مقال بعنوان: الغزو المغولي لبلاد المسلمين: في روايات الديار بكري بكتابه تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس

من اعداد  كل من م. محمد حسين السويطي و م.م شيماء بدر عبد الله – كلية التربية – جامعة واسط

المقدمة

الغزو المغولي لبلاد المسلمين في القرن السابع الهجري أهم الأحداث التاريخية التي شهدها العالم وأخطرها، إذ سيطرة المغول على معظم البلاد الإسلامية، وأزالوا الخلافة الإسلامية بعد احتلالهم لعاصمتهم بغداد سنة 656هـ.  ونتيجة لما أحدثه الغزو أو قاد إليه فيما بعد فقد درس المفكرون المسلمين هذا الغزو وتناولوا أحداثه المروعة، كما وصفوا ظروف الدولة العربية الإسلامية وأوضاعها وقتذاك ووحشية المغول وصفات جيشهم وغير ذلك من الأمور ذات الصلة، الا أن ما يميز تلك الدراسات اختلافها في الطروحات ووجهات النظر بين مفكر وآخر، وأسباب ذلك عديدة، يقف في طليعتها “المنهج العلمي” ، فبعض المفكرين أسهبوا في ذكر تفاصيل الأحداث، مثل: ابن الأثير العراقي (ت630هـ) في كتابه (الكامل في التاريخ)، وبعضهم من اختصر في ذكرها أو أقتصر على ذكر طرفاً منها، مثل: كتاب (الحوادث الجامعة في أخبار المائة السابعة) المنسوب لابن الفوطي (ت723هـ). فضلاً عن تباين المفكرين في توجهاتهم الدينية وانتماءاتهم الطائفية، فبعضهم جعل الشيعة ورأسها وقتذاك الوزير ابن العلقمي سبباً في دخول المغول إلى بلاد المسلمين مثل: ابن كثير (ت774هـ) في كتابه (البداية والنهاية)، وبعضهم من برأ ابن العلقمي من هذه التهمة مثل: ابن طباطبا العلوي (ت701هـ) في كتابه (الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية)، وآخرون اعتمدوا المنهج الموضوعي فجعلوا أسباب كثيرة وراء دخول المغول في مقدمتها عدم كفاءة الخلفاء العباسيين المتأخرين، مثل صاحبنا الديار بكري في كتابه (الخميس في أحوال أنفس نفيس).

لهذا وقع اختيارنا على دراسة كتاب (الخميس في أحوال أنفس نفيس) في محاولة للكشف عن الغزو المغولي وأسبابه وبيان أحوال العالم الإسلامي وقتذاك. وتأتي أهمية دراسة روايات الغزو المغولي في هذا الكتاب، لأن مؤلفه امتاز بمنهجيه علمية متقدمة؛ لاسيما وانه من أعلام القرن العاشر الهجري الذين لا نستبعد تأثرهم بطروحات الكافيجي (874هـ) في كتابه (المختصر في علم التاريخ) والسخاوي (ت902هـ) في كتابه (الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) وغيرها من الطروحات التي وضعت فلسفة واضحة للتاريخ، وتناولته بصفته علماً، فضلاً عن استيعابه روايات الغزو المغولي بصورة كبيرة؛ لاطلاعه على مصادر متنوعة في مشاربها العلمية وانتماءاتها الدينية والاجتماعية وتوجهاتها.

اقتضت ضرورة البحث أن نقسمه على ست مباحث، مصدرة بمقدمة ومقفاة بخاتمة، تناولنا في المبحث الأول ملامح سيرة الديار بكري وصفة كتابه (الخميس في أحوال أنفس نفيس)، وتطرقنا في المبحث الثاني إلى أصل المغول وديانتهم وأساليبهم العسكرية، وشخصنا في المبحث الثالث عوامل ضعف الجبهة الإسلامية، وفي المبحث الرابع تابعنا تاريخ المد المغولي على بلاد المسلمين، وفي المبحث الخامس ذكرنا أعمال المغول في بغداد، وفي المبحث السادس والأخير بحثنا بمصادر أخبار الديار بكري عن المغول.

 أولاً. ملامح سيرة الديار بكري وصفة كتابه:

  1. ملامح سيرة الديار بكري:

المعلومات قليلة في المصادر المتوفرة بين أيدينا عن سيرة الديار بكري الاجتماعية والعلمية، بل تكاد تكون نادرة، إذا ما استثنينا النزر اليسير من الأخبار المتناثرة هنا وهناك التي تشير إلى ملامح بسيطة عن ذكره: اسمه وعمله وتواريخ مختلفة عن وفاته. والديار بكري هو الحسين بن محمد بن الحسن، الملقب بالديار بكري، نسبة إلى مدينة ديار بكر التي ولد فيها ونشأ وتعلم([1]). ولذيوع صيته العلمي وسيرته المحمودة كلف بالقضاء في مدينة ولادته ونشأته (ديار بكر) وظل قائماً بهذه المهمة مدة من الزمن([2])، انقطع بعدها للعلم والتعليم، فترك في هذا المجال جملة مؤلفات قيمة، توفي سنة 966هـ([3])، وقيل سنة 982هـ([4])، ودفن باتفاق من ترجم له في مدينته ديار بكر. ومن جملة آثاره العلمية([5]):

أ. هبة الناسك والحاج لانتفاعه بها لدى الاحتياج على المذاهب الأربعة.

ب. الخميس في أحوال أنفس نفيس.

ج. رسالة في مساحة الكعبة والمسجد الحرام.

وقد اعرضنا عن وصف تفاصيل كتابي “هبة الناسك” و “رسالة في مساحة الكعبة” لعدم ارتباطهم بموضوع البحث وارتأينا أن نفصل الذكر في كتابه موضوعة البحث “الخميس في أحوال أنفس نفيس” عن طريق وصف تفاصيل الكتاب وموارده بصورة مختصرة.

  1. وصف كتاب تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس:

من كتب التاريخ العام المهمة التي تناولت التاريخ الإسلامي على الحوليات، واقتصر منهجه على ذكر الأحداث المهمة من تاريخ الإسلام، استهله بسيرة الرسول (r) وليس مع بداية تاريخ البشرية كما دأب على ذلك أصحاب التواريخ العامة مع ذكر سير مفيدة لمشاهير العلماء. كما تميزت معلومات هذا الكتاب بالإيجاز الوافي غير المخل بالمعنى، ولم يكن كتاباً خاصاً بالسير والتراجم تناول فيه سيرة الرسول (r) والخلفاء الراشدين ومن تبعهم من خلفاء بني أمية وآل عباس وصولاً إلى سلاطين المماليك كما اعتقد صاحب كتاب (كشف الظنون)([6]) إنما كتاب في التاريخ العام كما تبين ذلك من ترتيب مادته العلمية.

ذكر حاجي خليفة (ت1067هـ) هذا الكتاب وقدم له وصفاً شاملاً بما نصه: “الخميس في أحوال أنفس نفيس… كتاب مشهور مرتب على مقدمة وثلاثة أركان وخاتمة، المقدمة في خلق نوره عليه الصلاة والسلام والركن الأول في الحوادث من المولد إلى البعثة والثاني من البعثة إلى الهجرة والثالث من الهجرة إلى الوفاة والخاتمة في الخلفاء الأربعة وبني أمية وال عباس وغيرهم من السلاطين إلى جلوس السلطان مراد الثالث إجمالا، وفرغ من تأليفه في ثامن شعبان من سنة 940 أربعين وتسعمائة، وقد اختلف في اعجام الخاء وإهمالها في الخميس فقيل انه بالمهملة سماه باسم مكة، ورأيت بخط العلامة قطب الدين المكي انه ينقط فوق الخاء وهو المشهور”([7]).

بدأ المؤلف كتابه بذكر منهجه وترتيب مادته التاريخية([8])، والتعريف بالطليعة الأولى والفرق بين النبي والرسول وموضوعات أخرى ذات صلة تتعلق بمباحث متعددة من علوم القران الكريم([9])، وختمه بذكر الخلفاء الفاطميين وملوك الأكراد والأتراك والجراكسة الذين تولوا سلطنة مصر([10]).

تميز هذا الكتاب الذي يقع بجزأين أن الديار بكري حرص على  ذكر مصادر أخباره بصراحة، كما راعى في اختياره للمصادر سمة المعاصرة الزمانية والمكانية، وهي خطوة علمية متقدمة في منهج البحث التاريخي، وهو ما لمسناه أثناء ذكره لأخبار المغول، فقد اعتمد على كتاب (الكامل في التاريخ) لابن الأثير العراقي (ت630هـ) ومؤلفات أخرى معاصرة مثل كتب ابن الساعي (ت672هـ).

من المميزات الأخرى لهذا الكتاب تنوع أخباره وأحداثه التاريخية، فلم تقتصر على الأحداث السياسية، بل ذكر أحداثاً اجتماعية قد تكون نادرة وفريدة في بابها، مثل: ذكره أساليب اللهو عند المجتمع البغدادي في القرن السادس الهجري كالرمي بالبندق وتربية الحمام وأساليب تفنن الناس في ذلك([11])، وذكره في أحداث سنة 599هـ، تفرق الناس وارتحالهم من بغداد مدة من الزمن بسبب كثرة الجراد المتطاير وما تسبب عنه من أذى على مختلف الأصعدة([12])، ومن النوادر الأخرى التي ذكرها التشوهات الخلقية التي أصابت بعض الحيوانات نتيجة الآثار البيئية([13])، كما قدم شرحاً مفصلاً في أحداث سنة 654هـ لحادثة النار التي خرجت في المدينة، وعللها تعليل ديني بقوله: “كانت من الآيات الكبرى التي أنذر بها النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة”([14])، باعتماده على مصادر التشريع الإسلامي والكتب الفقهية والتاريخية([15]).

ويلاحظ على منهجية الديار بكري العلمية محاولاته الكثيرة في فلسفة الأحداث وتعليلها وتشخيص أسبابها، وهي خطوة تدل على تطور منهجه العلمي، وإدراكه أن التاريخ علم يبحث في الأحداث وعللها، وكانت فلسفته الدينية واضحة على تعليل الأحداث التاريخية، فعلى سبيل المثال لا الحصر ربط بين النار التي شبت في مدينة الرسول (r) وبين احتراق مسجد المدينة سنة 640هـ وفيضان نهر دجلة في السنة نفسها وبين تواصل المد المغولي نحو بلاد المسلمين، وقال: إن هذه الأحداث “كانت إنذارا لهم – أي للمسلمين- وليتهم اتعظوا”([16]). ومع الأهمية الكبيرة التي حظي بها الكتاب إلا انه لم يخل من بعض الملاحظات التي سجلنا بعضها على سرعة من الذكر في خاتمة البحث.

ثانياً. المغول أصلهم وديانتهم وأساليبهم العسكرية:

المغول من القبائل التركية التي نشأت في هضبة منغوليا شمالي صحراء جوبي، تمتد شرقي تركستان بين جبال التاي غرباً وجبال خنجان شرقاً، وينقسم المغول على ثلاثة أقسام: المغول البيض الذين سكنوا خارج سور الصين مباشرة، والسود الذين سكنوا صحراء جوبي ومارسوا البداوة والتنقل، والمغول الذين أقاموا على الروافد العليا لنهري أونون وكيرولين ومارسوا الصيد([17]). زودنا الديار بكري بوصف موجز عن هؤلاء الأقوام، ولم يحدد بدقة موطنهم الأصلي أو إلى أي أصل يرجعون، باستثناء عرضه بعض العبارات التي أفادتنا في رسم صورة موجزة عن المغول، مثل قوله في تحديد هويتهم أنهم: “جنس من الترك… ومأواهم جبال طمغاج”([18]).

وعندما يتطرق إلى ديانتهم يذكر انها لم تكن واحدة في مجتمعاتهم، بل كان هناك تنوعاً في معتقداتهم الدينية، وتمثل ذلك بقوله: “ودينهم الكفر دين الجاهلية، أعراب الترك، وأكثرهم يعبدون الشمس، وبعضهم مجوس، وبعضهم يعبدون الأصنام”([19]).

أما بخصوص أساليب المغول العسكرية فلم يفصل الديار بكري فيها كثيراً، وقدم وصفاً موجزاً لها، وكان أهم تلك الأساليب (سياسة التدمير الشامل) القائمة على تخريب المناطق المحتلة والقضاء على معالمها والبنى التحتية لها، بشكل يصعب بعدها السكن. ويظهر أن هذه السياسة مارسها المغول مع معظم البلاد والمدن التي أخضعوها، ويقدم الديار بكري نصاً واضحاً بهذا الخصوص بقوله: “كلما دخلوا مدينة – أي المغول- فعلو عوائدهم الملعونة من القتل والسبي والحريق”([20]).

ثالثاً. عوامل ضعف الجبهة الإسلامية في نظر الدياربكري:

عاش الديار بكري خلال القرن العاشر الهجري، أي بعد أحداث المغول الدامية بحوالي ثلاثة قرون، ما أعطاه فرصة واسعة للاطلاع على المصادر والروايات التي تناولت هذه الأحداث، وتحليلها وتمحيصها بأسلوب علمي ينسجم والتطور الذي طرأ على الكتابة التاريخية في القرن العاشر وما تلاه، لاسيما بعد ظهور كتب علم والتاريخ وفلسفته، مثل: كتاب (المختصر في علم التاريخ) للكافيجي (ت874هـ) وكتاب (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ) للسخاوي (ت902هـ)، فدوّن أحداث المغول وما رافقها من داعيات على صعد الحياة كافة وبشكل إجمالي. ومن خلال قراءتنا لما ورد عند الديار بكري تبين انه ركز بوضوح على أسباب اجتياح المغول لبلاد المسلمين في القرن السابع الهجري وعزاها إجمالا إلى ضعف الجبهة الإسلامية بسبب عوامل كثيرة تضافرت فيما بينها لتؤدي بالنتيجة إلى عدم تمكن الجبهة الإسلامية من رد الغزو المغولي ودرء خطرهم عن بلاد المسلمين وأهلها، ولعل أهم تلك العوامل التي لم يشخصها أو يبوبها بدقة؛ لأنه تحدث عن هذه الواقعة إجمالا، هي:

  1. قصور تدابير الخلفاء المتأخرين:

كان من جملة الأسباب والعوامل التي أدت إلى ضعف الجبهة الإسلامية، قصور التدابير التي أتخذها الخلفاء العباسيون المتأخرون، وقد أشار الديار بكري إلى أهمية هذا العامل، ووضحه من خلال تعرضه إلى سير الخلفاء المتأخرين بدءاًً من الناصر العباسي (575-622هـ) وانتهاء بـالمستعصم العباسي (640-656هـ) إلى أنهم قد انصرفوا عن اتخاذ ما يلزم من أجل وقف المد المغولي الذي ظهر وتزايد في عهدهم.

فقد ترجم للناصر (575-622هـ) بما مفاده: كان قد حكم مدة طويلة، لم يحكم بقدرها أحد قبله من خلفاء بني العباس، وكان له عيون على كل سلطان، مهمتهم نقل الأسرار إلى الخليفة، حتى اعتقد بعض كبار الدولة ومسؤوليها أن للناصر قدرة إلهية على كشف المغيبات، إلا انه للأسف لم يبال بخطر المغول؛ اعتقاداً منه أن الإمارات الإسلامية الموجودة على حدود الدولة قادرة على درء هذا الخطر، فضلاً عن أنه انغمس باللعب بالحمام ورمي البندق وغيرها من الملهيات التي جعلته يقصر بإدارة دولته وأداء تكليفه الشرعي([21])؛ لذا فانه لم يتخذ في سبيل ذلك إلا إجراءات بسيطة لا تتعدى صرف بعض الأموال لأهل بغداد على أثر حصار المغول لمدينتهم، وكان ذلك سنة 618هـ([22]).

كما ترجم للظاهر (622-623هـ) بما مفاده: حكم مدة قصيرة لم تتجاوز تسعة أشهر، أظهر فيها الدين والعقل والوقار، أحسن إلى رعيته، وبذل الأموال في سبيل تحسين حالتهم المعيشية، وجلس لسماع مظالمهم، وأهتم كثيراً بالفقراء، وأقام حدود الله، وكانت سيرته شبيهة بسيرة العمرين –الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب والخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز. ولم يذكر له الديار بكري في ترجمته هذه أي إجراء يذكر لدرء خطر المغول الذي تزايد في عهده، واستولى على دويلات إسلامية كثيرة([23]).   

أما في ترجمته للمستنصر (623-640هـ) فقال: “إن المغول كان أمرهم قد عظم في أيامه، فأخذوا – أي المغول- جملة مستكثرة من بلاد الإسلام، وفقد جلال الدين خوارزم شاه في أيام المستنصر في وقعة كانت بينه وبين المغول” ولم يحرك المستنصر في هذا الجانب ساكناً، ويعلل الديار بكري ذلك بانصرافه إلى “نشر العدل في الرعايا وبذل الإنصاف وتقريب أهل العلم والدين وبناء المساجد”([24])، مثل بنائه المدرسة المستنصرية في بغداد “التي لم يبن في الإسلام مثلها في كثرة الأوقاف وكثرة ما جعل فيها من الكتب”([25])، وفي رأينا أن المستنصر من خلال إجراءاته التي أتخذها حاول أن ينطلق من بناء المجتمع الإسلامي وتثقيفه لمواجهة التحديات، وهي قراءة خاطئة لأن التحدي الخارجي كان تحدياً عسكرياً وهو يحتاج إلى مواجهة مماثلة من خلال تجهيز الجيوش وتدعيمها بالسلاح والعدة الكافية للمواجهة.

وفي ترجمته لآخر خلفاء بني العباس المستعصم 640-656هـ قال ما نصه: “كان فيه لين وقلة معرفة” ولم يذكر له في سبيل منازلة المغول الذين أصبحوا على مشارف بغداد، وكانت النتيجة مقتله مع أسرته على يدهم بعد احتلالهم لبغداد وإسقاط الخلافة الإسلامية فيها سنة 656هـ([26]). وفي موضع آخر وصفه أنه: “لما ولي الخلافة لم يستوثق أمره لأنه كان قليل المعرفة بتدبير الملك نازل الهمة مهملاً للأمور المهمة محباً لجمع المال أهمل أمر هولاكو”([27]). 

2- ضعف الدولة الخوارزمية وعدم قدرتها على مواجهة الخطر المغولي:

كانت الدولة الخوارزمية تمثل الخط الدفاعي الواقي لمقر الخلافة العباسية في بغداد، وهي دولة ظهرت بتشجيع من الخليفة الناصر العباسي، وتزايد نفوذها بصورة واضحة بعد قضائها على السلاجقة. لكن هذه الدولة إبان ظهور المغول قد أدت جملة أسباب إلى ضعف إمكانياتها العسكرية والإدارية، بشكل جعلها غير قادرة على صد هجمات المغول وتجاوزاتهم على الشعوب الإسلامية، وكان من تلك الأسباب ما يأتي:

أ. المعارك العسكرية المتواصلة:

بدأت الدولة الخوارزمية مشوارها بجملة من المعارك العسكرية مع السلاجقة، ثم سرعان ما دارت ماكنتهم العسكرية مرة أخرى مع قبيلة الخطا، ودارت بينهما معارك عديدة كانت بين كر وفر، إلا أن معركة بلاد ما وراء النهر بقيادة خوارزم شاه سنة 604هـ أدت إلى إضعاف معنوياتهم وقدراتهم العسكرية، إذ انهزم المسلمون وأسر سلطانهم خوارزم شاه، ولم ينجو من أسره الا بعد اعتماده الحيلة من خلال عرضه على أمير الخطا ذهباً ومالاً، وتم الاتفاق على ذلك، وتبعاً للاتفاق أرسل غلامه على أمل أن يجلب ما اتفق عليه من ذهب ومال، فنجحت خطته في تخفيف الرقابة عليه، وفر من معسكر الخطا بأعجوبة([28]). وفي سنة 605هـ قرر خوارزم أن يعوض هزيمته أمام الخطا، فعبر نهر جيحون في جحفل عظيم من الجيش والتقى جيوش الخطا فكسرهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر سلطانهم (طاينكو) وأحضر بين يدي خوارزم شاه فأكرمه وأجلسه معه على السرير ثم أفتتح عدة مدائن بعد ذلك قهراً وصلحاً([29]).       

ب- سياسة خوارزم شاه غير الحكيمة:

  على الرغم من كل المحاولات التي قام بها خوارزم شاه لصد الزحف المغولي تجاه المشرق الإسلامي، إلا أن محاولاته تلك كان يعوزها الحكمة في رسم معالمها وتحديد أهدافها. وقد قدم الديار بكري ترجمة وافية لخوارزم شاه بين فيها أنه كان ذا شخصية حملت جملة متناقضات، وكان بحاجة ماسة إلى الحكمة في تعاملاته وتوظيف ما حوله من ظروف، فقال ما نصه: “كان شجاعاً مقداماً يقطع البلاد البعيدة في أقرب زمان ولا ينشق له لبد، وكان هجاماً شهماً بعيد الغور فاتكاً كثير الغدر قليل النوم نزر الراحة وكان لا يعبأ بملبوس بل ثيابه وعدة فرسه تساوي ديناراً أو نحوه… مات كهلاً بعد أن فر من المغول إلى بحيرة مازندران فمرض بالإسهال وطلب الدواء فأعوزه الخبز ومات في المركب غريباً”([30]).

ففي محاولة غير محسوبة منه حاول فيها أن يطلع على أخبار المغول واكتشاف أخبارهم وأمورهم، عمد في سنة 610هـ إلى التنكر بلباس المغول هو وثلاثة معه ودخل في المغول فأمسكوهم وضربوا اثنين منهم حتى ماتا، وفر هو وصاحبه ليلاً([31]).

وفي سنة 615هـ جهز خوارزم شاه حملة قوية وجهها إلى بلاد ما وراء النهر لصد الزحف المغولي، فلما علم المغول بذلك أرسل جنكيز خان رسولا للخوارزميين محملاً بالهدايا طالباً المسالمة، وأعلم خوارزم شاه أن جنكيز خان ملك طمغاج والصين وأشار بالمسالمة، فأجابه خوارزم لذلك وأعطاه “معضدة جوهر وعاهده أن يكون عيناً له ومناصحاً”([32]).

وفي السنة نفسها 615هـ وبناءً على ما أبرم من علاقات سلمية بين خوارزم شاه وجنكيز خان، التي وثقت بتقديم المعاهدات وتبادل الهدايا بين الطرفين، سافر تجار جنكيز خان إلى بخارى فظلمهم صاحب بخارى وهو خال خوارزم شاه وأخذ أموالهم، فاستشاط جنكيز خان غضباً لهذه الفعلة غير المحسوبة، والتي كانت بحق انتهاكاً للمواثيق السياسية والعلاقات الإنسانية، وأرسل يهدد خوارزم شاه ويطلب منه أن يسلم خاله إليه نائب بخارى، فزاد خوارزم شاه هذه الفعلة الشنيعة حماقة بقتله رسل جنكيز خان. وقد علق الديار بكري على هذه الحادثة بقوله: “فيالها من فعلة ما كان أقبحها أجرت كل قطرة من دماء الرسل سيلاً من الدماء”([33]). 

ج. التدخل غير الحكيم لوالدة خوارزم شاه في سياسة الدولة:

  عامل آخر كان له ثقله في إضعاف الدولة الخوارزمية هو تدخل والدة خوارزم شاه في رسم سياسة الدولة، والتحكم بغير حكمة في بعض الأمور الخطيرة. ففي سنة 616هـ وعندما كانت المعارك بين خوارزم شاه والمغول في أوجها، عمدت والدة خوارزم شاه إلى من كان محبوساً بسجون دولة خوارزم من الملوك، وكان عددهم عشرين ملكاً ممن أخذت بلادهم وأسرهم، وأمرت بقتلهم، ثم أخذت خزائن ابنها ونساءه إلى قلعة (أبلال)، فأثارت فعلتها حفيظة شعوب الملوك الذين قتلوا، وجدّوا في البحث عنها، فألقي القبض عليها وأسرت، ووصل خبرها إلى جيوش خوارزم فادى إلى إضعاف معنوياتهم، وبالتالي كان سبباً في هزيمتهم في حروب همدان وبخارى وسمرقند وانسحابهم منها أمام المد المغولي الذي سيطر على هذه المدن معتمدا سياسة التدمير الشامل والحرق والقتل والسبي لأهلها([34]).

 

د. ضعف دعم الجيش:

  من خلال متابعة ما أورده الديار بكري من أخبار عن المغول لم يذكر أي دعم مباشر كان أم غير مباشر من الخلافة لدولة خوارزم شاه أو جيشه، فضلاً عن ضعف مقدرات الدولة الاقتصادية لاسيما خلال مدة منازلتهم للمغول، وهي أمور أدت بلا أدنى شك إلى ضعف الجيش، واعتماد بعض عناصره أساليب أخرى للحصول على المؤونة اللازمة، وقد ذكر الديار بكري هذا الأمر بصراحة بقوله: “وكان عسكره – أي جلال الدين خوارزم- مجمعة لا أخباز لهم بل يعيشون من النهب والغارة”([35]).

3- الكوارث الطبيعية:

  كانت للكوارث الطبيعية آثار سلبية على جوانب الحياة المختلفة ولاسيما الاقتصادية، وكانت سبباً آخر يضاف إلى ما تقدم في ضعف الجبهة الإسلامية. ففي سنة 623 هـ تعرضت مدن شمال العراق إلى زلازل قوية، كانت الموصل وشهرزور أكثرها تأثراً بتلك الزلازل، وقد تكررت خلال شهر كامل، صاحب ذلك خسوفاً للقمر وظروف جوية قاسية أدت بإجمالها إلى التأثير سلباً على واقع القوى الإسلامية ماديا ونفسيا([36]).

كما تعرضت بغداد سنة 640هـ إلى فيضان نهر دجلة، ما أدى إلى تهديم الدور والمنازل منها دار الوزير وإتلاف المؤونة، وغير ذلك من الآثار السلبية([37]) التي أثرت سلباً على الواقع المعيشي للمجتمع البغدادي وبالتالي ضعف مقاومته للتحدي المغولي.

4- فراغ الساحة السياسية من وجود مراكز قوى:

  كانت الدولة الخوارزمية ودولة الخطا من مراكز القوى المشهود لها على الساحة السياسية، كان المغول يراقبون عن كثب تحركاتهما ووضعهما في مختلف الجوانب. وكان الصراع الطويل بين الخطا ودولة خوارزم السمة الغالبة على علاقتهما، حتى اضعف الجانبين، لكن الضعف دب بجسم دولة الخطا قبل دولة خوارزم، لاسيما بعد معركة سنة 605هـ التي اسر فيها صاحب الخطا([38]).

  وأمام تلك الظروف كان المغول الذين يسكنون بادية الخطا يراقبون الأحداث، فلما سمعوا بالهزيمة العظمى على الخطا، أغاروا عليهم بقيادة كشلوخان، ولما علم خوارزم شاه بذلك أمر أهل ممالكه من ناحية الخطا كأهل فرغانة والشاش واسبجاب بالجلاء والتوجه إلى بخارى وسمرقند إلى أن أخلى تلك البلاد بعد أن خربها خوفاً من أن يملكها المغول ويجاوروه، وكان سبب انسحاب خوارزم شاه من هذا الصراع إدراكه قوة المغول وعدم مقدرته على منازلتهم([39]). ولعل انسحاب خوارزم شاه واتخاذه بخارى مقراً لعملياته، كان أمرا غير مدروس وكان احد أهم الأسباب التي أدت إلى توسع قاعدة التواجد المغولي، وكان من المفترض لخوارزم شاه أن يستغل هذا الصراع لصالحه ويجابه المغول الذين أثقلتهم الحرب مع الخطا. على أن جنكيز خان كان قرأ الظروف السياسية المحيطة به أفضل من معاصريه من الحكام والقادة، فاستغل الفراغ السياسي لصالحه، واستطاع أن يوسع جبهته ومراكز إقامته في المناطق والمدن التي انسحب منها خوارزم شاه دون قتال والمدن التي سيطر عليها من خلال حربه مع الخطا، فصارت خراسان وما جاورها من المدن خاضعة للمغول([40]).

5- انهيار الدولة الخوارزمية سنة 628هـ:

كان للدولة الخوارزمية نشاط كبير في التصدي للزحف المغولي نحو المشرق الإسلامي، وقد شهدت الساحة حروباً طويلة بين الطرفين، كانت بين كر وفر، الا أن الخوارزميين أثبتوا من خلالها للأعداء أنهم قوة لا يستهان بها؛ لذلك استخدم المغول أساليب مختلفة من أجل تخطيهم وتفريق شملهم. وذكر الديار بكري ان سنة 628هـ كانت بداية مرحلة جديدة من الصراع بين المغول والمسلمين، اذ شهدت مقتل جلال الدين الخوارزمي وتفرق جنده وأصحابه، ما جعل الخلافة الإسلامية في مواجهة مباشرة أمام المغول، لأن القوة الخوارزمية كانت سداً بين الشرق الإسلامي وبين الديار([41]).

  1. الصراع الدائم بين الاتابكيات الإسلامية:

       كان من جملة الأسباب المؤدية إلى استيلاء المغول على بلاد المسلمين انشغال الاتابكيات الإسلامية في الصراع الداخلي غير مبالين بالتحديات الخارجية المتمثلة بظهور قوة المغول على الساحة السياسية. وقد ذكر الديار بكري في أحداث سنة (630هـ) ما نصه: “حاصر الملك الكامل آمد بالمجانيق وأخذها من صاحبها الملك مسعود مودود الاتابكي، وكان فاسقاً، قال الأشرف: وجدنا في قصره خمسمائة حرة للفراش من بنات الناس يأخذهن قهراً وأخذ منه حصن كيفا ثم استناب السلطان على ذلك ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب”([42]). 

  1. تواطؤ وخيانة بعض قادة المسلمين:

  كان من أسباب تواصل المد المغولي نحو بلاد المسلمين تقاعس بعض القادة المسلمين وتواطؤ بعضهم الآخر، وقد ذكر الديار بكري في أحداث سنة 654هـ عندما توجه هولاكو نحو الإسماعيلية أن الملك الكامل محمد صاحب ميافارقين ذهب إلى هولاكو وأعلن الولاء له والاستعداد للقتال في صفوف جيشه الكافر ضد المسلمين مقابل منحه ناحية القرمان، وكان هذا من أعظم أسباب تواصل مد جيش هولاكو نحو أذربيجان دون وجود مقاومة حقيقية([43]). كما نسب الديار بكري في روايات ناقشنا مضامينها في غير هذا الموضع من بحثنا هذا تهمة الخيانة للوزير ابن العلقمي، وعد ذلك من أعظم أسباب احتلال المغول لبغداد.

  1. الفتن الطائفية:

  كما هو معلوم ان المجتمع الاسلامي يتوزع على مذاهب دينية مختلفة، بعضها سنياً وآخر شيعياً، لذا كانت التركيبة الاجتماعية للمجتمع تتكون من شيعة وسنة، لكن مع وجود الخلافة الضعيفة وتوافر أدوات الفتنة المتمثلة بوجود من يؤججها كما ذكر الديار بكري طفت على السطح هذه الظاهرة، حتى وصلت إلى أوجها سنة 655هـ، حتى ثارت في بغداد فتنة كبيرة بين السنة والشيعة أدت إلى نهب عظيم وخراب وقتل الكثير من المسلمين ما أدى بالنتيجة إلى ضعف الخلافة الإسلامية، وقد جعل الديار بكري ابن العلقمي سبب اشتعال هذه الفتنة، وتجاوز عليه بألفاظ وعبارات لا يصح ذكرها في الكتب الأدبية([44]).

رابعاً. تاريخ المد المغولي على بلاد المسلمين:

قدم الديار بكري وصفاً موجزاً عن تاريخ المد المغولي على بلاد المسلمين. ومع بداية سنة 616هـ وعلى أثر الهزائم المتتالية لدولة خوارزم شاه أمام جيوش المغول، برز المغول كقوة عسكرية كبيرة، فقد هزموا خوارزم شاه وملكوا ما وراء النهر وعبروا جيحون فأبادوا أهل خراسان ووصلوا إلى قزوين وهمدان وقصدوا توريز وفرغوا من بلاد الخطا والترك وما وراء النهر وخوارزم وخراسان والعجم وغير ذلك، ثم دخلوا صحراء القفجاق واستولوا عليها، ومضت فرقة إلى كرمان وغزنة ولكل الديار فتركوها خربة. وكانت جميع تلك الأحداث خلال سنة واحدة، وأمام مرأى ومسمع السلطة المركزية في بغداد المتمثلة بالخلافة ودون أن تحرك ساكن لإيقاف هذا المد الخطير، فملك جنكيز خان عدة أقاليم وبث جيوشه ودفع لكل إقليم فرقة أبادت أهلها، ومما ساعد أكثر على ارتفاع معنويات جيش المغول وتواصلهم في الزحف تجاه بلاد المسلمين وفاة سلطان خوارزم علاء الدين شاه، الذي كانت تدين له الكثير من الأمم واستولى على بلاد الترك وما وراء النهر وخراسان وغيرها([45]).

