يبدو أن هناك ما يشبه الإجماع، على المستوي الثقافي والفكري على قبول الديمقراطية أداة وأسلوباً للحكم في أفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة، وهو ما يعني بشكل أو بآخر التسليم بقبول التوجه الرأسمالي أيديولوجية لتنمية القارة الأفريقية، وهو الأمر الذي يكشف عنه بشكل أو بآخر القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي والشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا NEPAD، هذا فضلا عن العديد من الدساتير الأفريقية التي راحت تتحدث عن الحكم الرشيد، واحترام حقوق الإنسان، والأخذ بآليات السوق، ارتكاناً إلي رؤية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تذهب إلي أن التحول الديمقراطي من شأنه أن يؤدي إلي تحقيق التنمية الاقتصادية.
إن الواقع العام لا يبشر بعد عقدين من انطلاق عملية التحول الديمقراطي في أفريقيا، لقد كان لكوامي نكروما من قبل مقولة مشهورة، تشير إلى أن الامبريالية الاستعمارية تريد من أفريقيا الذهاب إلى المملكة السياسية أولاً. “Seek Ye First the Political Kingdom”.وربما يعني بذلك أن تلك القوى تذهب في سياساتها وسلوكها وممارساتها إلى تسييس كل القضايا طالما أنها الأقوى والأقدر تأثيراً ونفوذاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأيديولوجياً، وهو نمط من الأنماط العديدة التي تجيد تطبيقها تلك الدول سواء تعلق الأمر بالاستيعاب أو الاحتواء أو السيطرة، ولذلك فهي لا تتوانى عن توظيف كل أنواع الشروط، من الشروط السياسية Political Conditionality، إلى الشروط الاقتصادية Economic Conditionality، إلى شروط المساعدة Aid Conditionality، إلى شروط التعاون Cooperation Conditionality، وجميعها تصب باتجاه إعطاء الأولوية ليس للارتقاء بالتنمية وبالداخل الأفريقي. كما تطالب الدول الأفريقية وتتمنى، وإنما للبدء بالتغيير السياسي (الديمقراطي)، أو الذهاب إلى المملكة السياسية وفقاً لنكروما.
ولكن، هل كانت الموجة الديمقراطية التي حدثت منذ أواخر ثمانينياتِ وأوائل تسعينياتِ القرن العشرين مجرد ردّ فعل ضدّ التراث الاستبدادي لفترةِ ما بَعْدَ الاستقلال؟ أم أنها تعبيرِ عن الرغبة والدعمِ لإقامة دولة المؤسساتِ، وأن البداية المنطقية لِهذا يتمثل في وجود حراك سياسي واجتماعي نحو التعزيزِ للتحولات الديمقراطيِة وان اَستغرقُ ذلك وقتَاً، من أجل التكيّف والتجريب والتطور؟. وبالتالي إذا كان التحول الديمقراطي في أفريقيا منذ أوائل التسعينيات قد جاء نتيجة لمجموعة من العوامل النابعة من البيئة الداخلية والبيئة الخارجية للنظم السياسية الأفريقية، فإن استشراف آفاق هذا التحول يرتبط بمجموعة من العوامل ومنها:
أولاً: العوامل المعوقة للتحولات الديمقراطية في أفريقيا
يلاحظ أنه في العديد مِنْ الدول الأفريقية، التي حَدثتْ فيها محاولات لعمليات تحول ديمقراطي، فإن عدداً قليلاً منها تراجعت فيها الأنظمةِ الاستبدادية، ولكن بدون أن يعني ذلك الانتقال الكامل إلى الديمقراطيةِ. كما أنه في بَعْض الدول، استمرت عملية التغييرِ بهدف التوسّعِ في الأخذ بالمعاييرِ والممارساتِ الديمقراطيةِ، ولكن الطابع العام الذي ينخلع عليها هو البطء أو عدم مبالاة تارة، والالتفاف على معطيات العملية وبراهينها تارة أخرى.ولعل هذا يشير إلى أن هناك معوقات محددة تحول دون الوصول إلى نتائج حقيقية وملموسة في الواقع السياسي الأفريقي، ويمكن الإشارة إلى بعض جوانب تلك المعوقات كالتالي:
1. العوامل العامة المعوقة للتحولات الديمقراطية
إن أحد الإشكالات التي تعترض استيعاب التحولات الديمقراطية في أفريقيا هو أن كل من الأنظمة الحاكمة والشعوب الأفريقية تعد الديمقراطية طريقة وأداة للحكم وافدة أو أجنبية Alien على دول القارة، ومن ثم فهي لا تتناسب ولا تتواءم مع الثقافات والموروثات السياسية التقليدية، سواء فيما يتعلق بالزعامة وممارسة السلطة والحكم، أو فيما يتعلق بالتعامل مع الجماعات المكونة للمجتمعات الأفريقية ولا حتى مع طبيعة الحاجات والأولويات والمشكلات التي تخص تلك الجماعات، والتي تتطلب دوما تسويات رضائية  Consensual Problem-Solving وبطرق وبمجهودات وبمناقشات ذات طبيعة خاصة من حيث التوقيت والظروف والأماكن المناسبة.
من ناحية أخرى فإن إحدى التحديات المهمة الأخرى التي تواجه عملية التحول الديمقراطي في أفريقيا، تتمثل في كَيفَية غْرسُ أنظمةَ ديمقراطيةَ في بيئاتِ تتسم بالنزاعات والصراعات الإثنية، والإقليمية. وكذلك في بلدان تعاني من افتقاد المؤسساتِ الرسميةِ أو على الأقل ضعفها، وأيضاً في ظل تلك المستويات المتدنيةِمِنْ التنمية الاقتصادية.
2. العوامل الخاصة المعوقة للتحولات الديمقراطية
فيما يتعلق بالعوامل الخاصة المعوقة للتحول الديمقراطي، يمكن الإشارة إلى بعض جوانب منها كالتالي:
أ. عدم فعالية الأحزاب السياسية
(1) ضعف الأحزاب السياسية
تعد الأحزاب السياسية إحدى الآليات المهمة للتحول الديمقراطي، ولكي تكون الأحزاب السياسية آلية حقيقية لهذا التحول ينبغي أن تتأسس على أربع قواعد:
الأولى: الاستمرار الوظيفي: بمعنى ممارسة أنشطتها والمضي فى وضع برامجها موضع التنفيذ الفعلي
الثانية: الإرادة السياسية للحزب في ممارسة السلطة: بمعنى أن تكون لدى الحزب الرغبة في ممارسة العمل السياسي، وفى السعي للوصول إلى الحكم.
الثالثة: التنظيم والانتشار: أن يتم تنظيم الحزب تنظيما سليما على مستوى أرجاء الدولة.
الرابعة: المقدرة على الحشد الشعبي: بمعنى أن يتمكن الحزب من إيجاد قواعد شعبية له في معظم أرجاء الدولة وكذلك الكوادر النشطة.
وبالنظر إلى الواقع الإفريقي يلاحظ أن الأحزاب السياسية الأفريقية تفتقد بعض تلك القواعد أو كلها حيث تنزع تلك الأحزاب إلى تعزيز الفردية، وتقوم هياكلها على قواعد متغيرة، تتناسب مع مؤسس الحزب الذي يتمتع في الغالب بالصفة الكاريزمية، وقد يكون التمويل للحزب من ماله الخاص، ومن ثم يظل الحزب متقوقعا ومرهونا بتصورات وتطلعات مؤسسه وبرنامجه المحدود. كما أن الأحزاب الأفريقية تفتقد إلى القواعد الوطنية، وهى غالبا ما تجد قاعدتها الشعبية في موطن قائد الحزب، كما أن إرادتها السياسية في ممارسة السلطة محدودة في الغالب وربما لا تهدف إلى سوى الحصول على القدر اليسير من ما يسمى ” بالكعكة الوطنية PieNational” كما أنها غالبا ما تكون غير قادرة على المشاركة الفعلية في علمية صنع القرارات السياسية الحقيقية، وإنما قد تكون مشجعة فقط أو منفذة لمثل تلك القرارات.
(2) إقامة النظم الحزبية على أسس التعدديات التحتية
على الرغم من الإجراءات القانونية والدستورية التي اتخذتها بعض النظم القائمة في إفريقيا لمحاربة القبلية و الإثنية، فإن كل السياسات التي توضع لاحتواء هذه الانقسامات الأولية ينبغي أن تكون في إطار من النظم التعددية الثقافية والدينية و الإثنية بمعنى التسليم بخصائص كل ثقافة أو دين لكل جماعة أو شعب داخل القارة الأفريقية، مع مراعاة تفادى ترتيبها هرميا وإعطائها فرصا متساوية للنمو والتطور، ومن جهة أخرى فان إرساء حكم القانون وزيادة الطبيعة التنافسية في النظام والتخلص من نزعة الحصول على كل شيء أو خسارة كل شيء، وإرساء القيم التوفيقية والحلول الوسطى بوصفها آليات ضرورية لاحتواء الإثنية وتدعيم القيم المدنية في المجتمع الأفريقي.
ومن المهم التنبيه إلى أن إفريقيا جنوب الصحراء تقف على فوهة بركان من الإثنية والقبلية، وقد تخمد فترات إلا أنها يمكن أن تنفجر في أي وقت، كما هو الحال في إثيوبيا والصومال ورواندا وبوروندي وليبريا وغيرها”. والعداءات الإثنية والقبلية يمكن أن تكون أمراً حتميا في ظروف تسيبها؛ واستخدام السلطات الحكومية لها في مواجهة المناوئين لها، أو بتأكيد استئثارها بمعظم المكاسب الاقتصادية والاجتماعية , كما أن الاحتكام للمشاعر الإثنية والقبلية في الانتخابات السياسية القائمة على أساس الدوائر الإثنية الإقليمية يمكن أن يصبح طريقا ممهداً لسلطة الدولة، وهو الأمر الذي يعد أحد مصادر الضغوط والتهديدات الأساسية لعملية التحول الديمقراطي في أفريقيا .
(3) خمول العملية الانتخابية
إن الفجوة بين الوظائف التنفيذية للأحزاب السياسية والواقع في أفريقيا اليوم ليست وليدة عوامل ثقافية وتاريخية فقط، وإنما تعزى أيضاً إلى عوامل سياسية وقانونية وسوسيولوجية، وبالإضافة إلى التشكك في إمكان تمويل العمليات الانتخابية، فإن عزوف المواطنين الإفريقيين عن عمليات الاقتراع ( التصويت) وانتهاج السلطويين لسياسات قد تتراوح بين استخدام العنف، واستغلال المرجعيات الإثنية والرشاوى في مواجهة المناوئين، وتقييد إنشاء الأحزاب وتفويقها، والحيلولة دون تنظيمها وتمويلها، فإن كل ذلك يسهم في خمول العملية الانتخابية وإضفاء الطابع الروتيني عليها، وهو ما يعنى تفريغ الديمقراطية من محتواها الجوهري.
ب. التضييق على المعارضة السياسية
يعد تضييق الفضاءات أمام التنظيمات والأحزاب السياسية المعارضة داخل الدول الأفريقية من المشكلات التي تبقي على عملية التحول الديمقراطي متسمة بالطابع الشكلي، كما تجعلها امتداداً للنظم السلطوية التقليدية‘ مع اختلاف المسميات فحسب. وعلى سبيل المثال ففي إثيوبيا فإن إحدى أهم التَطَوّراتِ التي طرأت على الواقع السياسي الإثيوبي في فترة ما بعد عام 1991 هو ظهورُ الأحزاب السياسية المعترف بهاِ قانونياً/ دستورياً. فمنذ الفترة الانتقالية التي أعقبت عملية التغيير السياسي، أُسِّس عدد مِنْ الأحزاب السياسية بناءً على أغراضِ متَفَاوُتة، فبعضها على أساس الهويَّة الإثنيةِ، وهو الأمر الذي أتاح الفرصة للأحزاب الإثنيةِ أن تنتشر في أنحاء البلادِ كافة. وعموماً، فالأحزاب السياسية التي تعمل في البلادِ بموجب الاعتراف الحكوميِ بشرعيتها، يُمْكِنُ أَنْ تقسّمَ إلى ثلاثة أصنافِ كالتالي:
الأولى: الأحزاب الإثنيةِ التي تعمل تحت مظلة النظام الحاكم.
الثانية: الأحزاب الإثنيةِ الإقليمية التي تعمل خارج مظلة النظام الحاكم. وتنتشر في الأقاليم الإثيوبية المختلفة كجامبيلا، والصومالي وهراري، ويتحالف بعضها مع النظام الحاكم بقوة، والبعض الآخر يعملون بصفة أحزاب معارضة.
الثالثة: وهي عبارة عن بِضْعَة أحزاب تهتم بالبرامجِ والأهدافِ الشاملةِ.
ويلاحظ أن مشاركة أحزاب المعارضةِ السياسية في العمليةِ السياسيةِ كَانتْ منقوصةَ. وقد أثر هذا الوضع تأثيرا كبيراً سلباً على عمليةَ التحول الديمقراطي في البلادِ. ولذلك فإن أحزاب المعارضةِ السياسية ما تنفك تَشتكي دوماً من عمليات التخويف والترويع مِن قِبل المسؤولين الحكوميين، وقد تحققت إدّعاءات أحزابِ المعارضة حول المضايقات المستمرةِ على يدّ المسؤولين الحكوميين في العديد مِنْ مناطقِ جنوب إثيوبيا أثناء الانتخابات الوطنية والمحليَة في مايو 2000، بعد التدخلِ الصارخِ والداميِ أحياناً مِنْ المسؤولين الحكوميين لتَقْرير نتائجِ الانتخابات لصالحهم، وهو الأمر الذي دفع لجنةَ الانتخابات الوطنيةِ الإثيوبيةِ للمطالبة بإعادةِ الانتخابات التي جرت في العديد مِنْ الدوائر الانتخابية في بعض المناطق، والمناطق الجنوبية الإثيوبية خاصة. وقد تكرر هذا الأمر حتى في انتخابات عام 2005.
ج. استمرار تبعية المؤسسات التمثيلية للنظم الحاكمة
يعد الضعف المؤسسي Institutional Weakness أحد نقاط الخلل الرئيسة التي تواجه عملية التحول الديمقراطي في أفريقيا بطريقة مناسبة، بل أَصْبَحَ ضعف المؤسساتِ الأفريقيةِ قضية مهمّة ومبدئية؛ لأن صعوبةَ إدْراك منافعِ برامجِ التنمية والمشاريعِ، لاسيما تلك المموّلة من قبل المانحين على المستوى الثنائيِ والمستوى المتعدد الأطرافِ، إنما يرجع بالدرجة الأساسية إلى طبيعة المؤسساتِ المتخلّفةِ وغير الكفؤةِ في الكثير من البلدانِ الأفريقيةِ.
على الرغم من أن الدستور الصادر في إثيوبيا عام 1995 قد حرص على توزيع عناصر القوَّةِ السياسية فيما بين الأجهزة والمؤسسات المختلفةِ، كما أنه راعى مبدأ الفصل بين السلطات؛ وعلى الرغم من منح البرلمان بوصفه الجهاز التمثيلي للشعب الإثيوبي مكانة بارزة ومهمة داخل النظام السياسي للدولة، وجعله أيضاً السلطةُ العليا في الحكومة الاتحادية، والمسؤول عن التعبير والتجميع والتحقيق لمصالح هذا الشعب؛ إلا أنّ تجربةَ البلادِ أثناء العقدين الأخيرين، ومنذ انتخاب البرلمانِ الأولِ اشتملت بالهيمنةِ المطلقةِ لرئيس الوزراء المسؤول عن الجهاز التنفيذي (رئيس الجبهة الحاكمة) على المؤسسةِ التمثيليةِ المُنتخبةِ انتخاباً شعبياً، وهو ما يعني نفي مبدأ الفصل بين السلطات، أو على الأقل تهميشه. والدليل على ذلك أن هذا البرلمان لم يتمكن من مساءلة أي من الوزراء عن الفشل في أداء مهامهم ومسؤولياتهم، هذا على الرغم من أن رئيس الوزراء اعترفُ في العديد مِنْ المناسباتِ بتفشي الفسادَ وانتشار أعمال إساءة استخدام السلطةَ فيما بين الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة. ومن ثم فإنّ البرلمانَ ظل يعمل فقط بصفة خاتم مطاطي Rubber Stump للسلطة التنفيذية.
