محمد حليم ليمام(**)

مقدمة:

لم تجد ظاهرة الفساد في الجزائر حتى الآن تشريحاً يسمح بفهم طبيعتها ومقوماتها على الرغم من أنها صارت منذ مدة موضوعاً مهيمناً رسمياً وإعلامياً وشعبياً. بل إن الحكومة، وبمناسبة وضعها تشريعاً لمنع الفساد والوقاية منه (2006)، سمحت بإقرار موضوع مكافحة الفساد في البرامج التربوية والجامعية. ربما يكون من مبرّرات نقص العناية بفهم الفساد، غياب إرادة حقيقية للتصدي بحزم لظاهرة تشكّل خطراً حقيقياً على جميع الصعد وفي جميع مجالات الحياة. فانعدام الإرادة السياسية لمكافحة الفساد والحد منه، يعد واحداً من المؤشرات التي تضع الدولة في سلّم البلدان ذات الحكم السيئ. وإذا كان فهم مشكلة الفساد جزءاً أساسياً من حلّها، فإن هذا يجر إلى القول إن التصوّر الموجود لدى القائمين على سياسة مكافحة الفساد (الهيئات الرسمية) بأن الفساد أمر عادي، ومحاربته تستوجب تعزيز الترسانة القانونية والإجراءات الإدارية، والتوجه مباشرة إلى الكوادر، وغرس ثقافة النزاهة والشفافية فيهم، هو تصور أفضى إلى تقديم حقائق بعيدة كل البعد من الواقع، وشجّع على «تتفيه (Banalisation)» ظاهرة الفساد بدلاً من شجبها. وهكذا، عوض تشجيع المناقشة العلمية للموضوع، والدعوة إلى فهم صريح لظاهرة الفساد، يستمر التعتيم على وعي الأفراد بحجم الفساد، وبصعوبة اجتثاثه، وإدراكهم لتواضع أداء الحكومة في مجال الحد منه. وتالياً، لنا أن نتساءل: هل هذا التعتيم مقصوداً؟

هذه الدراسة محاولة لفهم طبيعة ظاهرة الفساد في الجزائر، من خلال بحث العلاقة بين توغّل الفساد وتغلغل الاستبداد منذ الاستقلال، من منطلق أن مقوّمات السلطوية هي متلازماتٌ لنمط الفساد النسقي، وهذا الأخير يشكّل بدوره سنداً وأساساً وعامـلاً رئيساً لاستدامة السلطوية. لكن الدراسة لن تعالج موضوع قياس الفساد أو تتعرّض لتحليل قضاياه، أو بحث تكاليفه، وطرائق التصدي له، كما أن الأمر لا يتعلّق بتحري تفاصيل الواقع، والتعليق عليها، بل محاولة لاستنباط المغزى السلطوي لمسألة تفشي الفساد في الدولة، وفهم كيفية تمفصل ظاهرتَي الفساد والسلطوية. قبل مناقشة هذه الإشكالية، نتساءل: كيف يمكن فهم الفساد النسقي؟

أولاً: فساد الحكم والحكم بالفساد

اهتم الباحثون مؤخّراً وعلى نحوٍ غير مسبوق بمسألة فشل الإصلاح في الدول التي ينخرها الفساد‏[1]، وعواقب ذلك على الحكم والسياسات فيها، إذ نالت الأنظمة الديمقراطية والسلطوية قسطاً وافراً من التحليل من أجل فهم تغلغل الفساد، في مقابل عقم سياسات مكافحته. في الحالة الأولى، تُطرح مسألة العلاقة بين متانة أو هشاشة المؤسسات والمشاركة في المجال السياسي والاقتصادي، ومدى التوازن القائم بينهما. وهنا، يُنظر إلى دور اللّامساواة أولاً، في زيادة التوقعات، في ما يتعلّق بتقوية المصالح الخاصة، وإمكانية وصولها إلى التأثير في صنع القرار والسياسات من طريق استخدام التأثير والرشوة. وثانياً، في دورها في تعزيز السياسات الزبائنية، علماً أن الزبونية السياسية تكون وليدة العملية الانتخابية التي يشوبها الفساد‏[2]. إنّ أهم ما في الديمقراطية تكافؤ الفرص، والمساواة بين المواطنين في ممارسة حق اختيار من يمثّلهم، وتكافؤ الأصوات لاختيار من يصل إلى السلطة وكيفية حيازتها. وهنا يفترض أن تكون النزاهة في عمل المؤسسات، وحياد السلطة معياراً ضامناً للعدالة والمساواة‏[3]. وفي هذا الصدد، يُعزى تفشي الفساد إلى خرق معيار النزاهة، وسعي الأنظمة إلى فرض مؤسسات وقواعد ملائمة لمصالح الأثرياء.

في الأنظمة التي شهدت تحولاً ديمقراطياً ولبرلة اقتصادية، استفزّ ذيوع الفساد في بلدانها المراقبين، وتساءلوا: لماذا أخفقت الدّمقرطة واللبرلة في التخفيف من حمى الفساد النسقي في هذه البلدان‏[4]؟ فبقدر ما ارتفعت نسبة الفرص السياسية والاقتصادية، ارتفعت معها حوافز الفساد في ظل وجود مؤسسات حديثة النشأة وضعيفة. يستمر تأثير الدولة العميقة ودورها في إفقار السياسات التي من شأنها تفكيك شبكات النفوذ والفساد، الساعية دوماً إلى تقويض كل مسار يفضي إلى تحقيق التكافؤ في الفرص، وينزع الطابع الاحتكاري عن المجال السياسي والاقتصادي بصفة مستدامة.

بالنسبة إلى الأنظمة غير الديمقراطية، يُعد تغلغل الفساد فيها أمراً طبيعياً. ويُنظر إلى البلدان المستقرة في تسلطيتها، أو التي تعوق فرص التحول الديمقراطي في بلدانها، على أنها أنظمة فساد وحكم سيئ. والحوكمة السيئة هنا، ليست انحرافاً يمكن تصحيحه، بل إنها هي الأخرى حالة طبيعية‏[5]؛ بحيث تمارس السلطة بدون حسيب أو رقيب، سلطة مطلقة، وفرص الحصول عليها أو على الثروة مقيّدة. وهنا الفساد قاعدة للحكم والتحكم في عنصري القوة (=السلطة والثروة)، وفي المجتمع. أي أن الدولة والنظام تتجه وظائفهما وغاياتهما، ليس إلى تحقيق الخير العام، بل إلى افتراس المجتمع والفرد. ومن ثمة لا مجال للإصلاح ومقاومة الفساد، بل إن انتشار اللصوصية يعزّز استقرار «النظام المفترس»[6]، وتصبح معارضة نظام الفساد مغامرة خطرة. ينتشر سلوك الفساد إذاً، ويسود معه الإفلات من العقاب، ويصبح التعتيم عليه وعلى مسالك الفساد، وشبكاته، وحجمه، وآثاره، أمراً ضرورياً.

يتطلّب فهم حالة البلدان التي تشهد فساداً مُمأسساً (Institutionalized Corruption) أين يكون الفساد مؤشراً لوجود خلل في الأداء الوظيفي للدولة، وحالة البلدان التي تشهد فساداً نسقياً (Systemic Corruption) يكون الفساد فيها رمزاً من رموز الحكم، من جهة، إثارة مجموعة من الأسئلة حول: طبيعة النظام السياسي؛ وكيفية ممارسة السلطة؛ وحال المؤسسات وأنماط المشاركة؛ والتبادل الموجود بين الفضاء العام والفضاء الخاص. هناك من الباحثين من يشدّد أولاً، على ضرورة تجاوز المفهوم الضيق للفساد، واستبعاد معنى نظرية الرئيس – الوكيل‏[7]، أو العلاقة بين الراشي والمرتشي، وفهم الفساد كمؤسسة مثلما يعرفها دوغلاس نورث «قواعد اللعبة في مجتمع ما. أو بعبارة أخرى، القيود التي يضعها الكائن البشري لتشكيل التفاعل الإنساني. نتيجة لذلك، فإنها تشكّل حوافز للتبادل السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي بين الناس»‏[8]. أخذاً بهذا المعنى، لاحظ باحث آخر أن التفرقة بين حالة الفساد المعمّم، مثل حال كثير من البلدان الأفريقية، وحالة الفساد القطاعي أو المؤسسي، كما هو الشأن في بعض البلدان المتقدمة‏[9]، تستدعي تحليـلاً مؤسساتياً وبنيوياً، لا يكتفي بفهم أداء وبنية المؤسسات القائمة، بل يبحث في البنى غير الرسمية، والثقافة السياسية، والقيم التي تغذّي الفساد.

ثانياً: الفساد: ضرورة لاستدامة السلطوية

يمكن أن توفّر الأنظمة السياسية آليات وبنى تمنع توافر حوافز الفساد، من خلال كبح كل تهديد قد يمس عاملي المساواة في الفرص، والثقة في القواعد التي تسمح بالدخول في نظام مفتوح وتنافسي، والحركة في الفضاءين الاقتصادي والسياسي، أو قد تفرض قواعد وآليات حكم تثبّت الروابط بين الفاسدين والمفسدين، وتسمح لهم برفع قدراتهم ومواردهم السلطوية والاقتصادية، والزبائنية وغيرها‏[10]. من وجهة نظر أنصار المقاربة المؤسساتية، إن إدراك الطريق المؤدي إلى تغوّل الفساد، يفرض فهم نمط الحكم الذي يتيح حوافز الفساد والإفساد، ويشجع على استمرار العمل سرّاً، وفي إطار مؤسسات موازية غير رسمية.

إنّ الذين يقبضون على السلطة، يسعون إلى تثبيت حكمهم، والبقاء لأطول مدة زمنية. لذا، من الضروري الإحاطة بمنطق هؤلاء وبمساعيهم إلى الاحتفاظ بالسلطة، من أجل تفسير نمو الفساد في الأنظمة السلطوية (Authoritarian Regime)‏[11]. تمثّل الآفاق الزمنية للحاكم المستبد، وطبيعة الائتلاف الحاكم‏[12]، مؤشرات تعكس مدى تعاظم الفساد. فكلما شعر المستبد بدُنوّ أجل حكمه، زاد جشعه وميله إلى النهب، ويحدث العكس بالنسبة إلى المستبد الآمن الذي يتمتع باستقرار كبير؛ إذ يستفيد من حصاد معتبر عندما يكون بلده أكثر ثراءً‏[13]. في كل الأحوال، يبقى منطق الحكام المستبدين وسعيهم الدؤوب إلى البقاء مدة أطول في الحكم (Survival)، هو منطق العصابة الساكنة (Stationary Bandit) كما شرحه منصور أولسون (M. Olson) بعناية‏[14]. ومن خلاله، يمكن لنا فهم تلازم الفساد النسقي مع طول حياة النظام الاستبدادي.

ما دام القائد في النظام السلطوي لا يحكم بمفرده، فإن حاجته إلى تعزيز التحالف المؤيد له، تعتبر ذات أولوية قصوى. لذلك رأى بعضهم أن الشغل الشاغل للقادة السياسيين هو كيفية كسب ولاء الفئة التي تملك القدرة على خلع شاغل المنصب واختيار بديل منه. وهذه فرضية من فرضيات «نظرية المتخيّرين» (Selectorate Theory)‏[15] طورها بروس بوينو دو مسقيتا وألستر سميث، لبيان الكيفية التي يستمر فيها الحكام المستبدون ممسكين بالسلطة لمدة طويلة، معتمدين على ائتلاف صغير من الأشخاص «الضروريين»، الأقوياء (ذوي رتب عسكرية، أو أعضاء نافذين في الحزب الحاكم)، يملكون طموحاً لتولي القيادة، ولديهم دور في وصول القائد إلى السلطة أو الإطاحة به‏[16]. ويمكن وصفهم بـ «الحاشية» التي تساند حكم المستبد، و«البطانة» القريبة منه‏[17]، تمتد أذرعها إلى مفاصل الدولة كافة، وهي جزء لا يتجزّأ من استمراريته ومقوماته، وقد يكون بينها سياسيون وعسكريون ورجال دين، إضافة إلى أقرباء الحاكم وأصدقائه.

