محمد عبدالرحمن عريف

    هو الفريق أول محمد أحمد صادق (14 أكتوبر 1917 – 25 مارس 1991) وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة المصرية (15 مايو 1971 – 15 أكتوبر 1972) ومدير المخابرات الحربية في (11 يونيو 1966 ـ 9 سبتمبر 1969). في 15 أكتوبر 1972 عزله  السادات من وزارة الحربية لاختلافه مع رؤيته لتحرير سيناء.

     ولد بقرية القطاوية مركز أبو حماد محافظة الشرقية والده أحمد باشا صادق قائد قوات بوليس السرايات الملكية خلال الفترة من 1923-1948 في عهدي الملك فؤاد والملك فاروق وبعد انتهائه من دراسته الثانوية التحق بالكلية الحربية ليتخرج منها ملازم ثان في إبريل عام 1939. عاون عدة فصائل من الضباط الأحرار قبل الثورة. وتولى بعد ذلك قيادة ثلاثة كتائب مشاة قبل أن يتولى قيادة لواء مشاة ميكانيكي. خدم في الفرقة الثانية بسيناء في حرب 56، وككبير لمعلمي الكلية الحربية أوائل الستينات، ثم ملحقًا عسكريًا بألمانيا الغربية حيث يحسب له أنه من كشف الستار عن صفقة الأسلحة الألمانية لإسرائيل مطلع عام 65 صيف 66 كافأه المشير عبد الحكيم عامر باستنسابه مديرًا للمخابرات العسكرية ليستأمنه على أمن القوات المسلحة. وامتحن في أزمة 67، قصُر عن المطلوب سيّما لجهة الإنذار عن نوايا العدو وتوفير دقيق المعلومات عن إمكاناته. لكنه استبقي في تطهير 67 في ذات المنصب.

    درس بأكاديمية فرونزه العسكرية الشهيرة بالاتحاد السوفيتي بعد إتمام دراسته بكلية القادة والأركان. أسند إليه منصب الملحق الحربى، ورئيس مكتب المخابرات بألمانيا الغربية في الفترة من عام 1962- 1964. بعد عودته من ألمانيا تم تعينه كبيراً للمعلمين بالكلية الحربية، ولم تمض فترة حتى صدر قراراً بتعينه مديراً للمخابرات الحربية في 11 يونيو عام 1966. في 9 سبتمبر عام 1969 تم تعين محمد أحمد صادق رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة المصرية بعد عزل المشير أحمد إسماعيل علي بسبب حادثة الزعفرانة، وتم ترقيته إلى رتبة فريق.

     هنا حضرت مذكراته بعنوان: «سنوات في قلب الصراع»، حيث يظهر من المذكرات أنه لم يكن فقط صحفياً يتابع عمل وزارة الحربية «الدفاع الآن»، وإنما كانت له أدوار سياسية سواء قام بها أو امتنع عن القيام بها! «الصراع» الذى جاء في العنوان، وكان الوزير في قلبه، لم يكن فقط ذلك الذي كان بين مصر وإسرائيل، وإنما الذى كان جارياً في قلب السلطة المصرية آنذاك بين أطراف عدة، معسكر عبدالناصر في مواجهة معسكر المشير عامر، ومعسكر السادات في مواجهة معسكر علي صبري. ما كان مثيراً، وموجِعاً في نفس الوقت، كان رواية الفريق أول عن «مفاجأة يونيو»، التى مثلت إشارة البداية في هزيمة عام 1967، فقد كتبت عن «مفاجأة أكتوبر» الاستراتيجية التي قامت بها القوات المسلحة المصرية عام 1973، والتى صارت واحدة من أهم الفصول في العلم الاستراتيجى جنباً إلى جنب مع وقائع تاريخية كبرى مثل الهجوم اليابانى على «بيرل هاربر» في الولايات المتحدة، والعملية «بارباروسا» التي شنّت بها ألمانيا الحرب على الاتحاد السوفيتي أثناء الحرب العالمية الثانية.

    رغم أن كثيراً من المذكرات والكتب نُشرت عن حرب «الأيام الستة» سواء على الجانب المصري أو الإسرائيلي، بل في كثير من المعاهد والجامعات التي اهتمت بتاريخ الشرق الأوسط المعاصر أو تاريخ الحرب بشكل عام، ورغم ذلك كله فإن التركيز على جانب «المفاجأة» في الحرب ظل قاصراً وقليلاً، حتى ولو ظل عنصراً مهماً في مفاوضات معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، التي حرص فيها الطرفان المصري والإسرائيلي على أن يكون في المعاهدة ما يمنع الطرفين من تحقيق «المفاجأة الاستراتيجية» تجاه الطرف الآخر.

    ما منع «مفاجأة يونيو» من الحصول على نفس الاهتمام الذي حصلت عليه «مفاجأة أكتوبر» أن المفاجأة لا تُعرف فقط بمَن يقوم بها، وإنما أيضاً بتأثيرات ما فُعل على الطرف الذي وقعت عليه المفاجأة، فالمفاجأة الاستراتيجية تحدث عندما يتوافر شرطان: الأول أن تتوافر كل المعلومات عن تحركات الخصم في اتجاه الهجوم لدى الطرف الواقع عليه، والثانى أن يفشل الطرف الذي وقع عليه الهجوم في تفسير هذه المعلومات، ويرفض معناها الواضح نتيجة تصورات خاطئة مسبقة على وقوع التصعيد.

    مذكرات الفريق أول صادق تلقي أضواء كاشفة على ما جرى في تلك الأيام الحرجة من تاريخ مصر، والتي دارت ما بين منتصف مايو والخامس من يونيو 1967، فقد تولى الفريق أول صادق منصب رئيس المخابرات الحربية المصرية في خريف عام 1966 قبل تسعة شهور من وقوع الحرب، التي جاءت في وقت كانت فيه مصر «تفتقد الاتزان الاستراتيجي» نظراً لتواجد نصف قواتها في اليمن. وبدون الدخول في كثير من التفاصيل، التي يحسن اللجوء من أجلها إلى الكتاب، فإن المخابرات الحربية نجحت في توفير المعلومات الخاصة بتواجد القوات الإسرائيلية ونواياها الهجومية، بل تحديد موعد هذا الهجوم واتجاه ضربته الرئيسية، وأكثر من ذلك أن المعلومات الذائعة آنذاك حول نية إسرائيل الهجوم على سوريا لم تكن صحيحة تماماً، بل إن تأكيد ذلك جاء من المصادر السورية ذاتها. العجيب في الأمر أن القيادة السياسية والعسكرية المصرية لم تكن مستعدة لقبول إمكانية وقوع الحرب، بل إنها وضعت تفسيرها للوقائع لكي تتلاءم مع تمنياتها، وكان أولها أن الحشد المصري والآخر الإسرائيلي ما هما إلا مظاهرات سياسية تستهدف تحقيق نتائج دبلوماسية وسياسية، وثانيها أنه إذا وقعت الحرب فإنها سوف تكون محدودة حينما تحاول إسرائيل فتح خليج العقبة للملاحة الإسرائيلية. ما حدث فعلياً كان مختلفاً كما هو معروف، ودفعت مصر ثمناً فادحاً وتاريخياً لما جرى، ولكن المدهش أكثر أنه لم تُشكَّل لجنة تحقيق فيما جرى.

    تشير مذكرات الفريق أول محمد صادق إلى أن التقرير عن الهزيمة جاء من خلال لجنة «المارشال زخاروف» الروسية المحايدة، والذي أعدته «من أجل التاريخ»، وصدرت منه نسختان: الأولى ذهبت إلى عبدالناصر، والأخرى ذهبت إلى الفريق أول محمد فوزى، وزير الحربية، وللأسف، ووفقاً لكاتب المذكرات، فإن نسختي التقرير اختفيتا، ومعهما جزء مهم من التاريخ المصري.

 رد سامي شرف على ممذكرات الفريق صادق

   يرد سامي شرف على ما جاء بمذكرات الفريق محمد أحمد صادق، حيث ما تم نشره تم بصورة مختصرة ومشوهة وهذا نص رد سامي شرف: “أعتدنا منذ وفاة الرئيس جمال عبد الناصر أن يطل علينا بين الحين والآخر ما يسمى مذكرات شخصية؛ يرصد فيها صاحبها ويحلل فترة حكم الرئيس عبد الناصر، ويعطي لنفسه أدوارًا لم تكن له يومًا، سواء كان شخصية عامة تولت منصبًا عامًا خلال فترة الرئيس عبد الناصر، أو شخصية عادية شاءت الأقدار أن يقابل الرئيس يومًا ولو صدفة. والحقيقة، كان من بين هذه المذكرات ما يستحق التعليق عليه، لأهميتها؛ حيث تتسم بالدقة والموضوعية، ولكنها قد تحتاج لبعض المعلومات أو التوضيح لتكتمل الصورة لدى القارئ، وأخرى لفداحة ما ورد فيها من زيف وتشويه مبالغ متعمد، وهناك من المذكرات التي لا تستحق التعليق عليها. وما نشرته جريدة الأهرام على صفحاتها، تحت عنوان “مذكرات الفريق أول محمد صادق”!!، هي من النوع الثاني من المذكرات، التي جاءت مليئة بالمغالطات، والتناقضات، وإدعاء دور لم يكن يومًا لصاحبها، مما دفعني للتعليق؛ لتوضيح الحقائق للقارئ الكريم، من شخص عايش هذه الأحداث التي تناولتها المذكرات، وسبق وأشرت إليها من قبل في شهادتي “سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر جـ 5، الفصول 24-25-26، لا سيما تلك المتعلقة بالفترة التي أعقبت الرحيل المفاجئ للرئيس جمال عبد الناصر، والسنوات الأولى لحكم الرئيس السادات”.

    لعل المثال البارز في هذا السياق؛ ما ذكره الفريق صادق!! في مذكراته عن وقائع 15 مايو 1971، وهي أحداث سياسية شديدة التعقيد، تبدلت فيها مواقف رجال، وسقطت أقنعة عن آخرين، لعبت المقادير دورًا حاكمًا، وكانت المؤامرة أمضى فعلًا من الإخلاص وصدق النوايا، إلا أن التاريخ ظل بوقائعه حكمًا عدلًا .. ينصف الحقيقة لا الأشخاص .. يكشف يومًا بعد يوم من تآمر ومن أخلص لهذا الوطن. ولست هنا بصدد الدفاع عن الذات أو عن مواقف بعينها؛ فأحداث ما يسمى بــ(5 مايو 1971) لاقت من الجدل الكثير، وكما أشرت.. وقائع التاريخ فرقت ما بين حقيقة والزيف، ولكني أكتب اليوم ضد هذه الجرأة من مقدم هذه المذكرات –عبده مباشر- والتي فاقت صاحب المذكرات نفسه، وتطاوله على الحقيقة؛ حين يقدم للمذكرات فيقول “يرحل الرئيس عبد الناصر عن عالمنا، فينفجر الصراع على السلطة، وقبل أن تكتمل خطوات انقلاب عسكري دبره الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية، يتمكن بفضل الضغوط التي مارسها من إحباط هذه المحاولة، ويصل السادات إلى قمة السلطة، إلا أن فريق ورثة عبد الناصر الذين رأوا أنهم الأحق بالسلطة، بدأ العمل من أجل إزاحة السادات. ويقف الفريق صادق رئيس أركان حرب القوات المسلحة في جانب الشرعية ويتمكن من إحباط المخطط الانقلابي للورثة. وبذلك تنتهي معركة الصراع على السلطة خلال مايو 1971 لصالح الرئيس السادات ويتولى محمد صادق منصب وزير الحربية، وتبدأ مصر التخطيط لأول معركة هجومية لتحرير مساحة من سيناء شرق القناة“.

   في عام 1970، أصدر الرئيس عبد الناصر تعليمات لكل من شعراوي جمعه وأمين هويدي وسامي شرف باعتبارنا المسئولين أمامه شخصيًا عن أمن النظام، على أن نشرك معنا بشكل غير مباشر – الفريق محمد أحمد صادق، وذلك فيما يتعلق بأمن القوات المسلحة، مع إخطار الفريق أول محمد فوزي بأي مسائل تمس هذا الموضوع. وكانت مسئولياتنا نحن الثلاثة كاملة في اتخاذ الوسائل التي تحقق تأمين النظام بما فيها المراقبات والتسجيلات، وكل ما كان يتجمع من هذه الوسائل كان يرفع للعرض على الرئيس. وهذا أمر معمول به ومطبق إلى الآن في كافة دول العالم كبيرها وصغيرها، ويعلمه خبراء الأمن، دون أن يتعارض ذلك مع اعتبارات احترام الحرية الشخصية، فالأمن القومي مقدم على ما سواه. وجميع تلك التسجيلات موجودة ومحفوظة في أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكري”.

   بعد أن تولى السادات الرئاسة، استمر نفس الأسلوب بأوامر صريحة منه، إلا أنه لم يتم ترتيب أي نوع من التجهيزات للتسجيل في أي وقت حتى 13 مايو 1971 في منزل الرئيس السادات بالجيزة، أو في استراحة القناطر أو غيرها. وكانت اللقاءات الرسمية مع رؤساء الدول أو الوفود الرسمية أو الزوار، علاوة على اجتماعات مجلس الوزراء وغيرها من المناسبات الرسمية الأخرى هي التي يتم تسجيلها في الأماكن الرسمية فقط دون أماكن إقامته.. وكل هذه التسجيلات محفوظة في أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات في منشية البكري. وأستطيع أن أجزم بأنه لم يتسرب أي من هذه التسجيلات، كما لم تستغل أي معلومات شخصية وردت بها بأي شكل من الأشكال حتى 13 مايو 1971.

   مع رحيل الرئيس عبد الناصر، رأت الولايات المتحدة وإسرائيل أن العقبة الكبرى التي كانت تقف في طريق هيمنتهم على مصر والمنطقة قد زالت، وبدءوا بالتقرب من خليفته الرئيس السادات، ووضعوا إستراتيجية محكمة للانقلاب على المشروع الناصري، وكانت نقطة البداية التخلص من الرجال الذين يؤمنون بمشروعه ومنهجه، واستبدالهم بآخرين يقبلون بمشروع بديل مناقض له. كما يقول هنري كيسنجر في كتابه “سنوات في البيت الأبيض” ص 128 النسخة الانجليزية: “في يناير 1971 اتصل ضابط مصري كبير يمثل المصالح الأمريكية في مصر، وابلغه باسم الرئيس السادات أنه يبدي اهتمامًا كبيرًا باقتراح ديان“. وهناك الكثير مما أعلن عنه في كتابات غربية وعربية –أشرت إلى بعضه في شهادتي- يوضح إلى أي مدى كان الترتيب بين السادات والأمريكان والسعوديين ضد مشروع عبد الناصر، ولو كان السادات –كما يزعم حوارييه- مراقبًا حقًا لعرفنا حقيقة ما كان بينه وبين الأمريكان والسعوديين، ولم نكن نسمح له بفعل ما فعله، ولو اقتضى الأمر أن أتصرف وحدي، وعلى مسئوليتي الشخصية، بدافع وطني وأخلاقي، ولكان مسار كثير من الأحداث، ومصير المنطقة قد تغير.

   هذه هي الحقيقة، أما ما جاءت به مذكرات صادق!! يؤسفني أن أؤكد أنها خالية من أي صدق فيما يتعلق بأحداث ما يسمى 15 مايو –على الأقل- وهو ما أستطيع أن أجزم به؛ لأنني  كرجل عاصر وشارك في جميع وقائعها بحكم عمله وموقعه، ناهيك عن كثير من اللا منطقية في كثير من أجزائها الذي نشر بجريدة الأهرام.

شهادة أمجد محمد أحمد صادق

    في السطور التالية يتحدث المحاسب أمجد صادق، نجل الفريق صادق، الذى لازمه في هذه الفترة الصعبة، وكان شاهدًا أو مستمعًا من والده عن تفاصيل الفترة، يروي الأحداث التي رآها وسمعها. وصولًا لحرب أكتوبر التي لم تأتِ، من فراغ بل كانت ثمرة جهد وعمل شاق ومتواصل تعاقب عليه كثير من الرجال، وأعتقد أنه بدأ من 7 يونيه 1967 بعد الهزيمة مباشرة، بدأ الرئيس عبدالناصر يسترد سيطرته مرة أخرى فتم تعيين الفريق محمد فوزى وزيرًا للحربية، الذى كان رئيسًا للأركان بلا صلاحيات كما يقول هو نفسه، وباعترافه الشخصي مع المشير عبدالحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة وشمس بدران وزير الحربيه آنذاك.

عملية إعادة بناء القوات المسلحة

     مثلت الركيزة الأساسية، وهى تحسب للفريق محمد فوزي، الذى صاحبه فيها الفريق عبدالمنعم رياض رئيسًا للأركان، حيث إن قدراتهما وتأهليهما العسكري مكناهما من أداء هذه المهمة الصعبة، وأشارت إلى وجود صف ثان من القاده قادر على العطاء ويتميز بالكفاءة والخبرة بدلًا من الاختيارات السابقة، التى اعتمدت على الثقة.

    في أعقاب النكسة، حدثت تحقيقات في أسبابها، وهي الواقعة التي لم تتطرق إليها غالبية الكتابات عن هذه الفترة المهمة من تاريخ مصر فقد شكلت لجنة برئاسة الماريشال زخاروف رئيس الأركان السوفيتي، في ذلك الوقت، مكث في مصر أكثر من أسبوعين، قام خلالها بالاستماع لكثير من القادة للوقوف على أسباب ما حدث في 5 يونيه 67 بتكليف من جمال عبدالناصر والسوفيت وجلس مع الفريق صادق أكثر من تسع ساعات حيث كان يشغل منصب مدير المخابرات الحربية، في ذلك الوقت كما جلس مع قيادات القوات البحرية والجوية ليقدم تقرير من نسختين إلى الرئيس عبدالناصر شخصيًا غير أن أحدًا والفريق صادق الذى بحث عن هذا التقرير لم يطلع عليه ولا أحد يعرف مصيره. أعتقد أنه بناء على تقرير زخاروف للرئيس عبدالناصر بدأت التغييرات في صفوف القوات المسلحة في إطار خطة إعادة بناء القوات المسلحة.

    بعد استشهاد الفريق عبدالمنعم تم تكليف اللواء أحمد إسماعيل برئاسة أركان القوات المسلحة لكن ماحدث من إغارة على الزعفرانة، وكان عبدالناصر يشهد أحد الأنشطة التدريبية للقوات المسلحة فكلف الفريق صادق الذي كان مدير المخابرات الحربية، اللواء عبدالقادر حسن بإبلاغ الرئيس بما حدث فكلف عبد الناصر اللواء أحمد إسماعيل رئيس الأركان بالتعامل مع الموقف فاتصل عبدالناصر بالأستاذ محمد حسنين هيكل للتأكد من الواقعة فأخبره بصحتها فقرر إحالة أحمد إسماعيل للتقاعد في 1969، ليتولى الفريق صادق رئاسة الأركان.

   عن علاقة الفريق صادق بالسادات فهي قديمة وتعود إلى منتصف الأربعينيات، حيث كان صادق يعمل ضابطًا في الحرس الملكي والسادات في الحرس الحديدي الذي يشرف عليه طبيب الملك يوسف رشاد فقد تم طرد السادات من الخدمة بالجيش بعد مقتل أمين عثمان فتعرف عليه الوالد من خلال تردده على يوسف رشاد ومن المواقف أنه عندما أرادوا القبض على السادات سبق الوالد إلى منزل السادات وأخلاه من المفرقعات حتى لا يتم توريط السادات وتثبت التهمة عليه. عندما قامت الثورة كان الفريق صادق في الحرس الملكي، المرافق للملك فاروق في قصر رأس التين بالإسكندرية، وكان ممن دافع عن الملك ووقع اشتباك مع القوات التي كانت تحاول محاصرة القصر واقتحامه نتج عنه إصابات بسيطة، وكان الفريق عبدالمحسن مرتجى ضمن قوات الحرس الملكي مع الفريق صادق والفريق سعد متولي أيضًا، الذي أصبح يجاور الرئيس عبدالناصر والسادات، عندما توفى عبدالناصر كانت العلاقة بين الفريق محمد فوزى والوالد جيده جدًا، لكن ماحدث كان خلافًا سياسيًا فقد رفض الفريق صادق المشاركة في الانقلاب الذي كان يعد له الفريق أول محمد فوزي، وزير الحربية، وشعراوي جمعة وزير الداخلية، وعلي صبري رئيس الاتحاد القومي، لأن الفريق صادق كان يرى أن الأوضاع صعبة ومصر تحاول استعادة أرضها في سيناء وتعد للحرب لا تحتمل انقلابًا وصراعًا على السلطة يدخل الجيش في عمل غير القضية التي يستعد لها والتي تنتظرها مصر كلها رغم أن العلاقة بين السادات وصادق عادية جدًا رغم متانتها في السابق بل أصبحت علاقة عمل رئيس الجمهورية ورئيس الأركان ولم تعد هناك اتصالات.

    الفريق محمد فوزي حاول استمالة الفريق صادق للإطاحة بالسادات لكن صادق انحاز إلى الشرعية والمصلحة العليا لمصر، وليس للسادات الذي أكد في خطاب رسمي أن الفريق صادق تحرك وأحبط الانقلاب من وحي ضميره وإحساسه بالمسئولية وليس أمرًا أو توجيها من أحد. كان الموقف واضح بالنسبة للفريق صادق أن مصر لن تحتمل انقلابًا في ظل وجود عسكري وقواعد سوفيتية والوضع خطير لذا كان قرار الفريق صادق بدون توجيه من أحد.

    يوم 14 مايو اتصل الأستاذ هيكل بالوالد طالبًا منه الحضور لحلف اليمين الذي أداها الساعة الثانية فجرًا أي بعد عشر ساعات من قرار التعيين بعد إحباط الانقلاب. أما الليثى ناصف فقد كان حتى آخر لحظة لم يحسم أمره بل أنه لم ينحاز للسادات، إلا عندما علم موقف الجيش بقيادة الفريق صادق الذي أرسل عناصر من المجموعة 39 قتال التابعة للمخابرات، بعمل كمائن أمام القصر الجمهوري لمنع أي دبابة تخرج من الحرس الجمهوري من الاقتراب من القصر وأن يتم التعامل معها بحسم. بل أن الرئيس السادات طلب من الفريق صادق السماح لدبابات من الحرس الجمهوري لحماية منزله بالجيزة فرفض صادق، مؤكدًا أن الأوامر والتعليمات واضحة بمنع خروج وتحرك مركبات ومدرعات الجيش من الوحدات لأنه إذا حدث سوف يتم التعامل معها، وذلك إحكامًا للسيطرة على الموقف، ساعتها بدأ الليثي ناصف يميل إلى الشرعية وينحاز إلى السادات.

    طلب الفريق فوزي من الوالد وفي كتاب بخط يده أخفاه الوالد خلف برواز صورة بالمنزل ولم يخرجه إلا بعد وفاة الرئيس السادات، لأن ظهوره في حياة الرئيس كان يعنى إعدام الفريق فوزي، وإن كان الأستاذ هيكل قد نشر هذا الخطاب، وتضمن تحريك للقوات وعمل شوشرة على الإذاعة. تعامل الفريق صادق بكل الاحترام مع الفريق فوزي فقد أمر أن يكون سجن الفريق فوزي بالمستشفى العسكري بما يليق بما قدمه لمصر.

    خطط الحرب بدأت في الظهور بعد مايو 1971 أعتقد في يوليو بدأت تظهر جرانيت 2 والمعدلة بعدها ظهرت خطة المآذن العالية، وبعد أحداث مايو 71 تولى الشاذلي رئاسة أركان حرب القوات المسلحة مع الفريق صادق الذي أصبح وزيرًا للحربية. كان السادات يشك في كل الناس فعندما سافر الفريق صادق إلى الاتحاد السوفيتى وتم استقباله مثل الرؤساء واجتمع مع بريجنيف وجريشكوا لمدة أربع ساعات أثار ذلك حفيظة السادات.

    خلال حرب أكتوبر حضر إلى منزل والدي شخصيه مقربة من السادات وكان سيذهب بعدها إلى الرئيس السادات قال له الفريق صادق إنه مستعد لخدمة مصر في أي موقع وأنه رهن الإشارة، وقال له الفريق صادق: بلغ السادات سلامي، وقل له خلي بالك من الدفروسوار وكان هذا قبل حدوث الثغرة. كان هناك خطة معدة لتدمير الدفرسوار بمعنى أن القوات المسلحة كانت تتوقع حال حدوث العبور أن تفكر إسرائيل في القيام بعمل كما حدث في الزعفرانة، لذلك كانت هناك قوات معدة التدريب والتعامل مع مثل هذه المواقف، بمعنى إعداد منطقة شرك أو اصطياد للقوات الإسرائيلية، وهناك قوات متدربة على ذلك.

   في 1972 طلب السوفيت قاعدة بحرية في مطروح غير أن الفريق صادق رفض في الوقت الذى بدأ فيه السادات يميل للموافقة، فطلب صادق من القذافي الدفع بوحدات مدرعة، حيث كانت مصر وليبيا ضمن اتحاد الجمهوريات العربية المتحدة، لتأخذ نفس الموقع الذي طلبه السوفيت فأفسد الفريق صادق بالتعاون مع القذافي هذه الخطة.

مذكرات الفريق صادق: تكشف تفاصيل مثيرة لتهريب عرفات خلال أيلول الأسود

   ضمن مذكرات الفريق محمد صادق ابان ايلول الأسود في الاردن. وفي إحدى المهمات أثناء توليه رئاسة أركان الجيش المصري، عندما سافر مع وفد برئاسة الرئيس السوداني جعفر نميري، كمبعوثين من مؤتمر القمة العربية المنعقد في أيلول/ سبتمبر لوقف القتال بين اﻷردن وفلسطين، وكلف شخصيًا من الرئيس عبد الناصر بإحضار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، المحاصر في الأردن.

