العنف الديني ليس شعارًا نطلقه لضرورات سياسية، أو لأهداف آنية أيًا كانت أهميتها. هو حقيقة لم تغب عن التاريخ الانساني منذ كان الاجتماع البشري. صحيح ان البشر يمارسون العنف لأسباب متعددة، ولكن الصحيح ايضًا أن الاسباب الدينية شكلت أبرز عناوين العنف، ولعل العنف المنطلق من خلفيات دينية هو أكثر اشكال العنف شراسة وضراوة.

والخلفيات الدينية تقود الباحث إلى قراءة الفرق بين الدين والتديّن. فالدين ذو أصل إلهي، بينما التديّن هو تحديدًا نهج وأسلوب بشري نموذج سلوكيّ لبعض المتدينين الذين يعملون على تعميمه كمرآة تعكس الأصل (الدين). والمتدينون عادة ما يخلقون طقوسًا وشعائر تصبح مع مرور الزمن قوة دفع لتجديد واستمرارية وظيفة الدين كجزء مكوّن للحالة الثقافية للجماعة تختلف عن جماعة أخرى وعن تراث آخر. وهذا المسار من الأصل (الدين) إلى الطقوس والشعائر (التدين)، التي تصبح ممارستها نمطية مطلقة و”مقدسة”، ينتج تعصبًا ينمو على تخوم الدين وعلى حافة التدين(1).

والتعصّب، الأب الشرعي للتطرف، والمولد لحالة العنف، ينتقل من جيل إلى جيل، ومن الكبار إلى الصغار، عن طريق التصورات النمطية عامة، وهي تصورات مشوهة لا تعبر عن حقيقة الدين، حيث إن هناك فجوة بين الأصل وأساس البناء (الدين) والبناء (التدين)؛ والبناء دائمًا ما يكون حسب ذوق ومصالح صاحب البناء والتي تحمل الكثير من الكراهية المتأصلة. وأبرز تجليات التعصّب تتمظّهر في النظر إلى الآخر ثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا بوصفه عدوًا يجب العمل على إلغائه، وليس بوصفه تنوعًا يمكن أن يعني الذات بقيم وأبعاد تجعلها أكثر تفهمًا واتساعًا وعقلانية(2).

العنف الديني يتجاوز في حضوره ما شهده الفضاء الأوروبي في القرنين السادس والسابع عشر؛ إنما هو عنف ضارب عميقًا في التاريخ البشري حيث حرصت أغلبية الشعوب على تغليف صراعاتها بطابع ديني بحثًا عن شرعية لهذه الصراعات، والأكثر بحثًا عن الحشود التي تحتاجه والتي يعتبر البعد الديني من أكثر الأبعاد بريقًا وجذبًا للحشود. فالحرب المقدسة تدخل من أبواب الخلاص الذي كان وما زال وسيبقى ضالة الإنسان التي يبحث عنها بكل قواه. وباختصار شديد، إن القتل والقتال باسم المقدس والقداسة والماورائيات يبرر للإنسان أفعاله ويجعلها سبيلًا لمحاكاة المقدس، وتاليًا، سبيلًا للخلاص الموعود. إنه قتال وعنف باسم الله ولأصله، وهل هناك من عنوان للعنف يضاهي هذا العنوان؟

أولًا: دوافع العنف الديني

عاشت البشرية سلسلة متصلة من جحيم “الحروب الدينية” و”العنف الديني”، وصولًا إلى القول أن هذا العنف بأساطيره وسردياته الكبرى صار أقرب إلى الأيديولوجيا بتعريفها الكلاسيكي. وهذا الطرح على أهميته متأتٍ من حرص مورس – وما زال – على إلباس المصالح السياسية والاقتصادية لباس القداسة، لأنه اللباس الأفضل الذي يضاهي أعتى أنواع الأسلحة بقدرته التدميرية. ولعل ما نعيشه اليوم من مشاهد دموية وأجساد تنفجر طوعًا واختيارًا طلبًا للخلاص والتقرب من الله خير دليل على فعالية هذا السلاح ودوره وسهولة امتلاكه. ولا أبالغ إن قلت إن الدين كان وما زال وسيبقى ولأسباب عديدة مجالًا للاستثمار بمشاريع سياسية واقتصادية. فهو للأسف الشديد يشبه البترول العائم، سهل الاستخراج، وبالتكلفة الأرخص.

صحيح أن الدافع الديني لم يكن مستقلًا قبل القرن السابع عشر عن بقية الدوافع الانسانية؛ إلا أنه كان أبرز الدوافع تبريرًا للعنف، وآلية للحشد نعم، الدين ما قبل الحداثة شكل نمطًا للحياة وطريقة في الوجود، إلا أنه كان دائمًا عنوان الحروب، دفاعًا عن الآلهة وانتصارًا لها. وبمعزل عن حقيقة هذه المبررات، فالعنف الديني هو الأكثر تغلغلًا في لجم سائر الأنشطة الإنسانية وهو محركها الأول والأساس. فلا توجد جماعة بشرية إلا ومارست العبادة، ومارست العنف باسم ما تعبد دفاعًا عنه، أو تعميمًا لحضوره ونشره، بغض النظر عن حقيقة الأهداف الكامنة الحقيقية التي كانت السبب في الحروب والصراعات.

والعنف لا يقتصر على القتل والقتال، بل يتجلى بأشكال عديدة. والعنف الديني يبدأ بإعداد امتلاك الحقيقة المطلقة مرورًا برفض الآخر وعدم الاعتراف به، وتاليًا، إقصائه أو تهميش دوره، أو التمييز على أساس ديني. فإدعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، يتبعه الاعتقاد بالاصطفاء، والاصطفاء يؤلّد الاستعلاء والاستعلاء بيت القصيد في كل عنف وإرهاب.

بمعنى آخر، إن التطرّف الذي يتأسس دائمًا على “وهم” امتلاك الحقيقة المطلقة، يجعل من الصعب على صاحبه أن يتفاعل مع أفكار غيره، أو أن يتجاوز أفكاره، لأنه يعتبرها قطعية، نهائية، لا تقبل المراجعة والمناقشة. هكذا تنشأ حالة التمركز على الذات، والتغذية على مرجعية ثقافية أحادية، والتي تتحوّل إلى منهجية في التفكير والشعور والسلوك، تقود صاحبها إلى الخضوع لسلطة الجماعة التي ينتمي إليها وإلى استلاب وعيه الفردي، بحيث تؤدي إلى توليد ميل خفي إلى إقصاء الآخر ويمهّد للقبول باستخدام العنف في التعامل معه (3).

أدرك جيدًا أن “العنف الديني” كان غطاءً لأسباب أخرى تتماثل معه وأحيانًا تتناقض. فتفحّص حالات العنف الديني الكبرى تكشف جليًّا عن وجود عشرات العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتداخلة والمتشابكة مع العامل الديني، والتي تناقضه احيانًا. ومثالًا على ذلك، فإن النصف الثاني من الحروب الدينية الأوروبية كان صراعًا بين الهابسبورغ الكاثوليك والبوردن الكاثوليك أيضًا، وقد تحالف الفرنسييون الكاثوليك في بدايات تلك الحروب مع السويد اللوثرية. ولعل الباحثة كارين ارمسترونغ في كتابها “حقول الدم: الدين وتاريخ العنف” تتبعت بصورة موضوعية حالات العنف الديني عبر التاريخ وفككتها كاشفة عن هشاشة السردية التاريخية لأسطورة العنف الديني. وعلى أهمية ما طرحت، إلا أن الصحيح أيضًا أن هذه الأسطورة إن سلمنا بها جدلًا، كانت في كثير من فصولها حقيقية، واقعية وليس خرافات أو خيالًا، بغض النظر عن الغطاء الذي شكله “العنف الديني” للأسباب الحقيقية المستترة.

