هدفت الدراسة إلى فحصل التداعيات التي تضعها برامج الإصلاح السياسي الغربية، في سياق عولمة الثقافة والحديث عن الإنسان العالمي، على الثقافة السياسية العربية في بعدها التشاركي. لا سيما وان النظام الدولي قد شهد منذ مطلع العقد الأخير من القرن الماضي مجموعة من المتغيرات، أدت إلى تفرد الولايات المتحدة بقيادة هذا النظام. فيما تعاظمت الأخطار التي تحيق بثقافات الأمم والشعوب، بسبب استمرار الخلل الذي ظل منذ عدة عقود يعتري نظام الاتصال الدولي، وازدياد تعمقه في ظل ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، وهيمنة الولايات المتحدة على هذا الصعيد، بما يتيح لها التحكم في رغبات وحاجات المستهلكين وأنماط سلوكهم وطرائق حياتهم، وإخضاعهم لمعايير الثقافة الغربية، وصولا إلى امتثالية لنمط الحياة المرغوب أمريكيا، مما يسوغ الادعاءات التي ترى في العولمة الاسم الحركي للأمركة.

لقد أصبحت وسائل الاتصال الجماهيري في زمن العولمة هي المصادر الأقوى في حياة الشعوب لصناعة القيم والرموز، وإذا أخذ بعين الاعتبار ما اعترى مؤسسات صناعة القيم في الوطن العربي – الأسرة والمدرسة – من خلل، تصبح المخاطر التي تتعرض لها الخصوصية الثقافية العربية أكثر وضوحا وعمقا.

ومما يضاعف من هذه المخاطر، التغلغل الأمريكي في المنظمات الدولية والشركات عابرة القارات، في ظل تعاظم إمكانياتها على التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتي طالما اعتبرت من مظاهر السيادة وكان انتهاكها ينذر بمخاطر المواجهة. ويتحول مفهوم السيادة إلى حالة من الرخاوة، فان مخاطر إضافية أصبحت تحيط بدول الجنوب بعامة والدول العربية بخاصة. حيث لم تستطع هذه الدول بفضل أنظمتها الاستبدادية من صهر التكوينات الاجتماعية المجتمعاتها في العملية السياسية، الأمر الذي ينشر بمخاطر الارتداد إلى اطر سابقة على الدولة مثل القبيلة والطائفة والمذهب. ويجعل بالتالي أي حديث عن مشاركة سياسية خارج السياق.

لقد كان الاستخدام الغربي للثقافة واحدا من المهمات المنطقية للاستعمار الأوروبي في مرحلة سابقة، سواء من خلال البعثات التبشيرية أو تكريس ثقافة المحتل للحفاظ على تبعية الأنظمة والنخب الحاكمة حتى بعد خروج الاستعمار، وكل ذلك من اجل الحصول على الموارد الأولية اللازمة للصناعة الأوروبية. ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه حيث تلعب الثقافة دورا أساسيا في الاستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى احتكار المسيطرة على مصادر النفط، وتامين الأسواق اللازمة لمنتجاتها، وتوفير التسهيلات للشركات عابرة القارات. ويتم كل ذلك تحت شعارات الإصلاح ونشر الديموقراطية كتعبيرات سياسية للعولمة، وتحرير التجارة في إطار تجلياتها الاقتصادية. وعلى الرغم من أن ذلك ينطوي على قدر كبير من المخادعة إذ يخفي أجندة لا علاقة لها بمصالح شعوب المنطقة، إلا أنه ينطوي أيضا على قدر هائل من العنصرية عبر ادعاءات ثقافة معينة أنها الأفضل، وأنها تصلح لبني البشر، ويرى أصحابها أن مهمتهم التاريخية تتلخص في تحويل العالم إلى الصورة الأمريكية. ويفترض ذلك بالضرورة إجراءات هادفة لطمس الخصوصيات والهويات الثقافية بغض النظر عن الشعارات التي تندرج في إطار عملية التسويق السياسي، وهو ما يحمل مخاطر لجوء الشعوب المستهدفة إلى إجراءات حمائية ثقافية تكرس الانغلاق وتطيل أمد الاستبداد والظلامية. |

وتأتي هذه الإجراءات الأمريكية في أعقاب ما تعرضت له راشنطن ونيويورك عام 2001، في إطار ما أسمته حملة مكافحة الإرهاب، أعلنت خلالها ما يشبه حالة طواريء دولية. وشهدت أكثر الدول ادعاء الحرص على حقوق الإنسان والديموقراطية في العالم وهي الولايات المتحدة، الكثير من انتهاكات حقوق الإنسان، الأمر الذي يعني أن انخراط الأنظمة العربية في استراتيجية مكافحة الإرهاب يعني مزيدا من الاستبداد وقمع الحريات. وقد ثبت باليقين من خلال استقراء تجربة الاستسلام الوقائي للنظام الليبي، أن الولايات المتحدة غفرت له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغاب الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا. فيما تؤكد التجربة الأمريكية في العراق، والذي بشرت الدوائر الأمريكية بأنه سيكون واحة الديموقراطية، أن الاستبداد أكثر رحمة بالناس من الاحتلال حتى لو اتخذ من التحرير شعارا له لم يستطع إخفاء زيفه.

وتكريسا لاستراتيجيتها في المنطقة، فقد طرحت مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يئنر من جملة ما ينثر به بمخاطر تجزئة المجزأ، فيما يشبه إعادة صياغة ثالثة للمنطقة، بهدف إيجاد صيغ من الحكم تخضع لمتطلبات الهيمنة الأمريكية على مصادر النفط، في سياق سعيها للحيلولة دون ظهور قطب أو أقطاب منافسة لها على الساحة الدولية. ويتضمن ذلك طمس المقومات الحضارية والثقافية للمنطقة، وإدخال دول جديدة للإقليم لتحقيق هذه الغاية، بحيث تبدو دول الإقليم دون جامع بينها سوى الإسلام (باستثناء إسرائيل) ثقافيا، والبترول اقتصاديا. رهما عنصران أساسيان في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، والتي تعتبر الإسلام مسؤولا عما تعرضت له من أعمال إرهابية، وبالتالي تسويغ استهدافه في سياق مشروع التغيير الثقافي عبر مسالك الإصلاح السياسي.

لقد شكلت ذريعة الإرهاب عابر القارات الذريعة الأمريكية التدخل في شؤون المنطقة عبر مشروعها الذي يقضي بفرض إسرائيل كجزء من حل مشاكل المنطقة وليست كمشكلة. وهذا ينطبق تماما على عدم الاستعداد لإعادة النظر في السياسات الأمريكية التي طالما دعمت النظم الاستبدادية في المنطقة، وانحازت بشكل غير عادي لصالح السياسات الاحتلالية الإسرائيلية، مما خلق إحساسا عميقا لدى شعوب المنطقة بكراهية السياسات الأمريكية. بمعنى أن المبادرة الأمريكية تقلب بداية سلم الأولويات العربية وتفرض رؤيتها لترتيب هذه الأولويات بغض النظر عن مصالح شعوب المنطقة. وفي ذلك تكرس گينيها للرؤية الإسرائيلية سواء فيما يتعلق بتعريف الإرهاب، أو بعلم أولوية القضية الفلسطينية في الوطن العربي.

ترى الدراسة أن مجمل السياسات الأمريكية لا تشير إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة من الإصلاح السياسي، بقدر ما تبحث الولايات المتحدة عن الوسائل الكفيلة بهندسة أنظمة متواطئة معها في تنفيذ استراتيجيتها، ولها من مقومات الاستمرار ما يطيل أمد بقائها. الأمر الذي لا يعني أن البعد التشاركي في الثقافة السياسية العربية في طريقه إلى التعزيز، إلا في إطار النخب المقبولة أمريكيا، وهي نخب لا يبدو أنها قادرة على التمتع بشرعية سياسية أفضل من سابقتها، وذلك عائد إلى أن المشروع الأمريكي يرفض إشراك الإسلام السياسي المقاوم والرافض للاحتلال ونهب الثروات، وكذلك القوى الرافضة والمقاومة للسياسات الأمريكية، فيما تشير دراسة تاريخ الاستبداد في المنطقة أنه لا بد للمستقبل التشاركي من فتح قنوات المشاركة السياسية أمام الإسلام السياسي، والذي لم تؤدي كل سياسات الإقصاء من القضاء عليه، بل دفعته إلى مواقع تنفع المنطقة بالكامل استحقاقاتها في هذه المرحلة.