قضايا أمنيةقضايا اجتماعيةقضايا سياسية

القوة الأمنية في مواجهة التمرد بالجزائر

لقد أصبحت حالة الجزائر نموذجا للدراسات الخاصة بالعدوانية والتمرد والتدابير الأمنية الناجحة والتي استطاعت من أن تخفض من وطأة الإرهاب المحلي وتفرض في الوقت ذاته تغييرا في توجهات المتمردين والمقاتلين المحليين، – ولو أن الدراسة هذا الجزء الأخير ليس من أقسام الدراسة إلا أنه يجب التنويه إلى الدور الذي لعبته مختلف السياسات الموجهة للقضاء على المتمردين وجماعات التمرد-. وهذا بالنظر للجهود الكبيرة التي قامت بها المؤسسات الأمنية في الجزائر من أجل احتواء التمرد الذي عانت منه الجزائر مجتمعا وسلطة لمدة تتماشى والتاريخ الاستقلالي للجزائر، وامتزج التمرد في الجزائر بين العنف والاعتدال بين الوطنية وفوق الدولتي، ولهذا عملت المؤسسات الأمنية على التكيف والتطورات الحاصلة، فكانت تسايره بأساليب مختلفة تختلف باختلاف شدته. وعلى هذا يمكن طرح التساؤل الرئيسي الخاص بهذه النقطة وهو كالتالي:كيف تعاملت القوة الأمنية مع منطق التمرد في الجزائر؟ ويندرج تحت هدا التساؤل مجموعة من الأسئلة الفرعية نذكر منها: ما هو التمرد؟ وكيف ولماذا يظهر؟ ماهي الاجراءات التي أخذت بها المؤسسات الأمنية في الجزائر لاحتوائه والقضاء عليه؟ وهل نجحت في ذلك؟.

ماهية التمرد

يشكل التمرد أحد أنواع العنف السياسي الذي يمس برموز الدولة، وهو شكل من أشكال المواجهة المسلحة للنظام القائم من قبل بعض العناصر المدنية أو العسكرية أو الاثنين معا، وذلك لممارسة الضغط على النظام للاستجابة لمصالح معينة لهذه القوى، وقد يكون التمرد الطويل المدى مقدمة لثورة قد تطيح بالنظام برمته. وطبقا لحجم القوى التي تتمرد يمكن القول بأن هناك التمرد الجماهيري وهو الذي يشارك فيه عدد كبير من المواطنين، وهناك التمرد العسكري وهو الذي تقوم به عناصر من القوات المسلحة أو من قوات الأمن أو الاثنين معا، وهو التمرد الأكثر خطورة لأن العناصر المتمردة في هذه الحالة تمتلك السلاح والخبرة القتالية كما أنها تمثل الدعامة الأساسية لحماية النظام.[1] لكن هل التمرد يمكن اعتباره نتيجة حتمية للتمرد وفقط؟ وهي الاجابة التي يتطرق اليها الباحث “روبرت جير” من خلال مؤلفه: لماذا يتمرد البشر؟ بالقول أن الفقر والحرمان هما من أسباب التمرد، وكذلك القمعوالإحباط هما عاملان من بين عديد العوامل.[2] وهو الرأي الذي يفتح المجال أمام وجود عوامل أخرى للتمرد قد تكون غير المعلنة أو هي عوامل خفية.

ويستطرد الباحثينTadjoeddin  و Murshed  بالقول ” حقيقة أن الظلم والجشع من الأسباب المفسرة للتمرد والعصياني أحيان أخرى الموارد والمكاسب من نفط وحتى المخدرات يكون الجشع عاملا مؤثرا في التراع مع توفر نوع من الشعور بالغبن والظلم” [3]، ولهذا تلجأ الجماعات المتمردة دوما إلى المناطق الغنية بالموارد والتي تعاني نوعا من أزمة التغلغل في أحيان كثيرة.

وفي نفس الصدد يؤكد الباحثان “كوليي“و “هوفلر” بأن البحث عن النهب والسلب هو المحرك الرئيسي للتجانس بين المجموعات المتمردة، فإذا كان التمرد ضد الظلم فالهدف هنا البحث عن العدالة justice seeking، لكن في حالة الطمع والجشع من جانب المتمردين فالهدف هنا يصبح البحث عن النهب loot seeking.[4]. إذن فالظلم والاستبداد الذي يأخذ كأحد حجج المتمردين للقيام بأعمالهم ليعطونها نوعا من الصبغة الشرعية ما هي في الحقيقة إلا جزء بسيط من السبب الرئيسي للتمرد الذي يبقى الطمع والجشع أحدد أبرز أسبابها والهدف منها السيطرة على الموارد والمكاسب كما ذكر سابقا. وعليه تتم الإجابة على الأسئلة التي طرحت سابقا حول لماذا التمرد؟ كالتالي:

يتمرد البشر لعاملين أحدهما شرعي معلن وآخر خفي يعبر عن الجشع وأهداف يسودها نوايا السيطرة على الثروات الطبيعية وهو ما يفسر قيام أغلب هذه الحركات التمردية بالمناطق الغنية بالثروات والموارد، وهو ما يطرح مسألة تدخل الأجهزة الأمنية والعسكرية لأي دولة في وجه هذه الحركات أمرا مشروعا بل والعكس من هذا بحيث هل سكوت المؤسسات العسكرية على التمرد أمر مشروع وقانوني؟ . ومن هذا المنطلق يتم دراسة التمرد في الجزائر نظرا لما يشكله من تهديد على الأمن الوطني الجزائري وتدخل المؤسسات الأمنية والعسكرية لحفظه.

إن الدول وفي مواجهتها للتهديدات سواءا كانت داخلية أم خارجية تعتمد جملة من الأساليب منطلقة من استخدام الدبلوماسية وصولا إلى الاستخدام الفعلي للقوة العسكرية وذلك يمر عبر مراحل هي:

_ اللجوء إلى أسلوب الإقناع.

_ اللجوء إلى أسلوب الإغراء.

_ اللجوء إلى أسلوب العقوبات.

اللجوء اللجوء إلى التهديد باستخدام القوة العسكرية.

_ الاستخدام الفعلي للقوة العسكرية.[5]

والجزائر كغيرها من الدول وفي مواجهتها للتمرد الإرهابي من جهة والتمرد الطارقي من جهة أخرى سنجد أنها استخدمت هذه المراحل والسياسات محاولة من القضاء عليه.

أزمة الطوارق، أزمة فوق دولتية تواجهها القوة الأمنية الجزائرية:

لا يمكن بأي حال من الأحوال الإقرار بأن الإرهاب هو التهديد الوحيد الذي يتخبط فيه الأمن القومي الجزائري، فالتسليم بهذه الفرضية سيؤدي حتما إلى إغفال أحد الجوانب الهامة من التهديدات الفعلية للأمن الجزائري ألا وهو أزمة الطوارق وحركات التمرد المميزة لها سواءا كان تهديدا لينا أو صلبا. تعود جذور قضية الطوارق إلى الاستعمار ومخلفات الاستقلال، إذ يرجع تاريخه إلى استقلال ليبيا 1951، النيجر 1960، بوركينافاسو 1960، الجزائر 1962، وينقسم الدارسون لهذه القضية إلى ثلاث اتجاهات:

  • الاتجاه الأول: يعتبرها قضية سياسية وظفتها الأنظمة لأغراضها الخاصة ويمثل هذا الاتجاه مانودياك من خلال مؤلفه الطوارق: المأساة.
  • الاتجاه الثاني: يعتبرها قضية اثنية مثل باقي القضايا الاثنية في القارة الإفريقية، والتي تتفجر لعدة أسباب أهمها الفقر ومسألة العدالة الاجتماعية، وأهم الباحثين في هذا التوجه هو أندري سال يفون من خلال كتابه النيجر.
  • الاتجاه الثالث: حاول التوفيق بين العوامل الاثنية والسياسية والبيئية. ويمثل هذا الاتجاه كل من فارما مايقا ومحمد تيسا.[6]

فمهما كان الاتجاه الدارس لهذه القضية إلا أن ما يجب التأكيد عليه أنها تبقى قضية تهدد الأمن القومي الجزائري، خاصة لما نعلم بما يحدث حاليا في مالي ومحاولات الاستقلال التي تطالب بها الطوارق. وأما عن جذور القضية الطارقية في الجزائر فيرجعها أغلب الباحثين إلى فترة الاستعمار الفرنسي أين واجه الطوارق كغيرهم من أفراد المجتمع الجزائري الاستعمار، وفي سنة 1957 نالت المناطق التي يرتكزون بها الحكم الذاتي؛ والذي شمل المناطق الصحراوية التي تمتد من الجنوب الجزائري إلى مالي والتشاد والنيجر، وهي مناطق غنية بالموارد الأولية.[7] وهنا يطرح التساؤل التالي هل للحكم الذاتي الذي تحصلت عليه جماعات الطوارق علاقة بالموارد الأولية؟ هل كان الاستعمار الفرنسي ينوي من خلال منح الحكم الذاتي للطوارق الاستفادة منها في المستقبل بالنظر إلى الموارد التي تتمتع بها المناطق الخاصة بهم، مع العلم أنه من الصعب أن يقدم أي مستعمر الحكم الذاتي لمنطقة تتمتع بالموارد الأولية دون وجود نوايا خفية من وراء ذلك؟ والإجابة على هذا السؤال يبقى من الأمور الصعبة لكن كمحاولة منا يمكن القول أن المستعمر الفرنسي خلق القضية أولا ، ومنح الحكم الذاتي ثانيا، ينتظر الاستفادة من المنطقة في خطوة ثالثة. فلو لم يكن كذلك فلماذا عادت فرنسا إلى المنطقة (مالي) بعد كل هذه السنوات (التدخل العسكري الفرنسي في مالي 2013)؟.

كما تعتبر منطقة انتشار الطوارق من البؤر ذات الجغرافيا السياسية البالغة الحساسية أمنيا، وهي تعتبر من أعقد التحديات التي تواجه الأمن القومي الجزائري بل ويعتبر حضورها منذ زمن قديم مقارنة بمشكلات وتهديدات أخرى. وانطلاقا من وجوب احترام مبدأ “عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار” وفي ظل هذا الواقع انقسم موقف الطوارق إلى موقفين:

  • موقف رافض لواقعهم المقسم ويطالب بتكوين دولة طوارقية في الصحراء الكبرى.
  • وموقف مؤيد للبقاء تحت سيادة الدول المستقلة شريطة التمتع بالحرية في التنقل والحكم والإدارة الذاتية.( حتى وإن كان أغلب الطوارق لا يعترفون بفكرة الحدود ولا بتحديد مجال جغرافي لتنقلاتهم التي تواكب والتقلبات المناخية).[8]

بين هذا الموقف وذاك يبقى كل من الموقفين يمثل تهديد لوحدة الدولة وأمنها، خاصة إذا كانت هذه الجماعات مدعمة من طرف قوى خارجية ( فرنسا، ليبيا).

   هذا وتؤكد الأدبيات الأمنية التي تعني بشؤون الجماعات المتطرفة، أنه في ضوء هشاشة المنظومة الأمنية في مالي بل وانهيارها، سيتصاعد نشاط هذه الجماعات الموجهة ضد الجزائر، وهو ما يعني أن الجزائر ستعاني ونواجه تحديات أمنية مركبة.[9] لقد شعرت الجزائر بنوع من التهديد خاصة بعد أن قام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي بإنشاء معسكرات لتدريب الطوارق وتشجيعه لظهور حركة طارقية مستقلة بل وحتى دولة مستقلة لهم، وذلك وسيلة منه لتوسيع نفوذه في المنطقة على حساب منافسيه وخصوصا الجزائر، وما زاد من المخاوف الأمنية الجزائرية من الطوارق وتهديداتهم أنه و من تداعيات الحرب الأهلية الليبية هو عودة الجماعات الطارقية إلى كل من مالي والنيجر في أوت 2011، وهو ما يفسر عدم الرضا في الجزائر العاصمة عن الطموح الطارقي في إنشاء كيان مستقل في المنطقة.[10] وفي ظل هذا الواقع الانقسامي للطوارق وصراعاتهم مع السلطة المركزية لكل من مالي والنيجر، ظهرت خلافات وتحركات نظامية ضدها أدى إلى تنامي موجات اللاجئين والمهاجرين السريين نحو الجزائر ( تورطوا في التهريب، تجارة المخدرات، اعتداءات على المواطنين الجزائريين وغيرها)، وفي أحيان اخرى أخذوا من الجزائر موقعا استراتيجيا لعملياتهم المسلحة ضد بلدانهم الأصلية، وهو ما أدى إلى توتر إقليمي بين البلد المستقبل (الجزائر) والبلدان الأصلية للاجئين ( مالي والنيجر) كادت أن تؤدي إلى انفلات أمني وفتح جبهة جنوبية للقتال، في الوقت التي كانت تكرس جهودها الأمنية والعسكرية في شمال البلاد.[11] (أي الإرهاب وسيتم التطرق إليه لاحقا).

بالرغم من المخاوف الجمة التي تواجه الجزائر إزاء ما يحدث في دول الجوار مع متغير الطوارق، لم تقف الجزائر دور المتفرج بل اتخذت سياسة الدفاع واحتواء الأوضاع عن بعد قبل أن تصل إلى التراب الوطني، فأخذت تلعب دور الوسيط بين الجماعات الطارقية من جهة والنظام المالي من جهة أخرى. وكأن بها أخذت بالفكرة التي يسميها البروفيسور بوحنية قوي ب تأمين الأمن “la securitisation de la securité” ويردف يقول بآلية تتعامل مع الجريمة الاقتصادية المنظمة( ولو أن متغير دراستنا هو التمرد) إلا أن حاليا وبعد احتواء القوة الأمنية لجماعات التمرد دخلت تحت لواء جماعات المافيا والجريمة المنظمة) والتي تنبعث رائحتها من دول الجوار…لتتمكن من إدارة التعقيد في بيئة تحكمها حالة عدم اليقين « Uncertitude »  التي تميز منطقة الساحل باعتباره ساحل الأزمات والتهديدات المختلفة صلبة كانت أم لينة…[12] وما يثبت هذا القول هو التحركات الرسمية للجانب الجزائري في حل القضية الطارقية في مالي أين عقدت عدة اجتماعات بين طرفي النزاع أي بين السلطة والجماعات الطارقية* بجميع تفرعاتها وخاصة المسلحة منها .

لكن يبقى للنزاع الطارقي مع دولها المركزية سبب لنشوب أزمات بين الجزائر ودول أخرى، كالنزاع الجزائري الليبي على خلفية اتهام السلطات الجزائرية لنظام القذافي وفرنسا أيضا على تشجيع الطوارق لإحياء مشروع الإمبراطورية الصحراوية وهذه الأزمة انعكست في تغييب الجزائر عن قمة طرابلس 1997 والتي حضرتها دول الجوار الجزائري ما عدا موريطانيا.[13] وهي صراعات جاءت مباشرة بعد اتفاق تمنراست من جهة ومحاولات نظام القذافي على إحياء الدولة الطارقية خاصة بعد المعسكرات التدريبية التي أقامها على الأراضي الليبية والموجهة لجماعات الطوارق وتزويدهم بالمعدات من حين لآخر بمعدات عسكرية خفيفة ومتوسطة.

وعلى لعبت الجزائر منذ الاستقلال مباشرة دورا مركزيا في احتواء الأزمة الطارقية التي تهدد أمنها حتى وإن كان هذا التدخل خارج الحدود الجزائرية، فمنذ أول تمرد طارقي وبالضبط ما بين سنة 1962- 1964. ونظرا للتمرد الممتد ما بين 1959- 1964 أين طالبت الطوارق من السلطات المالية الانفصال بمنطقة ” آد غ أفوراس عن التراب المالي والذي قمع عسكريا بحلول 1964 والذي حسم بفضل الدعم الجزائري للقوات المالية.[14]  وهي محاولات تواصلت مع كل أزمة وهناك العديد من الوساطات الجزائرية في القضية*.

وبالرغم من الجهود الجزائرية لحفظ السلم والأمن في قضية تعتبر فوق دولتية إلا أنها لاقت انتقادات العديد من القوى، سواءا الدول محل النزاع ( ليبيا، مالي، الجماعات الطارقية) أو من دول أخرى وهنا القصد هو فرنسا، فالجانب الليبي كان يرى في الجهود الجزائرية محاولات لاعتراض المشروع الهادف إلى إقامة الدولة الطارقية الكبرى بزعامة معمر القذافي، وأما الجانب الرسمي المالي فكان يقول باستخدام السلطات الجزائرية للجماعات الطارقية المتنازعة معها لتحقيق مصالح خاصة تلك المتعلقة بالقضاء على الارهاب الداخلي الذي تعاني منه الجزائر سنوات التسعينات. وأما الجماعات الطارقية فكانت ترى بأن عدم اعتراض الجزائر بصفة صريحة على حكومات كل من مالي والنيجر هي نوع من التأييد للحكومات الذي يعانيه الطوارق في كل من مالي والنيجر. وأما من الجانب الفرنسي فهي نوايا واضحة من أجل الحفاظ على مصالحها الخاصة في منطقة الساحل والموارد التي تتمتع بها المنطقة.

وكإجراء أمني ومذ أن بدأت الاضطرابات في مالي اتخذت الجزائر لنفسها إجراءات حمائية ضد تداعيات هذه الأزمة، فقد عززت بشكل ملحوظ وجودها العسكري على حدودها الجنوبية وزادت عدد نقاط التفتيش وطلعات المراقبة الجوية لتتبع حركات تجار المخدرات وتجار السلاح والإرهابيين الذين يمكن أن ينقلوا الصراع عبر مجموعة المناطق الحدودية، كما جرى التشديد على هذه المعابر وإخضاع نقل البضائع للرقابة والسيطرة.[15] وفي نفس السياق عملت الجزائر على إنشاء منظمات ومؤسسات أمنية تهدف بدرجة أولى إلى محاصرة التمرد الطارقي، ومن بين هذه المؤسسات الأمنية: CEMOC وهي لجنة عمليات الأركان المشتركة لدول الساحل،[16] وهي تضم كل من دول الجزائر، موريتانيا، مالي والنيجر ومقرها تمنراست تأسست في أفريل 2010.

وفي الأخير يمكن القول بأن الجهود الأمنية الجزائرية لاحتواء والقضاء على التمرد الطارقي في قضية يمكن اعتبارها قضية فوق دولتية هي جهود تدخل في خانة القوة الناعمة لأن الجزائر وإلى حد الآن لم تخرج عن نطاق المفاوضات والوساطة للقضاء على التهديد والتمرد الناجم عن جماعات الطوارق، فالأمن الجزائري مرتبط وإلى حد بعيد بأمن دول الجوار سواءا مالي، النيجر أو ليبيا، ولهذا اتخذت الجزائر من كل هذه الدول مصدر لأمنها الوطني أي أمن من خارج الحدود.

التمرد الإرهابي في الجزائر والسياسات الأمنية الموجهة له:

عاشت الجزائر مجتمعا وحكومة في السنوات الأخيرة موجة من العنف والتطرف الإسلامي، والذي كانت حصيلته المادية والبشرية مكلفة للغاية بالحد الذي كاد يعصف بالدولة الجزائرية إلى حد الزوال، آلاف القتلى، اختطافات، أعمال إرهابية، تفجيرات واغتيالات، اغتيال رجال السياسة وعسكريين وحتى المدنين وغيرها من الأعمال الإجرامية التي امتدت لأكثر من عشرية من الزمن سميت بالعشرية السوداء. لكن وفي مقابل كل هذا التطرف والتمرد الإسلاموي لم تأخذ السلطات السياسية وخاصة العسكرية دور المتفرج فيه على الساحة الوطنية بل واجهت هذه الأعمال بلغة تميزت تارة بالشدة وتارة أخرى بالمرونة، وعليه نطرح التساؤل التالي ما هي الإجراءات التي وضعتها السلطات الجزائرية (المؤسسات الأمنية) للحفاظ على أمنها القومي في مواجهتها للتمرد الإرهابي؟.

ومن أجل تحليل الظاهرة استخدمت الدراسة أسلوب تحليليا يسمى بأسلوب تحليل الخطر الإرهابيRisk : RMS estemating terorism [17] فهو الأسلوب الذي يساعد المحللين بدراسة أشكال ونتائج التهديد الإرهابي بشكل علمي رياضي، ويستخدم كثيرا في الدراسات التي ترصد التهديدات المرتقبة، ويرتكز هذا الأسلوب على ثلاث مستويات من التهديد:

_ المستوى العادي.

_ ارتفاع مستوى التهديد.

_ انخفاض مستوى التهديد.

وعلى هذا فالدراسة ستحاول التطرق إلى هذه المستويات وطرق التعامل الأمني والعسكري معها، لأنه وفي حالة الجزائر مر الإرهاب في الجزائر بمراحل تباينت في مستواها من مرحلة إلى أخرى بين الشدة والانخفاض.

بوادر التمرد الإرهابي في الجزائر:

إن الحديث عن ظاهرة الإرهاب في الجزائر من الأمور التي يؤرخ لها بنوع من المغالطات لما لأغلب الدراسات في ذكر أن توقيف المسار الانتخابي هو السبب الرئيسي في اندلاع العنف وظهور الجماعات الإرهابية، فإن كان كذلك فبماذا تسمى أعمال العنف التي ميزت الجزائر في منتصف الثمانينات بما يعرف بجماعة بويعلي؟ هل ندخلها في خانة المظاهرات والاحتجاجات؟ أليس هي نوع من التمرد الإرهابي؟، ففي منتصف الثمانينات ظهرت تنظيمات مسلحة لما يعرف بجماعة “بويعلي”* إلا أنها لم تستطع الصمود لفترة طويلة فقد تم القضاء عليها وفي معقلها بولاية البليدة بتدخل الجيش.[18] فبالرغم من أن تمرد جماعة بويعلي المفاجئ إلا أن الجيش قد قضى على الجماعة الإرهابية قبل أن تمتد إلى خارج الولاية.

ويذهب السيد مصطفى بودينة إلى أبعد من ذلك فيرى أن الإرهاب بالجزائر لم ينشأ من العدم وإنما كان وليد ظروف خارجية قبل أن تكون داخلية، حيث أن بعض الدول في العالم “دول الغرب والشرق على حد سواء” خلقوا الحركة الإسلامية عبر العالم أثناء الحرب الباردة واستعملوها ضد الشيوعية في أفغانستان واستغلوا كل الأفغانيين والإسلاميين الذين أرسلوا إليها.[19] والذين دخلوا الجزائر والانضمام إلى الجناح المسلح لجبهة الإنقاذ الإسلامية. (أنظر: توقيف المسار الانتخابي وظهور التعصب الإسلاموي.)

كما أن ما ينفي جملة الادعاءات بأن الإرهاب في الجزائر هو عمل ونشاط إسلامي وأن توقيف المسار الانتخابي هو السبب الرئيسي فيه، هو تلك العملية التي قام بها 50 مسلحا في مدينة قمار ضد ثكنة عسكرية، وهو ما يثبت أن قسما كبيرا كان يراهن على العنف المسلح بغض النظر عن الانتخابات ونتائجها ومخلفاتها.[20] فالعمل الإرهابي في الجزائر ليس نتاج عمل إسلامي أو نتيجة توقيف المسار الانتخابي فكل من العمليتين الأولى والثانية كانتا قبل توقيف المسار الانتخابي ومن طرف أشخاص (بويعلي) لم يثبت انتمائهم السياسي الإسلامي، وعلى هذا فالإرهاب في الجزائر هو تمرد له أهدافه الخاصة البعيدة عن كل ما هو إسلامي. فالباحث إلياس بوكراع يقول :” أنه ومنذ 1989 أخذت تتشكل عصابات في منطقة الأخضرية بولاية البويرة وفي 20 ديسمبر 1990 تم تفكيك شبكة إرهابية مهمة في منطقة سور الغزلان بعد مناوشات مع دورية الدرك الوطني…”[21] وعلى هذا لا يمكن الحديث عن الإرهاب الإسلاموي في بداياته، إلا أن ما يجب التأكيد عليه أن الإرهاب في الجزائر نسب للإسلامويين بداية من توقيف المسار الانتخابي وما صاحبه من انتشار التعصب والتطرف.

توقيف المسار الانتخابي وظهور التعصب الإسلاموي:

فبعد الأزمة الحادة التي عاشتها الجزائر مع ظهور بداية من أكتوبر 1988 وما خلفها من إصلاحات سياسية والتي كان أبرزها فتح باب التعددية الحزبية والانتقال نحو عهد جديد للممارسة السياسية، ظهرت العديد من الأحزاب السياسية باختلاف تياراتها ، العلمانية، الأمازيغية و الإسلاموية بالإضافة إلى التيار الوطني الثوري، وهو التعدد الذي لم تأخذ له السلطة السياسية في الجزائر تخمينا وتخطيطا لمواجهته خاصة وأنها السلطة الممثلة في جبهة التحرير الوطني ولما يقارب 30 الثلاثين سنة، كذلك أنها السلطة التي فشلت في احتواء كل الانتماءات وهو ما ظهر فعليا للمطالبة بالتعددية.

بعد هذا التعدد الحزبي والسياسي أقيمت في الجزائر أول انتخابات تعددية شاركت فيه العديد من الأحزاب بداية من عام 1991 أين فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالدورة الأولى للانتخابات التشريعية، وهو الفوز الذي أدى إلى توقيف المسار الانتخابي* ويفتح المجال واسعا للعنف والعمل المسلح.  أين انقسمت الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى اتجاهين:

  • اتجاه معتدل: يدعو إلى التحاور مع السلطة حول أسباب توقيف المسار الانتخابي، والبحث في سبل استرجاع الفوز المحقق في الدور الأول من الانتخابات التشريعية 1991.
  • اتجاه متطرف: يدعو إلى العمل المسلح في وجه من أوقف المسار الانتخابي، والدعوة إلى ” الجهاد” على حساب أصحابه.

وفي هذه الفترة وبالتحديد ما بين 1989 و 1995 دخل إلى الجزائر حوالي 438 جزائري أفغاني من مجموع 2324 غادروا التراب الوطني للقتال في الحرب الأفغانية، والذين تدربوا وتمرنوا على حرب العصابات ليندمجوا ضمن الخلايا المحلية المسلحة لجبهة الإنقاذ.[22] وهؤلاء ممن يعتبرون أحد الأسباب المباشرة بتصعيد الأزمة الإسلاموية والعمل الإرهابي بالجزائر، إذ وظفوا الخبرات المكتسبة في القتال التي اكتسبوها بأفغانستان في نشر العنف والتمرد الإرهابي المسلح بالجزائر، لتأخذ صيغة الجماعات المختلفة للإرهابيين تحت اتجاه واحد يرى في العمل المسلح هو الحل.

أهم الجماعات الإرهابية في الجزائر:

بمجرد توقيف المسار الانتخابي بدأت تتشكل خلايا التعصب الإسلاموي في الجزائر وظهور الاختلافات والتناقضات بين أطراف الجبهة الإسلامية للإنقاذ ( العمل السلمي، العمل المسلح) لذلك تشكلت جماعات مسلحة نذكر أهمها:

  • الحركة الإسلامية المسلحة: بقيادة عبد القادر شيبوني وقد حشدت مقاتلين سابقين في حركة مصطفى بويعلي، وتفككت في أعقاب وفاة شيبوني في أواخر عام 1993.
  • الحركة من أجل الدولة الإسلامية: بقيادة سعيد مخلوفي وهو من مؤسسي جبهة الإنقاذ الإسلامية والذي انفصل عن الحزب تموز 1991، اختفت هذه الحركة بعد وفاة مخلوفي سنة 1997.
  • الجماعة الإسلامية المسلحة: تأسست عام 1992 بقيادة منصور ملياني و ومحمد علال، لتتطور بعد قمع هذين القائدين من قبل قادة آخرين خاصة من المقاتلين السابقين في أفغانستان وإلى غاية 2004 كانت لا تزال تنشط.
  • الجيش الإسلامي للإنقاذ: تأسسهذا الجيش في تموز 1994 من قبل عناصر من الحركة الإسلامية المسلحة في أعقاب انهيار هذه الأخيرة، ارتبطت بالجبهة الإسلامية وقاده مقاتلون في الجبهة الإسلامية للإنقاذ من أمثال مدني مزراق، أحمد بن عائشة إلى أن حلت عام 2000.
  • الجماعة السلفية للدعوة والقتال: تأسست هذه الجماعة في أيلول 1998 من قبل حسان حطاب القائد السابق للجماعة الإسلامية المسلحة في منطقتي بومرداس والقبائل ( شرق العاصمة) ولازالت ناشطة حتى الآن (2004).[23]

وبذكر تاريخ وأهم الجماعات الإسلاموية المتمردة نستخلص أنه ورغم الجهود المبذولة من طرف المؤسسات العسكرية بحلها وقضائها لأغلبية الجماعات والحركات إلا أن البعض منها مازال ينشط وإلى غاية 2004. ليظهر فيما بعد تنظيم أكبر وأكثر تهديدا على الجزائر وأمنها القومي، لأنها من قبل كانت تواجه خطر إرهاب محلي ليأخذ طابعا دوليا يتمثل في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب.

القوة الأمنية الجزائرية بين القوة اللينة و القوة الصلبة في مواجهة التمرد الإرهابي:

لم تمر الأعمال الإرهابية التي استندت إلى الإسلام كمرجعية لها في مواجهة النظام السياسي القائم مرور الكرام على المؤسسات الأمنية والعسكرية في الجزائر، إذ ومنذ الأيام الأولى لظهورها راحت قوى الجيش والمؤسسات الأمنية تواجهها بكل الأساليب وهو ما جعل الجماعات الإرهابية تتخذ من الجبال والمناطق الغابية ملاجئ لها. وفي هذا الصدد يقول السيد عبد العزيز جراد: ” منذ ظهور الإرهاب بالجزائر وإلى يومنا هذا، استعملت عدة استراتيجيات لمحاربة هذا الخطر، بحيث هناك تكيف تدريجي لأدوات الكفاح ضد الإرهاب لكن هذه الحقيقة تفرض أيضا إعداد اعتقاد مجدد يتناسب والحرب ضد الإرهاب.”[24] حقا هو كذلك فالحرب ضد الإرهاب في الجزائر مرت بفترات تميزت بعضها بضعف المؤسسة الأمنية، وأخرى بقوتها، في حين جاءت المرحلة الثالثة أين اتسمت بعالمية الإرهاب وظهور ما يعرف بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب بعد أحداث سبتمبر 2001.

إن التساؤل الذي يطرح نفسه حول التدخل العسكري بعد انتشار موجة العمل الإرهابي في الجزائر وتعالي الأصوات حول وجوب عدم تدخل الجيش: هو عندما تتعرض أي دولة إلى مثل هذه التهديدات ( الإرهاب) فإن الجيش الجزائري أو أي جيش آخر في نفس الظروف ألا يكون قد أخل بمهامه إن بقي دون رد فعل؟[25] الإجابة أكيد نعم سيكون الجيش في هذه الحالة أمام إخلال بالمهام وهو ما سيسمح لكل أصحاب النظرة السلبية والقوى الأجنبية المتحاملة على الجزائر في تدخل الجيش إلى التبرير بنفس القول الذي يطرحونه بعد التدخل. وفي هذا الصدد يقول السفير الياباني بالجزائر ما بين 1996/ 2001 ويتعلق الأمر بالسفير واتنب شين WATNAB SHIN الذي أورد في كتابه تحت عنوان ” السنوات العشر للأزمة الجزائرية نهايتها وعادة تقييمها” أورد فيه ما يلي: ” إنه عند وسائل الإعلام يوجد اتجاه راسخ ينطلق من مبدأ أن العسكريون سيئون وأنه كلما تدخل الجيش في الفضاء السياسي في أي بلد … ففي حالة الجزائر يمكنني القول أن أقول أن تدخل الجيش لم يكن انقلابا عسكريا بالمفهوم التقليدي.”.[26]

 لقد واجه الجيش ومؤسسات الأمن الجزائري في بادئ الأمر صعوبات تدخل في خانة عدم التنبؤ، إذ أن تعداد الجيش في السنوات الأولى للتمرد، فما بين جانفي 1992 ومارس من نفس السنة اعتقلت قوات الأمن آلاف الشخصيات والكوادر والناشطين الإسلامويين كخطوة احترازية، ومع أن معظمهم تم إطلاق سراحهم إلا أن هذه الخطوة أحدثت صدمة إضافية لدى أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ وشجع البعض على قبول العمل المسلح، وكذلك عندما قرر المجلس الأعلى للدولة حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مارس 1992 أخذ الوضع الأمني خطوة أبعد على طريق العنف الدموي.[27] وهو الوضع الذي كان لابد للمؤسسات الأمنية أن تسايره بهذه الطريقة، خاصة إذا ما تم الاتفاق على أن مواجهة العمل الإرهابي لم يكن مخطط له من قبل.

وما يمكن الإشارة إليه أن المؤسسات الأمنية والتغطية الأمنية لم يكن بالقدر الكافي ولم يكن يغطي كامل التراب الوطني ففي سنة 1996 مثلا كانت ولاية الجزائر تضم 53 بلدية، 22 مركز شرطة و09 فرق للدرك الوطني، بالإضافة إلى أن تعداد مصالح الأمن كان ضعيفا جدا مقارنة بمساحة وعدد السكان إذ أن حوالي 50000 فرد بالنسبة لكل سلاح، كما أن نظام التكوين للدرك الوطني والأمن الوطني يكن يلبي الاحتياجات، أما مصالح الأمن التابعة للجيش فكانت في مرحلة إعادة التنظيم إثر التغيرات التي حدثت سنة 1989.[28]  وهذا النقص المسجل لم يكن بكامل التراب الوطني لأنه وبالنظر إلى المعطيات المتوفرة أنه وبالنظر إلى وجوب حماية الحدود وخاصة من الجهة الغربية والجنوب والجنوب الغربي، لأنه من الجهة الغربية وبالنظر إلى أزمة 1962 مع المغرب كان لا بد من حماية ومراقبة الحدود، وأما من الجهة الجنوب ونظرا للتمرد الطارقي في مالي والنيجر كان لابد للقوة الأمنية أن تراقب حدودها خوفا من أي امتدادات للقضية على التراب الوطني.

كما عملت مصالح الشرطة على تقوية أجهزتها بالمقارنة على ما كانت عليه في بداية التهديدات الإرهابية، ويقول علي تونسي المدير العام للأمن الوطني سابقا: ” في بداية الأمر كان تعداد الشرطة يقدر ب 43000 بالنسبة إلى 25 مليون نسمة، موزعين عشوائيا ينقصهم التكوين والتجهيز بالوسائل التي تلاءم مع المهام الجديدة التي أسندت لها كطرف دفاعي عن الجزائر بعد إعلان حالة الطوارئ”[29] وهو النقص الذي مكن العناصر الإرهابين من الوصول إلى مبتغاهم والاعتداء عليهم بكل سهولة،  وعلى هذا الوضع حللت الشرطة الجزائرية الوضعية وقامت بتقييم لقدراتها وشرعت في نشاطات منقذة مختلفة مبنية على مبادئ لم تأخذ فقط بعين الاعتبار الجوانب السلبية التي تم تحديدها، فعملت على إنشاء وحدات متخصصة لمكافحة الإرهاب ونشرها في المناطق الأكثر تمديدا، وتضاعف عدد الفرق المتنقلة للشرطة القضائية والتي تتمثل مهامها في الكشف عن الجماعات الإرهابية والبحث عنها وتحديد مواقعها، ليصل عددها إلى حوالي 112 فرقة.[30]

وأمام هذا النقص وضخامة التدمير والاغتيالات بدأت المؤسسات الأمنية في التخطيط للمواجهة، وكأحد الاستراتيجيات الأولية بعد تعيين الجنرال العسكري اليامين زروال في منصب رئاسة الجمهورية، أخذت قيادات الجيش إلى اعتماد سياسة الحوار والجلوس على طاولة المحادثات في جولة قادها اسماعين العماري رئيس مديرية الاستخبارات للأمن مع القيادي في صفوف الجماعات المسلحة قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ مدني مزراق. وآلت جولة المفاوضات إلى توقيع هدنة في سبتمبر 1997 تخللت بتخلي حوالي 3000 إرهابي عن العمل المسلح وسلموا أنفسهم.[31] وهي سياسة يمكن اعتبارها أكثر من إيجابية بالنظر إلى الصعوبات التي واجهتها المؤسسة الأمنية في بدايات التمرد الإرهابي.

وعمدت المؤسسات الأمنية إلى إحكام السيطرة على المناطق الحضرية، مراقبة المناطق الريفية الآهلة وعمليات التمشيط المصحوبة بعمليات دقيقة مدعومة بالطائرات المروحية، كما تدخل الجيش عبر عمليات عسكرية واسعة في المناطق الحضرية كالعملية التي قام بها في البليدة، لكن المؤكد أن الجيش تكبد خسائر فادحة،فجاءت ردة فعل الجيش قوية باستعمال أسلوب الرعد المضاد بداية من أكتوبر 1994 بعدما كان معوقا بسبب كثرة المواقع والأشخاص التي يتوجب عليه حمايتهم، فتمكن من توجيه ضربات قاسية لمواقع الجماعات المسلحة وتفكيك عدد منها. ومنذ 1996 تضاعف عدد مجموعات الدفاع الذاتي المشكلة من المدنيين المسلحين من طرف الدولة وهي لا تتردد في المواجهة المباشرة عن قرب.[32]

لكن ورغم الصعوبات التي كان الجيش والمؤسسة الأمنية تلقاها في مواجهتها للإرهاب إلا أنها كانت في كل مرة تحاول دحض هذه الأعمال، وفي نفس السياق يذهب قائد أركان الجيش الأسبق محمد العماري “كان ربيع 1994 الحقبة الأصعب في الجزائر، عندما باشرت الجماعات الإسلاموية المسلحة وبمقدار أقل الجيش الإسلاموي للإنقاذ، في استهداف مرافق اقتصادية وعسكرية، لكن في العام 1995 بذل الجيش جهودا جمة لوضع معادلة الرعب إلى جانبه، أي بث الذعر في صفوف الإسلامويين بمقدار ما فعله هؤلاء مع بقية فئات الشعب.[33] وهنا يمكن القول أن الجيش الوطني الشعبي والمؤسسات الأمنية في الجزائر كانت تعمل بالمثل مع الجماعات الإرهابية ففي الوقت الذي تصعد الجماعات الإرهابية من أعمالها تزيد المؤسسة الأمنية من نشاطها للقضاء عليها.

كما أن الباحث في الحركات الإرهابية في الجزائر يستنتج ويلتمس ذلك التصادم فيما بينها، فقد حاول الجيش من منع حركات التمرد والجماعات الإرهابية من الاتحاد تحت قيادة مستقرة والتوجه نحو هدف واضح وثابت ومعقول يبقى كبيرا، خاصة بعد نجاح أجهزة الاستخبارات من زرع عملاء لها داخل الجماعات الإسلاموية المسلحة وإقناع قادة معينين فيها بالتحول عنها.[34] وهو المسعى الذي يمكن القول بشأنه أن القوى الأمنية ممثلة في جهاز الاستخبارات قد نجح فيه إلى حد بعيد بالنظر إلى الكم الهائل من القادة الذين تخلوا عن العمل الإرهابي، والقصد بالقادة لما لهم من تأثير في الجماعات الإرهابية.

وكتب جون شندلر وهو ضابط سابق في التجسس المضاد في وكالة الأمن القومي عن جهاز الاستخبارات الجزائري مايلي: ” يمكن القول أنه جهاز الاستخبارات الأكثر وحشية في العالم عندما يتعلق بمكافحة تنظيم القاعدة، كما أنه على الأرجح الأكثر قسوة.” وقد طور الجهاز المذكور مهاراته خلال الحرب الأهلية في التسعينات عندما كانت الجزائر مختبرا حيا لسياسة مكافحة الإرهاب، إذ قام بحملة وحشية وعنيدة  ضد المتمردين الإسلامويين العنيفين والتي قلصت بشكل كبير قدرات الجماعات المسلحة، وتضاءل عدد المسلحين من 27 ألف إرهابي في منتصف التسعينات إلى ما يزيد عن بضع مئات في عام 1998.[35]

وكان الجيش من خلال هذه العمليات يهدف إلى استئصال الجماعات المسلحة عن طريق خرق هذه المنظمات وسحقها عسكريا، …بعدما استوعبت قوات الأمن استراتيجيات الجماعات المسلحة ونجحت في إضعافها بصورة كبيرة من دون أن تتكبد خسائر بالغة. وأبقت القيادة العسكرية على إستراتيجية صارمة أعطت الأولوية للأمن وعرفت بإستراتيجية “الأمن أولا[36]. أي أولوية الأمن بالرغم من كل العقبات والتحديات التي تواجهها الجزائر وعلى كل المستويات. فأخذت قوات الأمن بتقديم أولويات في مواجهتها للإرهاب ومن بينها نذكر:

  _ إقامة حظر التجول إلى غاية 1996 في ولايات وسط البلاد بغية تقليص حركة الإرهابيين خاصة أثناء الليل، وحالة الطوارئ التي رفعت عام 2011.[37]

   _ استعادة أسلحة الصيد التي يملكها المواطنون المقيمين في ولايات متاخمة لولاية الجزائر من خلال قطع مصدر التموين بالنسبة للإرهابيين.

 _ زيادة معتبرة في تعداد الدرك الوطني من خلال الشروع في حملة مكثفة للتجنيد والتكوين، وقد تزامن ذلك مع الشروع في أشغال إنجاز مراكز شرطة جديدة وفرق جديدة حتى يكون الحصار على الإرهابيين أكثر أهمية.

_ استحداث منذ سنة 1994 جهاز الحرس البلدي ونشر مفارز ، وهو ما سمح للمواطنين بالتجند ضد الإرهاب خصوصا في المناطق الريفية: يضم هذا الجهاز حوالي 80000 عنصرا، يتكونون لمدة شهرين لدى الدرك الوطني وتعويضا للنقص العددي لقوات الأمن في المناطق الريفية.

_ وضع شبكة حواجز قارة في الطرقات متحركة وشبه متحركة بغرض التشويش على حركية المجموعات الإرهابية واعتراض أفرادها والقضاء عليهم.[38]

         فحاربت الجزائر ولمدة طويلة من الزمن الإرهاب لوحدها بل الأكثر من ذلك حاربت التعامل الدولي السلبي اتجاه القضية الجزائرية في حربها معه، وخاصة الصحف الأجنبية والمنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان، في الوقت الذي كانت فيه المنظمات الإرهابية الإسلامية الجزائرية أو غيرها تحظى بمكانة مرموقة في الغرب على وجه الخصوص.[39] ففي الوقت الذي كانت الجزائر بحاجة إلى دعم القوى الخارجية والدولية راحت بعض الجهات إلى دعم الجماعات الإرهابية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وهذا بمجرد السكوت عما كان يحد في الجزائر.

               وبتاريخ 11 سبتمبر 2001 وبعد الهجمات الإرهابية التي عاشتها الجزائر تحولت القضية الإرهابية من قضية محلية عانتها الجزائر إلى قضية دولية، سارعت الدول إلى القوة الجزائرية كما سارعت هذه الأخيرة إلى القوى العالمية من أجل مواجهة خطر عالمي، وعلى هذا دخلت الجزائر في جملة من النشاطات في إطار التعاون الدولي والإقليمي ضد الإرهاب.

       وهي المجهودات والسبل التي كانت تهدف إلى الوقاية من الأعمال التخريبية والإجرامية بصفة محسوسة، كما أن المتفحص في هذه الإجراءات سيلتمس تلك الجهود الرامية إلى استتباب الأمن دون شيئ آخر، وهو المسعى الذي يمكن القول أن القوات الأمنية والمؤسسة العسكرية قد نجحت فيه إلى  حد بعيد  بعد العمل المنسق بينها وبين المواطن البسيط ومجموعات الدفاع الشرعي والمؤسسات السياسية المختصة، في بادئ الأمر والتعاون الدولي والإقليمي في مراحل لاحقة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. فالقوة الأمنية وفي تعاملها مع التمرد سواءا الطارقي ( الفوق دولتي) أو الإرهاب الإسلاموي استعملت منهجين حمائيين مواكبة وارتفاع أو انخفاض موجة التمرد والعنف يمكن القول أنهما أتى بثمارهما، فبين استعمال القوة اللينة والقوة الصلبة تعاملت القوة الأمنية لفرض واستتباب الأمن.

 

 

 

 قبي. آدم، رؤية نظرية حول العنف في الجزائر، مجلة الباحث، العدد 01، الجزائر،2002. ص 106.[1]

[2]  أحمد، إيدابير، التعددية الإثنية والأمن المجتمعي: دراسة حالة مالي،  مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، الجزائر: جامعة بن يوسف بن خدة، 2001/ 2012. ص ص 96، 98.

[3] Murshed, s, m. and Tadjoeddin, m,z. “reappaising the greed and grievance explanations for violent internal conflict  microcon research working paper.2007. p18.

[4]  أحمد، إيدابير، مرجع سابق الذكر. ص 100.

[5]  مريم، براهيمي. ، التعاون الأمني الأمريكي الجزائري في الحرب على الإرهاب وتأثيره على المنطقة المغاربية. مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلوم الساية والعلاقات الدولية، تخصص دراسات مغاربية، الجزائر: جامعة محمد خيضر، 2012. ص80.

[6]  نفس المرجع. ص 46.

[7]  نفس المرجع. ص47.

[8]  بوحنية. قوي، الإستراتيجية الجزائرية تجاه التطورات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، مركز الجزيرة للدراسات، 03 جويلية 2012. ص 03.

[9]  أحمد، إيدابير، مرجع سابق الذكر. ص 149.

[10]  يحي. زبير، الجزائر والوضع المعقد في منطقة الساحل: منع الحرب ومكافحة الإرهاب، مركز الجزيرة للدراسات، 28 نوفمبر 2012. ص3.

[11]   حسام. حمزة، الدوائر الجيو سياسية للأمن القومي الجزائري، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، باتنة: جامعة الحاج لخضر، 2011. ص91.

[12]  بوحنية. قوي، الجزائر والانتقال إلى دور اللاعب الفاعل في إفريقيا: بين الديبلوماسية الأمنية والانكفاء الأمني الداخلي، مركز الجزيرة للدراسات، 23 جانفي 2014. ص 03.

  • * نذكر أهمها:
  • قمة جانت: 08- 09 سبتمبر 1990.
  • لقاء تمنراست: 1991.
  • لقاء الجزائر: 20- 30 سبتمبر 1991.
  • لقاء الجزائر الثاني 22- 24 جانفي 1992.
  • لقاء تمنراست 16- 20 أفريل 1992.
  • لقاء الجزائر 10- 15 جانفي 1994.
  • لقاء تمنراست 27- 30جوان 1994.
  • اجتماع الجزائر جانفي 2010.
  • لقاء 02 فيفري 2012.

المصدر: إيدابير أحمد، مرجع سابق الذكر.

[13]  ظريف شاكر، مرجع سابق الذكر. ص 58.

[14]ظريف، شاكر، البعد الأمني الجزائري في منطقة الساحل والصحراء الإفريقية التحديات والرهانات، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، الجزائر: جامعة بن يوسف بن خدة.  ص 57.

[15]  أنوار، بوخرص، مرجع سابق الذكر. ص 19.

[16]  نفس المرجع. ص 24.

[17]  براهيمي، مريم، مرجع سابق الذكر.ص 130.

*  ملاحظة: إن ما ينفي وصف كل عمل إرهابي ونسبه إلى الإسلام هو هذه العملية، لأن إذا نظرنا في زعيمها فتاريخه يثبت ذلك التجوال السياسي الذي ميزه طوال عمله السياسي فمن مناضل في جيش التحرير الوطني أثناء الثورة التحريرية إلى عضو في جبهة القوى الاشتراكية ثم جبهة التحرير الوطني، وهو ما يجعل أمر انتمائه السياسي الإسلامي من عدمه يكتنفه الغموض. وعلى هذا فوصف العمل الإرهابي للجماعة  بالإسلامي يمكن نفيه في هذه الحالة.

11 رشيد، حاتم، الأزمة الجزائرية إلى أين؟، سلسلة قضايا راهنة، عمان: مركز الأردن للدراسات الجديدة، 1999. ص 38.

[19]  مصطفى، بودينة، من أجل نقاش مواطنة حول الدفاع الوطني، الجزء الثاني، الأيام الدراسية البرلمانية الأولى حول الدفاع الوطني، الجزائر: مجلس الأمة، 11، 12 نوفمبر 2001. ص49.

[20]  رشيد، حاتم، مرجع سابق الذكر.ص 39.

[21]  إلياس، بوكراع، الجزائر: الرعب المقدس، ترجمة: خليل أحمد خليل، لبنان: دار الفارابي، 2003. ص 28.

  • لا يمكن لأحد إنكار الدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية في توقيف المسار الانتخابي.

[22]  تواتي، محمد، الجيش الوطني الشعبي في مواجهة خطر انهيار الدولة الوطنية، مجلة الجيش، العدد 473، الجزائر: مؤسسة المنشورات العسكرية ، ديسمبر 2002.

[23]  المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات (الشرق الأوسط)، الإسلامية، العنف والإصلاح في الجزائر،  التقرير رقم 29، القاهرة:  international crisis group ، 30 تموز 2004. ص ص 12، 13.

[24]  عبد العزيز، جراد، من أجل نقاش مواطنة حول الدفاع الوطني، الجزء الثاني، الأيام الدراسية البرلمانية الأولى حول الدفاع الوطني، الجزائر: مجلس الأمة، 11، 12 نوفمبر 2001. ص ص75،78.

[25]  محمد، توتي، مرجع سابق الذكر. ص 297.

[26]  نفس المرجع. ص 311.

[27]  رشيد، حاتم، مرجع سابق الذكر.  ص 30.

[28]  عبد الرزاق، معيزة، الجيش الوطني الشعبي في مواجهة الإرهاب، الملتقى الدولي حول الإرهاب، السابقة الجزائرية: الإرهاب الإسلاموي في الجزائر، الجزء الثاني، الجزائر: المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار. ص 286.

[29]  علي، تونسي، الشرطة الجزائرية في مواجهة الإرهاب الأصولي، الملتقى الدولي حول الإرهاب، السابقة الجزائرية: الإرهاب الإسلاموي في الجزائر، الجزء الثاني، الجزائر: المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار. ص330.

[30]  المرجع نفسه. ص 332.

[31]  رشيد، تلمساني، الجزائر في عهد بوتفليقة: الفتنة الأهلية والمصالحة الوطنية، أوراق كارنيغي، بيروت: مؤسسة كارنيغي للشرق الأوسط، يناير 2008. ص7.

[32]  عبد النور، منصوري، المصالحة الوطنية من منظور الأمن الإنساني، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، باتنة: جامعة الحاج لخضر، 2010/2011. ص118.

[33]  رشيد، تلمساني، مرجع سابق الذكر. ص05.

[34]  المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات (الشرق الأوسط)، الإسلامية، العنف والإصلاح في الجزائر، مرجع سابق الذكر. ص 13.

[35]  أنوار، بوخرص، الجزائر والصراع في مالي، أوراق كارنيغي، بيروت: مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أكتوبر، 2012. ص14.

[36]  رشيد، تلمساني، مرجع سابق الذكر. ص06.

[37]  الحسن، عاشي، ثمن الاستقرار في الجزائر، كارنيغي للشرق الأوسط، بيروت: مؤسسة كارنيغي للشرق الأوسط، أفريا 2013. ص

[38] عبد الرزاق، معيزة، مرجع سابق الذكر. ص290.

[39]  نفس المرجع. ص 293.

بقلم فارس لونيس

 

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock