قضايا سياسية

العلمانية العربية والتضليل السياسي

العلمانية العربية والتضليل السياسي
عامر مصباح
جامعة الجزائر 3
في أحدث تشخيص قبل يومين لطبيعة ومضمون الأزمة الخليجية، صرّح سفير دولة الإمارات العربية المتحدة في واشنطن بأن الخلاف بين الدول الأربعة وقطر يتعدى حدود المطالب الثلاثة عشر إلى الخلاف حول تشييد النظام العلماني في المنطقة، في إشارة منه أن الدول الأربعة تسعى وراء إقامة أنظمة سياسية علمانية، وأن قطر تخرب عليهم هذه المهمة بواسطة دعم الجماعات المتطرفة والإخوان المسلمين. بغض النظر عن حجم التضليل السياسي الذي يحمله هذا الادعاء الذي أطلق في عاصمة الليبرالية الجديدة، لابد من بحث السياق السياسي والتاريخ الاستراتيجي لظهور مفهوم العلمانية في النصف الثاني من القرن السابع عشر.
لقد بني المضمون السياسي والثقافي للعلمانية على ركام التجربة المؤلمة لحرب الثلاثين عام في وسط أوربا بين تيارين رئيسيين في الديانة المسيحية وهما التيار المحافظ للكاثوليك، والتيار الإصلاحي للبروتستانت؛ وبالتالي السبب العميق لتلك الحرب المريعة والقاسية محدد في إرادة القمع لدى الكاثوليكية المدعومة بواسطة القوة العسكرية للإمبراطوريات الأوربية آنذاك ضد القوى الإصلاحية للمذهب البروتستاني المحمول بواسطة القوى الشعبية في المقام الأول. اندلعت الحرب عبر وسط أوربا واستمرت لثلاثين عاما، أقنعت ضراوتها القادة الأوربيين، الأمراء، ورجال الدين بضرورة التفاوض على طاولة واحدة وإيجاد طريقة في الحكم تحفظ حقوق الجميع تحت خيمة الدولة الوطنية المتعالية فوق الانقسامات الإيديولوجية والتنوعات الدينية؛ وهي النتيجة التي خرج بها المؤتمرون في مؤتمر واستفاليا عام 1648 وكانت أساسا لظهور النظام الدولي المستمر إلى أيامنا هذه.
إذا أسقطنا ظروف وسياقات نشأة العلمانية في أوربا على أوضاع العالم العربي، نجد الكثير من مظاهر التشابه خاصة فيما يتعلق بالصراع الحاد بين القوى المحافظة (النظام العربي الرسمي) والقوى الإصلاحية (العنيفة والسلمية)؛ لكن وجه الخلاف يكمن في أن العلمانية في البيئة الأوربية كانت تمثل الحل للنزاعات والحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، في حين أن العلمانية المقترحة من قبل حكومة الإمارات عن طريق سفيرها في واشنطن تمثل العصا الأمنية لقمع قوى التغيير والإصلاح في المنطقة عن طريق استغلال الاتجاه العالمي في الحرب ضد الإرهاب ومكافحة التطرف، الذي أصلا شاركت الحكومة العربية في صناعته من أجل جذب الدعم الغربي لمكافحة قوى التغيير السلمي.
العلمانية في المفهوم الغربي هي ضمانة مؤسساتية، ثقافية، وسياسية لحرية الفكر، الإيديولوجية، الاعتقاد، والعدالة أمام القضاء، ورفض كل أشكال القمع بسبب المواقف السياسية أو الدينية أو الإيدولوجية. إذا نظرنا في المنطقة، نجد أن حكومة الإمارات هي أكثر الحكومات في المنطقة قمعا للحريات وانتهاكا لحقوق الإنسان، تشرّع فيها القوانين بدون برلمان، ويعاقب فيها الناس بأشد العقوبات بسبب تغريدة في مواقع التواصل الاجتماعي، أو مقال في جريدة، ناهيك عن حظر الأحزاب السياسية في البلاد. ليس هذا فحسب، وإنما تعتبر المصدر الرئيسي في تغذية وتمويل القمع الأمني في عدد من الدول مثل مصر، ليبيا، وبعض دول الخليج.
إنها علمانية التضليل السياسي عن واقع مؤلم مناهض لكل أشكال حرية التعبير السياسي، تستخدم من أجل استمالة الرأي العام الغربي إلى جبهة الحرب ضد ما يسمى بالإسلام السياسي في الظاهر، أما في العمق فإنها حرب ضد التحول الديمقراطي في المنطقة. التحول الديمقراطي الذي يطرح كبديل لمقاربة الإرهاب والتطرف.

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock