Print Friendly, PDF & Email

دخلت العملية السياسية في الشرق الأوسط،وخصوصاً بين إسرائيل والفلسطينيين، مرحلة جديدة بعد انتخابات الكنيست الرابع عشر سنة 1996. تتسم هذه المرحلة بتشدد المواقف الإسرائيلية إلى حد جمودالعملية السياسية بعد إعادة الانتشار في مدينة الخليل. والملاحظ أن هناك شبه إجماع، بين الأطراف جمعياً، على اعتبار رئيس حكومة إسرائيل ـ بنيامين نتنياهو ـ المسؤول الأول والأخير عن هذا الجمود. وهناك من يعزوذلك إلى مواقف اليمين الإسرائيلي المبدئية من القضية الفلسطينية، بينما يرى فريق ثالث أن رئيس الحكومة ليس إلاّ رهينة في أيدي الأحزاب المتطرفة ـولا سيما المتدينة ـ التي تشكل الائتلاف الحكومي. قد يكون في كل من هذه الآراءقسط من الحقيقة، لكنها لا تفسر صعوبة اتخاذالقرارالسياسي في هذه المرحلة. فالأطراف جميعها لا تعمل في فراغ،ويجب النظر إلى مواقف رئيس الحكومة بالذات وقدرته على اتخاذالقرار في السياق الإسرائيلي، مجتمعاًونظاماً. إذإن هذه العملية أصبحت أكثر تعقيداً من السابق،وهي نتيجة الصفات البنيوية للنظام السياسي الإسرائيلي، كما كانت دائماً. وأمّا هذه الصفات فتعكس التناقضات البنيوية العميقة التي يعيشها اجملتمع الإسرائيلي.

تشكل هذه الدراسة محاولة للبحث في التنافضات المتفاقمة في اجملتمع الإسرائيلي، بصورة عامة،وتناقضات النظام السياسي بصورة خاصة. وسنولي اهتماماً مركزاً لمعالجةقضية القرار السياسي في القضايا الخارجية،وخصوصاً مسألة تنفيذ الاتفاقات مع الفلسطينيين واستئناف المفاوضات، من خلال البحث في عملية صنع القرار في سياقها الخاص: الاجتماعي ـ الاقتصادي ـ التاريخي،ونوع العلاقة بين النظام السياسي واجملتمع الإسرائيلي والتحولات الأساسية التي يمر بها كلاهما، وبصورة خاصة تحول نمط العمل السياسي ومضمونهوتعقد المواقف ونمط القيادة وتقيدات اتخاذالقرارومضاعفاته . نذكر أن دراستنا لا تبحث في قضية اتخاذالقرار بشأن إعادة الانتشار الثانية (“النبضة الثانية”)،وهي لا تستبعد إمكان اتخاذقرار في هذه القضية سنة 1998 .ذلك بأن الموضوع الأساسي المطروح للبحث ليس موقف حكومة إسرائيل ورئيسها من الحل،وإنما الخصائص البنيوية للنظام السياسي وتفاعلاتها مع البنية الاجتماعية، والتحولات الجارية في اجملتمع الإسرائيلي،والتركيز على عملية صنع القرار وتعقيداتهاومضاعفاتها في المرحلة الحالية.

النظام السياسي وصنع القرار تشير الأبحاث الكثيرة بشأن النظام السياسي في إسرائيل إلى أن تحولاً عميقاًوأساسياً حدث منذ سنة 1967 .ويُتفق على ثلاث خصائص تميز بها النظام حتى حرب 1967: 1 (كان هناك توافق بين النظام السياسي وطريقة أدائه لوظائفه، أي أن العلاقة بينهما كانت واضحةووظيفية . 2 (أثبت هذا النظام قدرة عالية على قيادة اجملتمع ضمنت استقرارهوحيويته في التغلب على الأزمات المتتابعة . 3 (تحلى النظام السياسي بقدرة عالية على اتخاذالقرارات الحاسمة . استطاع النظام الإسرائيلي أن يحافظ على هذه الخصائص على الرغم من الخلافات العميقة بين مختلف المعسكرات والتكتلات الاجتماعيةوالسياسية، التي تمتقنينها وتوجيهها في النشاط البرلماني. وقد نجم عن هذا التقنين الإجماع اليهودي ـ الإسرائيلي على قضيتين: أولاً، الغايات العليا للحركة الصهيونيةوهي بناءدولةذات سيادة،ووضع مسألة الأمن على رأس أولويات سكان الدولة اليهود؛ ثانياً،قواعد وأساليب العمل: تطبيق القواعد الديمقراطية التي أساسها الانتخابات على أساس التمثيل النسبي والحسم بواسطة الأغلبية،وكذلك مركزية الحكم. وساهم في ترسيخ هذا الإجماع وإرساءقواعد العمل المشتركة، انضمام المعارضة الرئيسية لحكم حزب مباي إلى الائتلافات الحكومية،وأهمها انضمام حزب مبام اليساري سنة 1955،وحركة حيروت اليمينيةقبيل حرب 1967 حتى سنة 1970.

وضعت القيادة السياسية لحزب مباي، استناداً إلى الإجماع على ترتيب الأولويات وأساليب العمل، الأسس التي توجهوتحدددور المؤسسات في معالجة القضايا المحلية وكذلك العلاقة، أوالفصل، بين هذه القضايا على النحو التالي : 1 (عدم الحسم في الانقسامات العميقة بين الفئات اخملتلفةوالتغلب عليها بأساليب سياسية من خلال الترتيبات الموقتة (hoc ad،(وتأسيس هذه الترتيبات على الحلول الوسطى والتنازلات التكتية،وخصوصاً في قضية العلاقة بين الدين والدولة . 2 (سلخ الانقسامات الداخلية عن سياقها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي،ووضعها في يد النظام السياسي . 3 (قامت الأحزاب السياسية بدور حاسم في اجملتمع وداخل النظام السياسي نفسه، وذلك لأن فض الخلافات جرى بواسطة مفاوضات على مستوى النخب التي تقود الأحزاب والمعسكرات . 4 (حافظ الحكم، على الرغم من مركزيته، على التعامل الديمقراطي: عدم التدخل في شؤون الأحزاب الداخلية،واتباع مبدأ النسبية في الانتخابات . 5 (أدى اتباع مبدأ المفتاح الحزبي في توزيع المواردالاقتصاديةوالسياسية إلى منح الشرعية للنظام،وإلى استقراره . من الواضح أن بنية النظام وأساليب التعامل كانت حاسمة في ضمان استقراره ومنحه الشرعية لاتخاذالقرارات. ومن الواضح، أيضاً، أن دور الأحزاب السياسية كان حاسماً؛ إذأبرز حضورهاوبصماتها في جميع الترتيبات التي اتفاق عليها. وكان الدور الأكبر الذي قامت به الأحزاب تمكين السلطة المركزية من اتباع الفصل التام والمطلق بين القضايا الخارجيةوالداخلية،وتدارك تفجر الصراعات بين الفئات المتنافسة. فقد صودر من اجملتمع جميع القرارات الخاصة بالشؤون الخارجية، وفصلت تماماً عن الترتيبات الداخلية. بذلك بقيت هذه القضاياوالقرارات في يد نخبة سياسية ـ أمنية صغيرة من دون أن يكون لتوزيع المهمات والمراكز، على أساس المفتاح الحزبي، أي أثرفيها. ومما ساهم في احتكار النخبة للسياسة الخارجيةوعزز قدرتها على القيادة، هيمنة حزب مباي بقيادة بن ـ غوريون، حتى أواسط الستينات، على كل القضايا المتعلقة بالخارجيةوالأمن.

