لا يكاد يمر يوم هذه الأيام دون أن نسمع في الإذاعات المسموعة والمرئية أو نقرأ في الصحف عن كلمة عولمة وهناك الكثير من أفراد الجمهور يسمعون هذه الكلمة وقد يرددونها دونما إدراك كامل لمفهومها أو معرفة خلفيتها وأبعادها ولذلك فقد اخترنا أن نقوم في

هذا العدد بتسليط الأضواء وتقـديم شرح واف للقارئ الكريم حول مفهوم هذه الكلمة وشرح أبعادها  السياسية و الاقتصادية.ونشير في البداية وبعجالة خاطفة إلى أن العولمة بمعناها البسيط والسريع جعل العالم وحدة واحدة بدل كونه أجزاء متفرقة ومبعثرة على سطح هذا الكوكب المسمى بالكرة الأرضية ، ولكن المفهوم الواسع للعولمة يرتبط بوجهات نظر مختلفة و أفكار متعددة تعكس تأثيراتها على الشعوب و المجتمعات .

فالاقتصاديون مثلا ينظرون إلى عمليات العولمة على أنها زيادة تشابك وتداخل دول العالم المعاصر بطريقة تهيكل لمرونة انتقال وتدفق السلع و الخدمات ورؤوس الأموال و الأفراد والمعلومات عبر حدود العالم بدون أية موانع أو عراقيل .

ولذلك فأن الكثير من الاقتصاديين المتخصصين يدركون إدراكـا جازما بأن بعض المنظمات الدولية التي تم بعثهـا و إنشاؤها بعد انتهاء الحرب الكونية الثانية في نهاية الأربعينيــات مـن القرن الماضي هي الأدوات القوية والأذرع الطويلة للعولمة مثـل البنك

 الدولي للإنشاء و التعمير .

International Bank For Reconstruction  Development IBRD )  وصندوق النقد الدولي .

International Monetary والاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية و التجارة .

General Agreement on Tarrifs & Trade ( GATT )  وخلفيتها منظمة التجارة العالمية .

World Trade Organization ( WTO ) كما أن الشركات المتعددة الجنسيات .

Multinational Enterpris ( MNE )  التي تمتلكها الدول الصناعية المتقدمة هي الاخطبوط الخطير الذي يهيمن بأذرعه الساحقة باقتصاديات الدول الأخرى و بالخصوص اقتصاديات الدول النامية .

ومن هذا المنطلق فأن المؤرخين الاقتصاديين يدركون أيضا بأن فكرة العولمة ليست بالفكرة الجديدة التي  ظهرت إلى السطح في منتصف القرن الماضي بل ظهورها في تلك الأوقات كان بحكم ظروف زمنية ومكانية محددة ، ويشير المؤرخون أن حركة العولمة الظاهرة على السطح حاليا هي امتداد لمراحل وموجات تاريخية سابقة يمكن تلخيصها فيما يلي ( 2 ) :-

 أولا :- المرحلة أو الموجه الأولى .

بدأت الموجه الأولى من العولمة مع بداية ما يسمى بالعصر الحديث Modren Age  الذي يمتد من 1870 إلى 1914 وتميو باستعمال البواخر الشراعية إلى استعمال البواخر التي تعمل بقوة البخار وتزامن معها انتشار استعمال السكك الحديدية و ما ترتب على ذلك من انخفاض تكاليف النقل وكذلك خفض معدلات الرسوم الأوروبية إلى كل من أمريكا الشمالية واستراليا  ثم جاء انهيار العمل بقاعدة الذهب بعد الكساد العالمي الكبير ( Great Depression ) خلال الفترة 1929 – 1934 و الذي تلته الحرب العالمية الثانية وما نجم عن هذه الظروف من عدم الاستقرار في النظام النقدي الدولي ، وبعد انتهاء الحرب الكونية خرج إلى الوجود عالم جديد في عام 1945ف .