وبعد سنتين أي في سنة 618هـ جمع جلال الدين بن خوارزم شاه جيوش أبيه والتقى المغول بقيادة ابن جنكيز خان فحقق انتصاراً جيداً عليهم وأسر جمع منهم، وهو أمر أدى إلى غضب جنكيز خان فجمع جيشاً من عشرة ألاف مقاتل وحمل على جيش جلال الدين ولحق به الأذى الكبير حتى أسر من الخوارزمين جمعاً كبيراً كان منهم ابن جلال الدين، أما بقية أفراد عائلته لاسيما النساء منها فقد حددن مصيرهن بالانتحار غرقاً بالماء بدل أخذهن أسارى على يد المغول. وقد نجا من هذه المعركة جلال الدين ومعه أربعة ألاف مقاتل من خلال ركوب خيولهم الماء وعبورها إلى الضفة الأخرى، وقد نازل بها ملك الهند الذي أراد الغدر به وبجيوشه وحقق انتصاراً عليهم، وبذلك استقر بسجستان التي أصبحت قاعدة عملياته([46]).

وأما المغول فقد وصلوا إلى العراق وفرضوا حصاراً على بغداد، وفي الوقت نفسه استمروا في توسعهم نحو مناطق إسلامية أخرى، وكانت المدن تسقط أمامهم الواحدة تلو الأخرى على الرغم من جهود جلال الدين بن خوارزم شاه التي كانت لا توازن حجم القوى المغولية التي بدأت تتوسع أكثر([47]).

وفي سنة 624هـ حصلت معركة عظيمة بين جيش مغولي وجيش الدولة الخوارزمية بقيادة جلال الدين خوارزم شاه في أصفهان، المقر الجديد لجلال الدين ومن بقي معه من الجيش، بهدف القضاء بصورة نهائية على بقايا الدولة الخوارزمية وقتل سلطانها جلال الدين بن خوارزم شاه([48]).

وعلى الرغم من أن الظروف لم تكن مواتية لجلال الدين في التصدي لأعدائه؛ بسبب خلاف دب بينه وبين أخيه غياث الدين جعله ينصرف عنه، فضلاً عن فقدانه الكثير من جيشه بسبب المعارك السابقة، لكنه عوض عن ذلك باعتماده الكمائن والسرعة في المواجهة التي أضرت كثيراً بالمغول، خصوصاً أنهم لم يكونوا على دراية ومعرفة بالطبيعة الجغرافية للمنطقة التي جرت فيها المعركة، حتى مال الميزان لصالح جلال الدين الذي أوقع بأعدائه القتل وأسر الكثير منهم، وكاد أن يقضي عليهم بعد أن باتت الغلبة له لولا تغير موازين الحرب بعد ارتكابه خطأ قاتلاً تمثل بالاستماع لنصيحة احد المقربين من أمراء الجيش في متابعة فلول جيش المغول، الذين كانوا قد استخدموا خطة الخوارزميين نفسها، فكمنوا للسلطان جلال الدين وطعنوه بطعنة قوية في صدره نجا منها بأعجوبة، وأوقعوا بقادته القتل حتى بقي منهم أربعة عشر فارساً فقط، وهكذا انهزم جيش الخوارزميين وعادوا إلى اصبهان بعد خسارة فادحة وردت المغول الى خراسان([49]).

وفي سنة 625هـ التقى جلال الدين والمغول بالري، وجرت بينهما جملة معارك، كانت الغلبة فيها لصالح جلال الدين، حتى انسحبوا في آخر معركة من الري سلماً دون صدام عسكري؛ لأن السلطان غياث الدين انسحب مع جمع من الجيش لخلاف مع أخيه فظن المغول انه قد التف عليهم فانسحبوا، ولما رأى جلال الدين أن المغول قد انسحبوا ظن أنهم يكمنون له فانسحب هو أيضا، وهكذا انتهت أحداث هذه السنة بالانسحاب السلمي([50]).

شهدت سنة 628هـ إسدال الستار على دولة جلال الدين خوارزم شاه، على أثر معاركه القاسية مع المغول، إذ ضعف جيشه وانفصل عنه الكثيرون من الفرسان وأمراء الجيش، منهم أخوه غياث الدين، فاستغل المغول تلك الظروف وكثفوا هجماتهم التي سحقت جيش جلال الدين، وراح هو ضحية لخنجر رجل كردي انتقاماً لمقتل أخيه على يد جند خوارزم، وكان ذلك في نصف شوال، وبهذا انتهت هذه الدولة التي كان لها دور كبير في التصدي للمد المغولي نحو المشرق الإسلامي([51]). 

وبدأت مع حلول سنة 629هـ مرحلة جديدة من تاريخ المد المغولي نحو بلاد المسلمين، اذ صارت المواجهة مباشرة مع قوى الخلافة الإسلامية؛ لأن الخط الدفاعي للخلافة المتمثل بالدولة الخوارزمية تلاشى؛ لانهيار تلك الدولة ومقتل آخر رموزها جلال الدين بن خوارزم شاه. وقد توجه المغول في هذه السنة نحو اذربيجان فكلف الخليفة العباسي صاحب أربل الملك المعظم مظفر الدين كوبري بالتصدي لهم فتحقق ذلك ورد المغول. وبعد مرور أربع سنوات، أي في سنة 633هـ عاود المغول هجومهم على اربل، وعلى الرغم من مواجهة جيش الخلافة الإسلامية لهم ومنازلتهم في معارك قوية، واصل فيها المغول مددهم حين وصلوا إلى أعمال الموصل فنهبوا وقتلوا وخربوا وانسحبوا منها([52]).

وفي سنة 634هـ حاصر المغول أربل فأخذوها وقتلوا الكثير من أهلها، ثم خففوا بعد ذلك هجماتهم لإعادة تنظيم جيشهم، وليعاودوا بعد تسع سنوات في مواصلة زحفهم نحو مقر الخلافة الإسلامية في بغداد، ففي سنة 643هـ قصدوا بعقوبا من أعمال بغداد والتقاهم الدويدار قائد جيش الخلافة الإسلامية واستطاع ردهم([53])، وعلى الرغم من تصدي الخلافة لهجوم بعقوبا الا أن ناقوس الخطر أصبح يسمع في شوارع بغداد لوصول المغول الى مشارف بغداد وأعمالها. وفي سنة 654هـ خرج هولاكو على رأس جيش كبير فاستولى على قلعة الموت من الإسماعيلية، فقتل أهلها، وأحدث في المدينة تدميراً وتخريباً ثم توجه إلى أذربيجان فاستولى عليها([54]).

وفي سنة 656هـ وصل هولاكو مشارف بغداد، ساعدته في ذلك الفتنة الطائفية التي تأججت في بغداد قبيل وصوله، وكان هولاكو قد عسكر بالموصل فخرج اليه الدويدار قائد جند الخلافة العباسية إلا انه لم يصمد أمام سيل المغول فانكسر أمام أعدائه؛ لقلة عدد جنده وضعف معنوياتهم، ثم واصل هولاكو زحفه نحو بغداد فقابلته مقاومة جديدة من جيش الخلافة بقيادة ياجونوس كاتب الخليفة، إلا أن هذه المقاومة كانت أضعف من أن تصد زحف المغول. وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والاحتفاظ بما تبقى من الموارد الإسلامية المادية منها والمعنوية، خرج ابن العلقمي للتفاوض مع كبير قادة جيش المغول (القا ان الأعظم) فاشترط قائد المغول أن يقبل الخليفة تزويج بنته من ابنه لاتمام الصلح وأن تكون الطاعة له كالملوك السلجوقية ثم ينسحب عن بغداد، فرجع ابن العلقمي وأخبر الخليفة بشروط أعدائه فقبلها المستعصم وخرج مع كبار قادته لتوقيع العقد، فنكث المغول بوعدهم وضربوا رقاب جميع من خرج إليهم من المسلمين، وقتلوا المستعصم رفساً حتى مات. وقد ختم الديار بكري ما ذكره من أحداث بتشخيص أسباب احتلال المغول لبغداد، وقد جعل ابن العلقمي محور تلك الأسباب والمحرك الرئيس لها، واتهمه بالغدر والخيانة، واعتبر حادثة التفاوض مع المغول خطة ابتدعها كان الغرض منها التخلص من الخليفة وقادته من الجيش الذين كانوا من السنة، وبذلك يتقرب بهذا العمل من المغول، ويبين لهم ان الشيعة وهو ممثلهم يرحبون بالمغول([55]). والواقع ان تحامل الديار بكري وتركيزه على ابن العلقمي واتهامه إياه بالخيانة أمر يحتاج إلى أدلة مقنعة، فحادثة التفاوض التي ذكرها لم تظهر خيانة ابن العلقمي لأن من صفات المغول النكث بوعودهم، وهو ما استخدموه في هذه الحادثة.

وفي رواية ثانية ذكرها الديار بكري نقلاً عن تاريخ الجمالي يوسف في محاولة منه لتثبيت تهمة الخيانة على ابن العلقمي نصها: “فان وزيره –أي الخليفة المستعصم- ابن العلقمي الرافضي كان كتب كتاباً الى هولاكو ملك المغول في الدشت انك تحضر الى بغداد وأنا أسلمها لك وكان قد داخل قلب اللعين الكفر فكتب هولاكو ان عساكر بغداد كثيرة فان كنت صادقاً فيما قلته وداخلاً في طاعتنا فرق عساكر بغداد ونحن نحضر، فلما وصل كتابه إلى الوزير دخل إلى المستعصم وقال إن جندك كثيرة وعليك كلفة كبيرة والعدو قد رجع من بلاد العجم والصواب انك تعطي دستور الخمسة عشر ألفا من عسكرك وتوفر معلوماتهم فأجابه المستعصم لذلك فخرج الوزير لوقته ومحا اسم من ذكر من الديوان ثم نفاهم من بغداد ومنعهم من الإقامة بها ثم بعد فعل فعلته الأولى ومحا اسم عشرين الفاً من الديوان ثم كتب الى هولاكو بما فعل”([56]).    

والمتفحص لهذه الرواية يجد ان فيها جملة متناقضات وقع بها الديار بكري دون أن ينتبه اليها، فهو يذكر ضعف المقاومة الإسلامية وقلة أعداد الجيش في غير موضع من كتابه ثم يعود ليذكر في روايته هذه أن عدد من أعفاهم ابن العلقمي من الخدمة العسكرية (15) الفاً ثم (20) الفاً ليصبح عددهم (35) الفاً جندي عباسي باستثناء من أبقاهم، وهو عدد كبير لم نقرأ في كتب التاريخ أن الخلافة العباسية قد جندت ولا حتى ربع هذا العدد هذا من جهة، ومن جهة ثانية فأن للجيش قائد وهو الدويدار فلماذا لم يذكره في التقصير أو الخيانة؟ وكيف تجاوز ابن العلقمي على صلاحيات قائد الجيش وأعفى الجند من الخدمة العسكرية، وحتى لو افترضنا أن ذلك التجاوز في الصلاحيات قد حصل فما هو موقف الدويدار من هذا التجاوز؟ فإذا كان السكوت فانه شريك في التهمة المنسوبة لابن العلقمي، وإذا كان الرفض فما هي إجراءاته في رفض أفعال ابن العلقمي ومواجهة الزحف المغولي؟ ويفاد مما تقدم أن هذه الرواية هي من وضع الطائفيين المتحاملين على الشيعة، ولأن ابن العلقمي شيعي، صبوا جام غضبهم عليه.

وواصل الديار بكري متابعته لأخبار المغول بعد إكمال سيطرتهم على العراق وتوجهه نحو بلاد الشام ومصر، ولكن تميزت مروياته في هذا المجال بالإيجاز الشديد الخالي من ذكر التفاصيل، وفيما يأتي توضيحاً لمفاد تلك الأخبار من خلال النقاط الآتية:

  1. في سنة 657هـ توجه هولاكو إلى آمد ثم بلاد الشام، وقد نزح أهلها إلى مصر التي تسلطن فيها وقتذاك السلطان قطز ونازل المغول في آخر العام وهزمهم.
  2. في سنة 658هـ توجه هولاكو إلى حلب وسيطروا عليها وقتلوا الكثير من أهلها، ولم يجد مقاومة إلا في قلعة حلب التي سرعان ما انهارت أمام المغول الذين واصلوا زحفهم وسيطروا على مدينة نابلس وغيرها من المدن الإسلامية.
  3. من الأحداث المهمة في سنة 658هـ بايع المماليك في مصر أبو العباس أحمد بن الخليفة خليفة على المسلمين في القاهرة بلقب المستنصر بالله بعد أن أسدل الستار على الخلافة الإسلامية في بغداد سنة 656هـ، وكان ذلك الإجراء بتدبير وتخطيط السلطان المملوكي الظاهر بيبرس التركي في محاولة منه لتثبيت جذور دولته الجديدة (المماليك). وقد ظل المستنصر خليفة في مصر لحين اختفائه في معركة مع المغول.
  4. في سنة 659هـ جرت معركة بين المغول وأهل حمص بقيادة صاحبها الملك الأشرف وأهل حماة بقيادة صاحبها حسام الدين، وكانت عدة المسلمين أربعة آلاف مقاتل والمغول ستة آلاف مقاتل، وقد حقق المسلمون انتصاراً ساحقاً ولم يسقط منهم إلا شهيداً واحداً. وفي هذه الرواية مبالغة واضحة فكيف يتصادم 4000 جندي مسلم مع 6000 مقاتل مغولي متمرن على القتال ومستعد له بأعلى الاستعدادات ولا يسقط من المسلمين غير جندي واحد؟
  5. في سنة 660 هـ سيطر المغول على مدينة الموصل بعد حصار مطبق عليها استمر لمدة تسعة أشهر، وقد أخذوها بخديعة بعد أن اطمأن الناس إليهم، فخربوا أسوارها وقتلوا الكثير من أهلها لاسيما صاحبها إسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ.
  6. في سنة 660هـ تولى في مصر الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن محمد العباسي، وكان ذلك يوم الخميس السادس والعشرين من صفر، باحتفال مهيب حضره رجال الدولة وفقهاؤها([57]).
  7. في سنة 664هـ مات طاغية المغول هولاكو بن تولي بن جنكيز خان بمراغة على أثر مرض الصرع ودفن هناك.
  8. في سنة 665 هـ مات صاحب مملكة القفجاق بركة بن نوشي بن جنكيز خان وقام بعده ابن أخيه منكوتمر.
  9. في سنة 674هـ نازلت المغول في ثلاثين ألفاً من المقاتلين المتمرسين مدينة البيرة فكبسهم أهلها وأحرقوا مجانيقهم فانسحب المغول عنهم([58]).
  10. في سنة 680هـ نازلت المغول أهل حمص، وكان عدة حمص ثلاثة ألاف مقاتل والمغول في مائة ألف مقاتل، وبعد مخاض عسير، وسقوط الكثير من القتلى من الطرفين، توقف المغول على التواصل في أرض حلب([59]).

وقد استمر الديار بكري بذكر أخبار المغول، وأصبحت تلك الأخبار مع تقادم التاريخ تتجه نحو الإيجاز والتركيز على مشاهير من توفي منهم وأشهر المعارك مع المماليك التي بانت فيها قوة المماليك وضعف المغول([60]).

خامساً. أعمال المغول في بغداد:

         ذكر الديار بكري جملة أعمال قام بها المغول بعد احتلالهم لبغداد، ولتسهيل تتبع تلك الأحداث سنعمل على توضيحها بنقاط وكالاتي:

  1. خوض معركة مصيرية مع أهل بغداد بقيادة الخليفة المستعصم، والقضاء بصورة نهائية على محاولات جيش الخلافة الإسلامية في المقاومة، وانتهت هذه المعركة لصالح المغول، وكانت النتيجة احتلالهم لبغداد بشكل نهائي وقتلهم بعد ذلك الخليفة رفساً ثم قتل ولده وكبار قادة جيشه بعد ذلك بالسيف.
  2. إلغاء مؤسسة الخلافة الإسلامية في بغداد، حتى بقي العالم الإسلامي بدون خلافة مدة طويلة إلى أن أحياها المماليك فيما بعد([61]).
  3. تقسيم بغداد لنواحي ومناطق عسكرية، لتسهيل السيطرة عليها ولضرب جيوب المقاومة إن وجدت.
  4. متابعة أفراد جند الخلافة العباسية وكبار قادة الجيش لغرض قتلهم، وقد استمر السيف في بغداد لمدة 34 يوماً حتى بلغ عدد القتلى ألف ألف وثمانمائة ألف. ويبدو أن في عدد قتلى بغداد نوع من المبالغة، لأنه إذا كان هذا عدد القتلى فكم كان عدد سكان بغداد أصلاً؟ وكم بقي من الأحياء منهم؟ .
  5. إلقاء القبض على ياجونوس كاتب الخليفة المستعصم بأمر من هولاكو وقتله بضرب عنقه بالسيف.
  6. إرسال التهديدات إلى صاحب بلاد الشام لفتح أبواب بلاده أمام جيوش المغول وتخريب أسوار بلاده([62]).
  7. إلقاء القبض على وزير الخليفة المستعصم الشيعي ابن العلقمي وسجنه مع بداية سنة 657هـ ثم قتله فيما بعد([63]).

سادساً. مصادر أخبار الديار بكري عن المغول:

  يعد الديار بكري من المؤرخين المتأخرين الذين أولو اهتماماً واضحاً في تاريخ المشرق الإسلامي بصورة خاصة، وهو ما كان واضحاً على تاريخه الموسوم (تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس). وقد اعتمد الكتاب في معلوماته على سلسلة من المصادر تأتي أهميتها من كونها مصادر تاريخية معاصرة، حرص مؤلف الكتاب على ذكرها، ومنها:

  1. كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير([64]). وابن الأثير هو علي بن محمد بن عبد الكريم الموصلي (ت630هـ)، كان شاهد عيان على المد المغولي نحو بلاد المسلمين والكثير من الحوادث المأساوية التي تعرض لها المسلمون على يد المغول، وقد تأثر بذلك كثيراً، له العديد من الكتب، منها: أسد الغابة في معرفة الصحابة، اللباب في تهذيب الأنساب، الجامع الكبير في علم البيان، كتاب الجهاد([65])، وأشهر تلك وأكثرها تداولاً كتاب الكامل في التاريخ، وقد كان مصدراً مهماً للديار بكري في مروياته عن المغول، ففرق بينه وبين أخيه الوزير والأديب ضياء الدين ابن الأثير (ت637هـ) صاحب كتاب (المثل السائر)([66]).
  2. أبو شامة([67]). وأبو شامة هو عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم بن عثمان الدمشقي الشافعي (ت665هـ)، كان شاهد معاصر عما لحق ببلاد الشام من ويلات على أيدي المغول، له العديد من الكتب، كان غالبيتها في العلوم الدينية، منها: المقاصد السنية في شرح الشيبانية في علم الكلام، إبراز المعاني في حرز الأماني في القراءات، المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول، وله في التاريخ كتاب (الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية)([68])، ونرجح أن يكون هذا الكتاب هو الذي اعتمده الديار بكري في مروياته عن أوضاع بلاد الشام أيام ظهور الغزو المغولي.
  3. ابن الساعي البغدادي([69]). وابن الساعي هو علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله البغدادي (ت674هـ)، كان مؤرخاً وفقيهاً وأديباً، ولي خزانة المدرسة المستنصرية في بغداد، عاصر أحداث المغول واستوعبها، له عدد من الكتب، منها: الشرح الكبير لمقامات الحريري، لطائف المعاني في ذكر شعراء زماني، نساء الخلفاء من الحرائر والاماء، والجامع المختصر في عنوان التاريخ وعيون السير([70])، وهذا الكتاب الأخير هو من أكثر الكتب اعتماداً من قبل المؤرخين القدامى منهم والمحدثين لاسيما في دراسة أحداث القرن السابع الهجري، لذا نرجح أن يكون هذا الكتاب هو الذي اعتمد الديار بكري في نقل أخباره عن المغول.
  4. كتابا (العبر في خبر من غبر) ([71]) و (دول الإسلام)([72]) للذهبي ونقولات عديدة من كتبه الأخرى([73]). والذهبي هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني الأصل، الفارقي ثم الدمشقي الذهبي الشافعي (ت748هـ)، كان مؤرخ ومحدث شهير، له مؤلفات عديدة مشهورة، منها: تاريخ الإسلام الكبير وهو بـ(21) مجلداً كبيراً، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، طبقات الحفاظ، تجريد الأصول في أحاديث الرسول، المشتبه في أسماء الرجال، سير أعلام النبلاء، وغيرها من الكتب([74])، ومن الصعب علينا تحديد الكتب التي اعتمد عليها الديار بكري في مروياته عن المغول؛ لكثرة مصنفات الذهبي واتسامها بالشمولية والموسوعية من جهة وعد ذكر الديار أية إشارة استدلالية من جهة ثانية.
  5. سيرة مغلطاي([75]). ومغلطاي هو علاء الدين بن قليج بن عبد الله البكجري، التركي، الحنفي (ت762هـ)، وذكر كحالة ان له مصنفات قاربت المائة بين كتاب ورسالة، ولعل السيرة المراد بها هنا هو كتابه الموسوم (الإشارة إلى سيرة المصطفى وتاريخ من بعده من الخلفاء)([76]).
  6. حياة الحيوان([77]). وقد ذكر حاجي خليفة أن مؤلفين اثنين قد كتبا تحت هذا العنوان هما الجاحظ (ت255هـ) والدميري (ت808هـ)([78])، وبلا شك فأن من قصده الديار بكري هو كتاب الدميري، الذي وصف بأنه كتاب مشهور جمع فيه مؤلفه أبواب عديدة من العلم، استقاها من 560 كتاباً و99 ديواناً شعرياً([79]). وقد عرف كحالة مؤلف هذا الكتاب بما مفاده: هو محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدميري الأصل القاهري الشافعي، كان مفسر ومحدث وفقيه وأديب وله مشاركة في غير ذلك من الفنون، ترك آثارا كثيرة، منها: حياة الحيوان الكبرى، النجم الوهاج في شرح منهاج الطالبين في فروع الفقه الشافعي، شرح لامية المعجم للصفدي، شرح سنن ابن ماجة، شرح المعلقات السبع، وغيرها من الكتب([80]).
  7. تاريخ الجمالي([81])، والجمالي صاحب هذا الكتاب من المفترض أن يكون من أعلام القرن السابع الهجري أو بعده، حتى يكون ممن شاهدوا الأحداث التي رافقت الاحتلال المغولي سنة 656هـ أو ممن دونها عن شهود عيان أو ممن نقلوها من كتب تاريخية. وأثناء بحثنا عن مؤلف هذا الكتاب وجدنا أكثر من مؤلف عرفوا بهذه التسمية، ومنهم: قاسم بن قطلوبغا السودوني الجمالي (ت879هـ)، وكان مؤرخاً له جملة كتب في مجال التاريخ([82])، ونرجح أن يكون هو صاحب الكتاب المعتمد (تاريخ الجمالي) الذي اعتمد عليه الديار بكري في نقولاته التاريخية عن المغول؛ لأنه مؤرخ تنطبق عليه المدة المفترضة، في حين استبعدنا علمين آخرين لهما جملة مصنفات علمية وفقهية عرفا بهذا اللقب هما: علي بن أحمد بن محمد الجمالي (ت932هـ)([83]) وفضيل بن علي بن أحمد بن محمد الجمالي (ت991هـ)([84])، لأن مؤلفاتهما لم يكن أي منها في التاريخ، وكانت الغالبية العظمى منها في الفقه وعلوم دينية أخرى.

الخاتمة:

   يتضح مما سبق ان المنهج الذي اعتمده الديار بكري في كتابه موضوع الدراسة انتقل بين المنهج التاريخي الصرف والمنهج الموضوعي إلى حد ما، ومع ذلك فان الديار بكري ومن خلال تناوله للأحداث انطلق من محورين، احدهما التركيز على بعض الأحداث والإسهاب فيها والآخر ذكر بعض الأحداث بشكل مختصر ربما اخل في وحدة موضوعها كما  سجلنا أثناء مطالعتنا للكتاب بعض المآخذ البسيطة على منهج الكتاب، ومنها: عدم التواصل في طرح الفكرة أو الحدث التاريخي، فغالباً ما نجد أن المؤلف يقطع فكرته أو الحدث الذي يذكره ليذكر حدثاً آخرا ثم يعود مرة ثانية لإكمال فكرته الأولى أو ما بدأ بذكره من خبر تاريخي أو حدث، مما يؤدي بلا أدنى شك إلى إرباك في فهم القارئ أو المتطلع. ومن الملاحظات الأخرى التي سجلناها عدم تحديد مؤلفه للمصادر التي استقى منها معلوماته، مثل ذكره للذهبي (748هـ) دون أن يشير إلى الكتاب الذي استقى منه معلوماته، وكما هو معروف ان للذهبي مؤلفات عديدة، وكذا الحال مع مواضع واقتباسات كثيرة؛ مما يعيق على القارئ معرفة اسم المصدر المستخدم في عرض المعلومة.

    اما فيما يخص تناوله للغزو المغولي للبلاد الإسلامية فقد اتبع فيه أسلوبا حاول من خلاله معالجة الموضوع وتناول أحداثه لكن دون أن ينسب الأدوار لأصحابها بالكامل لسبب هنا أو لعذر هناك، فحينما يتحدث عن أسباب نجاح الغزو المغولي للبلاد الإسلامية يذكر عدة أسباب فيطيل النظر في بعضها ويقصر النظر في البعض الآخر فنراه يورد مثلاً ان ضعف مقاومة الخلافة العباسية كان سبباً من الأسباب التي ساعدت على الغزو المغولي وسقوط الدولة العربية الإسلامية لكنه لا يطيل البحث في هذا العامل رغم كونه الأول وربما الأخير، فلا يحلل او يدقق أسباب الضعف ومدى تأثير ذلك في نجاح الغزو المغولي فيشير من طرف بعيد إلى ضعف الخليفة بطريقة يخيل فيها للقارئ أن الديار بكري كان يحاول ان لا يظهر الخليفة وضعف حكومته على أنهما السبب الرئيس في سقوط الخلافة ومن اجل ذلك نراه يوسع نطاق بحثه عن أسباب السقوط ليركز مجملها على عامل الغدر والخيانة الذي جعل من الوزير ابن العلقمي رمزاً له، ولا يخلو اتهامه ذلك من تلميحات غير علمية او موضوعية فنراه يستخدم لفظة ” رافضي ” وهي لفظة تاريخية ذات مدلول طائفي وديني معين .

الى جانب كل ما تقدم فقد رصدنا اعتماد الديار البكري على عدد من الروايات غير العلمية او المنطقية وذكرها في كتابه كأمر مسلم به على الرغم من عدم دقتها واستحالة قبولها في بعض الأحيان كما مر بنا خلال البحث، ولم يعمد إلى تدقيق تلك الروايات او تمحيصها قبل قبول عرضها في كتابه. وأخيرا ً فان الديار بكري من خلال تناوله موضوع الغزو المغولي لبلاد الاسلام لم يذهب بعيد عما ذهب اليه من سبقه او لحقه من المؤرخين حينما انساق كثيرا وراء مشاعره وحنقه على ما تعرض له المسلمون الأمر الذي ترك تأثيره واضحاً على مروياته التاريخية.

هوامش البحث:

([1]) كحالة، معجم المؤلفين، ج4/ ص47.

([2]) الزركلي، الأعلام، ج2/ ص256.

([3]) المرجع نفسه، ج2/ ص256.

([4]) سركيس، معجم المطبوعات العربية والمعربة، ج1/ ص897.

([5]) ينظر: الزركلي، الأعلام، ج2/ ص256؛ كحالة، معجم المؤلفين، ج4/ ص47؛ سركيس، معجم المطبوعات العربية والمعربة، ج1/ ص897.

([6]) ينظر: حاجي خليفة، كشف الظنون، ج1/ ص725؛ الزركلي، الأعلام، ج2/ ص256.

([7]) كشف الظنون، ج1/ ص725.

([8]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج1/ ص3- ص7.

([9]) ينظر: المصدر نفسه، ج1/ ص6 وما بعدها.

([10]) ينظر: المصدر نفسه، ج2/ ص385- ص387.

([11]) ينظر: الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص367.

([12]) ينظر المصدر نفسه، ج2/ ص367.

([13]) ينظر على سبيل المثال: ج2/ ص369-ص370.

([14]) المصدر نفسه، ج2/ ص372.

([15]) ينظر: المصدر نفسه، ج2/ ص372-ص376.

([16]) المصدر نفسه، ج2/ ص375.

([17]) أبو شامة، الروضتين في أخبار الدولتين، ص65-66 .

([18]) تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص368.

([19]) تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص368.

([20]) المصدر نفسه، ج2/ ص368.

([21]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص367.

([22]) المصدر نفسه، ج2/ ص369.

([23]) تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص370.

([24]) المصدر نفسه، ج2/ ص370.

([25]) المصدر نفسه، ج2/ ص372.

([26]) المصدر نفسه، ج2/ ص372.

([27]) المصدر نفسه، ج2/ ص376.

([28]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص367.

([29]) المصدر نفسه، ج2/ ص367.

([30]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص369.

([31]) المصدر نفسه، ج2/ ص368.

([32]) المصدر نفسه، ج2/ ص368.

([33]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص368.

([34]) المصدر نفسه، ج2/ ص368.

([35]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص371.

([36]) المصدر نفسه، ج2/ ص370.

([37]) المصدر نفسه، ج2/ ص375.

([38]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص367.

([39]) المصدر نفسه، ج2/ ص367.

([40]) المصدر نفسه، ج2/ ص368.

([41]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص371.

([42]) المصدر نفسه، ج2/ ص371.

([43]) المصدر نفسه، ج2/ ص376.

([44]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص376.

([45]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص368.

([46]) المصدر نفسه، ج2/ ص368.

([47]) المصدر نفسه، ج2/ ص369.

([48]) المصدر نفسه، ج2/ ص370.

([49])المصدر نفسه، ج2/ ص371.

([50]) المصدر نفسه، ج2/ ص371.

([51]) المصدر نفسه، ج2/ ص371.

([52]) المصدر نفسه، ج2/ ص371.

([53]) المصدر نفسه، ج2/ ص372.

([54]) المصدر نفسه، ج2/ ص376.

([55]) المصدر نفسه، ج2/ ص376.

([56]) المصدر نفسه، ج2/ ص376- ص377.

([57]) المصدر نفسه، ج2/ ص378.

([58]) المصدر نفسه، ج2/ ص380.

([59]) المصدر نفسه، ج2/ ص381.

([60]) ينظر: المصدر نفسه، ج2/ ص380- ص383.

([61]) المصدر نفسه، ج2/ ص377.

([62]) المصدر نفسه، ج2/ ص376.

([63]) المصدر نفسه، ج2/ ص377.

([64]) المصدر نفسه، ج2/ ص367، ص369.،؛ ص370

([65]) كحالة، معجم المؤلفين، ج7/ ص229.

([66]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص371.

([67]) المصدر نفسه، ج2/ ص372، ص374، ص375.

([68]) كحالة، معجم المؤلفين، ج5/ ص125.

([69]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص370.

([70]) كحالة، معجم المؤلفين، ج7/ ص41.

([71]) المصدر نفسه، ج2/ ص375.

([72]) المصدر نفسه، ج2/ ص376 وص377 وص379.

([73]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص366، ص370، ص375.

([74]) كحالة، معجم المؤلفين، ج8/ ص289.

([75]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص370، ص372.

([76]) معجم المؤلفين، ج12/ ص313.

([77]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص370.

([78]) كشف الظنون، ج1/ ص696.

([79]) المصدر نفسه، ج1/ ص696.

([80]) معجم المؤلفين، ج12/ ص66.

([81]) الديار بكري، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، ج2/ ص376.

([82]) الزركلي، الأعلام، ج5/ ص18.

([83]) المرجع نفسه، ج4/ ص258.

([84]) المرجع نفسه، ج5/ ص153.