عند النظر في كل المقاييس المعتمدة لمؤشرات العولمة ( مثل مقياس KOF او Kearney او غيرهما) نجد انها تعطي المؤشرين الاقتصادي والتقني ما بين 75- 80 % من القيمة لتحديد معدل العولمة لدولة ما ، بينما لا يأخذ المؤشر السياسي الا ما بين 20 – 25 % ، مما يعني ان تحديد نتائج وباء الكورونا على العولمة لا يجوز ان يعطي وزنا للمؤشر السياسي (العولمة السياسية) اكثر من حجمه ، دون اغفال ان الحدود الفاصلة بين الفعل السياسي والفعل الاقتصادي اوالتقني هي حدود متماهية بشكل كبير، وهو ما يتضح في العلاقة بين السياسات الميركانتيلية والحمائية التي يطبقها ترامب ، فالرئيس الامريكي تبنى في عام 2018 نهج السياسات الحمائية ضد بعض المنتجات الاوروبية والصينية والكندية والمكسيكية وبدأت ردود الفعل تتوالى والتي جلبت معها ارتفاعا حادا في الاسعار في الولايات المتحدة وهو عكس احد الأهداف من الحمائية، وهنا تبدو المماهاة بين الاقتصادي والسياسي.

ان الانكفاء في التجارة الدولية الناتج عن الكورونا هو نتيجة لا لسياسات ” سياسية” ولا لسياسات ” اقتصادية” ، بل هي بفعل عامل خارجي انتجته الطبيعة، وترتب عليه توقف الانتاج بنسبة عالية لا سيما في مراكز الانتاج العالمية ، وتعطل الطلب بسبب امتناع القدرة على الوصول للمستهلك او عجز المستهلك عن الوصول للسوق.
لست مطمئنا للخلط بين احتمالات الحرب وتداعيات الكورونا من ناحية وبين الحرب والسياسات الحمائية المتعمدة كما جرى في القرن السابع عشر بين القوى الاستعمارية بخاصة الاوروبية او ما تكرر بين هذه القوى خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر ، او ما جرى خلال حرب الافيون البريطانية مع الصين في القرن التاسع عشر عندما اوقف الامبراطور الصيني تدفق الأفيون الهندي الى بلاده واعتبره تجارة غير مشروعة، أ و ما جرى في 1930 عندما اوقفت الولايات المتحدة دخول المنتجات الزراعية الاوروبية فردت عليها بعض الدول الاوروبية فدخل العالم في الكساد الشهير.
ان الربط بين تلكؤ التدفق التجاري الحالي بين اقاليم العالم وبين تزايد احتمالات الحرب بين مراكز صنع القرار الدولي هو نتيجة لاسقاط النماذج التاريخية للحروب التجارية والنزعات الحمائية على الوضع الحالي، ومعلوم ان حروب القرنين السابع عشر والثامن عشر بين الدول الاوروبية كان من اهم اسبابه سيطرة المنظور الميركانتيلي والنزعة الحمائية(فالثورة الامريكية كانت بسبب الضرائب والتعرفات الجمركية البريطانية، وكذلك الحربين العالمية الاولى والثانية، وهو ما خلق وضعا دوليا متأزما قاد الى الحروب، فكما يقول المفكر الفرنسي فردريك باستيه( Bastiat ( Fre’de’ric ” عندما لا تعبر السلع تعبر الجيوش” .

ان المتغير الامريكي بخاصة مع سياسات ترامب الحمائية والميركنتيلية في السياسة الدولية امر مهم للغاية، لكنه ليس المتغير الوحيد، لقد ارست العولمة هياكل دولية واقليمية تتوافق في توجهاتها مع البيان الذي اصدره قادة مجموعة العشرين في عام 2009 عندما اعلنوا حرفيا بالعمل على ” عدم الوقوع في الاخطاء السابقة بتبني السياسة الحمائية “،وعليه يبدو ان الملامح العامة لمرحلة ما بعد الكورونا- رغم تشنجات ترامب- ستأخذ بقدر نسبي لا مطلق وباتجاه لا خطي متزايد ومتسارع في العودة لما قبل الكورونا مع التكيف مع الدروس المستفادة من تجربة الوباء( بخاصة في النظم الصحية المحلية والاقليمية والعالمية ، وفي مجال التوظيف المتزايد لتكنولوجيا الاتصالات وصناعة الدواء ..الخ). وقد يترافق مع ذلك مظاهر مثل:
أولا: تزايد تشكيل التكتلات التجارية الاقليمية لتفادي المواجهة الفردية ، او توظيف الدروس المستفادة للكتل القائمة فعليا كما هو حال الاتحاد الاوروبي الذي نرجح اعداده خطة متكاملة تقوم على التكامل الاوروبي في كل المجالات مستقبلا مع قدر من التفاوض الحاد بين الاطراف.
ثانيا: نعتقد بان التكتلات عابرة الأقاليم ستتزايد بعيدا عن ” القفص القومي ” ، ولعل تجربة البريكس( Brics) مؤشر على هذا النموذج ، فهذه الكتلة ولدت عام 2009 ردا على أزمة 2008 المالية المعروفة ، وبالمثل فان مجموعة العشرين (G20 ) تاسست عام 1999 ردا على الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، وعند النظر في العلاقات الاقتصادية بين دول البريكس يتبين ان الاستثمارات المباشرة أكثر من ضعفين خلال الفترة من التاسيس الى عام 2017، وفي مجموعة العشرين ارتفعت بمقدار اربعة اضعاف منذ التأسيس الى 2017. وفي مجال التجارة يلاحظ ان معدلات التجارة البينية الى اجمالي الناتج المحلي في كل من البريكس ومجموعة العشرين أعلى بشكل واضح من معدلها العالمي وبخاصة بعد أزمة عام 2008.
ثالثا: من الضروري الربط بين معدل تدفق التجارة وبين معدلات النمو الاقتصادي، فاذا افترضنا ان الوصول لعلاج للكورونا او السيطرة عليه بقدر مطمئن يحتاج الى عام او عامين فان معدل النمو المتدني خلال هذين العامين سيؤثر على تدفق التجارة المعولمة، لكنه ما ان يعود دولاب الانتاج للدوران ويرتفع معدل النمو حتى يعود التدفق موازيا لهذا الارتفاع، ففي الفترة من 1880 الى 1913 تزايدت التجارة الدولية ثم عرفت تراجعا في الفترة من 1913 الى 1935(22 سنة)، وعادت للارتفاع الواضح بعد 1950 وحتى هذه اللحظة. وعند الربط بين معدل النمو وبين التجارة ، نجد انه في الفترة من 1950 الى 2008(الازمة الدولية) تضاعف حجم التجارة 27 مرة رغم ان معدل الناتج العالمي تضاعف 9 مرات فقط…وعليه اصبحت التجارة الدولية تشكل قياسا للناتج المحلي العالمي 60% عام 2020 مقارنة بنسبة 25 % عام 1965.لكن نسبة الزيادة عادت للتوقف بين 2009 الى الآن، والسبب في ذلك –كما نعتقد- هو الدورة الاقتصادية المعتادة( دورات كوندراتيف) حيث أثرت الازمة الاقتصادية عام 2008 بشكل كبير على التجارة الداخلية لمنطقة اليورو التي تمثل 30% من التجارة العالمية وتجارة الصين التي تمثل 10% من التجارة العالمية في تلك الفترة.
ومن العوامل التي ستساعد على عودة النمو وبالتالي تنشيط آليات العولمة مستقبلا هو التغير التكنولوجي المتسارع والذي سيساعد المنشآت الصغيرة على الانغماس في التجارة الدولية اكثر، كما ان تجارة الخدمات قابلة للتسارع اكثر من التجارة السلعية وهو ما ستعززه وسائل الفضاء السبراني والتي أظن انها ستفرز نماذج تجارة دولية جديدة ، ناهيك عن أن اكثر الدول ستزيد من الاخذ بالاصلاحات الاقتصادية مستفيدة من الدرس الوبائي، ولعل العودة الى الانتاج بعد الكورونا سيعرف تزايدا في الطلب نظرا للانقطاع عن التجارة بسبب الكورونا ناهيك عن انخفاض اسعار الطاقة التي قد تكون حافزا للدول لتوجيه ما توفره من الطاقة نحو سلع اخرى.

وتبقى ربما..الا لأنصار الحتميات…