أمّا في القضايا الداخليةفقد اعترف النظام بدور الأحزاب في مسألة الدين والعلاقات بالجوالي اليهودية خارج إسرائيل. وبالنسبة إلى الانقسامات الإثنيةوالقوميةقامت الأحزاب بدور مهم في منع نشوء تنظيمات سياسية على أساسها. إذاندمجت النخب الإثنيةوالقومية في التنظيمات القائمة عن طريق شراء الولاءات الذي أمكن استخدامه بسبب مركزية الدولة من جهة، ومنع الشرعية عن هذه التنظيمات باسم مصلحة الدولةووضعها الأمني الخاص، من واستطاعت الأحزاب أن تقوم بهذا الدور، في الواقع، بسبب طبيعة 1 جهة أُخرى. نشاطاتها التي تجاوزت حدودالسياسة بمعناها الضيق إلى معظم مجالات الحياة، وشكلت الوسيط الأساسي بين النظام السياسي واجملتمع . مكن التوصل إلى الترتيبات الداخلية القيادة من ضمان أغلبية في القرارات الحاسمة كافة. وشملت هذه الإغلبية، عادة، جميع العناصر السياسية المركزية في الأحزاب وخارجها. ومما مكّن من الحصول على هذا الدعم، أيضاً، الدمج بين الوساطة الحزبية مع اجملتمع وبين وسائل الإعلام . على الرغم من كل الأسباب المذكورة لضمان استقرار النظام السياسي وقدرته،فإنه ما كان في الإمكان تحقيقهما إلاّ بسبب كون القرارات التي اتخذتها القيادة في الشؤون الخارجيةوالأمن ناجحة جداً ـ حتى سنة 1967 ـ من زاوية مصلحة الدولةوأمنها . تحولات اجملتمع والنظام منذ سنة 1967 ليس هناك خلاف بين الباحثين والمراقبين في أن إسرائيل، مجتمعاًونظاماً، اختلفت كلياً بعد سنة 1967 عما كانت عليهقبل ذلك. وهناك إجماع على أن النظام السياسي لم يستطع أن يحتفظ بالصفات التي ميزته في الفترة الأولى، ً وخصوصا القدرة العالية على قيادة اجملتمع واتخاذالقرارات الحاسمةوضمان الاستقرار .

كان هذا التحول، في صفات النظام، جزءاً لا يتجزأ من التغيرات التي مر بها اجملتمع الإسرائيلي في مجالات الحياة جميعها،والتي أنشأت إنساناً إسرائيلياً جديداًوتركيبة مجتمعية جديدة. في الواقع، إن من الأصح القول إن عجز النظام السياسي عن المحافظة على قوتهوقدرته كان بسبب جمودهوتزمت القيادة السياسية في إحداث تحولات، على المستوى المؤسسي، موازية للتحولات التي شهدها اجملتمع. وهذ ما يسبب الأزمة العميقة التي يعانيها النظام والوصول إلى طريق مسدودوعدم القدرة على اتخاذالقرارات الحاسمةوضمان الاستقرار .

بدأت التحولات الجذرية في اجملتمع الإسرائيلي مباشرة بعد حرب 1967 ،ثم تعمقت وترسخت بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 .فقد أثارت نتائج حرب 1967 النقاش من جديد بشأن الغايات العليا للحركة الصهيونيةوأساليب تحقيقها. وأصبح هذا النقاش دليلاً على غياب الإجماع على القضايا المصيرية، الأمر الذي أضعف قدرة القيادة على حسم مصير الأراضي المحتلة. أمّا عدم الحسمفتسبب، بدوره، بتعميق عدم الاتفاق وبداية زعزعة الثقة بالقيادة. لكن الضربة الموجعة لهذه القيادة كانت حرب 1973 التي عرّفها الإسرائيليون بـ “التقصير”. تسببت هذه الحرب بالخلل في أهم القواعد الأساسية المتفق عليها في السياسة الإسرائيلية، أي الفصل التام بين السياسة الخارجيةوالشؤون الداخلية. ومن الملاحظ أنه بعد هذه الحرب أصبح جميع المواجهات العسكرية التي خاضتها إسرائيل،وكذلك أساليب مواجهة الانتفاضة الفلسطينية، مثار جدل حاد . أثّر غياب الإجماع على السياسة الخارجيةوالأمن في ثقة الإسرائيليين بالسياسيين عامة،ومن هنا ضعف قدرة القيادة على حل الخلافات الداخليةوإيجادالترتيبات الخاصة بها، حتى أن غياب الإجماع ساهم في دمج المواقف من مجمل القضايا، الخارجيةوالداخلية،وعد إمكان الفصل بينها . إن زعزعة الإجماع على القضايا الخارجية،ولا سيما القضية الفلسطينية، لا يمكن أن نعزوها إلى حرب تشرين الأول/أكتوبرفقط. إذترافق هذا التحول مع مجمل التطورات التي شهدها اجملتمع الإسرائيلي في اجملالات جميعها، بمافيها العسكريةوالسياسية ـ وخصوصاً منذ أواسط السبعينات ـوالانقلاب السياسي سنة 1977 .في الجزء التالي نعرض أهم مجالات التطوروالتحول التي أثرت في النظام السياسي الإسرائيلي.

أولا ً: على الصعيد الاقتصادي

يلاحظ الهبوط المتدرج في قدرة الحكومة على تمويل نشاطاتهاوتدخلها المباشر في السوق وتحكمها المطلق فيها،وهي الصفة التي ميزت الحكم المركزي سابقاً. كما يلاحظ ظهورقوى اقتصادية جديدة لا تخضع لإرادة السلطة. وقد بدأ هذا الهبوط بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 حين واجهت الحكومة عجزاً في تمويل الخدمات العامة،وتحملت خسائر الشركات والمصالح الحكومية،وفي تغطية مخصصات دراسات مجلة الدراسات الفلسطينية المجلد 9 ،العدد 36) خريف 1998 ،(ص 31 6 التنظيمات الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تتمتع بمكانة خاصة في اجملتمع الإسرائيلي، مثل الكيبوتسات والموشافيم . وكان الحل المطروح للخروج من هذه الضائقة خصخصة الاقتصادوتقليص الخدمات العامة. لكن حزب الليكود، أكثر الأحزاب دعوة إلى اقتصادالسوق،وجد، بعد تسلمه زمام الحكم سنة 1977 ،أن التدخل المباشر في الاقتصادوالخدمات هو أداة سياسية فعالة لضمان بقائه في السلطة. كذلك واجه الحكم المركزي ضغطاً من رجال الأعمال المستفيدين من الدعمالحكومي، إضافة إلى عدم تكوّن جماعة مصلحة مبلورة، في السوق، يمكنها أن تمارس الضغط في اتجاه الخصخصة،ولم يكن ثمة جماعة محددة متضررة من النظام القائم، لأن الخسائروتكاليف الدعم موزعة على الجميع، أو بالأحرى ممولة من مواردالدولة. وبحسب تعبير أحد الباحثين الاقتصاديين 2 الإسرائيليين “إن الدولة خصخصت الأرباح وأممت الخسائر.”

حدثت عدة تطورات مهمة في الاقتصادالإسرائيلي ضاعفت عجز الحكومة عن تمويل تدخلهاوعن مواصلةدفع ثمن المردودالسياسي الذي نجم عن التحكم في هذا الاقتصاد. فقد تطور الاقتصادالإسرائيلي، حتى أواسط السبعينات، في ظروف “دفيئة” للإنتاج المحلي. لكن السوق أصبحت ضيقة، الأمر الذي دفع في اتجاه التفتيش عن أسواق خارجية، هذا من جهة،ومن جهة أُخرى تطورت انماط الاستهلاك في إسرائيل وأصبح من الصعب إغلاق السوق أمام الاستيراد. من هنا بدأ الانفتاح المتدرج الذي يعني تأثّر السوق الإسرائيلية بأحوال الأسواق الخارجية،وعدم قدرة الحكومة على الاستمرار في ضبط أسعار العملةواضطرارها إلى تخفيف القيود على سوق العملات الصعبة . أثرت هذه التطورات في تكاليف الإنتاج وفي أنماط الاستهلاك ومعدلات النمو كذلك بدأ تأثير الحكومة في السوق المالية يضعف وهبطت استثماراتها 3 الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك،فإن اتفاقات التبادل التجاري أضعفت قدرة الحكومة 4 المباشرة. على دعم المنتجين،وأمّا العلاقات بالسوق الأوروبيةفقد صعّبت دعم الإنتاج للتصدير. وعلى المستوى الداخلي، أدت هذه التطورات إلى ضعف الأطر التنظيمية التقليديةذات المضمون الاقتصادي الكبير مثل الهستدروت،وإلى انهيار بعضها إلى درجة إغلاق المصانع والشركات والمؤسسات. وكانت الحصيلة أن الحكومة أصبحت عاجزة عن تغطيةديون التنظيمات مثل الكيبوتس والموشاف،ومصالح اقتصادية مثل مصانع “شركة العمال”،والشركات المعتمدة على تمويل الحكومة،وأجزاء من الصناعات العسكرية. وشكلت هذه الظروف المستجدة ضغطاً على ميزانيات الحكومة وأجبرتها على الشروع في عملية الخصخصة على مضض، لأنها بذلك أخذت تفقد واحداً من أهم أسباب قوتهاومركزيتها في اجملتمع (وظائف وامتيازات ومنح وقروض سهلة).

إن هذه التطورات لا تعني نهاية تدخل الحكومةوتأثيرها في العملية الاقتصادية، وإنما تحول نمط التدخل: من الانتشار في جميع اجملالات وجميع الفئات إلى تدخل 5 مركّز أكثر على عدد صغير من المصالح. حدث هذا التحول في التدخل بواسطة بيع أسهم الشركات الحكومية لعدد محدود من كبار المتمولين،ولم تعرض على الجمهور الواسع. لكن السلطة المركزية مازالت تتمتع بتأثير كبير من خلال الشركات الحكومية، على الرغم من هبوط هذا التأثيرقليلاً منذ بداية الثمانينات، إذانخفض عددأعضاء مجالس الإدارة الذين تعينهم الحكومة، في 188 شركة، من 1222 عضواً سنة 1979 إلى 937 عضواً سنة 1990 .لكن مع انخفاض هذا العددتعززت الميول إلى تخصيص هذه الوظائف كمكافآت في مقابل دعم سياسي في مراكز (مؤتمرات) الأحزاب. ففي الفترة 1988 ـ 1990 ،على سبيل المثال، تم تعيين أكثر من 500 عضو مجلس إدارة، وفي سنة 1990 ،6 كان بينهم 300 عضو ينتمون إلى أحد مراكز الأحزاب السياسية. كان ما لا يقل عن 800 عضو من أعضاء مركز حزب الليكوديشغلون وظائف ذات مجمل الحديث أن الاقتصادالإسرائيلي يمر بعملية 7 مسؤولية تنفيذية في خدمة الدولة. خصخصةوتحوّل إلى اقتصاد سوق،وهذه العملية لا تجري بثبات، لكنها ساحة صراع بين الرابحين منهاوالمتضررين. لذلك فإن التحولات ليست نهائيةوهناك مجال لتراجعها. لكن المهم أن هناك قوى اقتصادية تستطيع ممارسة الضغوط على السلطة لحثها على اتخاذقرارات سياسية في اتجاهات معينة،وأن هيمنة هذه السلطة على النشاط الاقتصادي لم تعد مطلقة. وهذا يعني إمكان أن يكون التأثير متبادلاً،وأن هناك تداخلاً بين المصالح الاقتصاديةوالقرار السياسي، الأمر الذي يمنح فرصة مقايضةقوى محلية في حال بلورة أي قرار سياسي.

ثانيا ً: التحولات الأيديولوجية وحالة الأنومي

يرى معظمالباحثين في إسرائيل أن ضعف الأساس الأيديولوجي في توجيه السلوك الجماعي والفردي من أهم أسباب أزمة النظام السياسي في إسرائيل. ذلك بأن الصهيونيةفقدت من حيويتهاوأهميتها في معالجة القضايا الساخنة التي يواجهها اجملتمع، خارجياًوداخلياً. فالتوليفات التي قامت عليها الصهيونية بين متناقضات كثيرة (الخصوصية القومية ـ العالمية؛ التقليد ـ التحديث؛ الدين ـ العلمانية) لم تستطع أن تصمد بعد تحقيق النجاحات في العقدين الأولين من قيام الدولة،والانغماس في الروتين،وتحول الحركات الأيديولوجية إلى أحزاب تتنافس في شأن مراكز القوة فالفكر الصهيوني، الذي لم يتم تجديده بعدقيام الدولة، لم يستطع أن يحافظ 8 والموارد. على التوليفات الأولية لسببين: الأول عدم تحقيق الاندماج بين اليهود من أصل أشكنازي واليهودالشرقيين؛ الثاني عدم تحقيق القيم المدنية الشاملة بسبب فرض القيود على المواطنين العرب. إضافة إلى أن العمل السياسي في إسرائيل انغمس في الروتين وأدى إلى تدهور المؤسسات التي جسدته، مثل الكيبوتس والموشاف وحركات الشبيبة، في سلّم الأهميات القومية. لكن التحولات السريعةوالأكثر جذرية حدثت بعد حربي 1967 و1973؛فقد أدت حرب 1967 إلى إيجادأزمة أيديولوجية بدلاً من أن تكون حلاً لهذه الأزمات. ومن أهمنتائج هذه الحرب دمج فكرة التحررالقومي ـ العلماني في فكرةالخلاص الديني. أمّا حرب 1973 فتسببت بإضعاف العنصر العلماني في الصهيونية،ونجم عن ذلك حركة “غوش إيمونيم” التي دمجت الصهيونية 9 في فكرة الخلاص الشامل.

منذذلك الوقت بدأ الانقسام الديني ـ العلماني يبرز على السطح على حساب الانقسامات الأُخرى في اجملتمع،وتحول إلى ظاهرة شرعيةوصفة أساسيةودائمة في اجملتمع الإسرائيلي. وأخذ هذا التناقض والانقسام يتغلغلان في جهاز الدولة،وحتى في جهاز القضاء،وأوجدا مأزق الخيار بين دولة يهوديةودولةديمقراطية. ومن أهم نتائج هذا المأزق أنه لم يطرح حلولاً لمسألة احتلال المناطق الفلسطينيةوتقرير مصير سكانها . أدى الجمودالأيديولوجي إلى عدم الحسم في القضية السياسية الرئيسية التي تواجه إسرائيل، كماذكرنا، الأمر الذي أوصل إلى الانتفاضة سنة 1987 ،التي ساهمت من جديد في تعميق مأزقي الخياروالانقسام. من هنا يتضح أن الصهيونية أصبحت عاجزة عن تقديم حلول للمشكلات التي يواجهها الإسرائيليون،وضعفت قدرتها على حل المعضلات والقضايا الساخنة،وعلى بلورة الموقف السياسي للجمهورالإسرائيلي . على الرغم من كل ماذكر،فإن الصهيونية تبقى عقيدة بلاغية،وهي رمز بلورة الهوية الشخصية للإسرائيلي،وأساس التعريف الرسمي للوجودالسياسي اليهودي في على هذا الأساس يعتبر إريك كوهين، عالم الاجتماع الإسرائيلي، “أن 10 إسرائيل. الصهيونية تحولت من طوباويةورؤيةوخطة عمل مستقبليةجملتمع مثالي إلى مجرد 11 أيديولوجيا، أي وسيلة للدفاع عن مصالح النخب السياسيةواستمرار الوضع القائم.” نجم عن هذا التحول الأيديولوجي في الصهيونية، أوالنقاش بشأنها، غياب سلمقيم واضح ومتفق عليه،وغياب ملزمات أيديولوجية يمكن أن توجد إجماعاًوشرعية يدعمان اتخاذقرارات حاسمةوجريئة. وفي ظل غياب هذه الشرعيةوالمعايير، عاشت إسرائيل وضعاً من الجمود السياسي حتى سنة 1993 .خلال هذه الفترة، أخذت بدائل فكريةوسياسيةواجتماعية تتشكل في إسرائيل لتنظيم السلوك، على المستويين الفردي والجماعي،ولوضع أسس لبلورة المواقف السياسية تجاه القضايا المتعددة. وقد أفرزت هذه العملية عدداً من التيارات، عبارة عن توليفات جديدة بين المتناقضات التي جمعت بينها الفكرة الصهيونية، إضافة إلى توجهات متأثرة بالتطورات الداخلية والخارجية .

إن أهم التطورات التي شهدها اجملتمع الإسرائيلي في هذا اجملال، كان التحول الكبير في القيم الاجتماعية ـ السياسيةومعايير السلوك الشخصي التي نجم عنها تيارليبرالي قوي يدعم النزعات الفردية على حساب الجمعانية (Collectivism،(وإيثار الجماعة القومية. وفي المقابل تبلورتيارقومي ـديني معاكس في قيمهومعاييرهومواقفه . أمّا التيار الأول فتطور في مستويين: الأول التغيير في قيم الأفرادوسلوكهم، الذي ساهم في تغيير النظرة إلى الكثير من المظاهر،وخصوصاً إلى المؤسسات التي جسدت القيم الجمعانية؛ الثاني المستوى التنظيمي الذي انعكس في تطوير مؤسسات مدنية لا تخضع لإرادة السلطة السياسية. وكان ضعف الفكرة الصهيونية التقليدية ـ المتجسدة في مُثل الهجرةوالطلائعيةوالتضحية لمصلحة اجملموع ـ في مصلحة التوجيه نحو تطوير الفردوتحقيق ذاته بأساليبه الخاصة. وتجسد هذا التوجه في السلوك الشخصي كذلك 12 في جميع اجملالات؛فقد بدأت عملية “أمركة” اجملتمع تترسخ في كل شيء. ضعفت قيمالمساواةواتسعت الفجوة بين الأغنياءوالفقراء. وبدأت تظهر في إسرائيل الخدمات الخاصة المرتفعة التكلفة في مجالات مثل الصحةوالتعليم،وكُشف عن مظاهر الفساد في الجهاز الإداري والمؤسسات العامةوالهستدروت والأحزاب،وارتفعت 13 بصورة كبيرة معدلات الجنوح والجريمة في اجملتمع،وخصوصاً بين الأجيال الشابة

يكشف موقف اجملتمع الإسرائيلي من المؤسسات التي جسدت القيم الصهيونية عن التحول القيمي الذي أصابه،ومن أهم هذه المؤسسات وأبرزها الكيبوتس. إذبدأ هذا النوع من الاستيطان يفقد المبرر(الجمعاني) والغاية من وجوده،فمساهمته في خدمة الأمن أخذت تتقلص مع انضمام الشباب المديني إلى الوحدات العسكرية اخملتارة. إلاّ إن الكيبوتس حافظ على تأثيره السياسي مع استمراروجود حركة العمل في الحكم، لكنه بدأ يفقد تأثيره مع تسلم الليكودالحكم سنة 1977 .أمّا في الثمانينات،فقد تدنى نتاجه الاقتصادي وتقهقرت قدرته على التكيف وبدأ التوجه إلى الاستثمار في السوق الماليةوإنشاء مصالح اقتصادية في مجالات غريبة عن طبيعته مثل التجارة والخدمات. لكن هذا التحول لم ينقذ معظمالكيبوتسات من الانهيار الاقتصادي، الذي أصاب، بدوره، الحصانة الأيديولوجية للكيبوتس. وكانت النتيجة تحولاً كبيراً في نمط الحياة الخاص بالكيبوتس، الذي كان يعتبر مثلاً أعلى للتضحيةوللحياة الجماعية والطلائعية . شكل هذا التحول في القيموالتحرر من الجمعانية القاعدة الفكريةوالسلوكية للكثير من التحولات في اجملتمع الإسرائيلي،ومنها تطوير المؤسسات المدنيةوترسيخها. وكان هذا المستوى الثاني من التغيير الذي ساهم في تعزيز التيارالليبرالي وعبّر عنه .