خاص : كتبت – رشا العشري :

تغير طبيعة النظام الدولي وقضاياه اقتضت تغيير الأدوات السياسية بما يتلائم مع الأهداف والمصالح الحقيقية للدول، ومن ثم اتخذت القوة أشكالاً متعددة من القوة الصلبة الممثلة في الأداة العسكرية إلى القوة الناعمة ممثلة في الثقافة وترسيخ الأيديولوجية إلى القوة الذكية التي مزجت بين الصلبة والناعمة لتصبح من أكثر الأدوات السياسية تأثيراً في السياسة الخارجية للدول، والتي تعول عليها العديد من قوى العالم في التأثير داخل الدولة الهدف.

يأتي ذلك في سياق تراجع القوة العسكرية.. من ثم كانت الحاجة للقوة الذكية التي تعتبر المعنى الجامع المانع لقوة الدولة تجاه العالم الخارجي، حيث قدم “جوزيف ناي” مفهوم القوة الذكية في 2003 كرد فعل على المغالطة بشأن الفكرة السائدة أن القوة الناعمة يمكن أن تعمل وحدها لتحقيق أهداف السياسة الخارجية وضرورة الانتقال للمعنى الأوسع والأشمل للاستراتيجية وتطويرها لتشمل القوة الناعمة والقوة الصلبة معًا، وذلك ليكون أكثر مواكبة للسياق والتطورات الدولية المختلفة بحيث لا يمكن الاستغناء عن أي من نوعي القوة.

من ثم يتبادر تساؤلاً رئيساً.. هل اختلفت القوة الذكية لسياسة الولايات المتحدة الأميركية تجاه الشرق الأوسط من سياسة “أوباما” إلى “ترامب” ؟.. وأيهما كان الأفضل في تحقيق أهدافها ؟.

مفهوم القوة الذكية (Power Smart)..

تعرف “القوة الذكية” بأنها تلك القوة التي تربط بين القوة الناعمة والقوة الصلبة، فهي تلك القوة التي تجمع في سياستها بين الجاذبية والشدة، الإرغام والإغراء، حيث يمكن تحقيق الأهداف عن طريق “القوة الناعمة” من خلال الجاذبية الثقافية أو السياسية أو الإعلامية… إلخ, للدولة لإقامة علاقات مع الحلفاء، وتقديم المساعدات الاقتصادية، والتبادل الثقافي مع الدول الأخرى، وكذلك عن طريق “القوة الصلبة” والممثلة في القوة العسكرية بالحرب المباشرة، وترجمتها السياسية بالمضايقة عبر الهيئات الدولية والإقليمية، وترجمتها الاقتصادية بسبل الضغط والمقاطعة والحصار، التي غالباً ما تمارسها هذه الدولة على تلك، أو تدفع الآخرين لممارستها عليها. مع التلويح الدائم بإمكانية استخدام القوة.

الأسباب التي أدت إلى نشأة سياسة “القوة الذكية”..

1 . القدرة على تحقيق مردود في الشؤون الدولية من خلال الاستقطاب، أكثر مما يمكن تحقيقه عبر الإكراه، حيث يرى “جوزيف ناي” أن القوة العسكرية أضحى من الصعب استخدامها في العهد المعاصر للتكلفة المادية والنفور المتزايد لاستخدام القوة.

2 . حاجة الدول المتقدمة لاستقطاب الدول النامية للعمل معها كشريك دولي، لمواجهة التحديات العالمية المشتركة، التي لا تستطيع أية دولة التصدي لها بمفردها مثل التغيرات المناخية، وانتشار الأمراض المستعصية، وتصاعد خطورة “الدول الفاشلة” على الأمن العالمي وغيرها.

3 . ظهور دول لها قوة نووية غير خاضعة للهيمنة الغربية، مثل كوريا الشمالية وإيران.

أدرك الغرب – في الوقت نفسه – عبث المواجهة العسكرية مع القوى المجاهدة غير الرسمية، خصوصًا بعد تجربته المريرة في “فيتنام” وتجربة الانتفاضة الفلسطينية وتجربة أفغانستان. وظهور أسلحة دمار رخيصة مثل الصواريخ ذات الرؤوس الميكروبية, “قنبلة الفقراء النووية” على حد قول أحد المعلقين، بل أثبتت حرب أفغانستان مقدرة الجماعات الفدائية الحصول على أسلحة ذات مقدرة تدميرية عالية، لا يحتاج استخدامها إلى متخصصين وإلى دورات تدريبية.

4 . لاحظ الغرب أن ثورة المعلومات والنظام الإعلامي الجديد – بأفلامه وكتبه ومرئياته ومراكز بحوثه – لديهما مقدرة هائلة على الاختراق، تساعد على نقل المنظومة القيمية الغربية إلى كل أرجاءالعالم، بعد أن كانت محصورة إلى حد كبير في الغرب.

