مفهوم العلوم الأمنية – The concept of security sciences

شكَّل الأمن، محوراً أساسيَّاً في حياة الإنسان وتفكيره، سواءً كان ذلك على مستوى الفرد أم الجماعة أم الدولة، إذ يعتبر الأمن الأولوية الأُولى في حياة الإنسان وفي ترسيخ وتوطيد دعائم استقراره وتطوره وازدهاره. فالحاجة إلى الأمن بكافة صوره وأشكاله، من أهم الحاجات الفطرية الإنسانية.

لقد تطورت المعارف العلمية على مر الحقبات الزمنية بصورة تراكمية، مفرزة اتجاهين معرفين رئيسيان هما العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.

تقوم العلوم الإنسانية على الاهتمام بالظواهر الاجتماعية ودراستها وفق أسس علمية ومنهجية لحل المشكلات التي تتواجد ضمن طياتها، ومن تلك الظواهر الاجتماعية الظاهرة الأمنية حيث أنتجت التراكمات العلمية وتطورات وتحولات مفهوم الأمن حقلاً علمياً واسعاً وشاملاً شمولية الظاهرة الأمنية الراسخة في الوجداني الإنساني فرداً وجماعات يُعْرَفْ بالعلوم الأمنية أو الدراسات الأمنية.

تعريف العلوم الأمنية 

للوهلة الأُولى يتبادر للذهن التعريف الأدبي كون المصطلح مكون من شقين هما العلوم وهي جمع علم، والثانية الأمنية وهي توصيف لكلمة الأمن. حيث يُقصد بالعلوم مجمل المعارف المُنَسَّقَة التي تنشأ عن الملاحظة والدراسة والتجريب والتي تتم بهدف تعريف طبيعة وأصول الظواهر المدروسة. ويقوم العلم على ما تنتجه البحوث العلمية التي تُعَرَّف على أنَّها استقصاء منظم للكشف عن حقائق وعلاقات الأشياء من أجل تطوير الواقع الممارس لها فعلاً أو تعديلاً.

ويقصد بالأمن لُغَةً الطمأنينة وزوال الخوف، أمَّا اصطلاحاً فمن أحد التعاريف تعريف باري بوزان – Barry Buzan أنَّه ”العمل على التحرر من التهديد وفي سياق النظام الدولي يعني قدرة المجتمعات والدول على الحفاظ على كيانها المستقل وتماسكها الوظيفي ضد قوى التغيير المعادية.“

والأمن يَشْمَلْ الجوانب العسكرية وغير العسكرية، وذلك على اعتبار التهديدات الأمنية متعدد المداخل حيث تطور مفهوم الأمن من المفهوم التقليدي إلى المفهوم الموسع وتعمق منه النطاق الفردي وصولاً إلى المستوى العالمي. 

وعليه فالعلوم الأمنية ”هي العلوم التي تدرس الظاهرة الأمنية وفقاً لأُسس علمية ومناهج كمِّيَّة وكفيَّة وأدوات التحليل المختلفة في العلوم الاجتماعية، مستعينة بأدوات البحث والتحقيق القائمة على الأُسس العلمية الطبيعية.“

وعليه تشمل العلوم الأمنية فُروعاً عِدَّة من فروع الأمن المباشر التي تتجلى في مختلف العلوم الشرطية وتأمين الممتلكات، إلى فروع دراسات الأمن القومي والأمن الدولي ودراسات النزاع والسلم ودراسات الأمن الإنساني.

الظاهرة الأمنية 

يُعالج الموضوع الأمني غالباً الظواهر الأمنية في المجالات المختلفة، ورغم أنَّ العلوم الأمنية تُصنَّف ضمن العلوم الاجتماعية التي تعالج الظواهر الاجتماعية، حيث تتميز الظاهرة الأمنية بما يلي:

– ظاهرة غير ملموسة وصعبة التحديد بشكل دقيق.

– تشكل إطاراً معرفياً متكاملاً يجسد واقع المحيط الاجتماعي المنتج لصوره وأشكاله.

– منتظمة ومترابطة بعيدة عن العشوائية مع بعضها البعض تجمعها مبادئ عامة واحدة.

– ظاهرة متداخلة ومتشابكة مع ظواهر أُخرى في مجالات أُخرى.

– مختلفة من حيث مناهج دراستها ونظريتها المفسرة لها بسبب امتدادات الظاهرة الأمنية في مختلف مجالات  الظواهر الاجتماعية ومستويتها.

الدلالات العلمية لمفهوم الأمن

إنَّ التحولات المفهومية للأمن وتطور البيئات الأمنية خصوصاً في الوقت المعاصر وكذا بروز أهمِّية الاستفادة من المناهج والمعرفة العلمية وإسقاطها على القطاع الأمني أسهم في تطور العلوم الأمنية، حيث تتجلى في الدلالات التالية:

– وجود كم متزايد ومتواصل حول البحوث الامنية وإنشاء مراكز البحث والتعليم الأكاديمي المتخصص في مختلف قطاعات الأمن.

– وجود النظريات ومقاربات مفسرة للظاهرة الامنية على غرار النظريات التقليدية للعلاقات الدولية كالواقعية والمثالية والنظريات الحديثة مثل البنائية والنقدية الاجتماعية ومقاربات الأمننة والأمن الشامل.

– وجود مدارس فكرية للدراسات الأمنية على غرار مدرسة كوبنهاجن ومدرسة ابرسويث و مدرسة باريس 

– التدخلات العلمية مع بقية الحقول العلمية وفي مقدمتها العلوم السياسية والعسكرية .

وبناءً على ما سبق يظهر المعنى العام للأمن المتمثل في غياب التهديد وتقويض المصالح الحيوية للوجود الحياتي ضمن البيئة المحيطة بالدولة والمجتمع والفرد.

إنَّ العلوم الأمنية تخصص متعدد يتطلب من الباحثين في ميدانها الدراية بالفروع الاجتماعية الأُخرى وطرق التحليل العلمي وتوظيف المقاربات المختلفة من أجل التشخيص المناسب للمشاكل والمعالجة الجيدة لقضايا الأمن المختلفة حيث شهدت العلوم الأمنية تطورات نتيجة جهود مجموعة من الباحثين أدَّت لتلك التطورات إلى امتداد حقل دراسات الأمن من مسائل أمن الدولة والحروب التقليدية إلى الاهتمامات الاقتصادية والايديولوجية والسياسية والثقافية والبيئية والمجتمعية.

المصادر والمراجع:

عامرمصباح، العولمة الأمنية و التحليل الكوني للعلاقات الدولية. الجزائر: دار الكتاب الحديث,2014.

صليحة كبابي، الدراسات الأمنية بين الاتجاهين التقليدي والحديث، مجلة العلوم الانسانية، العدد38 ديسمبر 2012، جامعة قسنطينة.

محمد عبيدات ومحمد ابونصار وعقلة مبيضين، منهجية البحث العلمي: القواعد والمراحل والتطبيقات. الجبهية: دار وائل للنشر والطباعة 1999.

محمد غريب، الإعلام الأمني العربي: دراسة نظرية، الرياض: مكتبة جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية 2007.

محمود شاكر السعيد و خالد الخرفش، مفاهيم أمنية، الرياض: مكتبة جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية 2010.

المساهمون في إعداد هذا المقال: