الفوضى الخلاقة نوعان

أصلية وهي التي تنتقل من عدم النظام إلى النظام ولنا منها نوعان.
• طبيعي في فرضية الفوضى التي نتجت عن الانفجار الكبير وما تلاه من تحقق نظام العالم بالتدريج.
• وفرضية تكون الجماعات الإنسانية والانتقال من اللادولة إلى الدولة في فرضية فلاسفة القرن السابع عشر والثامن عشر ويسمونها الحالة الطبيعية قبل تأسيس العقد الاجتماعي والسياسي.وكلتاهما فرضية ليس لنا عليها دليل.

لكن ما نعلمه منها هو الانتقال من نظام سابق إلى نظام لاحق وهذه هي الحالة التي تعنيني في هذه المحاولة.
ويمكن اعتبار نظرية الحالة الطبيعية التي قال بها فلاسفة القرن السابع عشر والثامن عشر الأوروبي فرضية لتأسيس نظرية الدولة من جنسها.

والفرق بين الحالتين هو “مهندس” النقلة من الفوضى إلى النظام، لأن: الأول طبيعي والثاني لا يعتبر من جنسه بل ينسب “لقرار” عقلاني إرادي واع وليس آليا كالطبيعي. والمشترك بين الحالتين هو الانتقال يقع من الفوضى المطلقة إلى النظام بخلاف الحالتين الاخريين اللتين تجعلان الفوضى الخلاقة نقلة بين نظامين أي تغيير نظام سابق وتعويضه بنظام لاحق.

والمقصود بالفوضى الخلاقة الذي يعنينا هو هذا النوع الثاني وهو أيضا مضاعف طبيعي وإنساني إن صح التعبير.
فكل التطبيعات التكنولوجية للعلوم الطبيعية هندسات تعتمد على ما يمكن أن يعتبر من هذا النوع الثاني من الفوضى الخلاقة لأن فيها تغيير نظام طبيعي يحدث بذاته إن صح التعبير وجعله نظاما تقنيا يحدث بفعل الإنسان المستند إلى العلم بقوانينها والتدخل في العلة بتغيير ينتج المعلول غاية التدخل.

وهذا العمل الناقل من نظام طبيعي إلى نظام صناعي، إن صح التعبير، ملازم للحضارة الإنسانية وهو يحصل في الطبيعة الجامدة وفي الطبيعة الحية.
• والأول مثاله العمران عامة لأن البناء تدخل في نظام الجاذبية يجعل ما يسقط لا يسقط بفنيات البناء
• والثاني مثاله التهجين في الحيوان والنبات.

وهذان التدخلان في مجرى الطبيعة بلغا الذروة في عصرنا لأن كل الصناعات سواء في الطبيعة الجامدة أو في الحياة -التهجين والاغذية المحولة- هي من هذا الجنس أعني تغيير النظام الطبيعي بنظام صناعي وهو مشروط بمرحلة وسطى هي بنحو ما فوضى خلاقة بسبب تغيير النظام الطبيعي بنظام قصدي إنساني.
وفي الحقيقة لا يوجد فعل إنساني لا يقبل الرد إلى هذه العملية التي تعتبر نقلة بين نظامين طبيعي وإنساني وأهم علاماته الطهي في الغذاء.

فقد انتقل الإنسان من النقلة بين نظامين طبيعيين ما يجري في النبات أو الحياة الخارجية كمنتج طبيعي إلى تحويلهما بجهاز الهضم ذي التحويل الطبيعي فيه.
ثم أنتج الإنسان بفكره مرحلة ثانية بين منتج الطبيعة ومنتج جهازه الهضمي الطبيعي محطتين أولاهما عوضت المنتج الطبيعي بالمنتج الإنساني أي الزراعة وعوضت المنتج الطبيعي في الجهاز الهضمي بالمنتج الإنساني أي الطهي. ومن ثم فقد حصل انتقال مضاعف بين النظامين هما محتا تدخله هذان.

ويمكن القول إن الإنسانية قد سيطرت إلى حد كبير على فنيات هذا الانتقال من النظام الطبيعي إلى النظام الصناعي بفضل علمها بقوانين الطبيعي والصناعي وابداع الوسائط بين النظامين وهو مشروط بشيء من الفوضى الخلاقة دائما وهي فوضى خلاقة نعلم مسبقا ما ستخلقه وذلك هو معنى السيطرة عليها.

وهكذا نصل إلى مسألتنا:
هل توصلت الإنسانية إلى “هندسة” في مجال الأنظمة البشرية سواء في ما يتعلق بتحقيق مثل هذه النقلة في “صناعة” الإنسان الفرد، أو في “صناعة” الجماعات البشرية بعملية فوضى خلاقة معلومة الحصيلة فتكون العملية وكأنها استراتيجية تغيير للنظام الموجود بنظام منشود؟

أم إن الفوضى الخلاقة في هذه الحالة عملية غير معلومة النتائج وقد تؤدي إلى عكس المنشود؟
فمن نريد تبديل نظامه ليس كائنا طبيعيا فحسب كل ما فيه له قوانين آلية ثابتة يمكن بعلمها تيسير التغيير المقصود بمجرد تغيير محدد في العلة للحصول على التغيير المنتظر في المعلول بصورة شبه يقينية.

فمن نريد تغييره بهذه الطريقة هو بدوره قادر على استعمالها لمنع التغيير أو لجعله ينعكس على فاعله فتكون الفوضى الخلاقة التي سعى إليها زيد من حيث لا يعلم زيد في خدمة عمرو الذي كانت موجهة ضده.
ذلك أن موضوع التغيير ليس لاواعيا مثل الظاهرات الطبيعية والحية، بل هو كائن ذو وعي وعقل.

ومن البداية أجيب تأييدا لهذا بأن ما يحصل في الانتقال من الموجود الطبيعي إلى المنشود الصناعي في الظاهرات الطبيعية سواء كانت جامدة أو حية ليس له بعد مثيل في الظاهرات الإنسانية، إذ لو كان ذلك كذلك لكانت النتائج المنتظرة قابلة للتوقع الصارم كما يحصل في الظاهرات الطبيعية.

وبداية من وضع عناصر الإشكالية الموجزة سنبحر في ثناياها وشعابها لأنها شديدة العواصة ولأنها في الحقيقة تؤول إلى فلسفة التاريخ ودور الفعل القصدي فيه إضافة إلى مالا يرد إلى القصد في التاريخ أو ما يمكن اعتباره من شبه “غيبه” أعني مالا سيطرة للإنسان على نتائج افعاله الفردية والجماعية.

ومع ذلك فلا بد من بيان أن الفوضى الخلاقة صنفان:
• شبه الطبيعية في أفعال الإنسان التي للإنسان سلطان شبه مطلق على نتائجها المتوقعة (مثل استعمال الأسلحة الكيمياوية لتشويه جيل)
• وشبه الإنسانية التي يصعب أن يكون للإنسان عليها سلطان قابل لجعله يتوقع بدقة الحصيلة وهي شبه رماية في عماية.

ومن هنا يرد المشكل إلى أمرين:
1. الأول درجة العلم بالمؤثرات في الظاهرات الإنسانية
2. وسائل التأثير ومناهجه.

فتعود المسألة كلها إلى الاستراتيجية السياسية والحربية في الجماعة وبين الجماعات ودوافع الصراع بين البشر في نفس الجماعة أو بين الجماعات المختلفة وتوظيفاتها في الفوضى الخلاقة.

وإذن فالفوضى الخلاقة سلاح يمكن أن يستعمله العدو في غزوه لجماعة يستهدفها بالسلاحين العنيفة اللطيف ويمكن أن يستعمله من يتصدى للغازي بالتغيير في جماعته من أجل جعلها محصنة ضد استراتيجية العدو في استعمال هذا السلاح.
والأدوات والطرق واحدة في الحالتين والهدف مختلف بحسب الاستراتيجية. وليكن مثالنا استعمال الاستعمار لعاملي الطائفية والعرقية في مستعمراته بمنطق فرق تسد.

فهو إذن يريد أن يغير نظام تجاوزهما بنظام سابق والنكوص إليه، وهو ما يحصل حاليا في المغرب مثلا من خلال استعمال الصراع العربي الأمازيغي في المغرب والجزائر وحتى في تونس: الفوضى صراع بين نظامين.
والاستعمار قبل ذلك أعطى للنخب العربية جرثومة الدولة القومية التي كانت ممكنة عنده لما كان بوسعه أن يفرض بالقوة التنميط العرقي والثقافي والطائفي بالتصفيات الفيزيائية للأقليات.

لكن ذلك أصبح ممتنعا في عصرنا ومن ثم فالدولة القومية فكرة لم تعد صالحة وهي تحقق ما يطلبه العدو من فوضى.
فلا يمكنك أن تفرض القومية العرقية أو حتى الثقافية بمنع الأعراق الأخرى التي توجد في نفس القطر من أن تفعل مثلك، فتكون أنت الذي دفعت إلى الفوضى الخلاقة ونفس الشيء بالنسبة إلى الطائفية: لا يمكن لإيران أن تبني دولة طائفية من دون محو الطوائف الأخرى ونفس الشيء يقال عن جل بلاد المشرق.

وهذا يعني أن جل ما يسمى بالفوضى الخلاقة في إقليمنا متقدمة على الغزو الأمريكي للعراق وهي بدأت منذ أن أرادت نخبه استبدال نظام سابق بنظام لاحق دون مراعاة فروق السياق الحضاري، ولعل أهم عملية أدت إليها هو تبني الدولة القطرية ومعها طبعا ما صنعه الاستعمار الجغرافيا الإسلامية.

فما حصل في الغرب ليجعل الدولة القومية ممكنة أعني التوحيد العنيف للأقوام والأديان والثقافات وهي عملية حدثت في نفس الوقت الذي نشأت فيه الدول الأوروبية الحديثة ونشأت اللغات الأوروبية التي بدأت خاصة في إيطاليا رغم أنها آخر دولة توحدت في أوروبا الحديثة.

وكل من له دراية بالتاريخ الأوروبي يعلم كم دامت فيها الحروب الدينية والتصفيات الفيزيائية للمذاهب والاعراق من منتصف التاريخ الوسيط إلى منتصف التاريخ الحديث، أعني إلى بدايات الانتشار الغربي في العالم في حركة الاستعمار واكتشاف العالم الجديد والتصفيات العرقية التي لم تتوقف إلى الآن.

وما حرب تشيكوسلوفاكيا وتفتتها في البلقان بالأمر البعيد وما حرب الكاثوليك والبروتستانت في انجلترا بالأمر البعيد كذلك ومن ثم، فظاهرة الفوضى الخلاقة بهذا المعنى بوصفها صراع تغيير الأنظمة ليست خاصة بإقليمنا بل هي ظاهرة كونية ملازمة لتاريخ الإنسان.
وسأدرس وجهيها الموجب والسالب.

وسأبدأ بالوجه الموجب من “الفوضى الخلاقة” بوصفها نقلة من نظام إلى نظام بهندسة قصدية هي جوهر الفعل السياسي سواء في السلم أو في الحرب.

وهي بالضرورة مضاعفة إذا كانت سياسة قصدية وليست أعمالا عفوية كالحال في بلاد العرب الذين ما زالت نخبهم “رعوانية” تفعل كيفما اتفق دون استراتيجية ذاتية.

وقد يكون فعل هذه النخب بدون استراتيجية ذاتية بقصد ممن نصبهم لتحقيق خطة قصدية في استراتيجيته التخريبية من خلال توظيفه النخب الخمس أي:
1. نخبة الإرادة (الساسة)
2. ونخبة المعرفة (الباحثون)
3. ونخبة القدرة (الاقتصاديون)
4. ونخبة الحياة (الفنانون)
5. ونخبة الوجود (أصحاب الرؤى الدينية والفلسفية).

ما سننطلق منه في فهم الوظيفة الموجبة للفوضى الخلاقة أو للتغيير القصدي، هو الاستراتيجية السياسية القصدية التي تستعمل علوم الطبيعة وعلوم الإنسان لعلاج ما اصطلحت على تسميته بالعلاقتين:
• العمودية مع الطبيعة لسد الحاجات المادية خاصة
• والأفقية مع الإنسان لسد الحاجات الروحية.

فحتى المحافظة على الموجود في الجماعات البشرية، ناهيك عن تحقيق المنشود تقتضي استعمال العلوم الطبيعية لسد الحاجات المادية لقيام الجماعة واستعمال العلوم الإنسانية لسد الحاجات الروحية لقيام الجماعة.
• والسد الاول يحل مشكل التبادل
• والثاني مشكل التواصل

وهما موضوعا المقدمة الخلدونية.
ولذلك، فهو قد سمى علمه “علم العمران البشري (لسد الحاجات المادية) والاجتماع الإنساني (لسد الحاجات الروحية)” إذ هو:
• وصف الاول بالتنازل (الاشتراك في المنزل) للتعاون من أجل سد الحاجات
• ووصف الثاني بالتنازل (الاشتراك في المنزل) للتواصل من أجل الأنس بالعشير.
وهما موضوع التغيير وأداته.

فالتغيير موضوعه العلاقة بالطبيعة والعلاقة بالتاريخ، وأداته ما يفعله الإنسان في هذين العلاقتين بنظامين هما ركنا الدولة أي التربية والحكم.
• والاولى لتكوين الإنسان عضويا وروحيا وعلميا وخلقيا ليقدر على إنتاج ما يسد الحاجات المادية والروحية
• والثانية لتنظيم أفعاله تلك بمقتضى القانون.

والعلاقة بالطبيعة هي العلاقة بالجغرافيا، والعلاقة بالإنسان هي التاريخ، ومنهما مصادر الحياة المادية والروحية بأدوات ومناهج هي مجال التكوين البدني والروحي للإنسان علميا وخلقيا ليستعمل مهاراته في سد الحاجات المادية والروحية حتى تحافظ الجماعة على بقائها وتجوده بالتغيير القصدي.

أدوات الفعل هي إذن أدوات تكوين الإنسان وتربيته كإنسان مسهم في سد حاجات الجماعة المادية والروحية وطبعا في حاجاته من خلال مؤهلات التعامل مع الطبيعة ومع التاريخ وأدوات حكم الإنسان الفرد والجماعة من أجل تحقيق ذلك بنظام وعدل أو بأمانة وعدل في التبادل ماديا والتواصل روحيا.

ولما كان المهمة الاولى علاقة بالطبيعة شارطة للتعاون والتبادل والتعاوض الأمين والعادل فإنها متجاوزة لحدود الجماعة، ولما كانت المهمة الثانية شارطة للتواصل في كل ما ينتجه الإنسان من منتجات مادية ورمزية لذاتها أو في خدمة العلاقة فالطبيعة والتاريخ لا يعترفان بالحدود بل هي خاصة وكونية.

ومعنى ذلك أن العلاقتين العمودية بالطبيعة والافقية بالتاريخ مكانهما وزمانهما له مستويان:
خاصة بجماعة معينة، وكوني يشمل الإنسانية كلها لأن كل شيء من أعمال الإنسان في العلاقتين متوارث تساوقيا وبالتوالي.

كل حضارة تتأثر بما حولها وبما قبلها فيهما معا أدوات للتربية والحكم في الدول. والأداتان التربية والحكم يمكن أن يكونا لطيفين ويمكن أن يكونا عنيفين.
• فاللطيفان ينميان معاني الإنسانية بالمحافظة على المقومات الخمسة لكيان الإنسان أي حرية الإرادة وصدق العلم وخير القدرة وجمال الحياة وجلال الوجود
• والعنيفان يفسدان هذه المقومات وسماها ابن خلدون “فساد معاني الإنسانية”

وهما قرآنيا مفهوم الخسر الذي هو ما يطرأ على الفطرة فيفسدها (سورة العصر) وما يمكن من استثناء الإنسان منه هو مقومات اصلاح معاني الإنسانية فيها، أي الوعي بالخسر ثم الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وهي المعاني التي سمى ابن خلدون فسادها بفساد معاني الإنسانية.

وبين أن الفعل الأصل هي الوعي بالخسر وبشروط الخروج منه.
• والفعلان المواليان يتعلقان بصلاح التربية بالإيمان والعمل الصالح في تربية الفرد
• والفعلان الأخيران يتعلقان بصلاح الحكم بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر
1. والأول للاجتهاد في طلب الحقيقة
2. والثاني للجهاد في تحقيقها.

أما الاستعمال العنيف للأداتين أي التربية العنيفة والحكم العنيف، فينتج عن عكس ما وصفنا يصبح الخسر مطلوبا فيفقد الفرد الإيمان والعمل الصالح والحكم العنيف، تفقد الجماعة التواصي بالحق والتواصي بالصبر فيصبح الجميع يتخادع فلا يطلب الحقيقة ويتنافق فيما يعمل على تحقيقها. وتلك فوضى هدامة.

ولا أحد ينكر أن وضع العرب اليوم هو كما وصفه ابن خلدون في كلامه على فساد معاني الإنسانية وكما وصفته سورة العصر في كلامها على الخسر اضمارا خلال كلامها على شروط الخروج منه الخمسة أي:
1. الوعي به
2. وبوجوب الخروج منه بالإيمان
3. والعمل الصالح
4. والتواصي بالحق و
5. التواصي بالصبر.

وقد كانت سورة العصر قد اضمرت مكونات الخسر فذكرت شروط التحرر منها، فإن ابن خلدون عكس فأضمر شروط الخروج منها في كلامه على علل الوقوع فيها.
وما يصل بين الرؤيتين ورد في آخر كلامه على فساد معاني الإنسانية بوصف الفساد قرآنيا بـ”بالرد أسفل السافلين”.

وما ذكرت الوجه الموجب من الفوضى الخلاقة التي تحصل بين لحظتين من النظام الواحد للمحافظة عليه أو لتغييره إلى ما هو أفضل إلا لأنه هو الطريقة الوحيدة للتصدي للفوضى الخلاقة الغازية أو التي يطبقها نظام تابع لقوة غازية بهدف تخريب النظام الذي يحمي الجماعة كما يحصل حاليا في بلاد العرب.
فالفوضى الخلاقة الهجومية أداة للغزاة هدفها استعمال التربية والحكم العنيفين من أجل تخريب أداتي الفوضى الخلاقة الدفاعية.

فالتربية والحكم كلاهما فوضى خلاقة دفاعية ضد الطبيعة وضد التاريخ، لأن الإنسان فردا وجماعة معرض دائما للأضرار الواردة عليه من الطبيعة ومن الإنسان داخليا وخارجيا
ومعنى ذلك أن الإنسان ما كان ليجتمع ويصبح جماعات وما كان ليكون دولا وما كان ليعد أجياله بالاعتماد على الخبرة الحاصلة لو لم يكن الهدف تحقيق شرطي السيادة للجماعة والحرية للأفراد: أي الرعاية والحماية. فالرعاية هي شرط البقاء العضوي والحماية هي شرط البقاء التاريخي.

فالشعوب تفنى:
• إما لأنها صارت عاجزة عن رعاية ذاتها بسد حاجاتها العضوية والروحية (المجاعات مثلا)
• أو لأنها صارت عاجزة عن حماية ذاتها بسد حاجات الدفاع عنها:
1. في الداخل (بين أفرادها)
2. وفي الخارج (بينها وبينها الجماعات المعادية).

وتلك هي علة وجود التربية والحكم أو الدولة الجامعة بينهما.
ويعتبر هذا عندي من أكبر الأدلة على تمام الإسلام: فهو تربية وحكم ومن ثم فلا يمكن تصوره من دون دولة تحقق هذين الدورين وهما عين ما عرف به القرآن علاقة الإنسان بالطبيعة وبالتاريخ: فهو يعرفه بكونه مستعمر في الأرض ويعرفه بكونه مستخلفا فيها وعليها. وشرطهما دولة سلطتها للجماعة تربية وحكما.

وبهذا المعنى فالإسلام منذ نزول القرآن كان “فوضى خلاقة” بالمعنى الموجب للكلمة.
فهو أخرج العرب من نظام الجاهلية وأخرج الإنسانية من نظام القبلية والعرقية والتمييز العنصري والطائفية التي لها مستويان إما في الدين الواحد أو بين الاديان. كانت نظاما سابقا ألغاها القرآن بأفضل ما يتجاوزها.
وهو الأفضل لأنه ثورة روحية وعقلية في آن:

ذلك أن علة الصراع الديني ألغاها بأن جعل الدين حرية تنتج عن تبين الرشد من الغي واعترف بالأديان الاخرى أرجأ الحكم بين أصحابها إلى يوم الدين بل اعتبر التعدد الديني شرعات ومنهاجات وعقائد شرطا في التسابق في الخيرات (المائدة 48).
ولا يعني ذلك أنه لا يحق للمسلم أن يجمع بين كل هذا وبين اعتقاده أن الإسلام هو الدين عند الله. لكن معرفة ذلك بصورة كونية القرآن نفسه يؤجلها إلى يوم الدين ويترك لأهل الاديان الاخرى حرية المحافظة على أديانهم مع تشجيعهم على اتباع الإسلام ليس بالكلام بل بأفعال المسلمين تسابقا في الخيرات.

وإذا كان فقهاء عصر الانحطاط اعتبروا ذلك منسوخا فليس ذلك لحجة علمية، بل لعلة تاريخية هي ما انتهى إليه أمر المسلمين من انكماش وفقدان للثقة في النفس، ومن ثم حصل ما يشبه آليات الدفاع النفسي الجماعية التي جعلت الأمة لم تعد جاذبة لفساد معاني الإنسانية الناتجة عن انحطاط التربية والحكم.

إن أي جماعة لا تكون ذات دولة تحقق هذين الوظيفتين للرعاية والحماية في التربية وفي الحكم، لا يمكن أن تعتبر دولة صالحة، بل هي دولة لا تعد الأفراد والجماعة إلى تحقيق شرطي السيادة الفردية (ابن خلدون يعتبر الإنسان رئيسا بالطبع) والسيادة الجماعية من باب أولى وأحرى.

وإذا كانت الرعاية ثمرة عمل على علم وخلق، وكانت الحماية ثمرة قدرة على علم وخلق للدفاع عن الذات، حتى إن ابن خلدون حصر كل معاني فساد الإنسانية فيما سماه صيرورة الإنسان فردا وجماعة، عالة على غيره في الدفاع عن ذاته وأهله وماله وعرضه، فإن التربية تتضمن حتما شرطي السيادة الرعاية والحماية.
لكن جل البلاد العربية نظام التربية والحكم فيها لا يعد لأي من هاتين الوظيفتين.

فنظام التعليم لا يخرج من له القدرة على الإنتاج الساد للحاجات المادية والروحية، ولا يخرج من يستطيع الدفاع عن ذاته أو عن وطنه، بل الجميع مدجن وتعليمه محفوظات إيديولوجية:
تنتج البطالة إعالة والعجز حماية.

فيكون نظام التعليم ونظام الحكم أداتين بيد دولة تابعة تستتبع بهما أجيالها كما يحدث في كل المستعمرات التي تحقق ما عجز دونه الاستعمار من تغيير للهويات الحضارية وأهمها اللغة والدين والولاء للتاريخ المشترك مع من ينتسبون مثلها إلى نفس الحضارة. وهذه الطريقة أقوى سلاح لطيف لدى الغزاة.

وحتى لا أتكلم على غير العرب من الشعوب في افريقيا وفي آسيا، فلأذكر المغرب العربي الذي تفرنس بعد الاستقلال في أقل من نصف قرن في حين أن فرنسا لم تستطع تحقيق ذلك في أكثر من قرن بدعوى نشر التعليم والحكم الحديثين في الظاهر لأنهما لم يحققا أدنى حداثة تتجاوز مسخ الهوية والفوضى الحضارية.

ونفس الشيء يمكن قوله على جل نصارى المشرق العربي وخاصة لبنان، لأن التحديث ليس عملية هدفها تحقيق شروط الاستقلال، بل هي نهج نسقي للاستتباع الحضاري وما يترتب عليه. والتعلل بالحاجة إلى التحديث لإخفاء القصد يفترض أن التحديث لا يمكن أن يتم باللغة الوطنية فتشوه الثقافة دون تحديث فعلي.

وقد يظن أن كلامي هذا يعارض تعليم اللغات الأجنبية التي هي ضرورية لاي باحث في أي مجال علمي للمختصين بشرط ألا يكون ذلك بديلا من اللغة الوطنية وخاصة في مراحل التعليم الأساسي العام فيكون تعلم اللغات الاجنبية تابعا لمجالات الاختصاص دون أن يصبح هو أداتها بديلا من اللغة الوطنية.

وهو جزء من الفوضى الخلاقة الغازية بأيدي الأنظمة العملية لأن الامر ليس بمعزل عن أمرين آخرين:
• الأول هو القطع مع التاريخ المشترك لشعوب المغرب مثلا واستبداله بالمرحلة الفرنسية
• وهو ثانيا بات أداة لما فتنة بين العربي والامازيغي.
فعتاة العلمانيين جعلوا الفرنسية لغتهم وإن بصورة غير رسمية.

وجل بلاد افريقيا التي كانت منتسبة إلى التاريخ الإسلامي أصبحت بسبب تبني لغة المستعمر- الفرنسية والانجليزية والبرتغالية-أقرب إلى النسب الحضاري الاستعماري منها إلى تاريخها لأن القطيعة مع تراثها الذي كان مكتوبا بالعربية صار ليس في متناول أجيالها كما حصل في تركيا.

واغلب شعوب آسيا الإسلامية والهند صارت ناطقة بالإنجليزية على الاقل في الامور الرسمية وفي التعليم والإنتاج الفكري بحيث إن لغاتها المختلفة بصدد الاندثار، ومعها تراثها الذي كتب بها أو بالعربية، ومن ثم فالغزو الحضاري والثقافي لم يبق فحسب بل ازداد بعد ما يسمى بالاستقلالات.

وهي فوضى خلاقة متعلقة بالمكان والزمان:
ففي المكان صارت الحضارة المشتركة ليست متصلة بالجوار الجغرافي، بل بالعلاقة مع المستعمر وفي الزمان كل هذه الشعوب فقدت العلاقة مع تاريخها وتراثها المتقدم على حقبة الاستعمار في الغالب، ومن ثم فالتغيير الذي حصل فيها استتباعي وهو فوضى خلاقة سلبية.وما يعنيني من الظاهرة هو جغرافية دار الإسلام وتاريخها.

ففيهما عملت الفوضى الخلاقة عملها منذ بداية الاستعمار واستفحل الأمر خاصة بعد ما يتوهم استقلالا ولكنه في الحقيقة استعمار غير مباشر أكثر خبثا لأن الفوضى الروحية التي تنشأ في الأمة تتحقق بأيدي أبنائها لتحقيق هدف الغازي بسلاحه اللطيف.

فتفتيت الجغرافيا حققه تبني الدولة القطرية على أساس يزعم اثنيا وهو متعدد الأعراق ما يؤدي إلى مشروع حرب أهلية دائمة في كل محمية ويصبح المستعمر هو الحكم باسم الاقليات (مثال سوريا ولبنان وقريبا سيكون الحال في جل بلاد المغرب) وحتى يدعم ذلك، يأتي بحث كل محمية عن تاريخ خاص بها.

وبذلك تتم القطيعة التاريخية والجغرافية ومعها تتحقق الغاية الأساسية:
منع شروط التنمية المادية والروحية للامة التي تتفتت إلى محميات ليس لأي منها شروطهما بسبب حجمها الذي يجعلها بالضرورة تابعة للغازي بطلب منها لحاجتها إليه في الرعاية والحماية:
وهذه حال كل المحميات العربية اليوم.

ومن العجائب أن الانظمة التي تقاوم ما تسميه بالفوضى الخلاقة لتحافظ على سايكس بيكو مثلا تتصور الخارطة التي نتجت عنه ليست جزءا من الفوضى الخلاقة في حين أنها أهم مرحلة فيها:

فيكفي أن تعلم أن هذه الخارطة مرسوم فيها ما سيؤدي حتما لحروب أهلية في كل بلاد سايكس بيكو عرقيا وطائفيا.
وكل محاولات الحفاظ عليها بالعنف من الانظمة الحالية ستحول دونها والاستقرار لأنها هندست لهذه الغاية ولذلك فالحل ليس في محاولة الحفاظ عليها بمفهوم الدولة القطرية ذات الاثنية الغالبة التي تنفي بقية الإثنيات، بل لا بد من البحث عن حلول اخرى لتجنب الحروب الأهلية لئلا يزداد التفتيت.

فتركيا وسوريا والعراق وإيران، أربعتها مهددة قوميا وعرقيا لأن الخارطة التي فرضها الاستعمار تهدف إلى هذه الغاية وهي جزء من الفوضى الخلاقة التي رتبت من البداية خلال هندسة الخارطة التي تقتضي إما الرضا بالتبعية أو تحريك الحروب الاهلية في كل واحدة منها حتى تنهك وتضعف وتصبح تابعة حتما.

وليس بالصدفة أن كان أكبر المستشرقين هم في آن أكبر المستشارين في هذه السياسات، بل وجلهم كانوا من موظفي مخابرات أنظمتهم مثل ماسينيون وبرنار لويس.
ذلك أن عملية التغيير المبنية على العلم في الطبيعة تحاكيها عملية التغيير المبنية على العلم في التاريخ. العلم بالظاهرة شرط الفعل والتأثير.

فالفوضى الخلاقة ليست رماية في عماية كما يتصور الأميون الذين يقودون أوطاننا والذين هم من أهم أدواتها، وغالبا ما يكون بغير وعي وبحسن نية بسبب العمل قصير النظر والجاهل بالبعائد.

فالأنظمة العربية أحيت التاريخ السابق على تاريخ الامة ليس كمادة معرفية، بل كهوية فأنهت الهوية المشتركة.
ولما كان التاريخ المتقدم على الإسلام إذا اعتبر أساس الهوية وليس مجرد مادة معرفة يلغي معنى القومية العربية الأهم، أعني القومية بوصفها حضارة وليس بوصفها عرقا.

فلا معنى للقول إن مصر والعراق وسوريا وتونس والجزائر والمغرب عرب قبل الإسلام.
جعل الهوية متقدمة عليه نهاية العروبة.

فشتان بين كلامي على تاريخ تونس الذي تداولت عليه عدة حضارات وكلام الباحث في التاريخ، وكلامي عليه كلام من يؤسس لهوية مختلفة عن هوية الجزائري والمغربي والمصري والليبي والعراقي والسعودي إلخ..
• فالأول مثله مثل البحث في تاريخ البشرية كلها
• والثاني تأسيس للفوضى الخلاقة في دار الإسلام.

وحتى أكون واضحا فليس هزيمة الخلافة العثمانية هو الذي قضى على الخلافة، لأن الدول يمكن أن تهزم وتبقى الهوية الحضارية الواحدة.

ما قضى عليها هو الخلط بين التعدد التاريخي من حيث هو موضوع علم التاريخ والتعدد الذي يؤسس لفوضى خلاقة تنهي وحدة الحضارة التي تحققت قبل الاستعمار.
فالحركات القومية التي تبنتها النخب في تركيا وفي بلاد العرب، وخاصة عند النخب المسيحية منهم، هي التي كان السلاح الاقوى في استراتيجية الفوضى الخلاقة للقضاء على النظام السابق وتأسيس النظام الحالي.
وهو نقيض ما نراه يجري اليوم في أوروبا لإلغاء نظام الدولة القومية بالدولة الحضارية.

والآن اعتقد أن القارئ يفهم السر في الحرب على الحركات الإسلامية عامة والاخوانية خاصة:
فهذه الحركات هي الوحيدة المدركة لاستراتيجية الفوضى الخلاقة والساعية لمقاومتها بعدم التنصل عن تجاوز الحدود الاستعمارية.
وليس بالصدفة أن يطالبوها بالتنصل للتسليم لها بحق الوجود في بلاد العرب.

أشرع الآن في المستوى الأكثر تعقيدا في فهم إشكالية الفوضى الخلاقة التي يستعملها أعداء وحدة الأمة:
• جغرافيا (دار الإسلام)
• وتاريخيا (حضارة الإسلام)
• ومرجعية (الإسلام المتعالي على القوميات والطائفيات في الدين الواحد وبين الاديان)

مع ما يترتب على الجغرافيا والتاريخ: خمسة أحياز وجودية.
وآمل أن يصبر علي الشباب بجنسيه وبقية القراء، لكن المهم عندي هو الشباب الذي لي أمل في أن يكون صاحب الفوضى الخلاقة التي تستأنف دور المسلمين وحضارتهم في التاريخ الكوني من جديد ليس للأمة وحدها، بل للإنسانية كلها لأن ما يحدث من فوضى خلاقة ضدنا وضد الإسلام كوني.

فتفتيت الجغرافيا وتشتيت التاريخ اللذين تكلمت عليهما في الفصول السابقة من هذه المحاولة، هدفهما المباشر هو منع شرطي السيادة للفتات من المحميات التي آلت إليها دار الإسلام أعني:
• شرط الرعاية (التنمية المادية والروحية)
• وشرط الحماية (القدرة على الدفاع عن الذات) ومن ثم جعل التعبية بنيوية

وعندما تمتنع التنمية التي تحقق الرعاية والحماية، فهي تتعلق بمخرجات التربية والحكم أي إن البحث العلمي والإرادة السياسية هما بدورهما أصبحا شبه معدومين، والغريب أن من يقضي عليهما هم أبناء المحميات الذي صاروا يستمدون بقاءهم ليس من شرعية شعبية أو تاريخية بل من سند الحامي وأذرعه.

فلا أحد يمكن أن ينكر أن نظام سوريا والعراق يستمدان بقاءهما من الذراع الإيرانية والنظام المصري والسعودي وغالب محميات الخليج من الذراع الإسرائيلية، وأن الذراعين هما بدورهما يستمدان دورهما وقوتهما من الحاميين الأكبرين أعني روسا وأمريكا.

وهذه التعبية بنيوية ولم تعد خفية من ثورة الشباب. ومن السذاجة أن يتصور المرء اختيار هذين الذراعين ليكونا الحاميين المباشرين للأنظمة العربية في الاقليم وليد الصدفة:
• فكلاهما جزء لا يتجزأ من تاريخ الإقليم
• وكلاهما ينكأ جراج عميقة اصطلحت على تسمية
1. اولها بأصل الفتنة الكبرى (الصفوية)
2. وثانيها بأصل الفتنة الصغرى(الصهيونية).
فالصفوية والارثودوكسية تواصلان الحرب على الإسلام منذ نشأته بالثيوقراطية والصهيونية والانجيلية تستأنفان الحرب عليه بالعلمانية.
• الأولان يحركان التاريخ المتقدم على انفراط عقد الخلافة السنية
• والثانيان يحركانه بالعلمانية ويستأنفان القديم بشكل حديث مبني عليه.

وإذن فأهم أداتين للفوضى الخلاقة في الاقليم هما مشروع أصحاب الفتنة الكبرى التي لازمت وهم استرداد إمبراطورية فارس وأصحاب الفتنة الصغرى التي لازمت وهم استرداد امبراطورية دواد ومن تذيل لهم من الأنظمة والنخب العربية، وكلهم أدوات روسيا وأمريكا لغايات استعمارية بغطاء ديني معاد للإسلام.
• ودور الذراعين الصفوية والصهيونية هو دور السلاح العنيف واللطيف المباشر
• ودور الانظمة توظيف التربية والحكم لنفس الدور

والكل له أهداف ذاتية لكنه في آن أداة بيد الروس والامريكان لتحقيق ما يمكن من تحقيق غايات جيواستراتيجية وحضارية في آن: ضرب قبل الإسلام العربي التركي منعا للاستئناف.
والأداة الأفعل حاليا هي توظيفات الانظمة ونخبها المسيطرة على وظائف الدولة العشرة أعني وظائف الحماية الخمسة ووظائف الرعاية الخمسة.

فالأنظمة التي تنتخب القيمين عليها والاختراق المسموح به للذراعين وسنديهما فيها، يجعلها أدوات تخريب يحقق الفوضى الخلاقة بالفساد القصدي كالسرطان العام.

ولنبدأ بوظائف الحماية التي تستعمل بعكس دورها الطبيعي: فبدلا من أن تكون وظائف حماية للحماية داخليا وخارجيا، تتحول إلى أداة تنكيل داخليا وخارجيا لخدمة الغايات التي يخطط لها صاحب الفوضى الخلاقة الهادفة إلى العودة بالإقليم إلى ما كان عليه قبل الإسلام فيصبح العرب والاتراك خارج التاريخ.

وكلنا يعلم لماذا المستهدف هم العرب والاتراك ومعهما الكرد والأمازيغ.
فهؤلاء الشعوب الاربعة هم قاعدة الهرم الإسلامي،
• فالعرب أسسوا دولة الإسلام في البداية
• والأتراك حموها في الغاية
• وكان للأكراد والأمازيغ الدور الوسيط والمساند بين المؤسسين والحماة إلى الربع الاول من القرن الماضي.

وما جعل خطة الفوضى الخلاقة تصبح علنية، هو فشل التفتيت الجغرافي والتشتيت التاريخي بفضل الدور الذي أدته الحركات الإسلامية في بلاد العرب والأتراك ومعهما الأكراد والأمازيغ:

فالمقاومة الثقافية التي أدتها هذه الحركات أعادت زخم اللحمة الإسلامية وبدأت في فعل المقاومة العالمية.
ولذلك فالإقليم فيه صدام صريح بين الخارطة التي وضعها الاستعمار، والمحميات التي تحكمها ونخبها والخارطة الإسلامية التي تمثل المعارضة الفعلية ليس بالمعنى السياسي فحسب، بل بمعنى فوضى خلاقة مقاومة تمكنت من استعادة النظام الذي يراد القضاء عليه في الأذهان خاصة وفي حركات المقاومة.

ولهذه العلة، فلا توجد محمية عربية يشعر نظامها بأن شرعيته ليست مقدوحة وغير مستقرة لأن الحركات الإسلامية لا تعترف بالخارطة التي هندسها الاستعمار وظنها حققت له ما يسعى إليه من الاستتباع الحضاري التام كما حصل في بعض دول افريقيا وآسيا وتحيي الخارطة الإسلامية المتقدمة عليها.

فهم الاستعمار بصنفيه الروسي والامريكي وذراعيه الصفوي والصهيوني وعملائهم من الأنظمة ونخبها أن المعركة لا ينبغي أن تتوقف عند حركات المقاومة التي يسمونها إرهابية وخاصة بعد الربيع أن الأصل هو الحركات الإسلامية التي ربحت المعركة الرمزية كما بينت الانتخابات بعده.

فكانت الاستراتيجية المتمثلة في جناحي الحرب على الاستئناف الذي تمثله الحركات الإسلامية:
• استعمال الجامية
• واختراق حركات المقاومة بصورة تفسد المقاومة الإسلامية السنية لتكون حربا عليها وعلى الإسلام في آن بمعنى تشويهه وضرب المقاومة ذات الاستراتيجية الحضارية والسياسية منطق العصر.
والهدف في خطة الأنظمة والذراعين والسندين، هو جعل المقاومة والإسلام يقبلان الوصف بالإرهاب لتقديم بديل منه هو العودة إلى الجامية والدروشة اللذين كانا سائدين في عصر الانحطاط والاستعمار:
• لمنع الاستئناف
• وتحقيق شروط الاستقرار للعملاء
• وتثبيت خارطة المحميات الحالية للقضاء على دولة الإسلام.
فيكف يفسدون وظائف الحماية الخمسة بالفساد والاستخدام العكسي:
• وظيفة القضاء والامن للحماية الداخلية
• ووظيفة الدبلوماسية والدفاع للحماية الخارجية
• ووظيفة الاستعلام والإعلام أساسا جهازا عصبيا مركزيا للحماية في الدول الطبيعية.

أصبحت للتخريب بالفساد وخدمة ما وظف لأجله النظام العميل ونخبه.
كل وظائف الحماية تنكل بالشعب وهي أدوات تخريب.
فكم عانت تركيا لتطهيرها ولا تزال. لكن العرب لم يشرعوا بعد في تطهيرها.
فاليوم لا توجد حماية داخلية حقا لأن القضاء والأمن فاسدان.
ولا حماية خارجية لأن الدبلوماسية والدفاع فاسدان.
والفساد المطلق في الاستعلام والإعلام.

ومعنى ذلك، أن فساد وظائف الحماية الخمسة ليست خاصية عرقية ولا ثقافية في الإقليم، بل هي جزء قصدي من الفوضى الخلاقة لأن الأنظمة ونخبها ليست إلا أدوات لتحقيق اهدافها بما يشبه السرطان المعمم، بحيث إن الانظمة ونخبها تحصل على مكافأة عن طريق الفساد مقابل الإفساد النسقي لشروط قيام الأمة.
فبهذا الفساد -والمثال المطلق في ذلك العراق وسوريا ومصر خاصة-تنكص الجماعة إلى ما قبل الدولة فتصبح الانظمة التي تحمي كيان الجماعة هي عينها الأنظمة التي تفقدها الحماية، فتجعلها بهشاشة الجبن، يسيرة الاختراق بواسطة الفساد العام الذي يصبح فيه الجميع مرتزقة ولا وجود لكيان ذاتي الحماية.

وهكذا نصل إلى وظائف الرعاية الخمس:
1. التربية النظامية
2. والتربية الاجتماعية للتكوين
3. والانتاج المادي أو الاقتصاد
4. والإنتاج الرمزي للثقافة للتموين
5. والجهاز العصبي المركزي لهذه الوظائف أو البحث والاعلام العلميين فهذه كلها تخرب لنفس الغاية.
وقد تكملت على ذلك في عدة مواضع.

ففضلا عن كون المحميات لا يمكنها بحجمها بعد التفتيت الجغرافي والتشتيت التاريخي أن تكون قادرة على البحث العلمي الذي يقتضي حجما مناسبا للعصر -التجمعات الكبرى-فإن نظام الانتخاب الذي تفرضه الانظمة العميلة يجعل الجامعات والمؤسسات التربوية وظيفتها إيديولوجية ولا دور لها في التموين.

ولا ختم بأخطر طريقة لإفساد أصل كل تربية سواء كانت نظامية في نظام التكوين أو اجتماعية في نظام استخدام خريجيه هي طريق الحرب على الأسرة.
فالسعي إلى جعل المرأة مجرد جارية تضيق بالمسؤوليات الاسرية وحتى بالإنجاب لتكون مجرد أداة متعة واستمتاع، هو أهم أدوات الفوضى الخلاقة السلبية.