في الأنظمة الديمقراطية يُعرف «المتخيّرون» بهيئة الناخبين، و«ائتلاف الفوز» وهو ائتلاف ضخم، تفرزه قواعد انتخابية واضحة، يكون شراء الولاء من خلال المكافآت الخاصة باهظ التكلفة، ولهذا تطبق الحكومة المنتخبة سياسات فاعلة تعود بالنفع على المحكومين، وتحقق التنمية. بينما في الأنظمة السلطوية، يكون «ائتلاف الفوز» قليل العدد، وتفكير القادة هنا، يكون منصباً على كيفية مكافأة «الضروريين». في الحالة الأولى، يتحدّث بوينو دو مسقيتا وسميث عن سلع عامة (Public Goods) يستفيد منها جميع الناس. وفي الحالة الثانية، هناك سلع خاصة (Private Goods) يمنحها القائد لداعميه الضروريين حصراً، كالرشى، والعلاقات الزبائنية، والامتيازات المختلفة، والقرارات التي تزيد موارد داعميه‏[18]. ويصبح أمر توزيع المنافع الخاصة محتوماً وروتينياً، عندما يظهر منافس جديد للحاكم، أو أي خطر قد يهدد حكم الزعيم.

في ضوء هذا التحليل، يمكن تعليل تفشي الفساد في الأنظمة السلطوية بحاجة قادتها إلى تخصيص المنافع للائتلافات الصغيرة المحيطة بهم، من جهة. ومن جهة أخرى، فإن محاربة الفساد في هذه الأنظمة، وتشجيع حكم القانون والمأسسة، هي سلع عامة، لا يُلزم الحاكم المستبد نفسه بإقرارها، بل يؤيّد، هو وداعموه، وجود الفساد، أي تفعيل ما اصطلح عليه جون فرانسوا بايارد «سياسة ملء البطون»‏[19].

ثالثاً: جذور الاستبداد والفساد: مفعول الخبرة الكولونيالية

أرست ممارسات الحكم في الجزائر تقاليد، تجعل المحلل السياسي في ورطة عند محاولة فهمها، وقد لا يجد مخرجاً حتى ولو استحضر آخر ما جدّ من مقاربات. طبعاً، إن هذا الأمر طبيعي في جل البلدان ذات الأنظمة المغلقة، حيث يستعصي فهم ما يدور في العلبة السوداء، أو التوقع بما تؤول إليه الأوضاع في البلد مستقبـلاً. فالباحث على دراية كبيرة بتاريخ الجزائر ونظامها السياسي، مثل هيو روبرتس، يؤكّد أن واحدة من أهم خصائص النظام، سرّيته. «إذ إن الصراع بين الأجنحة، والصفقات التي يجري إبرامها، أثناء اتخاذ أيّ قرار مهم، تكون خارج أعين الشعب، بعيداً من «المؤسسات السياسية الرسمية»، في الخفاء بواسطة شبكات سرية»‏[20]. إن الإرث التحرري هو مصدر تلك الخاصية، وتحديداً، متلازمة العلاقة المعقدة بين جبهة التحرير الوطني – جيش التحرير الوطني (FLN-ALN) والمجتمع، مثلما يرى روبرتس. ومن ثمّ فإن غياب المؤسسات التي تراقب أو تحاسب في الدولة المستقلة، أصله تلك العلاقة، جعلت القادة يتصرّفون بحرية؛ فلا يُسألون، وكل شيء يُدار خفية. وبعبارة أخرى، فإن القطيعة بين الدولة المُسقطة من الخارج والمجتمع أثناء الحقبة الكولونيالية، وقبلها في عهد الأتراك، ستتواصل بعد الاستقلال من طرف الدولة المستوردة، ثمّ مع الدولة السلطوية المُنتظِمة في المجتمع، محافظة على العلاقة الاستعلائية معه، مُواكِبةً للوضع القائم الذي تحقَّق.

تفيد العودة إلى تاريخية الدولة الجزائرية في معرفة التقاليد السياسية التي ترسّخت عبر الأزمان، وبخاصة تلك التي تخصّ العلاقة بين الحكم المركزي (القائم في المدن) والقبائل (الخاضعة أو المتمردة). وفي هذا، وعلى العكس مما روّجت له المدرسة الكولونيالية ضمن «نظرية الانقسامية» الشهيرة، فإن القبائل في المنطقة المغاربية لم تمنع قيام الدولة، كما أنها لم تهدمها أيضاً‏[21]. ولنفي الطرح القائل بعدمية الدولة قبل مجيء الاحتلال الفرنسي، يعود الباحثون إلى فكر ابن خلدون ومفاهيمه حول «العصبية»، و«الزعامة»، و«الدعوة الدينية»، ونظريته حول الدولة، حيث أوضح أن بنية الدولة تحكم عليها بعدم الاستقرار المتواصل، فدينامية النسق، تحتوي على تواصل للنخب بناءً على قاعدة القبائل‏[22]. لم تتقاطع انقسامية المجتمع مع ضرورة الدولة، حيث إن الحراك والصراع القبلي – العصبي كان طبيعياً، دوران عصبيات وسعي كل عصبية أو نخب قبلية غالبة إلى تأسيس دولة، أو بالأحرى تعديل البنى السياسية – الإدارية الموجودة، فهي لا تعاود تكوين الدولة من الصفر‏[23].

بمجيء الأتراك، ستزول الدولة القبلية لتحل محلها الدولة المخزنية، فيها جيش نظامي، وبيروقراطية لإدارة شؤون الحكم. أما علاقتها بالسكان فكانت مستقلة ونفعية ومضطربة. بلغ الرفض المحلي للسلطة المركزية (المخزن) مداه، وبخاصة في المناطق غير الخاضعة (بلاد السّيبة). لم تكن هذه الدولة (1516 – 1830) تعمل أو تمثّل مصلحة دولة أجنبية، كما يزعم أنصار المدرسة الاستعمارية، بل إن الحكم الذي تولّى تسيير البلاد، كان مصطنعاً خارجياً، حاول أن يوحّد البلاد تراتبياً واجتماعياً‏[24]، تتجاذبه قوّتان: العسكر في أعلى هرم السلطة، والمرابطون في الداخل. أما الأهالي، فاقتصر دورهم على تسديد الضرائب فقط. وعليه، وجد النظام نفسه معزولاً؛ إذ إن السلطان حسين باشا حاول تفادي «ما حل بالجزائر من حملة واحتلال ونكبات»، لكنه وجد نفسه وحيداً، منقطع الصلة مع «السكان الذين كانوا ناقمين على تتريك الحكم في الجزائر ونشر الظلم والاستبداد»‏[25].

استطاع الأمير عبد القادر تأسيس دولة ذات صبغة جزائرية (1832 1848)، وخلق تنظيماً سياسياً وإدارياً يستجيب لمتطلّبات الساكنة، يديره «خلفاء» لهم مقبولية شعبية، ومجلس مشكّل من مساعدي الأمير، وحكومة تتمتع بصلاحيات واسعة، أعضاؤها يحاسَبون من طرف الأمير درءاً لوقوع التجاوزات، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى أعوان الدولة، حيث أنشأ الأمير منصب «منادٍ عام» (وسيط)، يتولى حثّ الناس على التبليغ ضد أيّ مخالفة يأتيها القضاة وغيرهم مثل السلب والرشوة‏[26]. عمل جيش الاحتلال بأفكار وتوجيهات مفكّري الغزو، يتقدمهم ألكسي دي توكفيل (A. de Tocqueville)، الذي زاد من حماسة المحتل، وراح يشدّد على ضرورة اقتلاع كل ما يرمز إلى الماضي العثماني، وإعادة تشييد الجزائر بحسب المنهجية الفرنسية، ومواجهة الساكنة، وقهرهم من أجل التغلّب عليهم. شعر بالخطر على الاحتلال عندما شاهد عن كثب، تنظيم «الدولة الأميرية» وقوة جيشها، فأوصى حكومة الاحتلال بالاستعجال في تفكيك تلك الدولة، والحؤول دون توسّعها وتجذّرها.

كان للسياسات الكولونيالية الأثر الشديد في تكوين الحركة السياسية الوطنية، وبخاصة تشتيت قواها، و«ردكلتها» أي تبنيها الخيار المسلح لإنهاء الاحتلال. لقد تبنى التيار الاستقلالي المشروع الثوري، ومثلما لاحظ وليام كوانت، «قامت الثورة ضد السياسة وضد الأحزاب. فقد نظر الشعب بعين الرضا إلى المحاربين الذين أرادوا تحرير البلد، في حين اعتُبر ممثلو الأحزاب أشخاصاً يتبعون مصالحهم، أضعفوا الإرادة الجماعية، وخدموا السياسة الفرنسية القائمة على مبدأ «فرّق تسد»‏[27]. لكن قادة جبهة وجيش التحرير استخدموا أسلوباً سلطوياً وعنيفاً في التعبئة للمشروع الثوري. أي أن العلاقة بالمجتمع سلطوية، تفرض الانتماء إلى الجبهة والجيش، ولا تناقش قرارتهما، و«معارضة القيادة تعد جريمة، فالقيادة لا تخطئ أبداً»‏[28]. وعلى هذا الأساس، يذهب المؤرخ محمد حربي إلى القول، إن جبهة التحرير الوطني ليست من الأحزاب الشمولية، بل حركة «أوتوريتارية» لا يجري العمل داخلها على أساس الرضى والتفاهم بين أعضائها‏[29]. من الخارج، كان يبدو أن نظام جبهة التحرير يحوز على مركز قرار واحد ويعمل فيه، لكن في حقيقة الأمر، تأسست الجبهة على الشخصنة، وارتبط النضال والالتحاق بصفوف الثورة بالأشخاص، وبالنواة التي ينتمون إليها، وهي عبارة عن شبكات معقدة، تتداخل ضمنها القبليّة مع الزبونية السياسية ‏[30].

زخرت الخبرة الكولونيالية بالمآسي، فعلت فعلها في دولة الاستقلال، في كل مجالات الحياة، وعلى جميع المستويات. لكن ما تريد الدراسة تأكيده، هو فعل هذه الخبرة في «العقل السياسي الجزائري» علماً أن هذا الأخير يجد مرجعيته في «المخيال الاجتماعي»، أو ذاكرة الأمة، بحلوها ومُرّها؛ إذ إن استثنائية وعنفية تلك التجربة، ولا سيَّما ما تعلّق بالمواجهة السياسية والعسكرية مع المستعمر الفرنسي، ستظل ماثلة لدى النخب، وسيكون لرفض السياسي، وأولوية العسكري حضور مستديم. إن الانغلاق على المجتمع من طرف قيادة الثورة والتصرف «بأسلوب بايلكي» يذكّر بتلك العلاقة التي ظلّت قائمة بين الداي والأهالي أثناء الوجود العثماني، أو ما أصبح يصطلح عليه رسمياً وشعبياً «عقلية البايلك» للتعبير عن انقطاع القيادة عن الشعب، ولجوء الثوار إلى العمل في الخفاء وفي إطار الزّمر، والتصرّف في المال العام بكل حرية.

إن ما يشدّد عليه المؤرخون والباحثون هو الطابع العنيف للتجربة الكولونيالية، وكيف سيكون له نصيب في تكوين الدولة. بل إنه يشكل أهم مكونات «العقل السياسي الجزائري»، بحيث سيُنظر إلى العنف دائماً، سبيـلاً للحصول على الموارد الرمزية والمادية. وتالياً لا مندوحة أن يستخدم الجميع، في السلطة أو في المعارضة، الشرعية الثورية للدفاع عن مصالحه.

رابعاً: مقومات السلطوية: متلازمات الفساد النسقي

ما طبيعة الدولة النظام اللذين تم تشييدهما بعد الاستقلال؟ وما الذي يميّزهما؟ كيف استطاعا الصمود رغم شدة الأزمات التي تعرضا لها؟ وكيف قاد ذلك إلى تغلغل الفساد؟ ألم يكن الفساد دوماً سبيـلاً للاستبداد والحؤول دون تفكيك السلطوية؟

1 – مأسسة «القوة البريتورية» بدلاً من مأسسة الدولة

إن عسكرة النظام، ظاهرة وليدة دولة الاحتلال وحصيلة التجربة الكولونيالية، فهي لا تؤرّخ بانقلاب 11 كانون الثاني/يناير 1992. لقد تدخّل العسكر عشية الإعلان عن تقرير المصير، وكان القوة الوحيدة المنظمة والموحَّدة إلى حدٍّ ما، ولدى قادته شعور بمسؤولية عظمى، تتلخص في إقرار النظام وتجاوز حالة الانهيار، وإنجاز مشروع الاستقلال ببناء الدولة. هذا هو بالضبط تصور ودوافع «القوة البريتورية» (La Force Prétorienne)، عندما تُستخدم القوة للاستيلاء على المجال السياسي من طرف العسكريين الظانّين أنفسهم أكثر مواطنة من الساسة الفاشلين المثيرين للفتن‏[31]. ومنذ اللحظة التي انقلب فيها جيش الحدود وقيادة الأركان العامة على الحكومة الموقتة، صارت «مجموعة البريتوريين» هي من يتولى مقاليد الحكم في البلاد، من خلال «اصطفاء» رؤساء الجمهورية تباعاً، بداية من أحمد بن بلة، أول رئيس للجمهورية.

كانت ظروف ما بعد الحرب مواتية لسيطرة الجيش على الساحة، ولكي يغلق المجال أمام أي قوى ترفض شرعية القوة التي فرضها أحياناً، تحت غطاء مؤسساتي رسمي، وفي أغلب الأحيان، في شكل غير رسمي، ارتسمت في شخصية قادة العصب المتصارعة آخذة منحىً جهوياً. وفي هذا، كانت محاولة بناء الدولة وهيكلتها بصورة مؤسساتية أمراً مستحيـلاً، وعوضاً من مأسسة الدولة المدنية، تمّت مأسسة «القوة البريتورية» وفق ثلاثة ترتيبات‏[32]. أولها، استقلالية المؤسسة العسكرية. في إثر انقلاب العقيد هواري بومدين على الرئيس بن بلة في 19 حزيران/يونيو 1965، ثم مع فشل محاولة العقيد الزبيري الانقلابية ضد بومدين، اتخذ هذا الأخير خطوات من أجل تحقيق مركزية القوات المسلحة، وقام بتقوية جهاز الأمن العسكري والشرطة العسكرية ووضعهما تحت تصرفه، بغية فرض رقابة شخصية ومباشرة على الجيش، وعلى الحزب والإدارة. توفي الرئيس بومدين وترك مؤسسة حكم وحيدة، وهي المؤسسة العسكرية، «مستقلة، وفي خدمة الشعب، تساهم في التنمية الاشتراكية» ‏[33]، وسيكون الرئيس الشاذلي بن جديد مرشَّحها، وسيجري تقوية الجيش مؤسساتياً، وستكتمل استقلاليته بعد تدخله في أحداث تشرين الأول/أكتوبر 1988، وإقالة الرئيس بن جديد في عام 1992. تخلّصت المؤسسة العسكرية من كل الضوابط أثناء ولوج البلد أزمة عنف مسلّح، وتعززت سلطة «القوة البريتورية» أمام صورية المؤسسات التي وضعتها للتعامل مع الضغوط الأجنبية، وللتحكم في عملية إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.

ثانيها، تغول جهاز المخابرات وتغلغله في مسام الجسم الدولاتي؛ إذ صار يمثّل نظاماً موازياً منذ عهد الرئيس بومدين، بواسطة شبكة من العسكريين المحترفين في مجال الاستعلامات، المنتشرة في كل مكان. كبرت صلاحياته بفعل إقرار سياسات أمنية في التسعينيات، وبات يراقب كل مناحي الحياة. ظل جهاز مديرية الاستعلامات الأمنية (DRS) بعبعاً حقيقياً، تفاوض مع عبد العزيز بوتفليقة لرئاسة البلاد في 1999، وواصل عمله كنظام موازٍ، مديره ندٌّ للرئيس ولجناحه في الحكم، إلى أن عزله بوتفليقة في 13 أيلول/سبتمبر 2015، وقرّر حل جهاز الاستعلامات. تندرج هذه الخطوة، ضمن جهود الرئيس «لإلغاء عسكرة الدولة»‏[34]، وإتمام استحواذه على كل السلط ودوائر صنع القرار.

ثالثها، استخدام «القذارة» كقوة لمنع التغيير من طرف «القوة البريتورية»، من خلال العودة إلى مخزون الممارسات القذرة التي سادت أثناء حرب التحرير وبعدها، من اغتيالات ومؤامرات وتلاعبات وإفساد لكبح كل معارضة، والتخلّص من المناوئين، وبخاصة في مراحل الاحتقان السياسي والأمني، مثلما حدث في تسعينيات القرن الماضي. واليوم، باتت «البلطجة السياسية» أو حتى الاجتماعية، مسلكاً لتحريف كل مطلب ينادي بالتغيير، أو لترويع الناقمين على الأوضاع القائمة.

2 – النيوبتريمونيالية الريعية والقبليّة

ثمة ثلاثة مفاعيل أدت دوراً أساسياً في تشييد الدولة السلطوية، وواكبت التغيّرات التي طرأت عليها. مثلما «أقدم المستعمر على مأسسة الدولة بالاعتماد على ظواهر مرضية في المجتمع»‏[35]، لم تنتبه نخب البناء إلى خطورة تجذر الكثير من تلك الظواهر، بل يمكن القول إن نهج القيادة السلطوي، دفعها إلى توظيف تلك الظواهر لا إلى حلّها. يأتي في مقدمها النزعة البتريمونيالية في شكلها المستحدث‏[36]، وفعلها في الإدارة، وفي الاقتصاد، وفي العلاقات السوسيو – سياسية.

أ – مفعول النيوبتريمونيالية

تجذّرت النزعة البتريمونيالية، في سياق البحث والصراع المحموم على السلطة غداة الاستقلال من طرف زعماء حرب التحرير. واتخذت شكـلاً جديداً مع الخيار السلطوي الذي نهجته العصبة المهيمنة المنتصرة في ذلك الصراع، منذ ذلك الحين، بواسطة «الزعيم» بن بلة، ثم مع «الزعيم» هواري بومدين، وصولاً إلى «الزعيم» الحالي بوتفليقة. حيث يريد الزعيم دوماً تغليب منطق الاحتكار، وإدارة الحكم بشكل شخصي. عندئذ، يجري تملّك الدولة والمجال السياسي ككل، بواسطة «استراتيجية متمركزة ذاتياً»‏[37]، مدركة وموجَّهة بطريقة تمكّن من تعزيز قوة العصبة المسيطرة على الحكم، بشكل فاعل، ترمي إلى المراقبة المنظمة لعملية منح الموارد، وإلى اكتساب كل الأدوار في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. ميزة «النظام النيوبتريمونيالي» هي إدارة السلطة والثروة بشكل خفي، بعيداً من المؤسسات أو بواسطة قواعد لعبة سياسية واضحة، وفي سوق تنافسي. لذلك، تتغول شبكات «الأولياء – الزبائن»، ويكون الانتفاع السياسي والمالي مرمى للتنافس بينها.

ب – لعنة الريعية

في ظل «الدولة النيوبتريمونيالية»، يكون للريوع النفطية أثر مضاعف في تثبيط فرص المأسسة، والاستمرار في تبني سياسات توزيعية – استهلاكية بهدف الحفاظ على الوضع القائم. ساهمت الفورة النفطية في السبعينيات في تمتين النظام السلطوي، وسمحت باستحداث «صفقة استبدادية» بين النظام والمواطنين. لكن كيف تساهم الريعية في ترسيخ النيوبتريمونيالية، واستدامة النظام السلطوي البتريمونيالي؟ لعل واحداً من الآثار الناجمة عن سياسات الدولة النفطية، هو تركيز السلطة، وتطوّر شبكات تواطؤ في القطاع الحكومي مع أصحاب المال، اخترقت الإدارة والمصارف الحكومية، وتمكّنت أخيراً من «بنينة» السوق لخدمة مصالح «أقلية احتكارية». وعليه، أفضى التوزيع السياسي للريع النفطي إلى خلق سوق سوداء؛ إذ إن سهولة تغلغل الشبكات غير الرسمية، والزبونية في المؤسسات الرسمية‏[38]، أدى إلى انتظام تلك الشبكات المستفيدة من سياسات الدولة الإنفاقية، في سوق موازية كبيرة.

ج – فعل القبلية

تتكامل القبلية مع الدولة، فهي بمثابة محرّك للنظام البتريمونيالي الذي يُخضع المجال السياسي لرقابته، فيستبدل معايير الشفافية والمشاركة – المواطنة، بصورية المؤسسات، والجهوية، والعلاقات التقليدية. وفي هذا الإطار، كان للفعل القبلي حضور ووزن كبيرين في تشييد دولة الحزب الواحد، كما أن النظام استخدم المعطى القبلي في خياراته المختلفة. وبدورها ظلّت القبلية حاضرة بقوة في الانتخابات، لأنها المحدّد الأول الذي يتحكم في العملية السياسية. يتواصل الفعل القبلي نتيجة الخيارات التي أرادتها النخبة الحاكمة في العقود الأخيرة، ولا سيَّما في مرحلة حكم الرئيس بوتفليقة، حيث استخدم كل السبل لغلق الباب أمام منافسه، وأمام أي منافسة سياسية. وتالياً، يلاحظ عودة البنى التقليدية بشكل ملفت للنظر، زوايا، طُرقيّة، وفي المقابل، تم تهجين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني. عوضاً من تحديث الدولة، ووضع منهجة مُمأسسة لها، جرى تحديث السلطوية باستخدام آليات التعبئة القبلية والصوفية، لتوسيع قواعد السلطة، ولتعزيز الشرعية الانتخابية والدينية‏[39].

3 – الفساد النسقي سبيـلاً لتوطيد مقومات الدولة السلطوية

أربع متلازمات يمكن من خلالها إدراك تمفصل ظاهرتي الفساد والسلطوية في الجزائر منذ الاستقلال.

أ – فساد عصبوي – رعوي

هكذا يمكن وصف نظام الفساد القائم طيلة حكم الرؤساء الثلاثة، أحمد بن بلة وهواري بومدين والشاذلي بن جديد، إذ إن نهاية حرب التحرير أسفرت عن حرب سلطة حقيقية بين العصب المتنافسة، وكل عصبة لجأت إلى تزليم الفئات المختلفة، وقادت أخيراً، إلى نشر العقلية الوصولية والانتهازية. وهكذا، نستطيع فهم سهولة عمل «قطّاع الطرق»، عسكريين وسياسيين، عشية الاستقلال، ونهب متروكات «الكولون». استدرج الرئيس بن بلة وخليفته بومدين السياسيين والمقاومين بالسماح لهم بجمع المغانم، وفي الوقت نفسه، قاما بوضع أزلامهم في المناصب المراكز الإدارية والعسكرية المهمة. استمرت سياسات التزليم مع حاجة الرئيس بومدين إلى تحييد منافسيه، والتخلص من داعميه السابقين (مجموعة وجدة): إما بواسطة الإفساد، وإما بتشجيعهم على ترك السياسة وولوج عالم الأعمال. وعليه، لا غرابة في أن يشتد عود الشبكات الزبونية داخل القطاع العام، ويزيد تعاونها مع رجال الأعمال في ظل حكم الشاذلي بن جديد، الذي حاول كسب دعمها، ففضل «إلغاء البومدينية»، والانقلاب على سياساته، باسم الانفتاح.

ب – فساد انتقالي – انتقامي

عرفت حقبة الرئيس الراحل بن جديد، تنامي الفساد على نحوٍ مذهل، في ظل هرولة الحكومة نحو سياسات تشجّع الاستهلاك، والاستثمار في مشاريع ترفيهية. لكن الصدمة النفطية في منتصف الثمانينيات، كشفت حدود نظام الفساد، وأدخلت البلاد في أزمة خانقة. دفعت الأحداث المتتالية بعد عام 1988، إلى قيام صراع بين المحافظين والإصلاحيين؛ و«البريتوريين» المفضلين تواصل نظام سلطوي «مُتلَبرل» اقتصادياً. أرادت هذه العصبة بقيادة الجنرال الراحل العربي بلخير، لجم طموحات الإصلاحيين الرامية إلى تفكيك نظام الانتفاع القائم، بتغيير قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية. وفي تلك الآونة، تم إخراج ملفات الفساد للانتقام من الرئيس بن جديد الداعم للإصلاحيين، واتهامه علانية بضلوعه رفقة داعميه فيها.

ج – فساد عنفي – لصوصي

فشلت التجربة الديمقراطية الانتقالية القصيرة، ووجد أصحاب السلطة الفعليون الفرصة سانحة للاستمرار في عسكرة الدولة والمجتمع، ولا سيّما مع دخول البلد حقبة من الفوضى وعدم استقرار السياسي والأمني، صاحَبَها غياب حكم القانون، وسيطرة ظواهر مرضية كثيرة. لعل عقلية الجشع كانت من أبرزها، إذ لم تلجأ الجماعات المسلحة للعنف، نتيجة تظلّمها من جور نظام الحكم، بل لأنها وجدت في العنف مسلكاً للنهب. في ظل الفوضى، استمر نشاط نظام الفساد على الصعيد الخارجي، حيث بلغت نسبة العمولات في الصفقات الخارجية 10 و15 بالمئة، ولا سيّما مع الشركات الفرنسية‏[40]. وسجل الفساد في مجال التسلح مستويات كبيرة مع ارتفاع واردات الدولة من الأسلحة والمعدات الأمنية. وبشكل عام، ظلت التجارة الخارجية أهم قناة للممارسة الفساد، مع دخول الشركات الخاصة بقوة مجال الاستيراد.

د – فساد عصبوي – عصاباتي

طوال عشرية كاملة، ظل الفساد السياسي – المالي يتغدى من العنف، ومن السياسات الحكومية التي وضعها النظام. حاول هذا الأخير إعادة ترتيب الوضع السياسي والاقتصادي بما يسمح باستمرارية السلطوية. وهنا، فرْض النظام سياسته لتسوية ملف «المأساة الوطنية» بإقرار «قانون الوئام المدني»، وجد شجباً من طرف المطالبين بمساءلة المتسببين في أحداث تلك المأساة من قتل ونهب وفساد. لكن حاجة الرئيس بوتفليقة وداعميه إلى توطيد أركان الحكم الفردي المطلق، فوّتت الفرصة مرة أخرى أمام مأسسة الدولة المدنية.

ازدهر الفساد بفضل قواعد الحكم التي أرساها الرئيس، الشخصنة والعصبوية والاعتماد على «ملوك المال الجدد». لقد شكّل «ائتلافاً من الضروريين»، وضمنه بطانة الرئيس التي تعمل كحكومة موازية في الظل، إلى جانب تفضيله التعامل مع الزوايا وشيوخ الطرائق الصوفية لتثبيت حكمة. وفي هذا، رد الرئيس بوتفليقة الاعتبار للزوايا، وقدم لها التشجيع المادي الكبير، وهو ما أوقع الجميع في حيرة: هل هو العصر الذهبي للطرقية والصوفية، أم أنه تعبير عن حالة الدولة المرتبكة؟

في هذه الحال، تغييب آليات المساءلة، ويصبح الخلط بين السلطة والثروة أمراً جائزاً، بحيث إن الدور الذي بات يؤديه رجال الأعمال في دعم نظام الحكم، مقابل التمتع بامتيازات لا حصر لها، جعل الفساد يتخذ شكـلاً عادياً. في ظل الدولة المرتبكة، يمضي الجميع، مسؤولون وساسة وأفراد عاديون، إلى جمع الثروة واكتنازها. يسيطر اليوم سلوك «تهريب الأموال والتهرب من المسؤولية والإفلات من العقاب»، وهذا هو حصاد قضايا الفساد وما أظهرته ملفاته في العقدين الماضيين. بل إن الفضائح المعلنة، لم تعبّر عن تفشي الفساد، بقدر ما أظهرت ولوج نظام الفساد أزمة، لا يكفي سرد أعراضها، بل المطلوب تفكيك مقوماتها.

المصادر:

(*) نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 463 في أيلول/ سبتمبر 2017.

(**) محمد حليم ليمام: أستاذ في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر الثالثة.

[1] على الرغم من كثافة الدراسات والأبحاث في الفساد، إلا أن الموضوع لا يزال ساخناً، وتثير جوانبه المختلفة اهتمام المنظرين في شتى بلدان العالم، وبخاصة في ما يتعلق بالأسباب الكامنة وراء تغلغل الفساد في بلدان وضعت حزمة من الإصلاحات لاجتثاث المرض. بعضهم وجد في القصور الذي يشوب المداخل النظرية المفهومية لظاهرة الفساد السبب في فشل سياسات مكافحته، لأن معظمها انطلق من مفهوم يعرّف الفساد بأنه «مشكلة رئيس – وكيل» (Principal-agent Problem). للاستزادة، انظر: Anna Persson, Bo Rothstein and Jan Teorell, «Why Anticorruption Reforms Fail? Systemic Corruption as a Collective Action Problem,» Governance, vol. 26, no. 3 (July 2013), pp. 449‑471.

[2] Jong-sung You, Democracy Inequality and Corruption: Korea, Taiwan and the Philippines Compared (New York: Cambridge University Press, 2015), p. 22.

[3] انظر: Paul M. Heywood and Jonathan Rose, «Curbing Corruption or Promoting Integrity? Probing the Hidden Conceptual Challenge,» in: Peter Hardi, Paul M. Heywood and Davide Torsello, Debates of Corruption and Integrity Perspectives from Europe and the US (London: Palgrave Macmillan, 2015), pp. 113‑114.

[4] Christian von Soest, «Persistent Systemic Corruption: Why Democratisation and Economic Liberalisation Have Failed to Undo an Old Evil. A Six-Country Analysis,» in: Tobias Debiel and Andrea Gawrich, eds., [in collaboration with Holger Niemann], «(Dys-) Functionalities of Corruption: Comparative Perspectives and Methodological Pluralism,» Comparative Governance and Politics, no. 3 (December 2013), pp. 57‑87.

[5] لاري دايموند، روح الديمقراطية: الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة، ترجمة عبد النور الخراقي (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص 450.

[6] المصدر نفسه، ص 451.

[7] Jan Teorell, «Corruption as an Institution: Rethinking the Nature and Origins of the Grabbing Hand,» Göteborg University, Department of Political Science, The Quality of Government Institute, QoG Working Paper Series, 2007: 5 (November 2005), p. 3, <http://www.qog.pol.gu.se/digitalAssets/1350/1350653_2007_5_teorell.pdf>.

[8] Douglass C. North, «Institutions,» The Journal of Economic Perspectives, vol. 5, no. 1 (Winter, 1991), p. 97.

[9] انظر: Jean-François Médard, «Les Paradoxes de la corruption institutionnalisée,» Revue Inter­nationale de politique comparée, vol. 13, no. 4 (2006), p. 697.

[10] دايموند، روح الديمقراطية: الكفاح من أجل بناء مجتمعات حرة، ص 401، وDonatella Della Porta and Alberto Vannucci, The Hidden Order of Corruption: An Institutional Approach (London: Ashgate Publishing Limited, 2012), p. 2.

[11] حول ماهية الأنظمة السلطوية وأنماطها، انظر: Jan Teorell, Determinants of Democratization Explaining Regime Change in the World, 1972-2006 (New York: Cambridge University Press, 2010), chap. 6, and Steven Levitsky and Lucan A. Way, Competitive Authoritarianism Hybrid Regimes After the Cold War (New York: Cambridge University Press, 2010), pp. 5‑32.

[12] انظر: Eric C. C. Chang and Miriam A. Golden, «Sources of Corruption in Authoritarian Regimes,» version 3.4 (February 8, 2009), p. 5, <http://ssrn.com/abstract=1339972>, and Jennifer Gandhi and Adam Przeworski, «Authoritarian Institutions and the Survival of Autocrats,» Comparative Political Studies, vol. 40, no. 11 (November 2007), pp. 1279‑1301.

[13] انظر: Jennifer Gandhi and Adam Przeworski, «Cooperation, Cooptation, and Rebellion Under Dictatorship,» Economics and Politics, vol. 18, no. 1 (March 2006), and Joseph Wright, «Do Authoritarian Institutions Constrain? How Legislatures Affect Economic Growth and Investment,» American Journal of Political Science, vol. 52, no. 2 (April 2008), pp. 328‑329.

[14] للتفصيل، انظر: منصور أولسون، السلطة والرخاء: نحو تجاوز الدكتاتوريتين الشيوعية والرأسمالية، ترجمة ماجدة بركة؛ مراجعة وتقديم محمود عبد الفضيل، سلسلة علوم إنسانية واجتماعية (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2003)، ص 51 – 59.

[15] انظر: بروس بيونو دو مسقيتا وألستير سميث، دليل الاستبداد والمستبدين: الفساد سبيـلاً للاستيلاء على السلطة والحفاظ عليها، ترجمة فاطمة نصر (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 2014). انظر أيضاً: Bruce Bueno de Mesquita and Alastair Smith, The Dictators Hand Book: Why Bad Behavior is Almost Always Good Politics (New York: Public Affairs, 2011).

[16] انظر: Bruce Bueno de Mesquita [et al.], «Political Institutions, Policy Choice and the Survival of Leaders,» British Journal of Political Science, vol. 32 (2002), p. 516.

[17] زهير فريد مبارك، أصول الاستبداد العربي (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2010)، ص 252.

[18] للاستزادة، انظر: Bruce Bueno de Mesquita [et al.]: «Political Institutions, Policy Choice and the Survival of Leaders,» p. 559, and The Logic of Political Survival (Cambridge, MA: The MIT Press, 2003), pp. 44‑47.

[19]   Jean François Bayart, L’État en Afrique: La Politique de Ventre (Paris: Fayard, 1989).

[20] Hugh Roberts, «Pouvoir Maquisard, Parti(s) de Façade et Projet d’Édification d’un État: L’Expérience Algérienne,» papier présente à: Colloque International El-Watan, Alger, 5‑7 juillet 2012, et El-Watan, 8/7/2012.

[21] محمد عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في المغرب العربي، مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي. محور «المجتمع والدولة»، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 15.

[22] انظر: المصدر نفسه، ص 18، ومحمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط 7 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص 216.

[23] عبد القادر جغلول، الإشكاليات التاريخية في علم الاجتماع السياسي عند ابن خلدون، ترجمة فيصل عباس، ط 3 (بيروت: دار الحداثة، 1986)، ص 139.

[24] الهرماسي، المصدر نفسه، ص 21.

[25] أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية، 1830 – 1900 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1992)، ج 1، ص 20.

[26] انظر: محفوظ قداش، جزائر الجزائريين، 1830 – 1954، ترجمة محمد المعراجي (الجزائر: منشورات آنيب، 2008)، ص 73.

[27] William B. Quandt, Société et Pouvoir en Algérie: La Décennie des Ruptures, traduit par M’hamed Bensmmane [et al.] (Alger: Casbah Edition, 1999), p. 27.

[28] مقتبس من: خطاب ألقاه لخضر بن طوبال في شباط/فبراير 1960. انظر: Mohammed Harbi, Le FLN Mirage et Réalité: Des Origines à la Prise du Pouvoir 1945‑1962 (Paris: Jeune Afrique, 1985), pp. 350‑351.

[29] Mohammed Harbi, «L’Hypothèse Totalitaire en Algérie: Le Cas du FLN 1954‑1962,» El Watan, 29/3/2012.

[30] انظر: Lahouari Addi, L’Impasse du Populisme: l’Algérie Collectivité Politique et État en Construction (Alger: ENAL, 1990), p. 69.

[31] في هذا، انظر: Amos Perlmutter, «The Praetorian State and the Praetorian Army: Toward a Taxonomy of Civil-Military Relations in Developing Polities,» Comparative Politics, vol. 1, no. 3 (April 1969), pp. 282‑404.

[32] Mohammed Hachemaoui, «La Corruption Politique en Algérie: L’Envers de l’Autoritarisme,» ESPRIT (juin 2011), pp. 122‑126.

[33] Isabelle Werenfels, Managing Instability in Algeria: Elites and Political Change Since 1995 (London: Routledge, 2007), p. 34.

[34] John P. Entelis, «Algeria: Democracy Denied, and Revived?, » The Journal of North African Studies, vol. 16, no. 4 (December 2011), p. 660.

[35] هيثم غالب الناهي، الدولة وخفايا إخفاق مأسستها في المنطقة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2016)، ص 147.

[36] حول مفهوم البتريمونيالية الجديدة، انظر: Anne Pitcher, Mary H. Moran and Michael Johnston, «Rethinking Patrimonialism and Neopatrimonialism in Africa,» African Studies Review, vol. 52, no. 1 (April 2009), pp. 125‑156.

[37] انظر: برتراند بادي وغي هيرمت، السياسة المقارنة، ترجمة عز الدين الخطابي؛ مراجعة نادر سراج (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013)، ص 366.

[38] انظر: Miriam R. Lowi, Oil Wealth and the Poverty of Politics: Algeria Compared (London: Cambridge University Press, 2009), pp. 179‑180.

[39] Isabelle Werenfels, «Beyond Authoritarian Upgrading: The Reemergence of Sufi Orders in Maghrebi Politics,» The Journal of North African Studies, vol. 19, no. 3 (2014), p. 276.

[40] François Gèze, «Françalgérie: Sang, intox et corruption,» Mouvements, nos. 21‑22 (mai- août 2002), p. 72