إن القول بشراسة “العنف الديني” ليس محاولة لشيطنة الدين، ولا هو سعي للمساس بالإيمان، لكننا أمام حقائق دامغة تقول بوضوح إن جلّ العنف الذي عرفته البشرية وأشرسه، كان الدين والدفاع عنه العنوان الأبرز لهذا العنف. صحيح أن الإنسان يشكّل العنف فيه غريزة، والصحيح أيضًا أنه يبحث دائمًا عن إشباع هذه الغريزة وفقًا للتطورات الحياتية ولم يجد أقصر من الطريق الديني سبيلًا مقنعًا لتبرير هذا الحضور الغرائزي للعنف فيه.

في الواقع هناك عدّة عوامل ذهنية ونفسية مترابطة تتمّ ممارستها بشكل منتظم ولا واعٍ تشكّل الأساس في بناء هرم التعصّب الدوغماتي عمارة التطرف. ومن هذه العوامل نذكر:

  • التمرّكز على مرجعية احادية مطلقة؛
  • وهم امتلاك الحقيقة المطلقة؛
  • الانتقائية والتأويل؛
  • تبرير الممارسات مهما كانت عنفية تغلب على التفسير الموضوعي للواقع؛
  • ثقافة التسلّط والغاء الآخر؛
  • الحكم المسبق (Pre-judging)؛
  • التعميم (Generalization)؛
  • الإسقاط (Projection)؛
  • التنميط (Stereotype) (4).

لم يعد التلكؤ مقبولًا في مواجهة جماعات العنف والارهاب الديني، لأنها باتت تهدد البنى الاجتماعية والاستقرار. ولعلّ المطلوب وبشكل ملح هو رفع الغطاء الديني والاجتماعي عنها، فلا فرق بين فعل الإرهاب وغطائه، كما أن رفع هذا الغطاء المفترض هو المقدمة الضرورية لتفكيك خطاب جماعات العنف الديني والثقافي.

ثانيًا: العنف الديني ومأزق المنطق والمنطقة

إن السؤال المركزي الذي يطرحه تنامي حضور حركات العنف الديني يختصر بكيفية مواجهتها. وتاليًا، تخليص مجتمعاتنا منها؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست بالمهمة السهلة، فهذه الظاهرة تشكلت بفعل العديد من العوامل المتشابكة، بدءًا بأدلجة التأويل، مرورًا بنصوص دينية واضحة تتبنّى هذا الفكر، وتراث حافل لعنف أُلبس لباس الدين وصار مع الوقت جزءًا من المقدس. كما أن التناقض بين الأديان ساهم إلى حدّ بعيد في تنامي ظاهرة العنف الديني، وتحديدًا في وطننا العربي الذي يعاني الأمرّين من إرهاب يستند إلى أيديولوجيا تلمودية تبرر العنف بأبشع صوره، والإرهاب المنظّم بشكل فاضح، الأمر الذي استدعى ولادة عنف مضاد، نجح الكيان الصهيوني وامتداداته الدولية في تحويل اتجاهه وجعله جزءًا من مأزق المنطقة بدل أن يكون ردًا على عنف وإرهاب دولة الكيان. وهذا التوصيف يجب إبرازه وإعطاؤه الحيّز اللازم ثقافيًا واعلاميًّا.

فالدور الواضح لإسرائيل في دعم حركات العنف الديني ليس جديدًا، لكنه أصبح أكثر خطورةً؛ فهو يلامس تفكيك كيانات المنطقة وتحويلها إلى جماعات دينية على أسس مذهبية متقاتلة في حروب لا سقف زمني لها، ولا حدود واضحة لانقساماتها. ولعلّ غياب منطق الحوار، وتنقية التراث العربي والإسلامي، بشكل علمي وموضوعي يساعد كل المتربصين بأمن وأمان مستقبل المنطقة ومناعة مكوناتها. نعم، لم يرتقِ حوار المذاهب إلى المستوى المطلوب لتخطي تداعياته السلبية، وكان جلّ القائم أقرب إلى ما نجيده من احتفاليات موسمية هي في غالبيتها تأجيل الوقوع في المأزق بدل معالجة اسبابه الجذرية.

فإذا كان احتلال فلسطين يعتبر من أكبر التحدّيات التي واجهت العرب، فإن احتلال العراق والحرب على سورية والعدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان والفلسطينيين، يشكّل هو الآخر تحديًّا وجوديًّا لا يقل خطورة عن تداعيات اتفاقية سايكس بيكو (1916) ووعد بلفور (1917)، وطبعًا في ظل نظام عربي رسمي ضعيف غير قادر على التصدّي لتلك التحديات، وعاجز عن اتخاذ موقف موحد لمواجهة مشاريع التفتيت والتجزئة التي تريد إسرائيل فرضها على الوطن العربي.

منذ ما قبل إقامة الكيان الإسرائيلي بوقت طويل اعتمدت الحركة الصهيونية مبدأ Sun-Tzu القائل بأن “أعلى مراتب النجاح العسكري يتم تحقيقها عندما يبلغ المرء أهدافه من دون الاستعمال الفعلي للقوة”. وهذا ما حاولت، ولا تزال تحاول، إسرائيل فعله مع العرب، أي توظيف الأقليات الموجودة في الوطن العربي خدمة لمصالحها. وفي هذا السياق عملت إسرائيل على تضخيم مشكلة الأقليات العرقية والدينية، وحضها على التمرّد والانفصال عن الوطن العربي، تنفيذًا للمشروع الصهيوني في تحقيق تفوّق إسرائيل الأبدي وشرعنة وجودها كوطن قومي لليهود محاطة بدويلات تحكمها أقليات خاصة بها.

لا شك في أن ما يسهّل عملية التدخّل الاجنبي في شؤون الاقليات هو احساس هذه الاخيرة بوجود فجوة بين حجم اسهامها في الناتج المحلي ونصيبها من الدخل القومي، الأمر الذي يولد مشاعر من الاحباط لدى ابناء هذه الجماعة، ما يؤدي إلى توترات قد تنفجر من خلال سلوكيات عنيفة قد تتخذ اشكال الصراع المسلّح. كما أن الأغلبية قد لا تراعي مصالح وحقوق الأقلية، ما يجعل هذه الأخيرة تتفاعل مع الظروف الدولية والاقليمية لإثارة مطالبها.

ترى إسرائيل أنه من حقها الدفاع عن الاقليات في الوطن العربي، بوصفها “دولة الأقلية بامتياز”. وأكّدت مقالة نشرت في صحيفة DAVAR الإسرائيلية في 14/4/1981 حق إسرائيل:

المشروع لكونها دولة يهودية في الشرق الاوسط، العمل للدفاع عن أية أقلية قوميّة أو اثنية أو دينية في المنطقة لكونها (اي إسرائيل) جزء لا يتجزأ منها. ومن مصلحة إسرائيل المشروعة أن تشارك في الحفاظ على النسيج التعددي للشرق الأوسط لكونه اساس وجودها وأمنها، ومن حق إسرائيل منع السيطرة العربية والإسلامية على مختلف الأقليات التي تعيش في المنطقة.

كما شهدت السنوات الأخيرة من القرن العشرين ظهور نزعة “الكفاح” الدينية، وشاعت تسميتها بالأصولية، وهذه النزعة لم تكن حكرًا على دين بعينه، وإن كانت أكثر بروزًا في المجتمعات ذات الغالبية الإسلامية. والأزمة أن هذه النزعة بحثت لاكتساب شرعيتها عن أعداء وغالبًا ما لوت عنق النص الديني تأويلًا لتبرير هذا العداء. وشهدنا فصولًا من العنف المتبادل بدأ خجولًا لكنه تنامى بشكل دراماتيكي وهذه سمة أساسية من سمات العنف الديني، إنه ينتشر بسرعة انتشار النار بالهشيم.

ليت العداء الديني ينحصر بظاهرة القلة التي تنحو نحو العنف، فإننا نلحظ أن المسالمين يستحكم العداء بينهم، أو هم يستقيلون من دورهم المطلوب لمواجهة العنف والغوغاء. والأكثر، أن انتشار العنف الديني يترافق مع عودة لإحياء الأصول. فنجد رفض الحقائق العلمية لصالح السرديات الكبرى، ونجد العودة إلى التزام معايير سلفية صارمة تتناقض ومعطيات الحداثة وما قطعته هذه المجتمعات من أشواط مهمة ثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، ليتحوّل الدين إلى محور الحياة، ويتقدم الدين على الثقافي والعلمي، حتى في المجتمعات الأكثر تطورًا. فالالتزام الديني اليوم يلامس حضوره السنوات الأولى لانبلاج كل دين من الأديان.

إن الجهد الحقيقي يجب أن ينصبّ على استعادة حضور القضية الفلسطينية إلى قلب الضمير الجمعي العربي، ومواجهة محاولات تهميشها وجعلها في أسفل سلم الأولويات العربية. إن تغييب القضية الفلسطينية هو تغييب لعدوّ العرب الحقيقي، وفتحًا للأبواب أمام اجتهادات لتوليد أعداء جدد، ولن يجد أصحاب هذه المآرب صعوبة في تأويل النصوص الدينية لتبرير هذا العداء والصراع… هي الاجتهادات في زمن الوجبات السريعة تحاكي التطورات السياسية المتسارعة وحاجتها إلى شرعية يقوم عليها خطاب غرائزي يؤمن الوقود المطلوب من أرواح شاخصة إلى السماء طلبًا للخلاص. وفي تقديرنا، فإن التفسير الديني اللاهوتي  والفقهي  الذي يحاكي جدلية النص والواقع لم يعد قادرًا على تقديم التفسير الموضوعي لظاهرة العنف والارهاب لأن أغلب تلك التفسيرات تصدر عن أجندات سياسية واعلامية مجهزة مسبقًا.

ثالثًا: النص الديني، التأويل، والواقع

الثورة على السلطان، إسقاط الحاكم، الخروج على ولي الأمر، عناوين تُلًّبس لباس الدين لتحقيق اهداف سياسية واضحة، حتى إن أصحاب هذه العناوين لم يعودوا قادرين على إخفاء الأبعاد السياسية في قراءتهم لفقه الخروج على الحاكم، وهم أنفسهم كانوا لسنوات قليلة خلت ولأهداف سياسية من عتات القائلين بحرمة الخروج.

الخروج على الحاكم بالعنف، مسألة في غاية الأهمية، وهي مثار جدل وتباين وصراع بين تيارات إسلامية، تتسابق على تأويل النصوص خدمة لموقعها السياسي ومصالحها؛ سباق وصراع تستعمل فيه كل الأسلحة ويغيّب عنه العقل، لأن السؤال حرام.

ففي حضرة “أدلجة التأويل” وضرورات أن تكون هذه الأدلجة ممهورة بختم مقدس الخروج عنه خروج من الملة، أو أقله غباء يعوزه التفقه بشؤون الدين.

إن السعي لطرق هذا الباب والغوص في محيط تفاصيله، مع كل ما يحمله من خطر الاصطدام بواقع مأزوم، تقتله أوهام الهواجس، مرتهن لأجندات سياسية خارجية تملي عليه قراءات متعددة للنص الواحد ليقدم تبريرًا شرعيًا لمعارك وحروب أقل ما يقال فيها أنها حروب عبثية تماثل الانتحار. والأكثر، هي مراهنة مقيتة تتناقض والمصالح الحقيقية لأصحابها. فالانتصار للدين لا يكون نحرًا له خدمة لأعدائه المفترضين….

لقد أرغمت العلمنة والعولمة الأديان على الانفصال عن الثقافة، وعلى ان تعتبر نفسها معتقلة وتعيد بناء ذاتها في فضاء لم يعد اقليميًا، وبالنتيجة، لم يعد خاضعًا للسياسي. وينجم  فشل الدين السياسي (حكومة دينية) من أنه أراد منافسة العلمنة في ميدانها الخاص: الفضاء السياسي (أمة، دولة، مواطن، دستور، نظام قانوني) فكنا أمام إمعان في توريط المقدس في تفاصيل اليومي المعيشي.

وفي ظل فضاء حل فيه الإعلام محل المعرفة، كنا أمام إحيائية دينية ليست (كما تصور) رد فعل على العلمنة بل هي ثمرتها. ومع إدراكنا الأكيد أنه ما من عودة للدين، بل تحول لن يفضي إلى عصر ديني جديد. والدراسات التي تبرز ضجيج الإحيائية الدينية بغياب الممارسة الدينية كثيرة وذات صدقية عالية؛ مع الاعتراف بصعوبة قياس الممارسة الدينية، إلا أن الواضح اننا أمام إعادة صياغة للدين لا عودة إلى ممارسات سلفية.

نعم إننا بصدد طفرة دينية، العنف عنوانها الأبرز، وهي تكتسب قوتها من:

  • زوال الصفة الإقليمية؛
  • فقدان الهوية الثقافية.

فالأديان يمكن أن تنتقل خارج ثقافتها الأصلية لأنها عرفت كيف تفقد هويتها الثقافية. فليس مهمًا، والحالة هذه، أن يتجسّد الدين في دولة أو أمة، بل الأهم أن يقوم على تعاليم ترسم للمنتسبين إليه حدود الجائز والممنوع، المقدّس والمدنّس، وأن ينجح في ترويض الوعي الفردي، والجمعي، عبر مبادئ وقواعد للفكر والسلوك، وأفكار لا تلبث أن تتحوّل إلى عقائد راسخة لا تقبل المراجعة في جانبها العقيدي.

يترتّب على فقدان الهوية الثقافية نتائج أساسية أبرزها:

  • تحوّل المسافة بين المؤمن وغير المؤمن إلى حاجز حيث تغيب المسافة الوسيطة بغياب الهوية الثقافية؛
  • فقدان البداهة الاجتماعية للدين؛
  • توحيد النمط؛
  • إزالة العمق الثقافي واستبداله وتحت اسمه بمجموعة من المعالم الدينية.

وهذا بحد ذاته تأسيس لمناخ يساعد على دفع التوجهات العنفية قُدُمًا وبشكل متسارع ويجعله عنفًا متفلتًا من أي ضابط.

إذا هو نسق سوسيولوجي يتأسس على نظرية “المحاكاة التقليدية” وهي حجر الزاوية لفهم العلاقة الجدلية التي تربط المقدس والعنف كأصل للصراع الإجتماعي. فمفاهيم: الآلهة، الذبيحة، الطقوس، الأساطير، الرغبة المحاكاتية، يجمعها بعد واحد هو مركزية “الأنا” في علاقتها بالذات وعلاقتها بالآخر. ولعلّ ما نشهده من عنف متصاعد يعود إلى اتساع دائرة المحاكاة الغـــير قابلة للقسمة، وتولّد الرغبــــات المولّدة للصــــراع والعنف – العنف المقدس المتأتي من احتكار الحقيقة المطلقة.

ومركزية “الأنا” تصبح “مركزية إثنية: في حالة الجماعة الدينية. والمركزية الإثنية (Ethnocentrism) على كونها نزوع مجموعة بشرية إلى اعتبار نفسها مرجعية لسائر المجموعات البشرية وربما العالم بأسره. وهذا المفهوم ينتج أربعة ظواهر:

  • شعور صريح أو مضمر بالتفوق؛
  • الحكم المسبق على الآخر من خلال معايير ذاتية؛
  • دعوة علنية وسلوك عملي ينطلقان من معيار أن ما يصلح للذات لا بدّ حتمًا أن يصلح للآخر؛
  • ازدواجية انغلاقية- انفتاحية: فحالة الاستعلاء المحاطة بهالة القداسة قد تدفع بالجماعة إلى الانعزال لصيانتها من عدوى الخارج، أو الاندفاع إلى تعميم التجربة الذاتية ونشرها على مستوى العالم أجمع (5).

وتتمظهر المركزية الإثنية في ما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية من دعوات لنشر طريقة العيش الأمريكية (The American Way of Life) وتعميمها في كل أنحاء العالم، وتقييم المجتمعات الأخرى على أساس المعايير الأمريكية، والادعاء بأن السلام العالمي لن يتحقق إلا من خلال تبني العالم للحياة الأمريكية بكل أبعادها الثقافية والسياسية والاقتصادية. وهذه كلها مفاعيل العولمة التي تقوم على اجتياح الثقافات الأخرى ومحوها محوًا كاملًا.

خاتمة

إن الصراع الديني لم يغب عن أي دين وهو جدار تتلطّى خلفه عوامل اقتصادية وسياسية، يسعى أصحابها لتغليفها بشعارات براقّة كونها الأكثر تأثيرًا. فالعنف بإسم الدين مستحب كونه يمارس بإسم الله.

ومع أننا ندرك براءة الله من عنف باسمه يحوله إلى ارهابي، إلّا أننا ندرك أيضاُ أن الفهم المؤدلج للدين بالتأويل الحرفي للنصوص، والجهل بفهم السياقات التي ولدت بها هذه النصوص يجعل الإرهاب والمصالح التي تحركه يستسهل سلوك طريق العنف الديني. فالدين يشير إلى تلك العلاقة الخاصة بين الناس وما يعتقدون أنّه مقدس ومتعال؛ إنّه اعتقاد في عالم علوي يوجد في استقلال تام من العالم السفلي المادي، لكنّه سعي دؤوب لمصالحة هذا الأخير (الإنسان) مع الله.

العنف المقدس يدور في فلك الجمود والتقوقع والانغلاق والأحادية، بينما العنف السياسي متحرك، ويحتاج إلى مبررات أكبر من القتال باسم الله.

العنف والعنف الديني غالبًا ما يجد في الواقع المأزوم أرضًا خصبة للنمو والتكاثر. فالغضب الذي يختزنه الجمهور من واقع التهميش الذي يتخبط به، يجعل هذا الجمهور تواق لتفجير هذا الغضب، والمعطى الديني هو الأكثر قدرة على إشعال فتيل الغضب وتحويله إلى عنف مدمر.

وبما أن موضوع البحث هو سوسيولوجي بامتياز، لا بدّ لنا من التأكيد مجددًا أن المعتقدات لا تتخذ بعدًا وتعبيرات عنيفة إلا بشروط معينة. فالتطرف يحتاج كي ينمو إلى ديناميات سياسية واقتصادية، كما يحتاج إلى أطر اجتماعية- نفسية- وثقافية. وهذه الديناميات أو الدوافع عديدة نذكر منها: غياب قنوات الاتصال والتواصل، التغيرات الديمغرافية، الفقر، التعبئة والتحريض، التهميش السياسي والقمع الممنهج وغياب منظومة العدالة بكل أبعادها(6).

ونجد أن العنف الديني حاله حال العنف عمومًا يتجاوز أصحابه، فلديه من الخصائص التدميرية ما يجعله قادرًا على تجاوز كل الوسائل، ويصبح الوسيلة الوحيدة التي تسيطر على السلوك العام، حيث يمكن التنبؤ ببداياته. لكنه يتفلّت فيعم، ويتخطّى الأسباب الموّلدة ليصبح بحد ذاته هدفًا، فتغلب الوسيلة الغاية ويصير العنف ثقافة.

والعنف الديني ليس أحادي الجانب، فهو يبالغ بفبركة عدد الاعداء الوهميين تبريرًا لاستمراره؛ فاستمراره استمرار للجماعة، التي غالبًا ما ترى نفسها مصطفاة، فتستعلي محتكرة الحق بالبقاء والأفضلية والحكم والسيطرة. فهي صاحبة الحق المطلق بتمثيل الله، وعنفها رغبته والطريق إلى الخلاص ونيل رضاه…

المصادر: 

(*) جاءت هذه الورقة ضمن أعمال مؤتمر “الدين والإرهاب” الذي نظمته كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية في الجامعة اللبنانية بالتعاون مع مركز بحوث الشرق الأوسط في صوفيا/بلغاريا، والذي جرت أعماله في 16-18 أيار/مايو 2017.

(**) كميل حبيب: عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية في الجامعة اللبنانية.

المراجع:

عبد الغني عماد، الهوية والمعرفة، المجتمع والدين، بيروت: دار الطليعة، 2017، ص، 177.

المصدر السابق، ص. 156 وص. 177، وص. 324.

المصدر السابق، ص. 327.

المصدر السابق، ص. 327-328.

المصدر السابق، ص. 182-183.

المصدر السابق، ص، 326.