الموجة الثانية للعولمة :-

تنحصر هذه الموجـــة خلال الفترة الواقـــعة ما بيـن 1945 – 1980وهنــاك شبة إجــماع على أن حجر الزاويــة والانجـــاز الرئيـــسي في

ظهـور العولمة هو ما تمخض عنه (( مؤتــــــمر برينـــــــون وودز)) Bretton Woods  المنعقـد في ولايــة نيوهامبشير في عام 1944

وما تمخض عنه من اتــــفاق الدول الصناعيـة الكبرى من الحلفاء على إنشاء البنك الدولــي وصنــدوق النقــد الدولي وما تبع ذلك من خلق الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركيـــة ( الجات ) في سنة 1947 ، وأصبحت هذه المنظمات العملاقـــة بالإضافــــة إلى منطــقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن المتفرع عنها هي الأجهزة العالميــــــة التي تتحكم منذ ذلك الحين بمصير الأمم والحكـومات وتصـدر القرارات الواجـبة النفاذ على المستوى الدولي وتفرض الأحكام و السياســات في شتى مجالات السياسة و التجارة و الاقتصاد .

 الموجة الثالثة للعولمة :

وهي الموجة التي تمتد من عام 1980 وحتى الوقت الحاضر ، وتعتبر ظاهرة عالمية ملموسة وذلك بسبب انضمام أعداد كبيرة من الدول النامية إلى المنظمات الدولية المذكورة سالفا وقبولها بالانضمام إلى عضويتها ، لأنه لم يعد بإمكان أية دولة في العالم إن تبقي خارج تلك المنظمات مهما عظم شأن ت لك الدولة بل أن دولا كبرى مثل روسيا و الصين والهند أصبحت تتسابق وتسعى إلى نيل عضوية تلك المنظمات وتقبل بكافة الشروط التي وضعتها أصلا القوى الرأسمالية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية،ويركز دعاة وأنصار العولمة أنها الطريق السليم و الواضح لتحقيق التقدم والنمو الاقتصادي أمام الدول النامية و الفقيرة  لما تنطوي عليه من فتح فرص تنشيط اقتصادياتها عن طريق تدفق الاستثمارات الخارجية وفتح أسواق جديدة لمنتجات الدول النامية وخلق فرص عمل جديدة سواء على الصعيد المحلي أو بتحرير تنقل البضائع و الأفراد ورؤوس الأموال .

يقول الاقتصادي دولار Dollar في بحث نشره في 2001 ف أن موجة العولمة التي بدأت منذ عام 1980 قد أدت إلي انخفاض من يصنفون في خانة الفقر المدقع ( Extreme Poor  ) واللذين يقل مستوى دخلهم عن دولار واحد في اليوم ، ويبلغ عدد أولئك الفقراء حوالي 200 مليون نسمة ، بينما يقدر شن ورافاليون Chen&Ravalion  أن عدد الفقراء قد انخفض بمقدار 120 مليون خلال الحقبة الممتدة من 1993 إلى 1998 ولعله أصبح الآن وبعد السرد السابق أن نقوم بتقديم بعض التعريفات الرئيسية لتمكين القارئ من الإلمام بالمعنى الدقيق لمفهوم العولمة حيث يعرفها الاقتصادي دولار بأنها ” التكامل المتزايد و المستمر لاقتصاديات الأمم و المجتمعات الإنسانية في كافة أرجاء المعمورة نتيجة لتدفق السلع و الخدمات ورؤوس الأموال وكذلك حرية انتقال الأشخاص و الأفكار ” وحسب رأي دولار فإن هذا التكامل يسرع في عمليات التنمية الاقتصادية ويعمل على تضييق الفجوة في مستوى الإنتاجية بين العمال في الدول المتقدمة و الدول النامية من خلال تنشيط التبادل التجاري و الاستثماري وتطوير وسائل الاتصالات وحرية الهجرة .

ويعـــرف آخــرون العـولمة ” بأنها المقدرة على التعامــل مـــع العــالم كســوق واحدة”  4 ) .

أما البنك الدولي فقد وضع تعريف العولمة حسب التالي ( إن العولمة تعنى حرية الأفراد ومقدرتهم إلى قيام الأفراد و الشركات بالقيام طوعا بانجاز عمليات تحويل اقتصادية ومالية مع أفراد وجماعات في دول أخرى ) .

وهناك تعريف آخر للعولمة أكثر وضوحا للقارئ العادي ويتلخص في ” أن العولمة هي توسع للأسواق و إزالة للحواجز بين الدول حتى نصبح أمام سوق عالمية ) ( 5 ) .

وأخيرا فأننا نود أن نعرض رأيا لأحد الشخصيات الدولية المشهورة وهو الرئيس الأمريكي السابق ويليام جيفرسون كلينتون ( William Jeferson Cilnton   ) الذي ردد العبارة المشهورة ” أن العولمة هي الواقع الجديد لهذا العصر ” ( 6 ) .

العولمة بين القبول و الرفض

حجج المؤيدين و المعارضين

 نستطيع أن نقول استنادا إلى ما تقدم أن العولمة تسعى إلى تحرير رؤوس الأموال ونزع كافة القيود التي تعترضها أو تعترض تدفق التجارة الدولية فيما بين الأمم ضمن إطار محكم من التشريعات و القوانين المنظمة للعمل و البيئة و المعايير و المقاييس الدولية ، وكافة ما من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من سيطرة الشركات المتعددة الجنسيات على اقتصاديات كافة دول العالم ونرى أنه لابد من الإقرار بأن العولمة أصبحت الآن ونحن في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة أمرا حقيقيا ولا يمكن بأي حال تجاهله أو إنكاره ، وكذلك فأن إزاحتها وإلغائها يكاد يكون ضربا من ضروب المستحيل ، ويصرح أنصار العولمة ومؤيديها بأن العولمة قد وجدت لتبقي لأنها الطريق السليم للخلاص من كثير من المشاكل التي تواجه المجتمع الدولي بكامله ، ويدعمون أرائهم تلك بالحجج التالية :-

1.أن العولمة هي السبب الرئيس لنمو حجم التجارة في مجال السلع والخدمات بما يقرب من الضعفين منذ منتصف الثمانينات وان نصيب الدول النامية في إجمالي حجم التجارة الدولية قد ارتفع من 19% في عام 1971 إلى 29 % في عام 1999 . 2.أدت العولمة أيضا إلى زيادة حجم التدفقات المالية وتكامل الأسواق المالية فيما بين دول العالم وأظهرت الإحصائيات والمعلومات المتوفرة أن تدفقات رأس المال الخاص للاستثمار في الدول النامية قد أظهر زيادة كبيرة ، ويحتل الاستثمار الأجنبي المباشر Foreign Direct Investment ( FDI )  أهمية رفيعة في نظريات التنمية الاقتصادية في الدول النامية

3.كان من ابرز ظواهر العولمة وميزاتها تعاظم حركة هجرة العمال بين الدول التي تعاني من وفرة وزيادة الأيدي العاملة وخاصة في الدول النامية إلى أسواق الدول الصناعية المتقدمة قصد الحصول على أجور أعلى وإشباع رفاهية أوسع .

4.وأخيرا فأن انتشار وسائل المعرفة ونقل التقنية الحديثة من الدول المتقدمة الى الدول الأقل تقدما كانت من العوامل الرئيسية في الإسراع ببرامج التنمية وتحقيق معدلات أعلى من النمو .وفي هذا المقام يجب التنويه على أن العولمة كانت هي العربة الرئيسية لنقل استعلامات التكنولوجيا المتطورة بين الأمم و الشعوب كما يجب التنويه بأن حركة الاستثمار الأجنبي المباشر ( FDI ) لا تقتصر تأثيراتها على نقل رؤوس الأموال فحسب ولكنها تحمل في ثناياها نقل الاختراعات و الابتكارات ومعرفة احدث أساليب الإنتاج وفنون وتقنيات الإدارة وكذلك نقل الخبرات في مجالات التجارة و التسويق ،  وتلعب الشركات المتعددة الجنسيات دورا رائدا ورئيسيا في هذا المجالات .

أن النقاط الأربع السالفة الذكر ما هي إلا أهم الحجج التي يستند إليها مؤيدو العولمة ، ولكن العولمة ليست خيرا مطلقا كما يصورها البعض ، ولكنها تحتوي من المساوئ و الشرور ما يستلزم قيام تكاثف وتضامن بين الامم و الشعوب لكبح جماحها وحصر سلبياتها المدمرة بقدر الامكان بعد ان اصبحت امرا واقعيا كما ذكرنا فيما سلف وكثيرا ما نسمع من المحطات المرئية والمسموعة عن مظاهرات عنيفة تتميز بالمواجهات الساخنة بين معارضي العولمة ومنظمي مؤتمراتها الدورية التي تعقد في اماكن مختلفة من العالم دوريا ويرى منا هضوا العولمة أن لها تأثيرات سلبية ومدمرة على البيئة وحرية الأفراد وفرص الحياة أمام الطبقات الفقيرة كما أنها تحوي تأثيرات تدميرية على أسواق الدول الوطنية وتلغى دور الحكومات الوطنية وسوء العدالة في توزيع الثورة وتشجيع على الاستغلال .

أن كل كلمة أو مصطلح مما تقدم يستدعي بحثا مستقلا لإبراز مفهومه وشرح تفاصيله ومعناه، الأمر الذي لا يتسع له المجال في هذا المقال ولكننا نورد فيما يلي أهم وأبرز الحجج التي يستند عليها منا هضوا العولمة وأسباب رفضهم وعدم وفي هذا المقام يجب التنويه على أن العولمة كانت هي العربة الرئيسية لنقل استعلامات التكنولوجيا المتطورة بين الأمم و الشعوب كما يجب التنويه بأن حركة الاستثمار الأجنبي المباشر ( FDI ) لا تقتصر تأثيراتها على نقل رؤوس الأمـوال فحسـب ولكـنها تحـمـــل فـــي ثنايـــاها نــــقل الاختراعـــــات  و الابتكارات ومعرفة احدث أساليب الإنتاج وفنون وتقنيات الإدارة وكذلك نقل الخبرات في مجالات التجارة و التسويق ،  وتلعب الشركات المتعددة الجنسيات دورا رائدا ورئيسيا في هذا المجالات .

أن النقاط الأربع السالفة الذكر ما هي إلا أهم الحجج التي يستند إليها مؤيدو العولمة ، ولكن العولمة ليست خيرا مطلقا كما يصورها البعض ، ولكنها تحتوي من المساوئ و الشرور ما يستلزم قيام تكاثف وتضامن بين الامم و الشعوب لكبح جماحها وحصر سلبياتها المدمرة بقدر الامكان بعد ان اصبحت امرا واقعيا كما ذكرنا فيما سلف وكثيرا ما نسمع من المحطات المرئية والمسموعة عن مظاهرات عنيفة تتميز بالمواجهات الساخنة بين معارضي العولمة ومنظمي مؤتمراتها الدورية التي تعقد في اماكن مختلفة من العالم دوريا ويرى منا هضوا العولمة أن لها تأثيرات سلبية ومدمرة على البيئة وحرية الأفراد وفرص الحياة أمام الطبقات الفقيرة كما أنها تحوي تأثيرات تدميرية على أسواق الدول الوطنية وتلغى دور الحكومات الوطنية وسوء العدالة في توزيع الثورة وتشجيع على الاستغلال .

أن كل كلمة أو مصطلح مما تقدم يستدعي بحثا مستقلا لإبراز مفهومه وشرح تفاصيله ومعناه، الأمر الذي لا يتسع له المجال في هذا المقال ولكننا نورد فيما يلي أهم وأبرز الحجج التي يستند عليها منا هضوا العولمة وأسباب رفضهم وعدم قبولهم للفكرة برمتها .

1.إن العولمة هي شكل من أشكال الاستعمار بل أنها قد تكون اشد وأقسى أنواع الاستعمار لأنها تقلص من دور الحكومات الوطنية وتسلبها سلطتها وسيادتها لمصلحة المؤسسات العالمية التي اصبحت الراعي والمسئول الأول عن رسم السياسات التجارية لكافة دول العالم ، ويعتقد الكثيرون من مناهضي العولمة ان المؤسسات الثلاث هي الوجه الجديد للاستعمار القديم لأن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لا يقدمان القروض والتسهيلات التمويلية إلا إذا وافقت على شروط معينة تصب في مصلحة الدول الرأسمالية الكبرى .

2.ان كل سياسات العولمة وأدواتها التي تتخد شكل منظمات دولية مسخرة لخدمة ما يعرف بالشركات المتعددة الجنسيات، إن الشركات المتعددة الجنسيات هي تلك الشركات العملاقة التي تخظى بإمتلاك رؤوس أموال فلكية تمكنها من تسيير دفة الحكومات في اعتى الدول الديمقراطية ، وهي التي تأتي  بما لها من نفوذ واسع برؤساء تلك الدول والأعضاء المنتجين ببرلمان تلك الدول ومن أبرز الشركات المتعددة الجنسيات هي شركة موبل ايكسون Mobil/Exxon وشركة شل Shellوجنرال موتورز General Motors وجنرال اليكتركGeneral Electric  .                            

 وبلغ عدد الشركات عبر الوطنية في عام 2004 مايزيد عن 65 الف شركة متعدي الجنسيات تدير فروعاً وشركات في شتى دول العالم وتحظى بسيطرة كبيرة على الصعيدين الأقتصادي التي تتواجد فيها (7) (انظر الجدول رقم1 ) والسياسي داخل الدول التي تتواجد فيها (7) (انظر الجدول رقم1 )

3.إفساد وتدمير البيئة الطبيعية، ولعل من أسوأ ممارسات الشركات المتعددة الجنسيات هو تدمير البيئة الطبيعية، وذلك بإتباعها أساليب أنانية في تعقيم البدور المعروفة والاستعمال المكثف للكيماويات مثل الأسمدة الضارة والمبيدات الحشرية التي تشكل مصدر خطر كبير على صحة الإنسان، وكذلك إسرافها في تدمير الثروة الحيوانية والسمكية بإستعمالها هرمونات وتقنيات لا تقيم أي اعتبار لقيمة الأرض والإنسان، حيث أن هذه الشركات لا تملك حتى الحد الأدنى من الحس القومي أو الوطني، وينصب جل اهتمامها في تعظيم حجم ارباحها .

4.ويسوق معارضوا العولمة حجة رئيسية بقولهم ان العولمة في بداية مراحلها هي التي سرقت ثروة الجنوب ونقلتها الى خلقها لحالة من اللامساواة ومن اللأعدالة .         ويضربون على ذلك مثلاً بقولهم أن 20% من عدد سكان العالم يحصلون حالياً على 83% من دخل العالم 60% من أغدية العالم بينما ينتجون 75% من النفايات الضارة، بينما لا يحصل افقر 60% من دول العالم إلا على 5.6% من إجمالي الدخل  القوة الدافعة للعولمة :-

تحدثنا فيما تقدم عن تاريخ العولمة وسماتها كما ذكرنا بعضاً لأهم التعريفات التي وضعت عنها، ونرى أنه لا يمكن استكمال تقديم صورة للعولمة بدون التعرض للقوى التي تدفع بالدول والحكومات إلى الاخذ بها على الرغم من بعض التحفظات بشأنها، وقد أشرنا إلى أن دولاً عريقة وعظيمة قد انخرطت في المنهج التطبيعي للعولمة لأنه ما من دولة تستطيع اختيار العزلة عن المجتمع الدولي والانكفاء وراء حدودها الإقليمية ومامن شك في أن نمو حجم التجارة الدولية الذي اشرنا إليه عبر الموجة الأولى للعولمة 1870-1914 كان العامل الأول والأقوى من بين كافة القوى الدافعة للعولمة ولكن ظروف المرحلة (الموجه) الحالية قد أوجدت قوى دافعة أخرى يمكن تقديم أهمها في ثلاث نقاط رئيسية وهي :- (8)

أولاً :- الاتصالات والمعلومات .

إذا كان جوهر العولمة هو إدراك ومعرفة تطور للأوضاع والمتغيرات العالمية، فأنه ليس هناك أدنى شك في أن تطور وسائل الاتصالات واتساع وانتشار استعمال شبكات المعلومات الدولية ( الانترنت ) وبتكاليف في غاية البساطة نسبياً والتي انتشرت خلال العقدين الماضيين هما القوة الرئيسية الأولى الدافعة لتحقيق العولمة فبدخول هذه الخدمات إلى الأسواق ارتفع عدد المستخدمين لها إلى 50 مليون نسمة خلال ثلاث سنوات فقط، ثم بدأ استعمال الأفراد لهذه الوسيلة الحديثة و من وسائل الاتصالات يتضاعف كل مائة يوم تقريبياً، وهكذا أصبح بإمكان الجميع من أفراد ومؤسسات وشركات وضع أوامر بيع وشراء السلع والخدمات فورياً عبر حدود دول العالم وأصبح التعامل على المستوى المعاملات على الصعيد الوطني .

وهكذا فأن وجود وسائل اتصالات سريعة ومباشرة لكافة البشر وبتكاليف منخفضة سهلت دخول رجال الأعمال إلى الأسواق الدولية وأزاحت الكثير من العراقيل وخاصة أمام الشركات الصغرى والمتوسطة .

ولما كان استعمال وسائل الاتصالات الحديثة يتطلب معرفة كافية بالقراءة والكتابة وتعلم اللغات الأجنبية الرئيسية، فقد دفع هذا الوضع بالعديد من المهتمين باستعمال أجهزة الاتصالات الالكترونية الحديثة بتحصل العلم والمعرفة وهو نفس السلوك الذي سبقته إليهم شعوب دول أوربا وأمريكا الشمالية في حقبة الموجة .

ثانياً : النقل والمواصلات .

من المؤكد أن نجاح المجتمع الإنساني في تطوير وسائل النقل والمواصلات كان العامل الرئيسي في نمو التجارة الدولية وازدهارها الكبير في القرن التاسع عشر، ولكن وسائل النقل والمواصلات تعتبر أقل أهمية نسبياً من سبل الاتصالات الحديثة بعد عام 1870، كما أن أسعار الشحن قد انخفضت كثيراً وشمل هذا الخفض نفقات الشحن عبر المحيط الأطلسي وكذلك بين آسيا وأوربا مما خلق جواً  من المنافسة في أسعار السلع والبضائع، ولكن هذا الانخفاض المستمر في نفقات الشحن اصطدم في العقود الماضية بعدد من المشاكل مثل ارتفاع أسعار الوقود على المستوى العالمي وتحول التجارة من المواد الأولية إلى السلع المصنعة ويمكن القول ان تطور وسائل النقل والمواصلات لا زالت ضمن أهم القوى المحركة لتنشيط عملية العولمة ولكنها فقدت من الأهمية التي اكتسبتها خلال الموجة الأولى من العولمة ولذلك فأنها تأتي في مرحلة أدنى من أهمية ظهور وسائل الاتصالات الحديثة .

ثالثا : الإدارة الاقتصادية الليبرالية الحديثة .

أشار عدد من الاقتصاديين إلى دور السياسات العامة في تشكيل هيكلية وأبعاد العولمة من خلال تحرير السياسات الاقتصادية في بعض الدول الكبرى في العالم، ومن ابرز تلك السياسات إزالة العراقيل من أمام تدفق وانتقال الخدمات المالية وكذلك حركة التجارة ورؤوس الأموال بين أقاليم العالم المختلفة ويشير أولئك الاقتصاديين إلى روح السياسات المعادية للعولمة التي ظهرت إلى السطح خلال الفترة الواقعة بين عامي 1941-1950 وهي الفترة التي شهدت نشوب الحربيين العالمية الأولى والثانية حين أصبحت كل دولة تسعى إلى تعويض احتياطياتها النقدية التي استنزفتها النفقات الهائلة للحرب ومحاولتها تشجيع الصادرات والحد من الواردات، وبصرف النظر عن تلك الفترة الاستثنائية فأن مؤرخي العولمة وتطورها يشيرون إلى انفتاح اليابان على سياسات التجارة الحرة في عام 1858 وتحول المملكة المتحدة من سياسات الحماية إلى أتباع مبدأ حرية التجارة في المنتجات الزراعية في عام 1846 كما يشيرون إلى أتباع سياسات التحرر التجاري في كل من الصين وكوريا وسيام في الفترة 1840-1850 .

ولكن يجب التنويه في هذا المقام إلى أن سياسات التحرر التي انتهجتها الدول المتقدمة في القرنين التاسع عشر والعشرين وإزالة كافة العوائق أمام انتقال التجارة ورؤوس الأموال كان لبلوغ وتحقيق مصالح وطنية وقومية في الدرجة الأولى وللقناعة التي وصلوا إليها بضرورة الاستفادة من الفرص الخارجية المتاحة أمامهم في الأسواق العالمية وعززت تلك القناعات الثورة في مجال النقل والمواصلات في القرن التاسع عشر ثم الثورة في مجال الاتصالات في القرن العشرين ولكن حركات وسياسات تحرير الاقتصاد في دول جنوب شرق آسيا كان تلقائياً بعد أن أدركت تلك الدول أنه لا يمكن تحقيق أي تقدم اقتصادي بدون مواكبة أجواء عالم تحكمه قوانين وسياسات التحرر الاقتصادي والسير على نفس النهج، أما في أمريكا اللاتينية وكثيراً من الدول الأفريقية فأن سياسات التحرر كانت قراراً مخططاً من قبل الحكومات

بناء مؤشر قياسي للعولمة : ـ

جرت محاولات متعددة لتصميم مؤشر بياني للعولمة قادر على قياس أبعادها المختلفة حسب أوزان معيارية محددة بحيث يكون هذا المؤشر قادراً علي قياس كثافة نسيج تشابك العلاقات بين الدول عبر الحدود . ومع أن هذه الفكرة تبدو وكأنها غربيه ولكن مثل هذا المؤشر قد يعطي مقياساً معقولاً لمدي الدرجة التي وصلت إليها فكرة التكامل العالمي ( Global Integration ) إن المؤشر الذي سنقدمه في هذه الدراسة يطلق عليه أسم أ . ت كيري (10) ( A .T.Keary ).

ويحتوي هذا المؤشر على ممارسة الدول لسبل وسياسات العلاقات الدولية مع دول العالم الأخرى وجرى تحديد تلك العلاقات بالتبادل التجاري وتدفقات الأموال وحركة الهجرة للأفراد والجماعات , وتبادل الأفكار والمعلومات ويحتوي الجدول على المكونات التالية : ـ

 أ ـ أدوات وسبل التكامل الاقتصادي ،،

1 ـ التجارة في السلع والخدمات .

2 ـ الاستثمار الأجنبي المباشر .

3 ـ حافظات الاستثمار .

 4 ـ مدفوعات الدخل .

ب ـ الاتصالات الشخصية ،،

1 ـ المكالمات الهاتفية الدولية .

2 ـ السفر الخارجي والسياحة .

3 ـ الحوالات المالية للمدفوعات والدخل .

 ج ـ التكنولوجيا ،،

1 ـ مستعملو شبكة المعلومات ( الانترنت ).

2ـ جمهور ومضيفي الانترنت .

3ـ مستخدمو الانترنت .

د ـ الارتباطات الدولية ،،

1 ـ عدد السفارات في الخارج .

2 ـ العضوية في المنظمات الدولية .

3 ـ المشاركة في البعثات التابعة للأمم المتحدة ومجلس الأمن .

وبالإضافة إلي المؤشر السابق فقد قام اقتصادي آخرا وهو ( دريهر ) Dreher بتصميم مؤشر آخر تضم بنوده عدداً كبيراً من مؤشر Keary مع إضافة بنود ومتغيرات إضافية وضعها دريهر لتحسين مؤشر كيري ( 11) نورد منها على سبيل المثال لا الحصر نسبة التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر ألي إجمالي الناتج المحلي في بند التكامل الاقتصادي ونسبة الأجانب المقيمين في الدولة إلي إجمالي عدد السكان في بند استحدثه وأسماه التكامل السياسي , ومستعملي كابلات الإذاعات المرئية المسموعة ومجموع عدد الصحف لكل 1000 شخص ومتوسط تكاليف المكالمات الهاتفية ألي أمريكا في البند التكامل الاجتماعي وقد أسفرت الجهود السابقة عن وضع مؤشر يوضح الترتيب العام للدول في مدي التزامها وارتباطها بسياسات العولمة * .

وكانت المفاجأة في هذا المؤشر أن اكبر دولة رأسمالية في العالم وصاحبة اليد الطولي في البرنامج العولمة والمستفيدة الأولي من كثافة الشركات المتعددة الجنسيات التي تمتلكها قد جاءت في المرتبة (12 ) بينما جاءت المملكة المتحدة بالمرتبة ( 10 ) وكل من فرنسا وجمهورية ألمانيا الاتحادية في المرتبتين (13 ) و( 14 ) على التوالي .كما أمكن إحصاء ثلاثة دول عربية جاءت من ضمن أول 50 دولة في الترتيب العام وعلى رأسها تونس التي جاءت ترتيبها (36 ) على الصعيد العالمي وجاءت بعدها جمهورية مصر العربية ( 45 ) والمملكة المغربية ( 46 ) . أما على المستوي الأفريقي فقد تحصلت بوتسوانا على الترتيب الأول ( 29 ) عالمياً وتبعتها نيجيريا بالمرتبة الثانية حيث احتلت المرتبة (33 ) حسب الترتيب العالمي بينما حلت أوغندا في المرتبة الثالثة ( 35 )

بقلم د. مازن عبدالسلام ادهم – almusallh.ly