   من مذكرات الفريق أول محمد أحمد صادق، كواليس كاملة لتهريب ياسر عرفات، على لسان منفذ المهمة الفريق أول محمد أحمد صادق من واقع مذكراته: “القذافي” لوزير الحربية: سفرك الآن ضرورة لإنقاذ الثورة الفلسطينية اعتبارًا من يوم 17 سبتمبر 1970، بدأ الجيش الأردنى قصف معسكرات وأماكن تجمعات المقاومة الفلسطينية بنيران كثيفة ومتصلة، وأدرك قادة المقاومة أن الملك حسين يخوض هذه المعركة لتصفية وجود المقاومة الفلسطينية بالأردن، وأنه قد حسم أمره فعلًا، ومستعد للمضي إلى النهاية. وقررت كل المنظمات الفلسطينية خوض المعركة، ولم يكن أمام المقاومة فرصة للانتصار على الجيش الأردني حسن التدريب والموالي للملك حسين، وتصاعد هذا الغضب الذي لم تبال به القيادات الفلسطينية في الوقت المناسب، بل ولم تعره أى اهتمام استنادًا إلى وجودها القوي ورسوخ أقدامها بالضفة الغربية للأردن التي تضم نسبة كبيرة من السكان الفلسطينيين، وكذلك إلى تعاطف الرأي العام العربي معها باعتبارها أول تجسيد للمقاومة العربية بعد نكسة يونيو 1967، وظل الغضب يتصاعد ضد المقاومة الفلسطينية ورجالها. وكنت قبل أن يبدأ الهجوم الأردني على المقاومة الفلسطينية قد قررت دخول مستشفى القوات المسلحة في ضاحية المعادى بالقاهرة لإجراء جراحة ولم أخبر أحدًا بدخولى المستشفى، كان في ذلك الوقت الرئيس جمال عبدالناصر موجودًا في مرسى مطروح لراحه إجبارية فرضها عليه الأطباء، ولن يزعجني أحد، وعلى أن أجري الجراحة وأمضي بضعة أيام في المستشفى ثم أعود لعملي كرئيس لهيئة أركان القوات المسلحة المصرية، وبعد دخولي المستشفى بساعة واحدة دق جرس التليفون وقيل لي إن الرئيس عبدالناصر على التليفون. لازلت أذكر صوته يرن في أذنى: “أهلا يا صادق.. انت فين.. إحنا عاوزينك لمهمة عاجلة ستسافر الآن فورًا إلى الأردن في مهمة لوقف القتال الدائر هناك، المقاومة في مأزق وانت أعرف الناس بهم، انت فين دلوقت؟” ولم أشأ أن أقول للرئيس إنني في المستشفى، وعاد عبدالناصر يكمل حديثه قبل أن أرد: “إلى جواري الآن الرئيس القذافي هو أيضًا سيكلمك”. ويقول القذافي: “يا أخ صادق سفرك الآن ضرورة لإنقاذ الثورة الفلسطينية”، ويعود الرئيس عبدالناصر ليتابع تعليماته: “جهز نفسك للسفر فورًا إلى عمان”. وأجيب أنا: “لكن يا سيادة الرئيس.. عمان تحترق، القتال في الشوارع، مطار عمان مغلق”. ويرد الرئيس: “يا صادق تصرف، وأنا واثق في حسن تصرفك، كل ما نطلبه من الملك حسين هو وقف نزيف الدم.. وتحقيق المصالحة وإنقاذ عرفات من هذا المأزق الخطير”.

السفر إلى الأردن ولقاء الملك حسين وشروط وقف إطلاق النار

    غادرت المستشفى من دون أن أجري الجراحة.. رغم تجهيز حجرة العمليات فعليًا، ومن مستشفى المعادي إلى مطار “ألماظة” مباشرة، حيث أصدرت تعليماتي بتجهيز طائرة حربية للإقلاع فورًا على أن تملأ خزانات الوقود إلى نهايتها.. ولم أشأ أن أطلعهم على وجهة سفري، فقط اكتفيت بالقول إننا متجهون إلى بيروت، وعند وصولنا أجواء العاصمة اللبنانية قلت لقائد الطائرة: “الآن إلى مطار المفرق في الأردن”، وبلا إجراء أي اتصالات لاسلكية كنا فوق مطار المفرق وهبطت الطائرة. وهناك توجهت لقائد المطار العسكرى وكشفت له عن شخصيتي، أنا الفريق محمد صادق رئيس أركان القوات المسلحة المصرية، أريد لقاء عاجل مع جلالة الملك حسين.. معي رسالة مهمة من الرئيس عبدالناصر، اتصالات عديدة تمت مع القصر الملكي.. أخيرًا الملك حسين على التليفون ليقول لي: “الطريق غير مأمون لوصولك”. قلت: أعلم ذلك.. أرجو إرسال طائرة هليكوبتر للوصول إليك، وبالفعل جاءت طائرة الملك حسين إلى مطار المفرق، وركبنا الطائرة التي هبطت بنا في فناء القصر الملكي بالحمر.

    الملك حسين في ردائه العسكري.. مظاهر الإرهاق بادية على وجهه.. استقبلني مرحبًا ومتسائلًا: “ها أنت ترى أفعالهم، لابد من القضاء على الفتنة وإنقاذ الأردن”. جلست طويلًا مع الملك وبعد أن أطلعني على كل دقائق الموقف العسكري قلت: أريد أن أقابل ياسر عرفات.. وأين هو عرفات؟ قال لي الملك: “لن تجده.. نحن نبحث عنه ولا نجده. وبعد مناقشات دامت حوالي ثلاث ساعات غادرت القصر الملكي بسيارة مصفحة نقلتني إلى مقر السفارة المصرية في جبل عمان حيث يواجهها فندق الأردن أكبر فنادق عمان العاصمة، وهناك لم أجد أحدًا في السفارة إلا ضابط اتصال مصري شجاع، لم يكن معنا في السفارة سوى جهاز اللاسلكى، وجهاز راديو، والقصف يحيط بنا من كل النواحي، ظللت ثلاثة أيام داخل السفارة، ومن الطابق العلوى كنت أراقب مسرح العمليات وأجريت من خلال ضابط الاتصال المصري اتصالات مباشرة مع عدد من قادة المقاومة وبدأت عملية إبلاغ الرسائل إلى أبوعمار عن طريق إبراهيم الدخاخني ضابط الاتصال حول شروط وقف إطلاق النار.

    الملك حسين يبلغ عبدالناصر في القاهرة بالشروط التي يراها ملائمة لوقف إطلاق النار ويتصل عبدالناصر بي لأبلغها بدوري لضابط الاتصال الذي يقوم بإبلاغها لياسر عرفات، وكان عليه أن يخترق خطوط القتال سيرًا على الأقدام من الجانب الأردني إلى الجانب الفلسطيني، وقد رأى ياسر عرفات أن الشروط الأردنية قاسية، ولا يستطيع قبولها، وطلب في رسالة إلى عبدالناصر الحصول على شروط أفضل من تلك الشروط.

عبد الناصر: أحضروا ياسر عرفات حيًا إلى القاهرة وعدت إلى القاهرة وقابلت على الفور الرئيس عبدالناصر وقدمت له تقريري النهائي، وقتها كان عبدالناصر قد دعا الملوك والرؤساء العرب لاجتماع قمة طارئ يعقد في القاهرة، وخلال المؤتمر اقترح عبدالناصر تشكيل وفد يمثل القمة العربية برئاسة الرئيس السوداني جعفر النميري وعضوية الباهي الأدغم رئيس وزراء تونس آنذاك، والشيخ سعد العبدالله السالم، وزير الدفاع الكويتي آنذاك، بالإضافة إلي شخصي كرئيس لأركان القوات المصرية المسلحة. واتفق على أن يكون هذا الوفد ممثلًا لكل المجتمعين في القاهرة وله سلطة التصرف باسمهم في الموقف على أساس الاتصالات بالملك حسين وبالسيد ياسر عرفات.

    كانت قمة القاهرة قد عقدت في محاولة جادة من مصر لإيجاد مخرج للأزمة المتدهورة في الأردن حيث يرتفع عدد الضحايا كل دقيقة بطريقة مخيفة، وعقد وفد القمة اجتماعًا في فندق هيلتون، تم خلاله الاتفاق على خطة عمل الوفد المسافر إلى عمان، وبعد ذلك اتجهت للقاء منفرد مع الرئيس عبدالناصر الذي بادرني قائلًا: ”أهم شيء عندي الآن هو أن تحضر لي ياسر عرفات حيًا إلى القاهرة، فعرفات يمثل الرمز الفلسطيني ولابد من إنقاذ هذا الرمز، عليك أن تتصرف في نطاق من السرية الكاملة، ولك كل الصلاحيات، بقية المهام يقوم بها وفد القمة مجتمعًا، وضع خططك ونفذ التعليمات فنحن في سباق مع الزمن”.

     غادرنا جميعًا مطار القاهرة إلى مطار عمان، حيث فوجئ الجميع بوصول وفد الملوك والرؤساء العرب، واتجهنا فورًا إلى لقاء الملك حسين الذي كان يحيط به كبار ضباطه، وبدأ العاهل الأردنى شرحًا مطولًا للموقف، وعقب انتهاء المباحثات، وجـه الرئيس نميري بيانًا أذيع عبر إذاعة عمان موجهًا لجماهير الشعب الأردني قال فيه: ”إننا جئنا إليكم باسم مؤتمر القادة العرب الذي ينعقد اليوم في القاهرة، فور أن حلت النكبة في بلدكم العزيز هذا، وما وقع فيه من أحداث دامية مؤسفة عصرت الدماء في قلب الأمة العربية، لقد كانت الشعوب العربية تتابع كفاحكم ضد العدو المشترك لحظة بلحظة طوال السنوات الماضية.. ولكنها روعت فجأة بوقوع الكارثة بالأردن المتفتح، وقد كانت تتوقع حدوث أي شيء ما عدا هذا لثقتها بأن الذي يقف في أرض المعركة هو أكثر الناس إدراكًا وتمسكًا بمعنى الاتحاد والتعاون والتلاحم تحت كل الظروف، إن الشعوب العربية لم تكن تتصور أن تتفاقم الأحداث وتصل إلى ما وصلت إليه بين الأخوة الأشقاء في الدار والدم واللقمة والهدف والمصير، بل كانت تؤمن أن القوى الصامدة في الأردن هي أكبر من كيد العدو ومكره وأساليبه الخبيثة المدمرة، لقد اجتمعت وأعضاء الوفد العربي إلى جلالة الملك حسين ولمست مع إخواني جراحات قلبه وأسى فؤاده.. ولكننا لمسنا إلى جانب ذلك إيمانه بالعمل الفدائي، وحرصه عليه، وإيمانه بوحدة شعبه وقدسيتها وحرصه عليه، وقد لمسنا من جلالته الاستجابة الصادقة والفورية لنداء أمته وصوت ضميرها وهو الذي كافح وعمل في سبيل أمته طوال حياته، ولئن تعذر علينا الاجتماع بالأخ ياسر عرفات، فقد اجتمعنا بالأخوة صلاح خلف، وفاروق قدومي، وإبراهيم بكر، وبهجت أبوغربيه، والعقيد سمير الخطيب، ووجدنا عندهم الاستجابة الفورية والصادقة لنداء أمتهم وصوت ضميرها وهم العاملون المكافحون في سبيل قضيتها المقدسة”.

    أخيرًا نجحت الجهود العربية، وتم الاتفاق على عودة قوات الجيش الأردني إلى ثكناتها وقواعدها العادية، وجلاء الفدائيين من عمان والمدن والقرى، ونقل قواعدهم إلى خطوط وقف إطلاق النار والتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تضم وقتئذ منظمات المقاومة العشر برئاسة السيد ياسر عرفات، وتطبيق نظم الدولة وقوانينها على الفدائيين وعلى كل من يعيش على أرضها. عدنا إلى القاهرة وقد وصلت الجهود إلى نتيجة يمكن لها على الأقل أن توقف النزيف والخراب، وأن تعطي للقادة العرب فرصة للتفكير والتدبر، فهناك اتفاق تم التوصل إليه لوضع حد للحرب الأهلية في الأردن، وهذا الاتفاق يحظى بموافقة كل الأطراف –أردنيًا وفلسطينيًا وعربيًا– وكان هذا بالتحديد يوم 23 سبتمبر/ أيلول سنه 1970، وفي هذا اليوم غادر الرئيس اللبنانى شارل حلو القاهرة إلى بيروت بعد أن شارك في جانب من اجتماعات القادة العرب وفي الوقت نفسه كان الرئيس اللبناني الجديد سليمان فرنجية قد تسلم سلطاته الدستورية اعتبارًا من يوم 23 ايلول ثم غادر بيروت إلى القاهرة صباح 24 ايلول ليشارك في اجتماعات القمة العربية، وفي اليوم التالى 24 ايلول 1970 حدثت المفاجأة، فاتفاق وقف إطلاق النار لم يصمد طويلًا، القتال استؤنف بطريقة أشد وأعنف. عاد القادة العرب المجتمعون في القاهرة لليوم الثالث على التوالي إلى مشاوراتهم ووصلوا إلى نتيجة محددة، أن الأمور وصلت بما تتجه إليه الأحداث في الأردن إلى حد يتعين معه حسم الموقف بصفة قاطعة ونهائية. واتفق القادة العرب على أن يعود الرئيس جعفر نميري إلى عمان مرة أخرى وأخيرة على رأس وفد يضم الباهي الأدغم، والسيد حسين الشافعى، والشيخ سعد العبدالله السالم، والدكتور رشاد فرعون مستشار الملك فيصل، والسيد فاروق أبوعيسى وزير خارجية السودان آنذاك، والفريق محمد أحمد صادق، وكانت مهمة الوفد المعلنة هي تقصى الحقائق والعمل بكل الوسائل من أجل وقف إطلاق النار على أن يعود الملوك والرؤساء العرب للاجتماع مرة أخرى في اليوم التالي (25 سبتمبر) للنظر في النتائج النهائية لمهمة الوفد. كانت هذه هي مهمة الوفد الرسمية والمعلنة، أما المهمة الأخرى السرية التي لم يكن يعرفها أحد غيري فهي صدور تعليمات مباشرة لي من الرئيس عبدالناصر بإحضار ياسر عرفات إلى القاهرة بأى طريقة وبأي أسلوب كان.

     ثلاث سيارات مصفحة لتحرير “عرفات” قرب جبل اللويبدة وصلنا إلى عمان وعقدنا اجتماعًا مطولًا مع الملك حسين، تركت الاجتماع وذهبت إلى شرفة القصر الملكي استطلع ميدان المعارك، كان القصف مركزًا وشديدًا على مناطق معينة علمت أنهم يعتقدون أن أبوعمار كان موجودًا فيها، وأثناء المقابلة الطويلة قطعت الإذاعة الأردنية إذاعتها التي كانت تقتصر على الأناشيد العسكرية، لتعلن أن الرئيس نميري سيذيع بيانًا بعد وقت قصير، وفي الساعة الحادية عشرة وعشر دقائق مساء 24 سبتمبر/ أيلول أذاع راديو عمان نداء بصوت الرئيس نميري كان نصه: “الأخ المناضل ياسر عرفات، باسمي شخصيًا ونيابة عن الوفد الذي وصل إلى عمان هذه الليلة نرجو منكم أن تقترحوا علينا كيف يمكن الاتصال بكم ومكان وموعد الاجتماع وبأى وسيلة متاحة، وبما أن الأمر هام وعاجل فأرجو تحقيق ذلك حالًا.. نكرر حالًا وشكرًا.”. وظل راديو عمان يكرر النداء بعد ذلك عدة مرات، وبعد حوالى الساعة.. وفي الساعة الثانية عشرة و45 دقيقة رد ابوعمار على النداء ببيان أذيع من راديو اللجنة المركزية في دمشق قال فيه: “سيادة الأخ الرئيس اللواء أركان حرب جعفر محمد نميري.. سمعت نداءكم الموجه إلينا من إذاعة عمان من أجل لقاء عاجل وفوري يجمعنا.. وتلبية لندائك أقول: ليكن الاجتماع الليلة وفي حدود الساعة الواحدة ، ونقترح أن تصلوا سيادتكم عبر الطريق الموصل من فندق الكرمان إلى مدرسة عالية إلى مقر سفارة الجمهورية العربية المتحدة في جبل اللويبده ويصلكم مندوب من طرفنا ليرافقكم إلى مقر الاجتماع، لقد عممنا على قوات الثورة في جبل اللويبدة لتأمين وصولكم وعدم التعرض لسيادتكم وسيكون أكثر أمنًا لمسيرتكم لو شددتم على الطرف الآخر بالتقيد بوقف إطلاق النار في جبل اللويبدة هذه الليلة وإلى أن نلتقى بكم لكم التحية من إخوانكم المناضلين”.

    من القصر الملكى في عمان ذهبنا إلى لقاء ياسر عرفات وكان دليلي هو ذلك الضابط المصري الشجاع إبراهيم الدخاخني، وتحت ستار من القصف المدفعي الشديد توجهت ثلاث سيارات مصفحة إلى مكان الاجتماع بعرفات، توقفت السيارات الثلاث عند مكتب الوزير المفوض المصري في جبل اللويبدة، منطقة يسيطر عليها الجيش الأردنى، وعلى بعد كيلو متر واحد يقف الفدائيون متحصنين في مواقعهم على قمم جبال عمان وفوق أنقاض المنازل التي تهدمت وصل مندوب من ياسر عرفات، وبعد مداولة قصيرة تقرر أن ينتقل الرئيس السوداني ومعه أعضاء الوفد إلى المقر السري لعرفات، ويتم اللقاء، ويتفق على أن ينتقل الجميع إلى مقر السفارة المصرية في جبل عمان، وكان لابد من تغيير زي أبوعمار حتى لا يتعرف عليه أحد، وبالفعل نجحنا وركبنا السيارات ومعنا عرفات ودخلنا السفارة المصرية من دون أن يحس أحد أن معنا ياسر عرفات، وبدأنا المفاوضات مع الملك حسين.

    في الساعة الثانية إلا الثلث بعد ظهر يوم 25 سبتمبر أذاع راديو عمان أن وفد الملوك والرؤساء قد اجتمع مع كل من الملك حسين وياسر عرفات، وقال أنه نتيجة للجهود المباركة التي بذلها الوفد برئاسة اللواء جعفر نميري فقد تم بحمد الله الاتفاق الشامل على وقف إطلاق النار، وأضاف أن ياسر عرفات سلم إلى اللواء نميري “نداء خطيًا” موقعًا منه بوقف القتال، بعد ذلك بدأ وفد الرؤساء بحث الخطوات التنفيذية للاتفاق، ولكنها تعثرت بالتطورات التي حدثت عند العصر، فالقتال استؤنف مرة أخرى وتجدد القصف وشمل كل مناطق عمان. ولكي أتمكن من إخراج ياسر عرفات من عمان من دون علم أى فرد في الأردن طلبت منه أن يصعد إلى الطابق الثالث من السفارة ويظل هناك إلى أن أحضر إليه، في الوقت نفسه طلبت من ضابط الاتصال المصري أن يقوم أبوعمار بتسجيل بيان يذاع بصوته في وقت حددته له من إذاعة المقاومة يهاجم فيه الأردن ويعلن استمرار القتال حتى يتم الاتفاق الكامل على وقف إطلاق النار، وقتها اعترض أبوعمار قائلًا: كيف ذلك؟ قلت له: أرجوك لا وقت لدينا نفذ ما طلبته منك وأنا ضامن للنتيجة النهائية وهي حقن الدماء، وسأتجه أنا الآن مع وفد القمة العربية للقاء أخير مع جلالة الملك حسين. وبالفعل ذهبت مع الرئيس نميري ودخلنا مع الملك حسين في مفاوضات حول تثبيت وقف إطلاق النار، وبعد مضى نصف ساعة، دخل علينا أحد ياوران الملك حسين ومعه جهاز تسجيل أداره للملك فسمعنا بيانًا بصوت ياسر عرفات يهاجم فيه الأوضاع بشدة ويعلن استمرار القتال حتى يتم التوصل إلى إيقاف حقيقي للمعارك، وثار الذين من حول الملك وبدا الوضع في غاية الصعوبة فقلت لهم بالقطع هذا ليس صوت عرفات، ولم يستمع أحد لتبريراتي، وانتهى الاجتماع بقرارنا العودة فورًا إلى القاهرة. وعدنا إلى السفارة المصرية وقد اشتدت المعركة، وقد لاحظت من خلال متابعتي أن القصف تركز هذه المرة على المنطقة التي التقينا فيها بياسر عرفات في جبل اللويبدة، وقبل أن نغادر السفارة المصرية طلبت أن اصطحب معي في الطائرة عددًا من المصريين الذين حاصرتهم الأحداث، وبالفعل وصل إلى مقر السفارة عدد من السيدات طلبت منهن أن يجهزن أنفسهن لركوب السيارات التي ستتجه إلى المطار، وصعدت إلى الطابق العلوي من السفارة وطلبت من أبوعمار أن يحلق ذقنه وهنا فقط أخبرته أنه سيصحبنا إلى القاهرة، فعارض عرفات ذلك بشدة، فقلت له أن هذا هو قرار الرئيس عبدالناصر، وإن وجودك الآن حيًا خارج عمان أفضل للمحافظة على الثورة الفلسطينية، والرئيس عبدالناصر لديه من الخطط ما يضمن إنهاء الاقتتال الدائر خلال يومين أو ثلاثة، عارض عرفات طويلًا ولكنه في النهاية وافق، ثم استعرت عباءة الوزير الكويتي وألبستها لعرفات ونزلت به إلى الطابق الأرضي للسفارة وطلبت من إحدى المواطنات المصريات أن تركب السيارة ومعها عرفات وابنتها، وبدأنا جميعا نتحرك إلى السيارات من دون أن يشعر به أي فرد من رجال المخابرات الأردنية. ووصلنا إلى مطار عمان فطلبت من سائق سيارة عرفات أن يتجه مباشرة إلى الطائرة ونزل عرفات ومعه السيدة المصرية التي لم تكن تعرفه وصعد إلى الطائرة وجلس في مقعده من دون أن يحس به أحد بينما كنت أنا منهمكًا في حديث ضاحك مع أحد ضباط الجيش الأردنى الكبار كما صافحت حرس الطائرة لأشغلهم عن متابعة الصعود إلى داخلها.

“أبو عمار” يصل القاهرة ودهشة جمال عبد الناصر

     انطلقت الطائرة إلى القاهرة ونزل منها الرئيس نميري وبقية أعضاء الوفد واستقبلنا في المطار من دون أن يشعر أي فرد في مصر، ومن المطار إلى مكتبي في رئاسة الأركان ومعي عرفات، وفجأة دق جرس التليفون، كان المتحدث سامي شرف: “حمدًا لله بالسلامة.. نقدر جهودكم، الرئيس عبدالناصر يسأل عنك وما هى أخبارك”، قلت: “كله تمام”، سأل سامي شرف: “ماذا تعني، ماذا أقول للرئيس؟”. قلت: “كله تمام”. قال: ماذا تعني؟ قلت: “لا شيء ، فقط أرجو إبلاغه: المهمة نفذت”. قال: “أي مهمة؟” قلت: “أرجوك أبلغ الرسالة للسيد الرئيس” وبعد دقائق كان عبدالناصر شخصيًا على التليفون “يا صادق حمدًا لله بالسلامة، ماذا فعلت؟” قلت: “المهمة نفذت يا فندم، كله تمام، عرفات موجود معي”. قال الرئيس: “موجود فين؟” قلت: “عرفات معي الآن”. قال الرئيس: “معك الآن في القاهرة؟ كيف حصل ذلك؟ كيف خرجت به من عمان من دون أن يعلم أحد؟ وكيف دخلت به القاهرة من دون أن يراك أحد؟” قلت: “يا فندم أبوعمار إلى جواري الآن يرتدي بذلة الياور المرافق لي”. قال الرئيس: “إذن أحضر أنت وهو فوراً..؟ نعم الآن وفورًا..” وبعد دقائق كنا ياسر عرفات وأنا في منزل الرئيس عبدالناصر بالأحضان وبالعناق قابله عبدالناصر والدموع تملأ عينيه..”الحمد لله” … قالها الرئيس عدة مرات. قلت للرئيس عبدالناصر: ”ما العمل الآن يا سيادة الرئيس؟” قال: “ماذا تقترح؟” قلت: “يظل عرفات معنا بصفة سرية لبضعة أيام ثم يطير إلى دمشق ومن هناك يبدأ العمل”. هنا قال عبدالناصر: “بل عرفات سيظهر للناس غداً وبصفة رسمية..”. قلت: “هذا سيؤزم الموقف”. قال الرئيس: “يا صادق اذهب الآن لتنام لقد نفذت مهمتك بنجاح.. واترك لي المهمة الآن”. وبالفعل تركت عبدالناصر ومعه ابوعمار وعدت إلى مكتبي. وبعد ساعتين دق التليفون وصوت عبدالناصر: ”يا صادق افتح الراديو اخبار الساعة الواحدة والنصف مساء ستعلن وصول ياسر عرفات إلى مصر”. قاطعته قائلًا: “يا ريس أخشى من تأزم الموقف”. وهنا قال عبدالناصر “ظهر غد يكون الملك حسين في القاهرة وستتحقق المصالحة”. في اليوم التالي كان الملك حسين يتصل بالرئيس عبدالناصر ويبلغه أنه في طريقه إلى القاهرة لحضور القمة.

     في مساء يوم 27 سبتمبر أعلن من القاهرة التوصل إلى اتفاق شامل بين الحكومة الأردنية والمقاومة الفلسطينية، وبدأ الملوك والرؤساء العرب يغادرون القاهرة إلى عواصم بلادهم وكنت مع عبدالناصر بالمطار وكانت السعادة تغمره، وكانت آخر كلماته لي: ”يا صادق اذهب الآن لتستريح، وبعد ذلك فلتدخل المستشفى لتجرى الجراحة، لماذا لم تقل لي وقتها انك كنت في المستشفى عندما طلبت منك السفر فوراً إلى عمان؟”. قلت له يا سيادة الرئيس لم أفعل سوى الواجب، فلتعد سيادتكم الآن للمنزل وتستريح. قال لي: “بالفعل أنا تعبان وسأنام ملء جفوني. الحمد لله. تحققت المعجزة. سأذهب لأنام ولا أريد أي إزعاج من أي واحد منكم. أنت أيضًا اذهب لتنام مفهوم وبعدها سنلتقى…”. وودعت الرئيس بعد أن أديت له التحية العسكرية وذهبت إلى مكتبي. وبعد ساعات دق جرس التليفون: عليك بالتوجه فوراً إلى منزل الرئيس عبدالناصر. وقتها قلت لنفسي “سبحان الله، الراجل ده مش حايريح نفسه أبدًا..” ولم يخطر على بالي أي شيء سوى أنها مهمة جديدة سيكلفني بها الرئيس عبدالناصر. وفي بيته في منشية البكري كانت الفاجعة … عبدالناصر ف رحاب الله.