د. عبد التواب بركات –  المعهد المصري للدراسات

يعيش المواطن المصري منذ منتصف 2013 في معاناة مزمنة بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية ونقص الكميات الكافية منها للاستهلاك المحلي، وعلى رأسها رغيف العيش والأرز والسكر وزيت الطعام واللحوم والدواجن وبيض المائدة وغاز البوتاجاز، وكذلك بسبب ارتفاع أسعار الخدمات العامة، من الكهرباء ومياه الشرب والغاز الطبيعي إلى وقود السيارات والمواصلات العامة. وفي ظل الأزمات المتكررة، يشتكي عموم المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي من ارتفاع أسعار السلع الغذائية ونقصها واختفاء بعضها من الأسواق العامة ومن البقالات التموينية.

ومؤخرا، تحولت المعاناة من الحالة المزمنة إلى الحادة، وأصبح وجود طبق من الأرز والبطاطس والبيض على المائدة حلم كثير من الأسر، أما اللحم والدجاج فدرب من الخيال. ولم تكن المعاناة بسبب تضاعف الأسعار، ونقص السلع في الأسواق، وجائحة كورونا التي أفقدت ملايين العمال رواتبهم وحولتهم إلى عاطلين عن العمل جزئيا وكليا، وتراجع دخل الذين لم يفقدوا وظائفهم، وارتفاع أسعار الوقود والطاقة، والحرب على أوكرانيا، ولكن أيضا بسبب حرمان المصريين من الإعانات الاجتماعية الاستثنائية التي قدمتها معظم حكومات العالم لمواطنيها، سواء العينية والمالية المباشرة، من سلال غذائية ورواتب إضافية، وإسقاط إيجارات السكن وفواتير الكهرباء والغاز والمياه، أو غير المباشرة، مثل استقطاعات الضرائب على الدخل وبدل الخدمات الحكومية.

إن الأزمة المعيشية التي يعانيها المواطن المصري تتمثل في حكومته التي تنتهج سياسات اقتصادية متخلفة، تجلى تخلفها بهدم البيوت على رؤوس أصحابها والمساجد بحجة أنها بنيت بغير ترخيص أو لتوسعة الطرق. ورغم المعاناة، قال رأس النظام الجنرال عبد الفتاح السيسي إن حكومته تمكنت من توفير جميع السلع الأساسية التي يحتاجها المواطنون بالرغم من الأزمة العالمية بسبب الحرب في أوكرانيا.

ورغم الواقع الأليم الذي يعيشه الشعب المصري، حتى وصل الأمر بسعر بيض المائدة أن يصل إلى 80 جنيه، ورغم اعتراف النظام بأن سياسة تعويم الجنيه في نوفمبر 2016 وباقي إملاءات صندوق النقد الدولي كلفت الدولة مخاطر جمة بقوله، دفعنا فاتورة اقتصادية قاسية عندما بدأنا خطة الإصلاح في نوفمبر 2016، يشيد السيسي بما يسميه، الإصلاح الاقتصادي، الذي جعل الدولة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية، من وجهة نظره. ويدعي دون خجل أن مصر واحدة من بين ثلاث أو أربع دول فقط على مستوى العالم حققت معدلات نمو إيجابية خلال أزمة كورونا بلغت ما بين 3.2% و3.8 %، فيما ارتفع النمو مع بداية العام الحالي 2022 إلى 9%.

في نفس الوقت الذي يعلن فيه البنك الدولي على موقعه الرسمي أن الدين الخارجي لمصر ارتفع في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري بنسبة 8.4 بالمائة ليصل إلى 157.8 مليار دولار. أما شهادة المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، فكانت أكثر تعبيرا عن الفقراء في مصر من حكومتها. فقالت، إنها تشعر بالقلق على مصر جراء ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتأثير ذلك على الناس في مصر. وقالت إنهم في الصندوق منخرطون بالفعل في مناقشات مع القاهرة حول كيفية استهداف الفئات الأكثر تضرراً والشركات المعرّضة للخطر.

إن مظاهر الغلاء الناتج عن تخلف الإنتاج الزراعي المحلي واضحة وضوح الشمس في كبد السماء وقت الظهيرة، ولا ينكرها إلا النظام الحاكم. يكفي للدلالة على ذلك أن مصر أصبحت أول مستورد للقمح في العالم بمعدل 12 مليون طن، ورابع أكبر مستورد للذرة الصفراء التي تدخل في علف الدواجن بمعدل 11 مليون طن، وفول الصويا للغرض نفسه بمعدل 4 ملايين طن، وتستورد كل احتياجاتها من زيوت الطعام تقريبا، وأكثر من نصف الاحتياجات من الفول والعدس. وفي المجمل نستورد حوالي 65% من الاحتياجات الغذائية بقيمة لا تقل عن 20 مليار دولار في السنة.

من مظاهر الغلاء أيضا، ارتفاع أسعار السلع التموينية من 1.5 جنيه للكيلو الأرز إلى 10.5 جنيه، ثم غيابه من منظومة السلع التموينية، وارتفاع سعر السكر من 1.25 جنيه إلى 10.5 جنيه للكيلو، والزيت من 3 جنيهات للكيلو إلى 27 جنيه. وبسبب تراجع الانتاج المحلي وعجز النظام عن توفير العملة لاستيراد السلع الأساسية، أقدم على التساهل في مواصفات جودة السلع المستوردة، فأصبح يستورد القمح المصاب بفطر الإرجوت المسرطن، وزيوت الطعام الرديئة، واللحوم المجمدة من مناشئ ممنوعة، وهي جريمة في حق الشعب المصري لخطورة ذلك على الصحة العامة.

ومن مظاهر أزمة العدالة الاجتماعية أيضا، الحذف العشوائي للأسر رغم زيادة نسب الفقر، والإمتناع عن إضافة المواليد الجدد للأسر المستحقة للدعم التمويني إلى منظومة السلع التموينية، وإلغاء قرار وزير التموين الأسبق، الدكتور باسم عودة، بضمهم للمنظومة، وكذلك تخفيض دعم الطفل الثالث المتواجد في المنظومة ومابعده إلى النصف. وهي جناية على مستقبل الأمة، لأن كل جنيه يتم استثماره في الطفولة، يعود على الاقتصاد القومي بـ 13 جنيه في المستقبل. إن إحصائية الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الرسمي في مصر أظهرت، أن معدل الفقر وصل إلى 32.5% في 2019، من 27.8% في 2015، في حين بلغ الفقر المدقع 6.2% من 5.3% في نفس الفترات الزمنية. وفي ظل أزمة كورونا أكدت احصائيات الجهاز أن 5.4% فقط من الأسر المصرية تلقت منحة العمالة غير المنتظمة خلال أزمة كورونا بواقع 500 جنيه ولمدة 3 أشهر فقط، وأن معظم الأسر المصرية لا يكفيها الدخل لتأمين قوت أبنائها، وأن نسبة كبيرة من الأسر لجأت للاقتراض، وقبول التبرعات من المحسنين والأقارب، أو باعوا جزءا من ممتلكاتهم لمواجهة الأعباء الاجتماعية في ظل تخلي الدولة عن دورها.

وتساءل الغيورون على الوطن عن أسباب الأزمة، وهل للمواطن المسحوق بين مطرقة الغلاء وسندان القهر وبطش السلطة أمل في الخروج من هذه المعاناة المزمنة والتي لا تنتهي؟ وهنا نتناول الأسباب المسؤولة فعلا عن تردي الاقتصاد المصري وارتفاع الأسعار في مصر وغياب العدالة الاجتماعية أكثر من أي مكان آخر في العالم، ثم نجمل الحلول الحاكمة والسياسات التنفيذية اللازمة لعلاج الأزمة في المدى القصير والمتوسط.

أسباب الأزمة:

أولا: السياسات الاقتصادية المعيبة للنظام منذ 2013

معيبة أكثر من أي عهد مضى. نظام يزدري المشاريع المهمة والعاجلة وينشغل بالمشاريع الهامشية وغير المجدية أحيانا، لا لهدف إلا لتحسين صورته البائسة وأخذ اللقطة ورفع الروح المعنوية للجماهير المخدوعة، دون مراعاة للمصداقية وأمانة المسؤولية، ما تسبب في سقوط أكثر من 60 بالمائة من المصريين في براثن الفقر، وفق احصائية للبنك الدولي قبل أزمة كورونا. ويبدوا أن النظام الحالي عاجز فعلا أمام التحديات الحقيقية، وهذه هي الكارثة. فأعداد المصانع المغلقة بسبب وقف استيراد قطع الغيار ومستلزمات الإنتاج في زيادة مستمرة. والنظام مسؤول مسؤولية مباشرة عن انهيار صناعة الأثاث في دمياط وتحول أصحابها إلى فقراء وعاطلين بعد أن كانوا صناع ميسورين. وكذلك صناعة الغزل والنسيج، والإنتاج الزراعي والصيد والحيواني حتى تخطى سعر طبق البيض حاجز الـ 80 جنيه!!

وقد اعترف السيسي بالعجز أو اللا مبالاة، في لقائه مع الصحفيين يوم الخميس 21 أبريل الماضي، يعني بعد شهر من بداية الحرب على أوكرانيا، إنه كان صريحاً ومباشراً مع المصريين وقال لهم إن التحديات الموجودة في مصر أكبر من كل رئيس وحكومة. وقد شهدت مؤسسات دولية عريقة على أن أداء الاقتصادي المصري متردي ويتجه للأسوأ. وقالت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، في 20 ابريل الماضي، إن أوضاع الاقتصاد المصري في تدهور وتزداد سوءا.

ولا أدل على تدهور الأداء الاقتصادي من بناء إيرادات الموازنة على جباية الضرائب التي ستمثل 77 بالمائة من الإيرادات. فقد أعلن وزير المالية، محمد معيط في بيان مشروع الموازنة الجديدة في مايو الحالي أمام البرلمان، أن الحكومة تتوقع حصيلة ضريبية تصل إلى تريلون و168 مليار جنيه، تعادل 63 مليار دولار، ارتفاعا من 53 مليار دولار العام الماضي .

ثانيا: فوضى القروض الأجنبية.

تخبط النظام في تقدير أولوية الاقتراض لمشاريع ثانوية وغير إنتاجية، وإهمال مشاريع قومية وإنتاجية مولدة لفرص العمل هو أخطر آفات الاقتصاد المصري. على سبيل المثال، يبني النظام العاصمة الإدارية الجديدة بتكلفة 60 مليار دولار، وخط السكك الحديدية بين العين السخنة والعلمين والمونوريل بتكلفة 26.5 مليار دولار، ومحطة الطاقة النووية في الضبعة بتكلفة 25 مليار دولار. ومحطات توليد الكهرباء بتكلفة 6.7 مليار دولار، رغم وجود فائض كهربائي يصل إلى 75 بالمائة من حجم الاستهلاك.

وفي ظل احتدام أزمة كورونا العام الماضي وبالتزامن مع إعلان وزارة الصحة عن وفاة 500 من الأطباء في ظل تردي وعجز المنظومة الصحية، وقع رأس النظام عقدا مع فرنسا لشراء 30 طائرة رافال بقيمة 4.57 مليار دولار قال خبراء عسكريون إنها دون جدوى قتالية ولم تكن فعالة في أزمة سد النهضة ولا في مواجهة الإرهاب في سيناء. وفي سنة 2015، اشترى النظام صفقة رافال مماثلة بقيمة 5.7 مليار دولار.

أما الطرق والكباري، والتي يسوق لها النظام قاطرة للتنمية، فتكلفت 300 مليار جنيه، ولم يجن المواطن منها إلا الإتاوات وتعريفات المرور المبالغ فيها لحساب الجيش . ومن علامات البذخ غير المسؤول أن طائرة رئاسية جديدة بمبلغ نصف مليار دولار في وقت تعاني الدولة من أزمة خانقة، ما يذكر بقول السيسي أنه يبني قصور رئاسية وسيبني مزيد من القصور الرئاسية!

توسع النظام في الاقتراض الأجنبي حتى وصل إلى 145.5 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2021، ارتفع بعد الانتهاء من إعداد التقرير إلى 157.8 مليار دولار بنهاية مارس 2022، أدى إلى بعثرة موارد الموازنة العامة في خدمة فوائد الديون وأصولها، حيث تبلغ أقساط الديون وفوائدها، وفق بيان وزير المالية، 90 مليار دولار، ما يمثل 54 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، مقابل 63 مليار دولار العام المالي الماضي. سداد فوائد الديون سيحقق عجز بين الإيرادات والمصروفات بنحو 30 مليار دولار سيكون على حساب مخصصات التعليم والصحة والدعم الاجتماعي والاستثمار.

ثالثا: تعويم العملة وتخفيض القوة الشرائية للجنيه

إذعانا لمطالب صندوق النقد الدولي، له تأثيره المباشر على تضاعف أسعار السلع والخدمات وزيادة معاناة المواطن في الحصول على ما يسد رمق أولاده. حيث فقد الجنيه ثُلثي قيمته الشرائية للسلع التي تستورد معظمها من الخارج، خاصة الغذائية التي لا غنى عنها لكل أسرة، مثل زيوت الطعام والمكرونة واللحوم، أو تحتاج إلى مواد أولية لانتاجها، مثل الذرة الصفراء وفول الصويا والأدوية التي تشكل أكثر من 80% من تكلفة انتاج لحوم الدواجن وبيض المائدة، وتضاعفت لذلك أسعار السلع.

على سبيل المثال، زادت أسعار زيت الطعام من 4.5 جنيهات للتر في سنة 2013 إلى 30 جنيه، وزادت أسعار السكر من 1.25 جنيه للكيلو إلى 10.5 جنيهات، وزادت أسعار الأرز من 1.5 جنيه إلى 10 جنيهات. ثم زادت الأسعار مرة أخرى بحجة تداعيات الحرب على أوكرانيا لتزيد معاناة المواطن. وانخفضت مقررات الفرد للأرز من 2 كيلو للفرد إلى 1 كيلو للبطاقة التي يقل عدد أفرادها عن أربعة، و2 كيلو للبطاقة التي يصل عدد أفرادها إلى 4 افراد فأكثر، وصرف عبوة مكرونه 800 جرام للبطاقة التي يقل عدد أفرادها عن 4 أفراد، وصرف 2 عبوة 800 جرام مكرونة للبطاقة التي يصل عدد أفرادها إلى 4 افراد فأكثر.

ثم يضطر المواطن لصرف باقي مستحقاته التموينية من سلع هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع، مثل مربى وبسكويت القوات المسلحة. أما أسعار اللحوم والدواجن والأسماك والبيض، فتضاعفت أسعارها ثلاث مرات على الأقل.

رابعا: جائحة كورونا

تلقى المواطن في كل دول العالم دعم نقدي مباشر في صورة تحويلات نقدية، أو غير مباشر بالإعفاء من الضرائب وفواتير ايجار السكن والكهرباء والمياه، وعيني بتوفير السلع الغذائية وحليب الأطفال منذ ظهرت جائحة كورونا. وعلى النقيض في مصر، قصرت الحكومة في تقديم الدعم الاجتماعي لعموم المواطنين، فضلا عن الفقراء ومن فقدوا مصدر رزقهم وتحولوا إلى عاطلين عن العمل، وأصحاب العمالة اليومية الذين جلسوا في بيوتهم بلا مورد رزق.

ولم تفكر الحكومة في توجيه وفورات المواصلات العامة التي توقفت تماما لدعم الأسر غذائيا. وكشفت دراسة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي حول تأثير فيروس كورونا على استهلاك الأسر المصرية، عن أنّ 5.4 بالمائة فقط من الأسر المصرية تلقت منحة العمالة غير المنتظمة، وهي 500 جنيه، 32 دولاراً، للأسرة ولمدة ثلاثة أشهر فقط!

في المقابل، كشفت الدراسة عن أن ثُلث الأسر المصرية أصبحت لا يكفيها دخلها، وأن نصف الأسر التي لم يكفيها الدخل اضطرت إلى الاقتراض للوفاء بحاجة أولادها من الغذاء الضروري، وأنّ 17 بالمائة منهم قبلوا تبرعات من أهل الخير والمحسنين، وأنّ 15 بالمائة من الأسر باعت جزءاً كبيرا من ممتلكاتها للوفاء بمتطلباتها الحياتية.

خامسا: هدر النظام خطط الاكتفاء الذاتي

بعد ثورة يناير، وضعت خطط للاكتفاء الذاتي من القمح والتوسع في زراعة الأرز والاستثمار في الزراعة. وأعلن الرئيس الراحل محمد مرسي عن خطة للاكتفاء الذاتي من القمح خلال 4 سنوات، نجحت في العام الأول بنسبة 30%. وكادت الخطة تؤتي أكلها لولا الانقلاب العسكري الذي توسع في استيراد القمح والذرة وزيت الطعام وحتى الأرز الذي كان يصدر للخارج من الدول الراعية له لشراء الشرعية الدولية على حساب الأمن القومي المصري وعلى حساب دخل الفلاح المصري.

ثم أمعن رأس النظام بمحاربة زراعة الأرز وتغريم وسجن من يزرع أكثر من المقرر. أدت هذه السياسة لاستمرار مصر، عمدا أو جهلا، كأكبر مستورد للقمح في العالم بمعدل 13.1 مليون طن، ورابع أكبر مستورد للذرة الصفراء بمعدل 9.7 مليون طن، والاعتماد بنسبة 97 بالمائة على واردات زيت الطعام من الخارج. وتحولت مصر من مُصدر للأرز إلى مستورد له بمعدل 800 ألف طن.

هل يعقل أن تستورد الحكومة القمح الأجنبي من روسيا وفرنسا بسعر 460 دولار للطن، ما يعادل 8500 جنيه، ثم تشتري القمح من الفلاح المصري بنظام التوريد الإجباري بسعر 5900 جنيه للطن، بفارق 2600 جنيه في الطن لصالح الأجنبي، رغم فارق الجودة الكبير لصالح المصري. بخس أسعار المحاصيل والتوريد الإجباري هو إفقار للفلاحين يؤدي إلى التخلي عن زراعة المحاصيل الاستراتيجية.

سادسا: تحكم الجيش في مفاصل الاقتصاد الوطني

تحكم الجيش في مفاصل الاقتصاد الوطني واحتكار موارد الأرض الصالحة للاستزراع ومياه الري ومقومات الإنتاج الزراعي والصوب الزراعية والإنتاج الحيواني والسمكي والتصنيع الغذائي بطريقة ممنهجة منذ 2014، وفق معلومات دقيقة وثقها الباحث يزيد صايغ بمعهد كارنيغي. وأخيرا احتكاره واردات اللحوم المبردة والمجمدة والسلع التموينية ورفع أسعارها إلى أضعاف سعرها الحقيقي وتربحه من جيوب الفقراء.

سابعا: تخفيض الدعم الاجتماعي بجميع صوره

قامت الحكومة بتخفيض الدعم الاجتماعي بطريقة مباشرة، برفع أسعار السلع، وغير مباشرة بتخفيض وزن الخبز ومقررات السلع الغذائية في منظومة البطاقات التموينية، وحذف ملايين الأسر تعسفيا وعشوائياً من منظومة دعم الخبز والسلع التموينية، وحرمان المواليد الجدد من كل صور دعم الغذاء، رغم زيادة معدلات الفقر والبطالة، وتأثيراتها على زيادة معدلات الطلاق وتعريض أطفال المستقبل للتفكك الأسري.

تضمن مشروع الموازنة العامة القادمة انخفاضاً بنسبة تتجاوز 8 في المائة في مخصصات دعم السلع التموينية، فقد خصصت الحكومة 4.68 مليار دولار لدعم السلع التموينية، مقابل 5.3 مليار دولار، تمثل الإنفاق الفعلي المتوقع على دعم السلع التموينية بنهاية العام المالي الحالي في 30 يونيو/ حزيران القادم.

ثامنا: تراجع موارد النقد الأجنبي

تراجعت موارد النقد الأجنبي من العاملين بالخارج، والسياحة، والصادرات، وقناة السويس، والتفريط في ثروات مصر البترولية في شرق المتوسط لصالح دول أجنبية، والمحجرية والمنجمية لصالح الجيش، مع غياب مبادئ الشفافية والمحاسبة والمساءلة وإبعاد الكفاءات الوطنية. وقد تم عزل واعتقال المستشار هشام جنينه، رئيس أكبر جهاز رقابي في مصر وهو الجهاز المركزي للمحاسبات، حيث جرى ذلك بعد الكشف عن قضايا فساد بقيمة 600 مليار جنيه. كل ذلك أدى إلى زيادة أسعار السلع الغذائية الأساسية بنسبة 29.3 في المائة، بحسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي عن شهر أبريل الماضي. حيث قال إن أسعار الخضروات والفاكهة زادت بنسبة 66.2 في المائة على أساس سنوي، والزيوت بنسبة 36.6 في المائة، والحبوب والخبز 28.5 في المائة، والأسماك 24.4 في المائة، واللحوم والدواجن 22.3 في المائة

وكتبت الـ بي بي سي تقول أن الارتفاع في الأسعار ما هو إلا عرَض للأزمة التي يواجهها الاقتصاد المصري مؤخرا، ما بين تضخم وتراجع في أسعار العملة وارتفاع أسعار الفائدة وتأثير الحرب الروسية الأوكرانية. وتساءلت، كيف يتعامل المواطن المصري مع استمرار ارتفاع الأسعار؟

علاج الأزمة

أولا: دعم البحوث الزراعية، وتفويض الباحثين الزراعيين في تنمية الثروة النباتية والحيوانية بتحسين السلالات الوطنية، وليس بذبحها وإحلال الأجنبية التي تموت بتغيير البيئة محلها. ودعم الفلاح المصري لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح والأرز والذرة. وتطبيق الدورة الزراعية حيث ترشد مياه الري بنسبة 20 بالمائة وتزيد الإنتاج الزراعي بنسبة 30 بالمائة. وشراء المحاصيل من الفلاح بأسعار محفزة لا تقل عن المستورد، وتوفير التقاوي عالية الإنتاج والأسمدة بأسعار معقولة.

من حسن الحظ أننا في موسم زراعة محاصيل الأرز والقطن والذرة. وهي فرصة تاريخية لمواجهة تداعيات الحرب على أوكرانيا ربما لا ندركها مرة أخرى، وإذا استمرت الحرب لشهر يونيو فسوف تستمر التداعيات الخطيرة على اسعار الغذاء لسنة 2023. لذلك يجب الكف عن محاربة زراعة الأرز، وزيادة المساحة في هذه الأيام إلى 1.8 مليون فدان ليكون بديل جزئي لرغيف الخبز والمكرونة. وتشجيع زراعة القطن لتصل المساحة إلى مليون فدان، والذرة لمساحة 4 مليون فدان لحل أزمة زيت الطعام والأعلاف.

ثانيا: وقف الاقتراض الأجنبي بجميع صوره، وطرح المشاريع القومية الإنتاجية بنظام الإنتفاع المفضي إلى الملكية العامة. وعدم التعاطي مع إملاءات صندوق النقد. والكف عن تخفيض الدعم الاجتماعي بكل وسائله. وإعادة ملايين الأسر المحذوفة تعسفيا من منظومة دعم الخبز والبطاقات التموينية. وضم المواليد الجدد في الأسر المستحقة للدعم إلى منظومة دعم الخبز والبطاقات التموينية. حيث أن استثمار جنيه واحد في الطفولة يعود على الاقتصاد القومي في المستقبل 13 ضعف.

ثالثا: رفع يد الجيش عن احتكار الأرض الزراعية وموارد الثروة السمكية والحيوانية والصوب الزراعية، وتوزيعها على شباب الخريجين وصغار المزارعين، ودعمهم بالإرشاد والتدريب والتمويل المالي غير الربحي.

رابعا: إصلاح السياسة المالية والنقدية لتشجيع العاملين المصريين بالخارج لزيادة التحويلات والاستثمار الأجنبي في الاقتصاد الوطني. والنهوض بقطاع السياحة وإسناده للخبراء. وتصفير المشاكل مع دول الجوار العربي والأفريقي، والمشاركة في خطط تنميتها باعتبارها عمق استراتيجي وسوق واعد للمنتجات المصرية، وأقل تشددا تجاه المواصفات من الدول الأوروبية.

خامسا: استرجاع ثروات مصر البترولية في شرق المتوسط، وإدارة الثروة المحجرية والمنجمية بكفاءة وشفافية وتنميتها. وكشف السرية عن حسابات موارد قناة السويس وتوجيهها لتنمية لمشروع محور قناة السويس. وحماية حقوق مصر التاريخية المنهوبة في مياه النيل باعتبارها شريان الحياة وعماد التنمية. وكشف الغطاء عما يدور في سيناء وتنميتها ورد الإعتبار لأهلها وتمكينهم من مواردها.

أخيرا وقبل كل ما سبق: المصالحة الوطنية والإفراج عن المعتقلين، وتعويض الضحايا. والبدء بحكومة تكنوقراط لضبط الأداء الاقتصادي، وإعطاء الأولوية للمشاريع الإنتاجية، وتغليب مبادئ الشفافية والمحاسبة في كل الوزارات. والاتفاق على نظام سياسي جديد بكل معنى الكلمة. فالإصلاح السياسي يسبق الاقتصادي أو لا يتأخر عنه. وقديما فشلت ديكتاتوريات الخبز، التي تساوم الشعوب على رغيف الخبز في مقابل التفريط في الحرية، في بناء اقتصاد وطني، والنتيجة أنها أهدرت حق الشعوب في الحياة الكريمة وبددت فرصتها في انتزاع حريتها، بل وأوصلتها إلى أكل الجيف وأوراق الشجر.