الدكتور حسين أعبيد حمد الجبوري
مجلة الدراسات التاريخية والحضارية
2020, المجلد 12, العدد 2/44, الصفحات 102-125

الملخص

التطرف والإرهاب ظاهرة قديمة لها جذور تاريخية غائرة في القدم، وقد واكبت هذه الظاهرة مختلف أشكال الصراع بين الأفكار والإرادات والمجموعات العرقية، وهناك مقولة للمتطرفين اليهود بأن السيف والتوراة قد نزلا معاً من السماء، وقد عرف الإرهاب منذ فجر التاريخ الفرعوني في مصر، كما أن الإمبراطوريتين الهيلينية والرومانية عرفتا صنوفاً عديدة من الإرهاب انعكس بعد زوالهما على الحضارات المسيحية والفرق والأحزاب الإسلامية التي ظهرت عبر التاريخ، وقد سجلت القرون الوسطى أبشع صور البطش والعنف متمثلة في محاكم التفتيش التي نصبها الباباوات للانتقام من المارقين وكل من لا يدين بالولاء للكنيسة البابويةولا أظن أن هناك خلافاً حول قدم ظاهرة الإرهاب وحول عالميته، أي أنه ليس مقترنا بدين أو مكان أو زمان أو هوية بل هو شأن وظاهرة عالمية، إن القضية أكبر من قضية عنف أو تفجير هنا أو هناك، إنها في الحقيقة قضية النضج الإنساني الذي لم يكتمل بعد، ولذا فالحل الجذري لظاهرة الإرهاب هو التعرض لها في إطار كامل يشمل كل أبعاد المشكلة الإنسانية الكامنة في عدم قدرة البشر على التعايش على سطح كوكبهم الفسيح.

هناك جذور وأسباب كثيرة للتطرف فمنها ما هو ديني كالذي حدث ويحدث بين المسلمين وغيرهم، وربما كان مذهبياً كما حدث ويحدث بين المسلمين، وقد تكون الجذور والأسباب فكرية يغذيها رصيد عقدي ديني أو مذهبي، وربما كانت الأسباب نفسية بحتة بقصد لفت النظر إلى الفاعل أو تفريغ شحنة نفسية أو حسداً لمن تقع الجريمة ضده، وهناك جذور اجتماعية كالاختلاف من حيث الشعب أو القبيلة أو الحزب أو الفئة أو نحو ذلك، وربما كان السبب طغيان بعض الحكام وجورهم وفسادهم مما يؤدي ببعض المظلومين إلى الخروج عليهم بعمليات يطلق عليها أصحابها فدائية وجهادية ويطلق عليها الحكام إرهابية، ولعل أخطر أنواع الإرهاب على الإطلاق تلك المدعومة بفكر ديني متطرف حيث يتم تجنيد الشباب وبخاصة السطحيون منهم للقيام بعمليات انتحارية يرجون من ورائها الجنة ورضا الرب عز وجل بينما هم في الحقيقة يقومون بأعمال تبعدهم عن الرب سبحانه وتجعلهم أهلا لسخطه ومقته وعذابه، الإسلام دين الوسطية، بين الغلو والتقصير، قال الله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} البقرة 143، قال أهل اللغة: الوسط العدل، وهو الذي بين المقصر والغالي، وهو خطاب لجميع الأمة، أولها وآخرها، من كان منهم موجودا في وقت نزول الآية، ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة.
قد أخبرنا الله عزَّ وجل أن العلم قد يكون سببًا من أكبر أسباب الفتنة والفرقة والاختلاف؛ إذا أُخذ بغير حقه، أو أُنزل في غير مكانه، ولم يقترن بالحكمة، والأخلاق الكريمة والقيم النبيلة التي دعا الدين إلى التحلي بها؛ أو خالطه شبهة أو شهوة أو هوى، قال تعالى: { وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } الشورى: 14، وردت إشارة هامة في حديث نبوي تحدد لنا أهم الظروف المناسبة لظهور التطرف في كل زمان ومكان في قوله  (وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ) أي كل ما افترق الناس كانت الفرصة سانحة لظهور التطرف، الأصل أن الدين الإسلامي واحد، وقد تركنا الرسول عليه الصلاة والسلام على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، ولكن أقواما سلكوا سبل الأمم السابقة فتفرقوا في دينهم، وظهر ما يسمى بالخوارج وما يقابلها من بدعة الإرجاء، وبدعة الجبرية رد فعل لبدعة القدرية النفاة، ولقد صار هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا يقابلون البدعة بالبدعة، فالخوارج غلوا في الوعيد حتى نفوا بعض الوعد، والمعتزلة غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، والممثلة غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه، وفي العصر الحديث امتلأت الساحة بالفرق والمذاهب والآراء، ولقد كان انتشار تلك الفرق مؤثرا في إحداث الغلو والتطرف، إن انحراف المرجئة هذا في مسألة الأسماء والأحكام قابله انحراف آخر وهو انحراف الغلاة الذين يكفرون بالذنب، وهذا هو شأن البدع إذ ينتج بعضها بعضا، ويكون بعضها رد فعل لبعض، وكما كان السجال بين الخوارج والمرجئة متبادلا وينتج آراء مبتدعة جديدة فإن مرجئة اليوم وخوارج اليوم أيضا أصبحوا على طرفي نقيض، فأصبح السجال بينهم مولدا لآراء وأقوال مبتدعةالإسلام ينهى عن التطرف ويضع الحدود الرادعة له في الدنيا ويتوعد عليه النار في الآخرة قال تعالى: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) المائدة 33، أما تفسير ما يحصل على الساحة من تفجير وترويع للآمنين وسفك للدماء باسم الإسلام فهو تصرف أرعن يقوم به مسلم أساء فهم الإسلام ونصوصه مما ينبئ عن وجهة نظر قاصرة وفكر ضحل، أو أنه يكون نتاجا لفكر يتستر بالإسلام لا أكثر ويخدم في الواقع مصالح أعداء الإسلام الذين يقودونه إلى هذا التوجه إن عن وعي أو دون وعي، ولذا فعلينا أن نميز بين المنهج وأخطاء المنتسبين إليه، فبمراجعة النصوص الإسلامية لا نجد دعوة ولا أثراً يحث على هذه الأعمال الإجرامية بل إن النصوص الإسلامية من كتاب وسنة تنهى عنها وتدينها وتستهجنها وتعاقب عليها.أننا مؤسساتٍ إعلامية وتربوية؛ إعلاميين ومربين ومعلمين وآباء وأمهات؛ أفرادًا وجماعاتٍ؛ بحكم تنشئتنا الدينية النقية، وحسن الظن، والثقة المفرطة؛ والتساهل وقعنا في خلط كبير بين: العالم، وطالب العلم؛ واستوى لدينا: القاص، والواعظ، والمتعاطف، وحامل الفقه، والفقيه الرَّاسخ في العلم، وقد ترتب على هذا الاضطراب أن صار بعض أبنائنا وبناتنا متلقين في مرحلة حرجة جدًّا من مراحل تكوينهم المعرفي والنفسي عن أناسٍ لا فقه لهم، حفظوا بعض النصوص، وربما استطاعوا استظهار كمٍّ كبير من أقوال الفقهاء والعلماء والسلف في المسألة الواحدة؛ ، وغاب عنهم ذلك الحسّ الإنساني والحضاري الذي تتدفق به نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة العطرة للرسول، فكانوا بهذا أقرب إلى حملة الفقه (حفظة الفقه) منهم إلى الفقهاء.إن التطرف مرض من الأمراض الفكرية، يمكن للمسلمين معالجته من خلال، إزالة أسباب الظلم في المجتمعات، فقد يؤدي تطرف الحاكم في جوره إلى تطرف المحكوم في تكفيره، ونشر العلم بين الناس عموما، وأحداث الأسنان خصوصا، من خلال المقررات في المدارس، والجامعات الإسلامية، والمحاضرات العامة، وربط شباب الأمة بعلمائها الموثوقين، من خلال عقد اللقاءات المفتوحة معهم، وسهولة الوصول إليهم، والتضييق على أهل التطرف، وعدم تمكينهم من نشر مذهبهم.