5 . بدأت تظهر مراكز اقتصادية غير غربية تطور نفسها خارج شبكة الهيمنة الغربية مثل “اليابان والصين وماليزيا” وغيرها، بالإضافة إلى ظهور الشراكات بين القارات.

أدوات “القوة الذكية”..

1 . الدبلوماسية العامة.

2 .وكالة الاستخبارات.

3 . نشر ثقافة وفنون الدولة في الخارج.

4 . شبكة المعلومات الدولية (الانترنت).

5 . الإعلام.

“القوة الذكية” للولايات المتحدة الأميركية..

ظهر مفهوم “القوة الذكية” مرتبطاً بالسياسة الأميركية, خاصة في العراق وأفغانستان، حيث كانت الانتقادات العالمية للقوة الصلبة الأميركية من ناحية وعدم قدرة القوة الناعمة الأميركية من ناحية أخرى، وقد ظهر هذا المفهوم في حملة الرئيس “أوباما” الرئاسية، وتحدثت عنه “هيلاري كلينتون” وزير الخارجية الأميركية, في كانون ثان/يناير 2009، حيث ذكرت أهمية “القوة الذكية” للسياسة الخارجية الأميركية لتحقيق أهدافها، وقد أعلنت إدارة “أوباما”عن سياسة خارجية قائمة على أدوات متعددة من القوة منها دبلوماسية واقتصادية وعسكرية وثقافية عبر مزج هذه الأدوات لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأميركية.

أسباب تبني الولايات المتحدة الأميركية سياسة “القوة الذكية”..

حيث اتجهت السياسة الخارجية الأميركية إلى تبني “القوة الذكية” كأحد أهم أدوات سياستها الخارجية وذلك لعدة أسباب هي:

فقد سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى الاستمرار في تبني سياسة “القوة الناعمة” بعد فترة ولاية “بوش الإبن” والتراجع في سياسة “القوة العسكرية”, التي أدت إلى فشل سياستها تجاه الشرق الأوسط، وهو ما أكده “أوباما” خلال خطابه الذي ألقاه حين تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة, في العاشر من كانون ثان/يناير عام 2009، وعمل على تطبيق سياسة “القوة الناعمة” على أرض الواقع من خلال تعزيز حكمه، ودعم التبادل العلمي وتشجيعه والتعاون في مجال الأبحاث، والسعي عبر تحقيق الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والمساعدات الإنسانية، فضلاً عن اتخاذ خيار الحوار مع النظام الإيراني، والتراجع عن ضرب سوريا، والدفع نحو الحوار لحل الأزمة. مع وجود مبررات عديدة للتدخل في الشرق الأوسط, كالإرهاب وتنظيم “القاعدة” وحماية الأمن العالمي, من ثم سعى “أوباما” لتبني سياسة “القوة الذكية” كعامل مساعد لتطبيق “القوة الناعمة”.

من ثم كانت الأهداف الرئيسة للقوة الذكية للولايات المتحدة ممثلة في الأتي:

1 . تحقيق الانتعاش الاقتصادي عن طريق خطة اقتصادية, تشمل حزمة حوافز لمواجهة الأزمة المالية والركود الاقتصادي الذي أصاب الاقتصاد الأميركي، بعد أن استطاع الرئيس “أوباما” إقناع الكونغرس بالموافقة على خطة إنقاذ للأزمة المالية التي تبلغ كلفتها (825) مليار دولار.

2 . تأمين مصادر الطاقة، حيثُ أشار تقرير أعدّهُ مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية, عام 2010, إلى أن السنوات الخمس عشرة المقبلة ستشهد صراعاً محتدماً على الطاقة، نظراً لتغيير موازين القوى العالمية واعتماد الكثير من الدول في صعودها على القوة الاقتصادية.

3 . مواجهة القوى والتكتلات الاقتصادية الكبرى, من خلال توظيف الهيمنة الرضائية في السياسة الخارجية الأميركية, التي من خلالها يمكن إطالة أمد السيطرة الأميركية إلى مدى أبعد.

جوزيف ناي

4 . إنهاء عسكرة السياسة الخارجية وإعادة الاعتبار للقوة الناعمة، وهذا ما صرح به وزير الدفاع السابق “روبرت غيس”, الذي دعا إلى تكريس المزيد من المال والجهد لتنمية “القوة الناعمة”، وقد أشار أيضاً إلى أن المؤسسة العسكرية, وعلى الرغم من أنها تتمتع بقدرة هائلة فيما يتعلق بالقوة العسكرية, إلا أن الركون إلى وزارة الدفاع بحجة قدرتها على تحقيق الأهداف لا بد من أن يشوه صورة السياسة الخارجية الأميركية.

5 . إدامة التفوق العسكري الأميركي، إذ اتجهت الإدارة الأميركية نحو إدامة تفوق القوات المسلحة، وتطوير خبراتها، وإعادة بعض التعديلات على تشكيلاتها، وحجمها، وتسليحها بغية التقليل من الإنفاق عن طريق بناء جيش ذكي وصغير الحجم يعتمد على الجانب التكنولوجي والبرامج المتطورة، وهذا من شأنه أن يخلق بيئة عسكرية ملائمة لأداء المؤسسة العسكرية التي من شأنها الحفاظ على الأمن القومي.

أكد على تلك الأهداف مقولة “ناي”, في ضرورة انتهاج الولايات المتحدة الأميركية سياسة “القوة الذكية”, حيث قال: “إنه، وإن أمكن الوصول للأهداف من خلال القوى الخشنة، من استعمال القوة من قبل القوى الكبرى، إلا أنه قد يشكل خطراً على أهدافها وتطلعاتها الاقتصادية والسياسية، وحتى الثقافية”. لذا، فإن الولايات المتحدة “إن أرادت أن تبقى قوية، فعلى الأميركيين أن ينتبهوا إلى قوتهم الناعمة”.

كما قال “ناي”: “بات بمقدور دولة كالولايات المتحدة الأميركية أن تحصل بالقوة الناعمة أو الرخوة، على النتائج ذاتها التي تريدها في السياسة الدولية، لأن الدول الأخرى غالباً ما تريد اللحاق بها، أو اتباع نموذجها أو تقليده، إعجابًا بقيمها، أو تقليدًا صرفاً لذات النموذج والقيم، أو تطلعاً من لدنها لإدراك مستوى ازدهارها ورفاهيتها وانفتاحها”. من ثم ليس هناك داعي لاستخدام أميركا اللجوء للقوة العسكرية أو الاقتصادية لتركيعهم.

وقد أكد معهد “بروكينغز”، منذ صيف العام 2008، أن “تغيراً ما، يجب أن يلحق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة على الصعيد العالمي، في مرحلة ما بعد الرئيس بوش، ينطوي على إنهاء عسكرة السياسة الخارجية الأميركية، بتحويل الولايات المتحدة إلى شريك دولي، يمكن الاعتماد عليه، عبر عدة آليات، تندرج جميعها في فئة القوة الناعمة، وأهمها التركيز على جهود حفظ السلام عالمياً”.

ساهمت وزير الخارجية الأميركية السابقة (هيلاري كلينتون) في التأكيد على هذا المصطلح من خلال مقال لها يحمل عنوان: “القيادةالمدنية.. اعادة تعريف الدبلوماسية والتنمية الأميركية”، المنشور في مجلة (Foreign Affairs), حيث ذكرت فيه: “أن أبرز مهامها كوزيرة لخارجية الولايات المتحدة الأميركية تتمثل في تحقيق الأتساق والاندماج والتنمية، وتشديد الأهمية على ذلك بالقدر نفسه الذي تحظى به القدرات الدفاعية الأميركية”, وأكدت على إن ترسيخ مفهوم “القوة الذكية” كنهج جديد لحل المشكلات العالمية لن يتحقق دون تعزيز القوة الأميركية المدنية وتوسيعها إلى أبعد أمد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1 . يمنى سليمان، القوة الذكية – المفهوم والأبعاد: دراسة تأصيلية، المعهد المصري للدراسات (اسطنبول: المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، “كانون ثان” يناير 2016).

2 . د. شريف علي محمد, القوة الذكية في الفكر الأميركي “جوزيف ناي: القوة الذكية”، مجلة كلية الملك خالد العسكرية “الإلكترونية” 0/10/ 2009.

3 . د. كريم أبو حلاوة، سياسات القوة الذكية ودورها في العلاقات الدولية، مركز دمشق للأبحاث والدراسات (دمشق: مركز دمشق للأبحاث والدراسات،  2015).

4 . إيمان مصطفى أحمد، القوة الذكية في السياسة الخارجية، موقع فكر، (آذار) مارس ٢٠١٦.

http://www.fekr-online.com/article/%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A9-

5 . أيمن عبد الكريم حسين، القوة الناعمة وتوظيفها في الاستراتيجية الأميركية الشاملة تجاه الشرق الأوسط، مركز البيان للدراسات والتخطيط (مركز البيان للدراسات والتخطيط، 28-07-2016).

6 . عمار حميد ياسين، دراسة مقارنة بين توظيف القوة الصلبة والناعمة، نماذج مختارة، كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد، 10-3-2016.

7 . يحيى اليحياوي، أوباما وأطروحة القوة الذكية، الجزيرة نت، (تشرين أول) نوفمبر 2013.

http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2013/11/18/%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A7-

8 . د. حمزه السلامات، مصطلح “القوة الذكية” نهج جديد في السياسة الخارجية الأميركية خلال رئاسة اوباما، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، (تشرين أول) نوفمبر 2014.

مصطلح “القوة الذكية” نهج جديد في السياسة الخارجية الامريكية خلال رئاسة اوباما

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة