Op cit.,PP. 74.

(49) Cook, Steven A., Ruling but not Governing, The Military and Political Development in Egypt, Algeria, and Turkey, John Hopkins University Press, 2007, PP. x.

(50) Ülgen, Sinan, From Inspiration to Aspiration, Op cit., PP. 7-9.

(51) Diamint, Rut and Mikail, Barah, Militaries, Civilians and Democracy in the Arab World, FRIDE, Policy Brief Series, Nº 112 – Jan. 2012, PP. 3.

(52) Ibid.

1.    Varol, Ozan O., The Military as the Guardian of Constitutional Democracy, Op cit.,PP. 70-71.
2.    Rezola, Maria Inacia, The Portuguese Transition to Democracy, Institute of Contemporary History, New University of Lisbon and School for Media and Communication, Polytechnic Institute of Lisbon, March 13th 2010, PP. 2.
3.    Varol, Ozan O., The Military as the Guardian of Constitutional Democracy, Op cit., P. 59.
4.    Pinto, António Costa, Political Purges and State Crisis in Portugal’s Transition to Democracy, 1975–76 Journal of Contemporary History, )Vol. 43(2), 2008, 305–332(, P. 309.
5.    Ibid, P. 307.
6.    Ibid, PP. 311.
7.    Ibid.
8.    Varol, Ozan O., The Military as the Guardian of Constitutional Democracy, Op cit.,PP. 62-63.
9.    Ibid.
10.    Rezola, Maria Inacia, The Portuguese Transition to Democracy, Op cit.,PP. 5.
11.    Varol, Ozan O., The Military as the Guardian of Constitutional Democracy, Op cit.,PP. 63-64.
12.    Bruneau, Thomas C.,  Spanish Case Study, The Center for Civil-Military Relations, Naval Postgraduate School, Monterey, California, November 2000,  PP. 3-9.
13.    Varol, Ozan O., The Military as the Guardian of Constitutional Democracy, Op cit.,PP. 63-64.
14.    Ibid.
15.    Ibid.
16.    Bruneau, Thomas C., Spanish Case Study, Op cit.,PP. 3-9.
17.    Varol, Ozan O., The Military as the Guardian of Constitutional Democracy, Op cit.,PP. 63-64.
18.    Ibid.,PP. 66-67.
19.    Ibid.,PP. 63-64.
20.    Ibid.
21.    Rezola, Maria Inacia, The Portuguese Transition to Democracy, Op cit.,P. 15.
22.    Varol, Ozan O., The Military as the Guardian of Constitutional Democracy, Op cit.,PP. 70-71.
23.    Ibid.
24.    Ibid.,PP. 69.
25.    Ibid.,PP. 43.
26.    Rezola, Maria Inacia, The Portuguese Transition to Democracy, Op cit.,PP. 2.
27.    Pinto, António Costa, Political Purges and State Crisis in Portugal’s Transition, Op cit.,PP. 312.
28.    Varol, Ozan O., The Military as the Guardian of Constitutional Democracy, Op cit.,PP. 70-71.
29.    Ibid.,PP. 62-63.


1.    Bruneau, Thomas C., Spanish Case Study, Op cit.,PP. 5-6.
2.    Ibid.
3.    Ibid., PP. 6-10.
4.    Voogd-el Mhamdi, Lebna, Serving in uniform during the Spring, A case study of the role of the Egyptian military in the transition,https://openaccess.leidenuniv.nl/bitstream/handle/1887/19279/Egyptian%20army.pdf?sequence=2
5.    , P. 9
6.    Bruneau, Thomas C., Spanish Case Study, Spanish Case Study, Op cit.,PP. 5.
7.    Ibid., PP. 6-10.
8.    Ibid., PP. 5.
–    Ibid, PP. 6-10.
9.    Ibid.
10.    Martinez, Rafael, the Democratic Consolidation of the Military Administration: Objectives to be met in the Light of Spanish Experience, Arab Reform Initiative, January 2012, PP. 11-12.
11.    Martinez, Rafael, the Democratic Consolidation of the Military Administration, Op cit.,PP. 11-12.
12.    Bruneau, Thomas C., Spanish Case Study, Op cit.,PP. 6-10.
13.    Martinez, Rafael, the Democratic Consolidation of the Military Administration, Op cit.,PP. 11-12.
14.    Bruneau, Thomas C., Spanish Case Study, Op cit.,PP. 6-10.
15.    Ibid.

1- Tófalvi, Fruzsina, Military Disloyalty and Regime Change: a Comparative Examination of Loyalty Shifts in the Armed Forces, Submitted to Central European University Department of Political Science, In partial fulfillment of the requirements for the degree of Master of Arts in Political Science, Supervisor: Carsten Q. Schneider, Budapest, Hungary, (2012), PP. 2-3.

2- Springborg, Robert and Bruneau, Thomas, Latin America’s lessons for the SCAF, Egypt Independent, January 12, 2012.

3- UNDP, The Political Economy of Transition: Comparative experiences, Op cit., PP. 29-35.

4- Springborg, Robert and Bruneau, Thomas, Latin America’s lessons for the SCAF, Op cit.

5- [1] UNDP, The Political Economy of Transition: Comparative experiences, Op cit., PP. 29-35.

6- Ibid, PP. 29-35.

7- Bruneau, Thomas C., Civil-Military Relations in Latin America, Op cit., PP. 125-126. 

8- UNDP, The Political Economy of Transition: Comparative experiences, Op cit., PP. 29-35.

9- Bruneau, Thomas C., Civil-Military Relations in Latin America, Op cit., PP. 125-130. 

10- UNDP, The Political Economy of Transition: Comparative experiences, Op cit., PP. 29-35.

11- Ibid.

12- Ibid.

13- Ibid.

14- Diamint, Rut and Mikail, Barah, Militaries, Civilians and Democracy in the Arab World, Op cit., PP. 4-5.

15- Smallman, Shawn, Egypt’s military and the Latin American experience, International and Global Studies, November 18, 2011, Available at:http://introtoglobalstudies.com/2011/11/egypts-military-and-the-latin-american-experience/

16- Ibid.

17- Diamint, Rut and Mikail, Barah, Militaries, Civilians and Democracy in the Arab World, Op cit.,P. 5.

18- UNDP, The Political Economy of Transition: Comparative experiences, Op cit.,PP. 29-35.

19- Voogd-el Mhamdi, Lebna, Serving in uniform during the Spring, Op cit.,PP. 34-36.

20- Ibid.

21- Mahmoud, Faiqa, Evolving Civil-Military Relations, Op cit.,PP. 17-20.

22- Ibid.

23- Brumberg, Daniel, and Sallam, Hesham, The Politics of Security Sector Reform in Egypt, United States Institute of Peace, Special Report 318 October 2012, PP.11-12.

24- Voogd-el Mhamdi, Lebna, Serving in uniform during the Spring, Op cit.,PP. 34-36.

25- Brumberg, Daniel, and Sallam, Hesham, The Politics of Security Sector Reform, Op cit.,PP.11-12.

26- Lutterbeck, Derek, Arab Uprisings and Armed Forces:Between Openness and Resistance, SSR PAPER 2, The Geneva Centre for the Democratic Control of Armed Forces (DCAF)2011, PP. 8-11.

27- Tuininga, Alexander, The

(Read more)  كتاب هل الخليج: عربي أم فارسي ؟ وقضايا أحوزية أخر