أ.منصور مرقومة

جامعة مستغانم/ الجزائر

مقدمــة

تعتبر الدراسات التي تبحث في تاريخ الإنسان بصفة عامة، ودراسة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكلاسيكية أو الحديثة، والبنى التقليدية بصفة خاصة، ذات أهمية بالغة في الكشف عن الحقائق والوقائع المختلفة لمثل هذه الظواهر والنظم والبنيات، ومعرفة استمرارها من انقطاعها، أو تواصلها من قطيعتها، وكذا رتابتها من تغيرها. ويعتبر تبني مثل هذه الدراسات من الأهمية بمكان خاصة في الوقت الحالي والعصر الحديث الذي كثرت فيه الإيديولوجيات، وطغى عليه الفكر الغربي المادي، واستحالت فيه ثقافة المجتمعات بمفهومها الواسع، إلى خليط من الفلسفات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. كما تعتبر هذه الدراسات ذات أهمية في كونها تبحث في راهنية وتجدد ما هو تقليدي واستمرار ما هو تاريخي، خاصة في المجتمعات العربية المحلية، التي تعيش حالة من الانتقال والتغير فيها كثير من التناقضات والمواجهات بين ما هو تقليدي كلاسيكي (موروث)، وما هو حديث عصري (مكتسب)، تطغى عليه تبعية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، حيث تعيش هذه المجتمعات المحلية ”حالة عدم استقرار ونزوع دائم، أي في حالة صيرورة وتكوّن وجهاد”.

I.     القبلية: Tribalisme

هناك الكثير من الاستعمالات لمصطلح القبلية (Tribalisme)، فهذا المصطلح يظم ظواهر وحقائق جد مختلفة ومتشعبة في نفس الوقت، حتى أنه يصعب معرفة هل يحيل هذا المصطلح إلى نوع البنية الاجتماعية التي تبدو أنها تعطيه نوعا من المصدرية إن لم نقل نوعا من الشرعية، لتكوين اجتماعي أو تاريخي محدد.

يحيل هذا المصطلح في مفهومه الأولي إلى حالة شعورية لدى الجماعة حول نفسها، يمليها إحساس بالانتماء والهوية الاجتماعية والثقافية، فهو يعبر عن واقع مركب، ثقافي، إديولوجي وسياسي في نفس الوقت. فالقبيلة وفي حدود، ليست سوى مدلول من مخلفات الحقبة ما قبل استعمارية، ومدلول من أشكال اجتماعية أولية.

ظهرت في الفترة الاستعمارية وما بعد استعمارية أنواع أخرى وأشكال عديدة من القبليات التي لم تكن تكريسا للمفهوم السابق فقط، بل لمفهوم تحدده التناقضات الاجتماعية الجديدة (ذات المصادر الخارجية) و التي وجدت المجتمعات الإثنية والقبلية نفسها في مواجهتها. الشكل الثاني هذا للقبلية، يصبح شكلا جديدا للتعبير السياسي والاجتماعي، ولا يحيل في تفسيره إلى الماضي ما قبل استعماري ولكن إلى الدولة الوطنية (Etat-national)، وإلى صراع للطبقات. فالقبلية يمكن أن تأخذ منحى ” مافوق قبلي” (supratribal) في إطار وطني.

عندما تعرض “جونتان فريدمان” (Jonathan Friedman) في مقاله حول القبلية، وبعد عرض مطول حول هذا المصطلح وماهيته، ذكر أن عددا كبيرا من دول العالم تستند في تنظيماتها المختلفة على ما هو تقليدي، وأن الكثير من سكان هذه البلدان استطاع المزاوجة، في حيلتهم اليومية، بين ما هو تقليدي وما هو عصري حديث، حيث أشار إلى دراسة قام بها العالم “ريتا في سنة 2000  ” المنجزة حول قبائل “الماووري” (Maori)، والتي تصف كيف أن الحركة الثقافية لهؤلاء السكان استطاعت أن تصل إلى إدخال بعض خصائص ومبادئ التنظيم القبلي إلى الاقتصاد الرأسمالي، بنوع من التآلف بين ما هو عصري وما هو تقليدي انتمائي. يخلص بعدها إلى أن القبلية تعني تلك الانقسامات (fragmentations) الإثنية التي تتدخل أثناء مواقف وظروف خاصة، أين تظهر الأشكال المحلية منظمة وفق إستراتيجيات القرابة، والتحالفات الطائفية، والزيجات الداخلية (endogamie)، والانقسامية، وتدخل كلها في التنظيم القبلي لمجتمع ما.

II. البنية و التراتب الاجتماعيين

لا تزال القرابة الضيقة مسيطرة على العلاقات الاجتماعية في العديد من مناطق الجزائر، إن الإنسان لا يستطيع العيش خارج الجماعة أو الخروج على تعاليمها، إنه مقيد بهذه التعاليم، وأي خروج عنها يؤدي به إلى الإقصاء و التهميش. ”إن المجمع القروي يملي على أعضائه تصرفا خاصا. فقد صورت عدة دراسات لعدد من الباحثين الأجانب، الإنسان الجزائري على أنه قاصر في اتخاذ القرارات، و ليست لديه روح المبادرة داخل هذه المجتمعات المتصلبة والمنغلقة على نفسها…فالزيجات كانت كلها داخلية “endogamiques ” داخل الجماعة، مما يدعم روح التكافل القرابي داخل هذه الجماعات”.

و يتكوّن البناء الاجتماعي من عناصر متشابكة، يتمّ التفاعل فيما بينها بشكل إيجابي (تبادلي وتكاملي ). ولذلك يرتبط البناء الاجتماعي  بالأسس التي تعمل على تنظيم الحياة الاجتماعية  والبيولوجية . يعرّف ” إيفانز بريتشارد” البناء الاجتماعي بأنّه : ” نسق اجتماعي يتميّز بدرجة معيّنة من الثبات والاستقرار .. ويتألّف من جماعات وزمر، مثل : العشائر والقبائل والأمم، تقوم كلّ منها بتنظيم علاقات الأفراد الذين ينتمون إليها”.

تعتبر العائلة أصغر وحدة في التنظيم الاجتماعي في المجتمع، وتنعت غلبا ب”الخيمة”، خاصة في المناطق الداخلية من البلاد، وهي أيضا وحدة إنتاجية وكذا سلطوية. وهذه العائلة غالبا ما تظم الأب (الجد) والأبناء المتزوجين وكذا الأحفاد، وهذا في علاقة تراتبية تخضع في  شكلها السلطوي للأب (الجد) ثم للابن البكر. ويعتبر تجمع أكثر من عائلتين تنظيما في مستوى أعلى من العائلة وهو الفخذ، ثم تأتي بعده أشكالا أخرى تنتهي إلى أعلى مراتب التنظيم الاجتماعي ألا وهو القبيلة، وهذا طبعا في المجتمعات التي تعتمد في تراتبها على النسب والصلة الدموية، حيث يظهر في هذا المستوى نوع من التنظيم السياسي خاصة عند الشعور بالخطر الخارجي الذي يهدد هذا التنظيم. وتختلط فيه العلاقات الاجتماعية وتتداخل مع المتطلبات الاقتصادية ومع بقية النظم الأخرى.

قد يغير الشخص من موقعه التراتبي داخل القبيلة، وهذا باستغلال الظروف المختلفة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والدينية. فكثير من الأشخاص استطاعوا الوصول إلى أعلى  مراتب التراتب السياسي والمكانة الاجتماعية بعد استغلالهم لظروف معينة أوصلتهم إلى تكوين الثروة، فأصبحوا بذلك ينتقلون من مرتبة اجتماعية وسياسية محددة إلى مرتبة أعلى وهكذا.

يعتبر النظام القبلي في النظرية الانقسامية حسب “إيفانز بريتشارد” نظاما متناظرا متوازنا، أي أن أجزاءه المختلفة، والتي تكون القبيلة، تكون متناظرة ومتعادلة في الصفات العامة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ونوجز في ما يلي أهم الأسس التي بنا عليها الانقساميون نظريتهم وهي: – عدم تمركز السلطة في يد شخص واحد، – الغياب التام لمؤسسات سياسية متخصصة، – التوزيع العادل للسلطة بين مختلف الجماعات التي تكون القبيلة وعلى جميع المستويات، – التكاتف والتحالف بين مختلف أجزاء القبيلة ووحداتها ضد الخطر الخارجي، هذه هي أهم الصفات في المجتمعات الانقسامية. وهذا في رأينا قول فيه كثير من الحقائق والمغالطات في آن واحد، لأن أجزاء القبيلة ووحداتها المكونة لها قد تختلف فيما بينها من حيث التنظيم، وتتفاوت من حيث الكفاءة الاقتصادية والمكانة السياسية داخل القبيلة، كما يسودها التنافس والصراعات. فقد نجد “عرشا” من “الأعراش” أو عائلة من العائلات “الخيمة” تتفوق على البقية منها، وتحرز مكانة هامة من حيث تملك وسائل الإنتاج وجمع الثروات مقارنة بنفس الوحدات الأخرى التي هي في مستواها من حيث  تكوين القبيلة. كما أن السلطة التقليدية المتمثلة في شيخ القبيلة وفي الجماعة القبلية أو مشائخ العشائر، فقدت بعض الشيء من مكانتها لتحل محلها السلطة المركزية المتمثلة في قوة القانون.

III. القبيلة بين القطيعة والتواصل (عودة القبيلة)

إذا كان التحليل الخلدوني لا يقيم فاصلة بين جهاز الدولة من جهة والقبائل ذات العصبية من جهة أخرى، فإنه لا يعود جائزا الاقتصار على الربط ما بين المدينة والجهاز الإداري للدولة فقط، صحيح أن الجهاز قائم بالدرجة الأولى وسط سكان الحضر، ولكنه بالتأكيد نشأ أصلا كنتاج للدينامية القبلية وامتدادا لسيادة عصبية ما”.

لا تشكل القبيلة وحدة متكاملة ومستقلة، بل تتبوتق و تتهيكل مع التنظيمات الجديدة ومع القوانين الحديثة، غير أنها تظل مرجعية هامة في اتخاذ القرارات، وعقد التحالفات، وإمالة الكفة، وقلب الموازين في الميادين المختلفة، السياسية منها خاصة. كما أنها تظل المرجعية الأساسية في ذكر الانتماءات والتفاخر بالأنساب وهذا كرأس مال رمزي فردي وجماعي، في تركيب مزدوج للظواهر المختلفة في دول العالم الثالث حسب الثنائية : تقليد / عصرنة ” كما عبرت عنه نظرية التحديث أو عبر عنه “بول باسكون” بمفهوم “التركيب”، حيث تتعايش فيه نماذج حضارية مستقاه من النموذج الغربي بنماذج مستقاه من الوسط القروي.  فالتقليد يستمد بناءه وتفاعله من الأطر الاجتماعية الأولية أو ما يسمى في علم النفس الاجتماعي ب”الجماعات المرجعية” كالعائلة والقبيلة مثلا، و العصرنة تمثلها الأطر الاجتماعية المعاصرة أو ما يسمى ب”جماعات الانتماء” مثل مؤسسات الدولة العصرية، كالأحزاب والانتخابات، والهيئات المختلفة، والأجهزة الاقتصادية، ومفهوم الديمقراطية والانتخاب (التأطير السياسي )” . فالكثير من الأفعال والعلاقات والتصرفات لا يقصى وجود ما هو موروث من الماضي سواء كان في شكل معتقدات، أو مؤسسات أو سلوك. ”إن هذا الموروث هو ما سماه البعض بالتقليد، إلا أن مفهوم التقليد ارتبط بمفهوم التجديد الذي يشحنه مضمون قد أُحيا ليحيلنا استعماله على اعتبارات معيارية. ويتحدث الدكتور شوقي الدويهي في مقاله الدولة والعشيرة في مجتمع محلي (المجتمع اللبناني)، على أن العشيرة موجودة فعليا، وممارسة، وتنظيما، رغم غياب النص القانوني الذي يعترف بها، ” بيد أن عدم الاعتراف القانوني هذا لا يلغي وجود العشيرة كتنظيم له دورته الخاصة وأعرافه المميزة التي غالبا ما تتعارض مع المنطق الحقوقي لوجود الدولة كسلطة مهيمنة. لكن هذا التعارض الحقوقي سرعان ما يتلاشى على صعيد الممارسة… ما يحجبه إذن النص تعترف به الممارسة”. ينطبق ذلك على دول المغرب العربي والجزائر خاصة، حيث أن ” غياب القبيلة كمؤسسة اجتماعية و اقتصادية ليس معناه غيابها كإطار للانتماء و للهوية المحلية، ذلك ما يجعل من القبلية عنصرا من العناصر الثقافية والاجتماعية التي تشكل موضوع مساومة” . غير أن فكرة الانتماءات تزداد يوما بعد يوم رسوخا في المجتمعات العربية عامة والجزائر بخاصة، وأكثر من ذلك الانتماءات ذات الأصول التقليدية. كما أن الإيديولوجيا القبلية ” تتبلور اليوم داخل حقل الصراع و التنافس من أجل السلطة أو التقرب من تلك السلطة… مع توظيف العلاقات القبلية و القرابية … خلال اللحظات الحاسمة في التنافس حول السلطة والتي تكون الانتخابات الإطار الملائم لها”. ليس من الصدفة أن يصل تجنيد الطاقة القبلية أوجه وقت الانتخابات للتركيز على العلاقات القبلية التي تربط المرشح بالمنطقة كإستراتيجية تضعف حظوظ المرشحين الذين لا ينتمون إلى نفس المنطقة أو الذين غادروها مبكرا. وقد رفعت عدة شعارات أثناء الحملات الانتخابية المحلية نكر منها على سبيل المثال لا الحصر شعار “انتخبوا ولد البلاد”.

كما يصل إلى استنتاج آخر مفاده، كيف نريد من الأحزاب أن تضمن قاعدة صلبة إذا لم نسمح لها باستغلال التراث الثقافي المتمثل في الوفاء والتحالف التقليدي؟ في غياب ذلك فإن الأحزاب تفقد هامش الحركة الذي يمكنها من حشد مزيد من الأصوات المؤيدة لها من أجل أن تتموقع على الساحة السياسية. بطريقة أخرى، لا توجد ديمقراطية خالصة، وأن التقليدية (la tradition) يمكنها أن تكون دعامة هامة للحداثة.

إن الخطاب الانتخابي المتمثل في الحملات الانتخابية الرسمية خاصة، ينتج من خلال ثنائيات تقابلية، تنتجها بدورها مختلف المواقع والأماكن التي يحتلها السياسي أو الفاعل السياسي، وهذه الثنائيات يمكن اختصارها في تقابل كل من: مدينة -ريف، برجوازية صغيرة – فلاح، شباب – شيوخ، قبائل – أحزاب سياسية…إذن هناك تداخلات مهمة بين الخطابات وبين مختلف التوجهات ولكن التوجه السائد غالبا ما يكون توجها نحو خلاف ضمني وغير معلن بين قبلية ما تزال قوية، وحداثة شاملة وغير واضحة المعالم.

–       III.1. انقسام القبيلة وتجزئها

عندما تحدثنا عن توطن القبيلة في الفصول السابقة ذكرنا أن هذا التوطن أو الاستقرار كان عاملا مهما في تقسيم القبيلة وتجزئها وفقدها بعضا من اعتباراتها وخصوصياتها التقليدية. إن هذا العامل المهم ليس الوحيد في هذه العملية، بل إن الخوض في هذا الموضوع المتشعب والمتعدد الأطراف يرجع بنا إلى قراءة في الانتخابات المحلية كعامل آخر للإثبات والمقارنة. إن الانتخابات الحديثة بقوائمها السرية والانقسام الذي تحدثه على مستوى القبيلة، تعني أن هذه الأخيرة لم تعد قادرة على التصرف كوحدة وككتلة متماسكة في وجه العالم الخارجي، وأن أعضاءها سوف لن يتصرفوا كمنتمين، بالدرجة الأولى، إلى تكتل واحد تفرضه الروح القبلية كما كان سائدا في السابق حين كانت القبيلة هي المرجعية الأولى في إنشاء مختلف السلطات والحفاظ عليها، بل يتصرفون وفقا لما تمليه عليهم تصوراتهم المزعومة (supposées consciences)، وحسب مصالحهم التي تمليها الفردانية الضيقة، على حساب  الصالح الجمعي .(l’interet communautaire)

تكمن وراء هذه العمليات مسببات عديدة، منها أولا، تشتت “الدواوير” وانقسامها باعتبارها وحدات أساسية في تكوين القبيلة. هكذا، فقد كان من المألوف أن يكون جزءا من “دوار” أو قبيلة مقسما بين “دواوير” عديدة ، بالمقابل كان هناك أجزاء أخرى لانتماءات مختلفة متحدة بدوار واحد . إن تحديد الرقعة الجغرافية كمحدد من طرف السلطات الرسمية في تأشير القبيلة أو الوحدة الإدارية يجعلها عامل إذابة لما هو تقليدي في ما هو رسمي. إن التقسيم الجديد بعد الاستقلال لم يأخذ القبيلة كعنصر أساسي لهذا التقسيم نظرا لحركية القبيلة وعدم ثباتها. فكان التقسيم الإداري الترابي و الجغرافي هو الأساس على الرغم من التطابق الحاصل في كثير من الأحيان للعنصر القبلي مع العنصر الجغرافي، أو تداخلهما في أحايين أخرى. فكان استبدال الأساس العرفي القبلي بالأساس الترابي الإداري الجغرافي.

من جهة ثانية، فإن عملية الانقسام هذه، تكمن وراءها معطيات أخرى، تتمثل في  تراجع البنيات التقليدية والنزوح الريفي نحو المجالات الحضرية والتجمعات السكانية المليئة بكثير من خيبات الأمل على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حيث حصلت القبيلة من خلالها على مظهر فكري إيديولوجي (un aspect utopique). إن القبيلة في المدينة عبارة عن معطى سوسيولوجي يجب تحليلها اعتمادا طبعا على مخلفات الإيديولوجيا القبلية، ولكن أيضا اعتمادا على الطبيعة الخاصة بالمدينة أو المجمعة السكانية التي تتميز بمستويات التطور الثلاث: ديموغرافي، واقتصادي، ومجالي، هذا الأخير الذي سيطرت عليه الطبيعة المنفرة للخرسانة المسلحة بما أسماه حداد لحسن ب:  ”غابة الخرسانة ”(la jungle du bêton)  .

وفي بعد ثالث، يكمن وراء عملية التجزؤ التي يشهدها التنظيم القبلي ما يسمى بتقسيم العمل، فعلى العكس من التضامن الآلي عند دوركايم، ينتظم التضامن العضوي حول التقسيم الاجتماعي للعمل ، مما يستلزم نوعا من الاستقلالية لدوائر التصرف للأفراد من حيث تطوير الشخصية الفردية و من حيث أيضا استقلالية البعض عن البعض الآخر كلما كان تقسيم العمل الاجتماعي أكثر عمقا، وأن الاندماج الاجتماعي(l’intégration sociale) المضمون فقط من طرف التمثلات الجماعية يصبح اندماجا هشا، وأن التمثلات الجماعية يظهر لها، وللوهلة الأولى، بعد سياسي في حالة ما إذا لعبت دور عائق، هذا العائق يختفي أو يقل شيئا فشيئا كلما تطور تقسيم العمل الاجتماعي. كلها عوامل تسعى، خاصة في الوقت الحديث، إلى تكريس انقسام القبيلة وتجزئها.

IV. العصبية والقبلية والطائفية (جذورها وعودتها)

المتتبع لأوضاع العالم العربي بصفة عامة، والجزائر بصفة خاصة، يلاحظ التداخل بين مجموعة من العصبيات المختلفة، الاجتماعية والسياسية والدينية الخ. ” إن العصبية بما هي مفهوم مركزي عند ابن خلدون، والذي يقوم على أساس القرابة والولاء، يمتدّ نفوذه عبر البنى الاجتماعية التي ينظر إليها بما هي بنى تقليدية (القبيلة)، غير أنه يعبر عنها بالعشائرية خاصة إذا تعلق الأمر بطريقة في الحكم أو سلوك سياسي أو اجتماعي يعتمد على القرابة بالمعنى العرقي الدموي أو بمعنى الجوار، حتى وإن كانت ذات الشحنة العصبية مثل الانتماء إلى مدينة، أو مقاطعة ، أو محافظة، ويضيق نطاق الانتماء إلى الحيّ، المحلة، الجهة، العرش (مفرد العروش)، الريف، القرية….

و عندما يتحدث ماكس فيبر عن السلطة الشخصية فإنه يذكر أنه مهما تكن المزايا في الشخص المعنوي ، المسمى بالدولة ، و الذي يعد المالك الوحيد للسلطة ، فإنه يجب النزول مجددا و القبول  بإسناد  هذه السلطة إلى أفراد ، إن هذا الإجراء ليس مجرد إعادة إقرار بالأمر الواقع السابق. لكن النتائج التي تؤدي إليها لا يجب أن تحجب واقع أنه يضع الأشخاص الحقيقيين و مصالحهم و شهواتهم و أعمالهم الشخصية في وسط إشكالية السلطة . لقد سعى الاستعمار الفرنسي إلى تفكيك البنية التقليدية وخلق أزمة هوية للجزائر، فقد اعتبر سكان الريف خصمه الأول وسعى في ”القضاء على التنظيم القبلي وتعويضه بشبكة إدارية لها رقابة صارمة”. فإن هذا لم يمنع [في الوقت الحالي]،  ظهور هياكل تمثيلية تقليدية كالعروشية، والجهوية تؤثر في برامج الدولة، وتجسد ذلك في ولاية عنابة، وسطيف، وتيزي وزو، بحالات من العصيان المدني وانتفاضة “القبايل” في 2001 التي طالبت فيها بلغة أمازيغية رسمية بعد اللغة العربية، وطرد وحدات الدرك الوطني، إحالة على الرغبة في الاستقلال وللتدلل على عدم الاعتراف بالسلطة المركزية. إن قدرة “القبايل” على عزل تيزي وزو أتت نتيجة لتحرك التنظيمات التقليدية “العروش”، فقد باءت عدة محاولات للتظاهر والاحتجاج، غير أن التي كانت أقوى وأعنف والتي جاءت بنتائج ملموسة في مطالب المحتجين، هي التي قامت بها تنسيقية ” لعروش” والتي اكتسبتها ” التاجماعت” (Tajmaât) أي شيوخ القبائل في خلق سلطة بديلة، وهذا دليل من جهة على قوة وفاعلية هذا التنظيم، ومن جهة أخرى، على ضعف التنظيمات الحديثة كالأحزاب السياسية والتنظيمات الأخرى، مثل “جبهة القوى الاشتراكية” (FFS) ، و”التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” (RCD)، وبالتالي غلبة عامل القرابة، والطائفية، يضاف إليه ضعف الروابط الاجتماعية، والتقطع التاريخي لدى الأحزاب الرسمية. فقد أقصت تنسيقية “لعروش” ممثلي الأحزاب و ”اعتبرت أن المشاركة في الفعاليات تقتضي التخلي عن الصفة الحزبية”.

وعلى الصعيد المحلي فقد شهدت عدة مناطق من الوطن أزمات كانت وراءها التنظيمات التقليدية، وهذا زيادة على الأزمة في بلاد القبائل أفريل 2001. ففي المنطقة الحدودية بين ولايتي البيض وتيارت، ظهرت مشادات عنيفة بين قبائل تنتمي إلى الولايتين وهذا في صيف 2004 حول مصادر المياه ومناطق الرعي، والتي كادت أن تؤدي إلى كارثة نظرا لاستعداد الأطراف المتنافسة لحمل السلاح واستعمال القوة في حل هذه الأزمة، والاستحواذ على مصادر المياه والمراعي محل الخلاف. مما يوحي بأن الروح القبلية ما تزال حية في هذه المنطقة، ولا تزال المتحكم الرئيس في تحديد العلاقات بين مختلف القبائل، وفي موازنة القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وإلا كيف نفسر تجاوز الأطراف المتنازعة لكل القوانين الرسمية التي تحدد العلاقات والتنظيمات الحدودية الولائية، تجاوزتها إلى تحكيم  المنطق القبلي والعشائري.

وفي وادي ميزاب في غرداية سنة 2001 و2004  وما بعدهما، وفي  شهر مارس وأفريل من سنة 2008، حيث ظهرت المنازعات التي أدت إلى إزهاق الأرواح وذلك في شكل صراعات بين “بني مزاب” و “الشعامبة” وهما قبيلتين الأولى تنتمي إلى أصول أمازيغية والثانية عربية. ولقد استطاعت بعض التنظيمات العشائرية إخماد نار الفتنة الطائفية في المنطقة، حين فشلت محاولات السلطات الرسمية في ذلك، كما تظهر بين الحين والحين، وقائع هذه الخلافات (أحداث شهر جويلية 2008)، والتي لا تزال نزاعاتها القبلية مستمرة لحد الآن (أواخر سنة 2008) . وعليه فإن العودة إلى بنية التضامنات التقليدية يمكن أن تفسر ”بالحاجة إلى التحصين الجماعي في مواجهة الإخفاقات المتنوعة” التي تعرفها الساحة الجزائرية على مختلف الأصعدة والميادين.

كما ظهرت الحركات الدينية السياسية المسلحة التي يغذيها الضغط الأصولي والتطرف الديني، كالجماعة السلفية (G.S) بقيادة الوهابي حسن حطاب، والجماعات الإسلامية المسلحة (GIA)  بزعامة عنتر زوابري، فقد وظفت هذه الجماعات كل ما له علاقة بالدين لفرض سيطرتها بالقوة ورفض كل تفاوض أو نوع من الوفاق مع السلطة، حيث أفضت هذه المواقف إلى أعمال عنف وتقتيل أودت بحياة الآلاف من المواطنين.

إن ما يجعل الصراع في الجزائر صراعا عصبيا مدمرا هو أنه يترجم عن ذاته عبر العنف، والأعمال الانتقامية…فهي تسعى إلى الاختلاف من أجل الاختلاف لا من أجل تقديم إضافة تتدعم إلى أن تفرض نفسها كبديل. وبالتالي مرة أخرى يتبين أن المجتمع يعيش أزمة بدائل…، فالمجتمع الجزائري تسوده الفوضى والعنف والعنف المضاد، وتستحيل فيه العصبية هي المحرك والمحدد لمستقبل الدولة أو مثلما اعتبرها “روزنتال” “العصبية هي الأداة لمصير الدولة”…إن دياليكتيك المجتمع القبلي العصبوي يضل محتفظا بكل قيمه، طالما لم تتغير الأطر التي فرضته تغيرا جذريا. فهل يمكن إنكار أن البداوة القديمة والعصبة العشيرية التي تسمى اليوم الجهوية، ما تزال تراود الجزائر العاصرة ؟  .

V. الثابت والمتحول في الممارسة السياسية

يأخذ الخطاب السياسي الحالي أربعة مناح يمكنها أن تكون مستقلة أو متداخلة مع بعضها البعض وهي:

المنحى الأول وينطلق من الخطاب الرسمي الذي تسييره الأطراف الرسمية ويتفاعل معه كثير من المواطنين، كخطاب الأحزاب السياسية والجمعيات، والسلطات المحلية والوطنية. فهو يركز على الرموز الوطنية التاريخية منها والحديثة، وعلى المصطلحات السياسية الحديثة كالمواطنة، و الشرعية الدستورية، وغرها من المصطلحات.

المنحى الثاني ينطلق من الفكر القبلي و تغذيه الروح القبلية والانتماءات العشائرية. فتصبح من خلاله التنظيمات التقليدية أهم المرجعيات في اتخاذ القرارات والمواقف المختلفة.

المنحى الثالث خطاب محايد كما يبدو في الظاهر إلا أنه يتداخل في كثير من الأحيان مع المنحيين السابقين أو حتى مع المنحى الرابع.

المنحى الرابع أيضا يمكنه التحرك في الخفاء ويتقاطع مع المناحي الثلاثة السابقة ، وهذا المنحى يعتمد على المصلحة والمحسوبية “بن عمي الذي لديه مصلحتي”.

يقول ملحم شاوول عندما تحدث عن سلوك الناخب في العالم بصفة عامة ما فحواه أن الفرد، أي المواطن ”لم يعد ذلك الإنسان العاقل الحر الذي ولد في القرن الثامن عشر، بل هو مواطن نفعي/أناني يتصرف بدوافع مصلحته الشخصية…نلاحظ هنا أنه عندما تتزعزع أشكال التضامن التقليدية (العائلة، الجماعة الدينية) أو الحديثة (الأحزاب، النقابات، الجمعيات) يتصرف المقترع … كفرد لا يتأثر إلا بما تمليه عليه نظرته لمصالحه…ويضيف أن  الأبحاث السوسيولوجية الحالية خاصة سوسيولوجيا الاقتراع، تقف عند هذا التقاطع بين “المقترع المبرمج اجتماعيا” و”المقترع المحدد بذاتيته وأناه” ”. تصادف هاتين الحالتين المنحيين الأول والرابع المذكورين سابقا، والمنطبقين على الوضعية في العالم العربي بصفة عامة، والجزائر بصفة خاصة. كما يضيف الكاتب ملحم شاوول بعدا ثالثا للبعدين السابقين وهو ما أسماه ب:””البعد الوضعي”، أي تأثير الأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة لحظة ممارسة الاقتراع. هذه الأوضاع أو الظروف تضيف عوامل تأثيرية جديدة على السلوك الاقتراعي منها مثلا طبيعة الاستحقاق (اقتراع وطني عام أو اقتراع محلي مناطقي لإدارة محلية أو مجلس بلدي)، أو المرجعية القانونية التي يجري ضمنها الاقتراع (وفاق عام على قانون الاقتراع أو غياب هذا الوفاق)، أو المناخ السياسي الإقليمي أو العالمي، الخ”.

إذن، لقد تعددت المرجعيات والأسباب أو الدوافع التي تدفع بالشخص للإقبال على الممارسة أو المشاركة السياسية، وذلك أيضا باستعمال الطرق المناسبة والضرورية لمثل هذا العمل السياسي، ونورد هنا ما جاء به “فيليب مارشيزان” (Marshesin Philippe)، حيث أكد أن السيطرة السياسية أو السلطة تتم بطرق مختلفة وهي: -الثروات والخدمات المادية، -الثروات الرمزية أو ما يسميه بيير بورديو ب”رأس المال الرمزي”، -وأخيرا القوة.  ويحصي فريد الخازن حسب ما ذكره ملحم شاوول تسع دوافع أو أسباب تجعل عددا كبيرا من الناس يخوضون المعركة الانتخابية.