إن هيمنة الجبهةِ الحاكمةِ على المؤسساتِ المُنتخبةِ انتخاباً شعبياً تُضعفُ سياسةَ الإدارةِ الذاتيةِ للمجموعاتِ الوطنيةِ في إطارِ النظام الاتحادي (الفيدرالي) المطبق في البلاد. هذا في الوقت الذي لا تتوانى تلك الجبهة عن ترديد أن الفضل يظل ينسب إليها وحدها في التَأسيس لهذا النظام الاتحادي، وسلوكها على هذا النحو يعني ضمنياً محاولة ممارسة التأثير والضغط على مؤسسات هذا النظام، حتى تظل مدينة بوجودها للجبهة الحاكمة، وتبقى مجرد نظم وأجهزة فرعية تدين بالولاء المطلق لها، حتى وإن تعارض ذلك مع الدستور، فهل هذا الوضع يمكن أن يساعد على إحداث تحول ديمقراطي حقيقي في البلاد؟.
د. استقواء الأنظمة الحاكمة وقوى المعارضة بالخارج
في هذا الصدد يلاحظ تفاوت الدول الأفريقية في الاستقواء بالخارج، فهناك بعض الأنظمة الحاكمة التي اعتمدت على الخارج في تعزيز شرعيتها في الداخل، وفي مواجهة القوى السياسية المعارضة لها، ومن أمثلة ذلك دول عديدة مثل إثيوبيا وكينيا وأوغندا، في حين اعتمدت قوى المعارضة على الخارج في التصدي للأنظمة الحاكمة، وللنيل من شرعيتها، ومن الأمثلة على ذلك زيمبابوي والسودان وغيرها، ويمكن الإشارة إلى ذلك كالتالي:
(1) استقواء الأنظمة الحاكمة بالخارج
لقد ساعدت الظروف والمتغيرات الدولية في الربط بين عمليتي التغيير السياسي والتحول الديمقراطي في إثيوبيا، بحيث أصبحت بين العمليتين علاقة متبادلة ومباشرة وجوهرية، وأسهم في إحداث كل منها الفاعل الدولي، ابتداء من دعم الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية وتعزيز قدراتها بهدف الإطاحة بالنظام الماركسي الذي كان يتزعمه مانجستو هايلى ماريام، لاسيما في تلك الفترة التي شهدت وهن الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي وانهيارهما، وقد كانا السند والداعم الأساس لهذا النظام، وعندما تمكنت تلك الجبهة من تقويض نظام حكم مانجستو، بدأت تلك الدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة في تكثيف جهودها من أجل إقامة تحول ديمقراطي في البلاد وأسهم خبراؤها ومتخصصوها ومستشاروها في الجهود الرامية لوضع دستور جديد للبلاد، وما تلاه من إجراءات تتعلق بالتحول الديمقراطي، وذلك في إطار جهود تلك الدول المحمومة من أجل تعميم الديمقراطية والرأسمالية في إطار سياسات تلك الدول الرامية لترقية نفوذها ومصالحها وتوسيعهما وتعظيمهما في بلدان العالم ومنه إثيوبيا، بغض النظر عن مدى ملاءمتها لمثل تلك الدول، وبغض النظر عن مدى توافر الشروط والآليات اللازمة لتحقيقها قبل البدء فيها، وبغض النظر أيضا عن مدى ما يمكن أن يترتب على ذلك من آثار ونتائج.
وقد اكتسب النظام الحاكم في إثيوبيا مع ذلك شرعية سياسية على المستوى الوطني بإصدار الدستور الديمقراطي الفيدرالي، وتحديد موعد الانتخابات العامة يوم 7 مايو 1995، وتأكدت هذه الشرعية السياسية على المستوى الدولي بالبيان الصادر عن سفراء 17 دولة أوروبية وأمريكية واليابان، والذي يعلن تأييد دولهم للدستور الجديد مع وعد بتقديم التسهيلات والمعونات اللازمة لإجراء الانتخابات الديمقراطية، وهذا الموقف يكشف عن عدة أمور:
أولها: أن التطور السياسي المنشود والذي تسانده السياسة الأمريكية والأوروبية منذ 1991 قد وصل إلي غاياته السياسية.
ثانيها: أن حركات ومنظمات الانشقاق والتمرد المسلح في إثيوبيا قد أصبحت غير قانونية وغير شرعية، وأن أية مساندة لها سوف تعد تدخلاً في الشؤون الداخلية، وسوف تواجه بموقف مشترك من إثيوبيا وحلفائها الدوليين.
ثالثها: أنه إذا أرادت هذه المنظمات المعارضة الاستمرار في الدعوة إلى حق تقرير المصير والمطالبة في أقاليم كل منها فعليها إتباع الأسلوب الدستوري المقرر، وبدايته هي خوض الانتخابات على المستوى الإقليمي.
رابعها: أن منظمات المعارضة باسم بعض القوميات لا تستطيع أن تحتكر السيطرة منفردة على الساحة السياسية في أقاليم الأمهرا والأورومو والأوجادين، نظرا لوجود أحزاب ومنظمات وشخصيات عامة أخرى تؤيد الحكومة والنظام القائم، وتشارك في أعمال السلطات التنفيذية والتشريعية على المستويين الإقليمي الفيدرالي.
(2) استقواء قوى المعارضة بالخارج
كلما نجحت القوى الوطنية في الدول الأفريقية من انجاز التحولات الديمقراطية وفق أجندة أعمال وعناصر وطنية، تم التحول في إطار إصلاحي وطني، وكلما حدث تقاعس وتلكؤ سوف يزداد الدور الخارجي، وسوف يزداد بأشكال يصعب مقاومتها في الدول التي لها أهداف ومصالح مع الدول الكبرى في العالم، وهذا يؤدي إلى ازدياد دور العناصر الخارجية، وعندها لن يكون الإصلاح ولا التحول الديمقراطي عن طريق إرادة وعناصر وطنية، وإنما عن طريق عناصر تعتمد على الاستقواء بالعناصر الأجنبية. إن من الأمثلة الظاهرة في هذا الشأن المعارضة الزيمبابوية في مواجهتها للنظام الحاكم بزعامة موجابي، وتعاضد القوى الخارجية الليبرالية/ الفاعلة معها.
هـ. تقوقع المجتمع المدني
إن ظهور المنظمات التطوعية ينظر إليه نتاجاً لعودة الدولة مقترنة بالليبرالية الحديثة، التي أدت إلى انسحاب الدولة من أجزاء كثيرة من المجتمع. كما أن ازدهار الاتحادات إنما هو انعكاس لبتر الدولة للخدمات، أو ما تطلق عليه فك الارتباط عن المجتمع، إن الفراغ الذي خلفه هذا الانفصال قد زاد من قوة المنظمات الخاصة، وبعد أن أصبحت الدولة غير قادرة أو غير راغبة في تقديم خدمات لمواطنيها، وجد المواطنين حلولاً خاصة أخرى، وما إن تؤسس هذه المنظمات حتى تؤدي دوراً بديلاً للقوة منفصلة عن الدولة، ويمكن لهم إذن الموازنة والحد من قوة الدولة، وتضطلع بدور جماعات الضغط للمطالبة بالديمقراطية.
إن دور االمنظمات غير الحكومية/ الطوعية Non-government Organizations لإرساء الديمقراطية هو أيضا أكثر غموضا. فالمنظمات غير الحكومية/ الطوعية لا تحتاج أن تكون ديمقراطية فإن التجربة الأفريقية تظهر أن العديد من المنظمات التي تمثل المجتمع المدني ليست سوى هيئات استشارية يقيمها أفراد مرتبطون بالدولة، وفي بعض الأحيان، معينون من قبل الدولة. حتى يتسنى لهم الحصول على ودائع الممولين المقررة للمجتمع المدني، ولذلك أطلق عليهم البنك الدولي المنظمات غير الحكومية المنظمة من جانب الحكومات Government Organized NGOs (GONGO)، إذن فالمنظمات الطوعية ليست عادة مستقلة عن الدولة، فهي من ثم لا تؤدي بالضرورة دور القوى المعارضة للدولة، أو تكون ضماناً للديمقراطية؛ ولكن مع النمو الكبير لمنظماتِ المجتمع المدني في العديد من الدول الأفريقية يطرح سؤال في هذا المقام: هل أدّى النمو المتزايد في عدد تلك المنظمات إلى إحداث التغييراتِ النوعيةِ في العلاقاتِ بين الحكوماتِ والمواطنين، أَو تَعميق الإصلاحاتِ الديمقراطيةِ في أفريقيا؟ والحقيقة تشير إلى تواضع جهود تلك المنظمات في كلا الأمرين السابقين، وربما يعزى السبب في ذلك إلى أن المجتمع المدني يَحتاجُ إلى قاعدة مالية قوية، حتى يعمل باستقلال وبانتماء وولاء وطني، وإلا فإن البديل أن تكون تلك المنظمات وكلاء في الداخل لممولين في الخارج، وهو ما يمثل اختراقاً صريحاً ومعلناً لأية محاولات جادة للإصلاح الحقيقي.
و. ترويض وسائل الإعلام
فوجود جهاز إعلامي قوى ونشط داخل مجتمع ما ربما يساعد على إتاحة المعلومات الدقيقة والوفيرة والتي تساعد في بلورة المواقف وانتقاء السياسات وغيرها، ومن ثم تعد وسيلة لتحصيل السلطة السياسية. أما الذي يلاحظ في الدول الإفريقية أنه خلال سنوات الستينيات والسبعينيات لم تتورع الحكومات التسلطية عن التحكم في أجهزة الإعلام والمعلومات، والتصدي لأعداد هائلة من المناوئين والمعارضين سواء بالاعتقال أو الإعدام لتجاوزهم – على حد زعمهم – الخط الرسمي وبنهاية الثمانينات، وعلى الرغم من التخفيف من هذا التحكم في وسائل الإعلام، وانتهاج سياسات تتسم بشيء من التسامح في مواجهة الصحفيين والناشرين والمفكرين، إلا أن الهدف الذي يبدو هو ترويض وسائل الإعلام، وليس دعم استقلالها بحسبانها أداة من أدوات التحول الديمقراطي.
ز. عدم الاستقرار السياسي
ومن مظاهر ذلك العنف السلبي Privatized والجيوش المسيسة Politicized، ففي كل مكان في أفريقيا جنوب الصحراء ظلت القوات المسلحة مصدر تهديد للديمقراطية حيث يمكن استخدامها من جانب بعض القيادات لخدمة أهداف محدودة، أو للبقاء في السلطة، أو لسحق المعارضين، وقد ينقسم الجيش إلى عدة جيوش قبلية داخل الدولة الواحدة . وقد يهمش الجيش النظامي من جانب السلطة أو الحزب الحاكم ما يدفع بالجماعات النشطة والطموح في صفوفه للتخطيط والاندفاع للاستحواذ على السلطة. إن الوضع السابق يؤدي إلى أمرين مهمين:
أولهما: تعاظم نفوذ الجيش وتأثيره داخل الأنظمة السياسية الأفريقية، بل ويجعله مؤسسة شبه مستقلة عن باقي مؤسسات الدولة، ويزيد من قدرته على المساومة والمناورة.
ثانيهما: أن تزايد الإنفاق العسكري يكون على حساب أوجه الإنفاق في المجالات المدنية الأخرى وخصماً منها، وإضعافاً لها.
ومثل هذا الوضع لا يؤدي إلى استقرار الأوضاع داخل الدول، بل إنه يثير حالة من الخلل المؤسسي، تفضي إلى الإسهام في عدم الاستقرار السياسي.
ح. التحدي الاقتصادي
إن فشل الحكومات الإفريقية المتعاقبة في التخفيف من حدة الحرمان المادي الذي تعانى منه الشعوب الإفريقية يمثل أحد المكونات الجوهرية للأزمة الراهنة في أفريقيا، ومن ثم فإن طريقة مواجهة هذه الأزمة تشكل تحدياً حقيقياً لأي حكومة ديمقراطية ناشئة.
إن قدرة الحكومات الأفريقيةِ لرَفْع قيمةِ الدخلِ المُوَلَّدِ داخلياً أُضعفتْ بجدية بفعل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها دولها، وبَتدهورُ شروط التبادل التجاري للمواد الأوليةِ وهروب رؤوس الأموالِ. واَعتمادُ الكثير من البلدانِ على ضرائبِ التجارة الدوليةِ، وإلى حدّ ما على الضرائب المحلية. وعلى سبيل المثال تشير بعض الدراسات ذات الصلة إلى أن ضريبةِ الدخل التي تقوم الحكوماتِ بجبايتها لعيّنة مِنْ 18 بلدِ أفريقي تمثل ثُلث دخلِهم مِنْ هذا المصدرِ.
ط. تحدي المنظمات الدولية
لقد دأبت الدول المانحة على إقحام المنظمات المتعددة الأطراف ليس فقط الأُمم المتّحدةِ، والمنظمات المتخصصة التابعة لها (البنك والصندوق الدوليين، ومنظمة التجارة العالمية…) وإنما امتد نفوذها وتأثيرها ليطال المنظمات الإقليمية مثل منظمة الوحدة الأفريقيةِ من قبل، والاتحاد الأفريقي حالياًحيث تم النص في أهدافه الواردة في ميثاقه التأسيسي على دعم المبادئ الديمقراطية ومؤسسات المشاركة الشعبية والحكم الصالح الجيد، وكذلك الاتحاد الأوروبي، وحتى المنظمات شبه الإقليمية كالجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، والجماعة التنموية للجنوب الأفريقي (سادك) وغيرها من المنظمات لممارسة ضغوطها على الدول الأفريقية، من أجل إجبارها على التفاعل والتجاوب مع الجهود الرامية للترويج للديمقراطية في أفريقيا، بل ووصل الأمر إلى اقتراح البعض بضرورة فرض العقوبات الدولية على البلدانِ التي لا تطبق المعايير الدوليّة ذات الصلة بتطبيق الديمقراطية.
ثانياً: العوامل الداعمة للتحولات الديمقراطية في أفريقيا
هناك العديد من العوامل التي يمكن أن تسهم في دعم الجهود نحو إتمام التحول الديمقراطي في أفريقيا ومن تلك العوامل ما يلي:
1. رغبة الشعوب وإرادتها في إعادة بناء الدولة الإفريقية على أسس جديدة
لعل أفضل العوامل التي يمكن أن تسهم بصفة عامة في الارتقاء بعملية التحول الديمقراطي في أفريقيا، هو حرص هذه الدول على المشاركة الحقيقية للرأي العام في القضايا ذات الصلة بتلك العملية، والتطوير الفعلي للدساتير وللقوانين والأنظمة الانتخابية، والقواعد والهياكل البرلمانية وأجهزة وهياكل السلطة التنفيذيةِ وإبداء الاهتمام وإعطاء الأولوية لقضايا ومشكلات المواطنين وخصوصاً تلك المتعلقة بإشباع الحاجات الأساسية وبالبنية التحتية.
إن البحث عن الحلولِ الهيكليةِ للأزمةِ الأفريقيةِ يمكن أن يكون في صورة السياسات التسامحية والتصالحية، والعمل على توسّيعِ الفضاء السياسي أمام منظمات المجتمع المدني والحركات والتنظيمات السياسية الأخرى، والسماح بمشاركة شعبية حقيقية، والتوزيع والوصول العادل للمصادرِ الاقتصادية والاجتماعية، وحماية حقوقِ الأقليات يمكن أن يساعد مساعدة فاعلة في إعادة فحصِ المشروعِات القوميِة الأفريقية المتعلقة ببناءِ الدولة القوميةِ.
ولعل التصور السابق أن يكون من شأنه أن يمثل المصالحالحديثة كافة في المجتمع، ويفتح منافذ للتعبير الرضائي عنها، ويضمن شفافية الانتخابات ونزاهتها، ويفرز نواباً أكفاء، كما أن من شأنه حل أزمة الاندماج الوطني، ومايتفرع عنها من أزمات فرعية مثل: الشرعية، والمشاركة السياسية، والمواطنة، وبالتبعيةيسمح ببناء الدولة الوطنية القادرة على تحقيق الاستقرار الرضائي. وكل ما تقدم يؤدىفى النهاية إلى تجفيف منابع ظاهرة اللجوء…،ولكن هذا الإصلاح الدستوري والسياسي غير كاف وحدة لتحقيق الاستقرار السياسي الرضائي في ظل ظروف الفقر التي تعانى منها المجتمعات الأفريقية، حيث القدرة الإستخراجية للنظم الأفريقية محدودة، وبالتالي فإن قدرتها التوزيعية هي الأخرى محدودة. وبعبارة أخرى فإن خبرة التجارب التنموية في الدول الأفريقية أثبتت عجز الدول الأفريقية فرادى عن تحقيق هدف التنمية، وازداد الأمر تعقيداً مع ما باتتتفرضه ضغوط عملية العولمة على هذه الدول، التي ازدادت فقرا على فقرها. ومن هنا كانمن الضروري البحث عن إطار بديل لعملية التنمية.
2. إعادة تخطيط استراتيجيات التنمية الاقتصادية
ظلت الدول الأفريقية تتحرك ومازالت، باتجاهإعادة تخطيط استراتيجيات التنمية الاقتصادية بما يضمن تغيير نمط الاقتصاد القائم ومحاولة خلق قاعدة صناعية وتنمية القطاع الزراعي وتنمية الموارد البشرية و إعادة استثمار رؤوس الأموال الإفريقية وترشيد استخدام الاستثمارات و الأموال الأجنبية وانتهاج سياسات تنموية شاملة ومتوازنة على مستوى كل من الريف والحضر وتشجيع التعاون والتكامل الإقليمي والقاري على المستوى الاقتصادي.
وبناء على ما تقدم فإن الدول الأفريقية بأشد الحاجة إلي إحداث تحول كبير في مجال التنمية الاقتصادية، وإذا كانت عملية الإصلاح والتحول ينبغي أن تتم من الداخل الأفريقي، وهو ما يتطلب تغييرا في السياسات والمؤسسات والممارسات، فإن على القوي الفاعلة في النظام الاقتصادي الدولي، أن ترتقي إلي مستوي المسؤولية هي الأخرى، وأن تدرك أن سياساتها وممارساتها تجاه الدول الأفريقية أسهمت بدرجة كبيرة فيما تعاني منه دول القارة من مشكلات حتى الوقت الراهن، لذا فهي مطالبة بالتخفيف من حدة المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها القارة، سواء بتقديم التعويضات عن فترة استنزاف موارد القارة إبان الحقبة الاستعمارية، أو خلال المراحل اللاحقة لها، أو من خلال إلغاء الديون والفوائد المتراكمة عنها، وكذلك من خلال زيادة إسهام دول القارة ونصيبها في النظام الاقتصادي الدولي.
3. إعادة إصلاحالشرعية السياسية
إن حركة الإصلاحات الديمقراطية في أفريقيا منذ عام 1989 قد تؤدى إلى عدة احتمالات تتراوح بين استمرار بعض الزعماء المتسلطين، وتصل إلى حد ظهور دورات متتابعة من الحرية السياسية، وانعكاساتها تؤدى في النهاية إلى تعميق الحكم الديمقراطي وتأصيله، ويبدو أن حدوث أي من هذه الاحتمالات لا يعتمد فقط على التخلص من سلطة الحكام المستبدين وأعوانهم الأساسيين في النظم القائمة، ولكنه يعتمد كذلك على إعادة الإصلاح Restoring والتجديد للشرعية السياسية، بمعنى تعزيز القبول الشعبي من جانب المحكومين للحكام وتدعيم قوى المعارضة وقوي المجتمع المدني بعامة وتدعيم التلاحم فيما بين فصائلها وتعزيز إيمانها بالديمقراطية وبمصالحها و بمكاسبها الحقيقية.
من ناحية أخرى فإن انتهاج سياسات تصالحية وتسامحية داخل مجتمع الدولة الأفريقية تجاه جميع القوى والتنظيمات السياسية والمسلحة، يمكن أن يسهم بدرجة ملموسة ومباشرة، في تعزيز الشرعية للنظام الحاكم، وأيضاً في دعم  عملية التحول الديمقراطي، وذلك أن تصفية المظالم القديمة، والتي تسببت في إحداثها النظم البائدة هي إحدى ضرورات التحول الديمقراطي؛ حتى و لو تطلب الأمر تعويض الأفراد والجماعات المقهورة عما لحق بهم من مظالم. كما أن إظهار التضامن والتسامح من جانب النظم الحاكمة الديمقراطية يعزز من عملية التحول الديمقراطي، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال التأكيد والتحديد لتوجهات جديدة تخص المجتمع المدني الأفريقي، واحترام الرأي للرأي المعارض، وقبول وجهات نظر الآخرين والاستعداد لتقبل الحلول الوسط والتوفيقية، حيث إن التوجهات الثقافية السائدة في نظم المجتمعات الإفريقية لا تزال تدور في فلك الإثنية والتحزب الإقليمي، وهو ما يضعف من كفاءة النظام الحاكم، وينذر بتدخل العسكريين، وتقويض التجربة البشرية الديمقراطية، أو دفعها للدوران في حلقة مفرغة من التجريب.
4. تحييد المؤسسة العسكرية
مع التسليم بأهمية وجود الجيوش وحتميته في الدول الأفريقية المعاصرة، بوصف ذلك ضرورة لضمان شيوع الأمن ودوام الاستقرار، ولضمان وجود دولة النظام والقانون واستمرارها، والمحافظة على هيبة الدولة وسيادتها في مواجهة أية قلاقل داخلية أو استفزازات خارجية، إلا أن الأمور داخل دول القارة الأفريقية درجت في الغالب على أن تسير بعيداً عن هذا المنحى، وذلك عندما تورط هؤلاء العسكريين في العديد من الانقلابات والتمردات العسكرية، والتي لا تتوقف تأثيراتها السالبة عند حدوث تغييرات متزامنة لأنظمة الحكم، وإنما تنصرف العديد من تلك التأثيرات إلى تعاظم قناعة هؤلاء بمشروعية ما يقومون به من ناحية، وبأنهم الأجدر على إحداث التغييرات الضرورية، وفي التوقيتات التي يرونها مناسبة، وبغض النظر عن الفراغ السياسي والدستوري والمؤسسي الناجم عن تحركاتهم، وبغض النظر أيضاً عن التكاليف التي تتحملها ميزانيات هذه الدول جراء حدوث مثل هذه الأمور، سواء تعلقت بتعطل الخطط والمشروعات التنموية، أو بالشراكات والاتفاقيات الدولية، أو تراجع بل هروب الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن أن تدخل العسكريين في الحياة السياسية على هذا النحو ينزع عن المؤسسة العسكرية صفة الحياد التي ينبغي أن تتسم بها، بحسبان أن دورها ذا طبيعة دفاعية داخلياً وخارجياً، وأنها أيضاً إحدى المؤسسات الرسمية للدولة، التي يفترض أنها تعمل معاً من أجل حسن تسيير أمور الدولة، وبما يتماشى وأهدافها ومصالحها العليا.
وفي ذات الاتجاه فإن ضمان حياد الجيش، يعد من الدعائم الأساسية لاستقرار الأمن، الذي هو أمر لازم وضروري، إذ هو أحد المتطلبات المهمة لحماية الدولة، ولحماية توجهاتها وسياساتها وممارساتها داخلياً وخارجياً، بمعنى أن حياد الجيش في الحياة السياسية يعد بمنزلة صمام أمان لدعم التحول الديمقراطي السليم، وللحيلولة دون إقحامه في الصراعات الحربية والسياسية وصراع المصالح الضيقة للنخب الحاكمة، هو أمر جدير بالاهتمام وبالمتابعة، ولكن هذا الأمر على أهميته له متطلباته.
5. ضرورة الدور الدولي الإيجابي
إن من الأمور التي تبعث على الاستغراب تارة، والاستغراق في التأمل تارة أخرى، أن الدول الليبرالية/ المانحة على الرغم من أنها تملأ العالم ضجيجاً وصخباً حول حتمية الديمقراطية، في مناطق العالم المختلفة، ومن بينها القارة الأفريقية، إلا أنها في واقع الممارسةِ الفعلية، لا تقدم دليلاً مادياً مقنعاً على صدقيتها، فتلك الدول لا تجيد سوى أعمال الترويج لأيديولوجيتها Promotion، لا لأي شئ سوى لدخول تلك الدول في حظيرتها، إلى أن يحين البت في أمورها، لقد كان من الصعب عليها مثلاً تَعْبِئة المجموعة الدوليةِ للعملِ الفعّالِ تجاه الديمقراطياتِ الناشئةِ.
كما كانت البلدان الغربية بخيلةُ عندما يتعلق الأمر بالمساعدُة في بناء ديمقراطيةَ حقيقية في أفريقيا، بل وحذرةَ للغاية، سواء من خلالها أَو من خلال المنظماتِ الدوليةِ، في مساندة الأنظمةَ المنتخبة ديمقراطياً أثناء الأزمات. كما هو الحال عندما خرجت القوّات المُسَلَّحة عن حيادها بتدخلها في الحياة السياسية والاستيلاء على السلطة في ساحل العاج Cote d’Ivoire وبوروندي، وبالمثل عندما حدثت عمليات القتل الجماعية في رواندا، وشرق الكونغو، وَقفتْ ديمقراطياتَ العالمَ على الخطوط الجانبية، متردّدة ومشلولة على ما يبدو.
لقد حدث هذا بوضوح خلال فترة التسعينياتِ من القرن العشرين، كما أنها تقف عاجزة أمام حِماية المجتمعاتِ الأفريقية في مواجهة النُخَب الإقليمية/ الإثنية Ethno-Regional الطموحة، وأسياد الحرب، والسياسيين الطَمُوحين والضبّاط العسكريين الموالين لهم، وليس مستغرباً والحال هكذا أن ترى الدول الليبرالية أن هذا هو الوجه المشرق، أو الجانب المتسامح لليبراليةThe Tolerant Side of Liberalism.
ومما تجدر الإشارة إليه بشأن الدور الدولي ومدى ضرورته وجدواه، أنه في الوقت الذي تثار فيه التساؤلات حول التحرّكِ الناجحِ للأطراف الدولية نحو إحداث التحولات الديمقراطية في أوربا الشرقية, فإن هناك أيضاً تساؤلات بذات القدر حول التفاوت والتباين في التشجيع والدعم الخارجي للديمقراطيةِ عندما يتعلق الوضع بأفريقيا، ولذلك فإن على تلك الأطراف أن تأخذ في حسبانها الاحتمالات المتوقعة لإخفاق التحولات الديمقراطية في أفريقيا، وأن تكون على استعداد لتحمل تكاليف انهيار التحولات الديمقراطيِة ومخاطر ذلكِ في أفريقيا، إذا ظلت الأمور تسير على نفس المنوال، وبذات التخاذل والتقاعس الذي ماز سياسات الدول المطالبة بحتمية التحولات وممارساتها، دون الإسهام الفعال في تقديم المتطلبات وتلبية الاحتياجات، إلا إذا كان المستهدف من وراء تلك السياسات والممارسات هو التدخلات في شؤون الدول لتحقيق أهداف ومصالح أخرى مغايرة للمعلن بشأن الديمقراطية والليبرالية وغيرها من تلك الشعارات، التي ظلت ترفع في كل مناسبة للتكالب على أفريقيا.
وبناءً على ما تقدم فإن الدور الدولي سواء من خلال الدول الليبرالية المتقدمة، أو من خلال المنظمات الدولية هو دور مهم في ظل المرحلة الانتقالية الراهنة، حيث إن معظم الدول الإفريقية تعانى من حدة الأزمة الاقتصادية بكل أبعادها وتبعاتها، ومن ثم يتحدد دور دولي مهم للفاعلين الدوليين يتمثل في اتخاذ السياسات الاقتصادية اللازمة لمساندة تلك الإصلاحات الداخلية الإفريقية، وبما يساعد على تعزيز عملية التحول الديمقراطي في أفريقيا وتثبيتها.